انتقل إلى المحتوى

إحياء الفقه المقارن

من ویکي‌وحدت

إحياء الفقه المقارن، إنّ الارتباط الوثيق بين الفرق والمذاهب الإسلامية وعملية نشر آراء ونظرات كلّ واحد من‌ هذه المذاهب من خلال الكتب والانترنيت وأمثال ذلك من جهة، والروابط التاريخية في فقه المذاهب من جهة أخرى، يوجب على أتباع كلّ مذهب من هذه المذاهب الإسلامية مطالعة الفقه الخاص بمذهبه إلى جانب الانفتاح على فقه المذاهب الأخرى من موقع الحوار الفكري، وإنّ هذه المعرفة بالآراء الفقهية تؤدّي من جهة إلى حلّ الكثير من تعقيدات المسائل الفقهية، لأنّ الفقه المقارن يساهم مساهمة جدّية لإزالة الغموض والإبهام عن المسائل الفقهية المختلفة والامتداد في عمق هذه المسائل. ومن جهة أخرى يؤدّي إلى تعميق وتوثيق وشائج التقارب بين المذاهب الإسلامية وعلماء هذه المذاهب في واقع الحياة.ومن الجهة الثالثة، الوقوف أمام النعرات المذهبية وتحكيم العقلانية على الفقه والفتاوى، مضافاً إلى تعبيد أقرب الطرق للفقه من أجل الوصول إلى الواقع. ومن هنا برزت الضرورة لتدوين (الفقه المقارن)، ولذلك فقد صنّف فقهاء الشيعة الكبار منذ زمنٍ بعيد كتباً وتصانيف عديدة في مجال الفقه المقارن، ومنهم الشيخ الطوسي صاحب كتاب‌ «الخلاف»، والمحقّق الحلّي صاحب كتاب‌ «المعتبر» والعلّامة الحلّي صاحب كتاب‌ «تذكرة الفقهاء»، وأمّا من علماء أهل السنّة فيمكن الإشارة لموسوعة عبد الناصر في مصر، وهي للأسف ناقصة، وموسوعة الكويتي، والفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي، ولكن مع الأسف فإنّ أكثر هذه الكتب لا تبحث في فقه المذهب الإمامي. ولكن من الواضح أنّ ضرورة تدوين الكتب الفقهية الجديدة في دائرة الفقه المقارن، مع الالتفات إلى المسائل الجديدة في هذا العصر وخاصة على شكل دائرة معارف، تمثّل ضرورة بارزة في أجواء عصرنا الحاضر، بل من اللازم أن يقوم فقهاء المذاهب الإسلامية بدراسة المسائل الفقهية المشتركة من موقع المسؤولية والانفتاح الفكري، ومن خلال إقامة جلسات مشتركة فيما بينهم لتجسير العلاقة بين الشريعة والحياة المعاصرة وبالرغم من أنّ هذا الأمر قد ترجم على أرض الواقع حالياً حيث نجد نموذجاً من ذلك في جلسات مجمع الفقه الإسلامي في جدّة، إلّاأنّه غير كافٍ قطعاً.

تعريف الفقه المقارن

الفقه المقارن كما يظهر من عنوانه علم يقوم بدراسة المذاهب الفقهية المختلفة، ومع الالتفات‌ للروابط الموجودة بين المذاهب، ونظراً إلى هذه المقارنة تحلّ الكثير من المسائل وتفتح في وجه الإنسان آفاق واسعة من البحوث الفقهية، والجدير بالذكر أنّ الذي يقوم بدراسة المسائل الفقهية من هذا المنظار يتمكّن من تقديم أدقّ الآراء الفقهية [١].

ضرورة الفقه المقارن

إنّ الارتباط الوثيق بين الفرق والمذاهب الإسلامية وعملية نشر آراء ونظرات كلّ واحد من‌ هذه المذاهب من خلال الكتب والانترنيت وأمثال ذلك من جهة، والروابط التاريخية في فقه المذاهب من جهة أخرى، يوجب على أتباع كلّ مذهب من هذه المذاهب الإسلامية مطالعة الفقه الخاص بمذهبه إلى جانب الانفتاح على فقه المذاهب الأخرى من موقع الحوار الفكري. إنّ هذه المعرفة بالآراء الفقهية تؤدّي من جهة إلى حلّ الكثير من تعقيدات المسائل الفقهية، لأنّ الفقه المقارن يساهم مساهمة جدّية لإزالة الغموض والإبهام عن المسائل الفقهية المختلفة والامتداد في عمق هذه المسائل. ومن جهة أخرى يؤدّي إلى تعميق وتوثيق وشائج التقارب بين المذاهب الإسلامية وعلماء هذه المذاهب في واقع الحياة. ومن الجهة الثالثة، الوقوف أمام النعرات المذهبية وتحكيم العقلانية على الفقه والفتاوى، مضافاً إلى تعبيد أقرب الطرق للفقه من أجل الوصول إلى الواقع. ومن هنا برزت الضرورة لتدوين (الفقه المقارن)، ولذلك فقد صنّف فقهاء الشيعة الكبار منذ زمنٍ بعيد كتباً وتصانيف عديدة في مجال الفقه المقارن، ومنهم الشيخ الطوسي صاحب كتاب‌ «الخلاف»، والمحقّق الحلّي صاحب كتاب‌ «المعتبر» والعلّامة الحلّي صاحب كتاب‌ «تذكرة الفقهاء»، وأمّا من علماء أهل السنّة فيمكن الإشارة لموسوعة عبدالناصر في مصر، وهي للأسف ناقصة، وموسوعة الكويتي، والفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي، ولكن مع الأسف فإنّ أكثر هذه الكتب لا تبحث في فقه المذهب الإمامي. ولكن من الواضح أنّ ضرورة تدوين الكتب الفقهية الجديدة في دائرة الفقه المقارن، مع الالتفات إلى المسائل الجديدة في هذا العصر وخاصة على شكل دائرة معارف، تمثّل ضرورة بارزة في أجواء عصرنا الحاضر، بل من اللازم أن يقوم فقهاء المذاهب الإسلامية بدراسة المسائل الفقهية المشتركة من موقع المسؤولية والانفتاح الفكري، ومن خلال إقامة جلسات مشتركة فيما بينهم لتجسير العلاقة بين الشريعة والحياة المعاصرة وبالرغم من أنّ هذا الأمر قد ترجم على أرض الواقع حالياً حيث نجد نموذجاً من ذلك في جلسات مجمع الفقه الإسلامي في جدّة، إلّاأنّه غير كافٍ قطعاً.

قلّة الاهتمام بفقه أهل البيت عليهم السلام

إنّ من عجائب التاريخ الإسلامي هو أنّه بالرغم من التوصيات المؤكّدة لنبيّ الإسلام صلى الله عليه و آله فيما يخصّ اتّباع أهل بيته عليهم السلام كما هو الوارد في حديث الثقلين المتّفق عليه حيث قال: «إنّي تَارِكٌ فيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتابَ اللَّهِ وعِتْرَتي، ما إنْ تَمَسَّكْتُم بِهِما لَنْ تَضِلّوا أبَداً» [٢]. وبالرغم من قوله: «وإنّهُما لَنْ‌ يَفْتَرِقا حتّى يَرِدا عليَّ الحَوْضَ» [٣]. وأنّ النبيَّ قال صراحةً أيضاً: «عَلِيٌّ مَعَ الْحَقّ وَالْحَقُّ مَعَ عَلَيّ يَدُورُ مَعهُ حَيثُما دارَ» [٤]. وعلى الرغم من كلّ ذلك نرى أنّ أهل البيت عليهم السلام قد عاشوا بعد رحيل النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله وخاصّة في عصر بني أمية، المظلومية والإقصاء بشكل غير قابل للتصوّر! هذه المظلومية قد وصلت إلى حدٍّ أنّ أكبر شخصية من أهل البيت عليهم السلام أي الإمام عليّ عليه السلام الذي يمثّل جبل العلم والأسوة الحسنة للتقوى، وأكبر مدافع عن الإسلام؛ يواجه السبّ والإهانة وهتك الحرمة بدرجة غريبة جدّاً، ويعيش أصحابه وأتباعه مختلف أشكال الضغوط والأذى‌ ممّا لا سابق له في التاريخ!!

إقصاء أهل البيت في عصري بني أمية وبني العباس

لقد مرّت سبعون عاماً في التاريخ الإسلامي والإمام عليّ عليه السلام يسبّ على المنابر وخاصة في صلاة الجمعة [٥]. وقد كتب معاوية في كتبه إلى عمّاله: «أن برئت الذمّة ممّن روى شيئاً في فضل أبي تراب وأهل بيته» وبعد إعلانه هذا أخذ الخطباء يسبّون الإمام عليه السلام ويتبرّؤون منه بصورة علنية على منابرهم في جميع البلاد الإسلامية [٦].ونقرأ في «سير أعلام النبلاء»: بنو أمية إذا سمعوا بمولود إسمه عليّ قتلوه‌ [٧].وينقل الزمخشري والسيوطي أنّه في أيّام بني أُميّة كان الإمام عليّ عليه السلام يسبّ على أكثر من سبعين ألف منبر، وهذه السُنّة قد تركها معاوية في طيّات التاريخ الإسلامي‌، وممّا يدعو للأسف أكثر أنّه عندما أمر عمر بن عبد العزيز بترك هذه البدعة القبيحة، صاح بعض أهل المسجد: «تركت السنّة، تركت السنّة!»[٨].فكلّ هذه كانت بالرغم من أنّ رواة الأخبار نقلوا للناس حديثاً عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه قال: «مَنْ سَبَّ عَلِيّاً فَقَدْ سَبَّنِي وَمَنْ سَبَّنِي فَقَدْ سَبَّ اللَّهَ» [٩]. وأمّا في عصر بني‌ العباس فإنّ حالة أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام لم تكن بأفضل من حالتهم في زمان بني‌أمية، بل إنّ البعض يعتقد بأنّها كانت أسوأ، وبالرغم من أنّ بني‌ العباس جاؤوا إلى سدّة الحكم بشعار الحكومة العلوية «الرضا لآل محمّد» ولكنّهم لم يكونوا مستعدّين لتفويض السلطة للعلويين.

خلو مكتبات خواننا أهل السنة من كتب الشيعة

ومن المعلوم في مثل هذه الظروف أنّ الإمام عليّاً عليه السلام وأهل البيت عليهم السلام لا يعيشون تحت أشدّ الضغوط والتحدّيات فحسب، بل إنّ فقه أهل البيت عليهم السلام قد واجه أشكالًا عجيبة من الإقصاء والتهميش، بحيث أنّ شخصاً كالبخاري، الذي يعدّ من أشهر المحدّثين لأهل السنّة، ينقل في صحيحه أحاديث كثيرة عن رواة ضعفاء ترتسم عليهم علامات الاستفهام، ولكنّه لا ينقل ولا حديثاً واحداً عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام الذي اشتهر بالصدق والاستقامة بين جميع المسلمين. ويعتبر ابن حجر العسقلاني في كتابه «فتح الباري في شرح أحاديث البخاري» أنّ 80 نفراً من الرواة الذين ينقل عنهم البخاري هم رواة ضعفاء رغم أنّ ابن حجر قد سعى لتوثيقهم‌ [١٠]. أمّا في عصر خلفاء بني أمية وبني العباس فقلّما كان يتجرّأ أحد على‌ الحديث عن فقه أهل‌البيت عليهم السلام. واليوم حيث ذابت ثلوج المواقع السلبية والرؤية المجحفة بحقّ أهل البيت عليهم السلام فمع ذلك عندما نراجع المكتبات في الحوزات العلمية الشيعية نجدها زاخرة بكتب أهل السنّة والفرق والمذاهب‌ الإسلامية الأخرى، في حين أننا لا نجد في الكثير من مكتبات إخواننا أهل السنّة ولا كتاباً فقهياً أوتاريخياً أو تفسيرياً للشيعة، مع أنّ علماء الشيعة قد صنّفوا في جميع هذه المجالات كتباً وتصانيف معتبرة ومهمّة. أجل، لنعرض عن هذا صفحاً لئلّا نبتعد عن غرضنا الأصلي. على أيّة حال فنحن نرى- بحمد اللَّه- في هذا العصر ازدياد ظاهرة التفاهم والتقارب بين المذاهب الإسلامية بالنسبة للسابق، وأحد الشواهد على ذلك، حضور فقهاء الشيعة وأهل السنّة في الجلسات الفقهية في العالم الإسلامي كما هو الحال في «مجمع الفقه الإسلامي» ولهذا السبب فكّرنا في العمل على إنشاء دائرة معارف فقهية واسعة تبحث في الفقه المقارن ومع الأخذ بنظر الاعتبار المسائل المستحدثة في هذا العصر بحيث تضمّ آراء جميع فقهاء الإسلام وأدلّتهم ليتمكّن المحقّقون من الطرفين من الاطّلاع والإفتاء بما يرونه صحيحاً بعيداً عن حسّاسيّة المسائل الكلامية والعقائدية. ونأمل أن يحالفنا التوفيق الإلهي لإنجاز هذا المشروع المهم وإيصاله إلى نهايته حيث نعلم يقيناً أنّه سوف يقدّم خدمة كبيرة في مجال تطوير علم الفقه ويساهم مساهمة فعّالة في عملية التقريب بين المذاهب الإسلامية في واقع المجتمع الإسلامي.

إحياء «فقه المقارن» من جديد

إنّ الوقائع المثيرة التي ذكرناها آنفاً تحكي عن عمق جهل المسلمين، بل عن جهل علماء المذاهب الإسلامية فيما يتصل بالمذاهب الأخرى، وهذا الأمر بمثابة ناقوس الخطر لعلماء الإسلام الواعين والمخلصين، وقد أدى ذلك إلى يقظة كبار علماء المذاهب ممّا دعاهم لتأسيس مراكز التقريب بين المذاهب، وقد أرسل آية اللَّه البروجردي إلى ملك العربية السعودية رسالة ذكر فيها رواية عن الإمام الباقر عليه السلام يصف فيها حج النبي الأكرم صلى الله عليه و آله، حيث يتفق عليه جميع المذاهب الإسلامية، ليعلم الجميع من الشيعة وأهل السنّة أنّ مصدر أحكام الحج للمسلمين واحد وأنّهم مشتركون في غالبية الموارد، وقد تأسست «دار التقريب» في القاهرة بهمة بعض علماء المذاهب الإسلامية وتمّ تدوين مناسك الحج للشيعة والسنّة بشكل مقارن، وقد تحرك «حسن البنا» زعيم حركة الإخوان المسلمين وأحد أعضاء جماعة التقريب لنشر هذه المناسك في صحيفة «الإخوان» وهي الصحيفة الوحيدة التي يسمح لها بالانتشار في المملكة العربية السعودية، وذلك في موسم الحج‌ [١١].

وكانت هناك ولادة جديدة على وشك الحدوث لهذا العلم، حيث أدرك فقهاء المذاهب الإسلامية ضرورة إحياء «علم الخلاف» من جديد وفتح باب الاجتهاد، وبدأت نشاطات واسعة في مصر، تونس، دمشق، ايران من أجل إحياء وتفعيل هذا العلم بعد أن أطلق عليه «الفقه المقارن».

وكان زعيم هذه الحركة المباركة في ايران المرجع الكبير آية اللَّه البروجردي رحمه الله زعيم الحوزة العلمية في قم المقدسة، حيث كان يقول: «ينبغي أن يكون الفقه الشيعي مقترن مع آراء وأفكار الآخرين ويخرج عن حالته الخاصة ويتبدل إلى فقه مقارن، ويجب على الفقيه الرجوع إلى آراء القدماء، سواء كانوا من فقهاء الشيعة أم أهل السنّة، ثم يطرحوا رأيهم في المسألة» [١٢]. في مصر ابتدأت هذه الحركة على يد شيخ الأزهر الكبير «محمد المراغي الكبير»، حيث بحث مسألة فتح باب الاجتهاد في مقالته العلمية واقترح تخصيص كرسي لتدريس الفقه المقارن في جامعة الأزهر، وشكّل أيضاً لجنة برئاسته في دراسة قانون الاسرة تحت عنوان «الأحوال الشخصية» بدون التقيد بمذهب من المذاهب الأربعة [١٣].

ثم جاء «الشيخ عبدالمجيد سليم» الفقيه الكبير وشيخ الأزهر ووكيل دار التقريب، وعمل على تهيئة مقدمات صدور الفتوى التاريخية التي قررت جواز اتباع المذهب الشيعي والزيدي، إلى وصل الدور إلى شيخ الأزهر الكبير «محمود شلتوت»، في زمان رئاسته في تاريخ 17/ ربيع الأول من عام 1380 للهجرة في يوم ميلاد الإمام الصادق عليه السلام أصدر تلك الفتوى التاريخية رسمياً وعمل بمساعدة الاستاذ علي سايس على تدوين كتاب الفقه المقارن تحت عنوان «مقارنة المذاهب في الفقه» [١٤].وبعده جاء الشيخ محمّد محمّد المدني رئيس قسم الشريعة في جامعة الأزهر وأدخل الفقه الشيعي في دورة «الفقه المقارن» في جامعة الأزهر وبذلك برز تحول جديد وانفتحت آفاق واسعة على المحققين الإسلاميين وكتبت في هذا الصدد سلسلة مقالات قيمة تحت عنوان «أسباب اختلاف الفقهاء» ونشرت‌ [4] في «مجلة رسالة الإسلام» [١٥].

ثمرات الفقه المقارن في العصر الراهن

إنّ «الفقه المقارن» وبعد تجديد حياته منذ زمان الشيخ محمّد محمّد المدني ولحدّ الآن يدرّس بوصفه مادة علمية في جامعة الأزهر، وترتبت عليه آثار معطيات إيجابية كثيرة، وهنا نشير إلى أهم تلكم المعطيات والثمرات:

رفع الحواجز المزعومة بين المذاهب الإسلامية

إنّ التحرر الفكري والخروج من دائرة التعصبات المذهبية الضيقة واجتناب الحصرية الدينية، تعتبر الحجر الإساس لبداية التحوّل والابتكار والتجديد، وإحدى بركات الفقه المقارن هو تهيئة مساحات جديدة لكسر الاطر الضيقة والقيود المذهبية، فقد جاء ذلك العصر الذي خرج فيه الناس عن اطار التقييد بمذهب معين، فعلماء الإسلام وبدلًا من التعصب لمذهب فقهي خاص، تحركوا على مستوى البحث عن الدليل الأقوى في الفقه، وهذا الإقدام المبارك امتدت آثاره بسرعة في القوانين المدنية في مصر وسائر البلدان الإسلامية، بحيث إنّ حكومة مصر في عام 1920 للميلاد أخرجت القانون الشرعي المرقم 25 والذي يشتمل على الأحوال الشخصية «قوانين الاسرة» من حصر المذهب الحنفي، (وهو المذهب الرسمي لمصر) واستفادت الحكومة من سائر مذاهب أهل السنّة، وفي عام 1929 م أي بعد تسع سنوات، امتدت دائرة هذه الحرية والانفتاح لتشمل الفقه الشيعي أيضاً، حيث تمّت الاستفادة في القوانين المدنية من المذهب الشيعي. وقد أقدمت حكومة سورية أيضاً في عام 1951 م، على تدوين قوانين الاسرة على هذا الأساس، وهذا الانفتاح والتحرر من اطر الأحكام الفقهية لمذهب خاص امتد أيضاً في السنوات اللاحقة ليشمل بلدان إسلامية أخرى كالاردن، قطر، الامارات، السودان.

ورود الفقه الإسلامي في الميادين العالمية

بعد انيهار الحدود الموجودة بين المذاهب الإسلامية وخروج الفقه من الجمود والانحصار، جاءت المرحلة اللاحقة، والتي تمثلت في حضور وازدهار الفقه الإسلامي في الميادين العالمية والدولية، فبعد أن تحرك الفقه في خطوته الاولى لفت نظر الحقوقيين في العالم وتشكلت مؤتمرات عالمية للحقوق والقانون بشكل غير مسبوق، بحيث إنّ الفقه الإسلامي اعتبر في مؤتمر هولندا المنعقد في عام 1932 م بوصفه أحد القوانين المقارنة في العالم، وفي عام 1937 م وفي مؤتمر القانون المقارن في لاهاي اعتبرت الشريعة الإسلامية أحد مصادر التقنين في اوربا، وفي عام 1948 م أقرّ الحقوقيون المشتركون في مؤتمر لاهاي العالمي بالاجماع بأنّ الفقه الإسلامي يعتبر منبع القانون المقارن‌ [١٦]. وفي عام 1951 م أعلن المجمع العالمي للحقوق المقارنة اسبوعاً تحت عنوان «اسبوع الفقه الإسلامي» وأعلن أنّ الفقه الإسلامي يمثّل تراثاً عظيماً زاخراً بالمفاهيم والمعلومات الحقوقية ويملك الصلاحية للإستجابة لجميع حاجات الإنسان في حركة الحياة المعاصرة. وفي عام 1972 م وفي مؤتمر دمشق العالمي تمّ تقديم مقترح يبيح للدول الاوربية الاستفادة من القوانين الإسلامية في تشريعاتهم‌ [١٧].يقول العالم السويسري «مارس بوازار» في كتابه:«إنّ أهل الخبرة والنظر في القرون الوسطى كانوا كلّما يشهدون ركوداً في القوانين المسيحية، يستفيدون من الفقه الإسلامي وأحكامه الحقوقية، وفي القرن الثالث عشر للميلاد كانت مباني الفقه الإسلامي مورد البحث والدراسة والتحقيق في عدّة جامعات علمية في اوربا» [١٨]. ويضيف كذلك: «والآن في عالمنا المسيحي نشهد ميلًا باتجاه القوانين الإلهيّة ونقترب بذلك من موضع المسلمين، لأنّهم أدركوا بالتجربة أنّ الأحكام الإلهيّة الثابتة هي الأحكام الوحيدة المصونة عن تدخل الأهواء وقوى الظلم والثروة والنفوذ»ا[١٩].

كشف أرجحية الفقه أهل البيت في الأوساط المجتمع الإسلامي

إنّ بداية نفوذ فقه أهل البيت عليهم السلام وظهوره في جامعة الأزهر الشريف كان على يد آية اللَّه‌ البروجردي رحمه الله وذلك عندما أرسل كتاب المبسوط للشيخ الطوسي والمختصر النافع للمحقق الحلي إلى علماء الأزهر، وكان اهتمام علماء الأزهر بهذين الكتابين إلى درجة أنّ وزارة الأوقاف المصرية أمرت بطبع كتاب «المختصر النافع» وتوزيعه على المسلمين مجاناً [٢٠]. وهذه الحركة أدت بالتالي إلى اعلان الشيخ محمود شلتوت (شيخ الأزهر الكبير) رسميّاً وفي مقابلة صحفية، أرجحية الفقه الشيعي في موارد عديدة، حيث قال:«وقد استطعت أنا وكثير من إخواني في التقريب وفي الأزهر وفي الفتوى وفي لجان الأحوال الشخصية وغير ذلك أن نرجّح أقوالًا وآراءً من غير مذهب السنّة مع أننا سنيّون، ومن ذلك ما أخذ به قانون الأحوال الشخصية المصري في شؤون الطلاق الثلاث والطلاق المعلّق وغير ذلك، فإنّ هذا مستمد من مذهب الشيعة الإماميّة والعمل الآن قائم عليه دون سواه» [٢١].

صدور الفتوى التاريخية لشيخ الأزهر لجواز اتباع مذهب الشيعي

لا شك أنّ صدور مثل هذه الفتوى من قِبل أحد رموز الأزهر العلمية والحقوقية، يشير إلى حدوث تحوّل عظيم في حركة الفقه الإسلامي والتي مهّد لها قبل ذلك علماء كبار كآية اللَّه البروجردي والشيخ عبدالمجيد سليم وآخرون، وهذه الفتوى بمثابة اعلان ولادة جديدة في فتح باب الاجتهاد، الذي أخرج العالم الإسلامي من دائرة المذاهب الفقهية المعروفة. وفي سفره إلى مصر التقى آية اللَّه الميرزا خليل الكمره‌اي بشيخ جامع الأزهر الشيخ محمود شلتوت وسأله عن الباعث على اصداره هذه الفتوى، ويقول الميرزا خليل نقلًا عن قول الشيخ شلتوت مفتي مصر الأكبر:«منذ مدّة من الزمان وتقريباً قبل ثلاثين عاماً تحركت لدراسة فقه الإماميّة وطلبت الكتب الفقهية لعلماء الإماميّة من العراق وايران، ولكن لم تصلني هذه الكتب إلى فترة متأخرة حيث كانت مصر تقبع تحت طائلة الاستعمار وكانت الرقابة شديدة على الكتب، وقد وصلتني كتبكم بعد فتح قناة السويس وقرأتها واطلعت على مضامينها وقد تمّت الحجّة عليِّ فأصدرت تلك الفتوى (بجواز اتباع المذهب الفقهي للشيعة بوصفه أحد المذاهب الإسلامية) دون أن أقع تحت تأثير أي مقام أو كلام» [٢٢]. ويقول الشيخ محمّد جواد مغنية:التقيت في أحد أسفاري إلى مصر بالعلّامة شلتوت وكان معه جماعة من كبار علماء الأزهر أيضاً وسألت عن الباعث على فتواه بجواز التعبد بالمذهب الجعفري، فأجابني قائلًا:«اللَّه يعلم بأنني لم يكن لديّ لإصدار هذه الفتوى أية دوافع سياسية واجتماعية وغيرها، وقد كنت في مقام استنباط الأحكام الفقهية، وعندما كنت أرى بعض أدلة الفقه الشيعي وادقق النظر فيها وأرى أنّها تملك القوة والمتانة والدقّة، فهذا الأمر دفعني إلى إصدار الفتوى بجواز اتباع المذهب الشيعي، وأنا بنفسي افتي في بعض المسائل الفقهية على أساس فقه المذهب الجعفري».ثم إنّ الشيخ محمود شلتوت التفت إلى الحاضرين وقال: «عليكم مطالعة كتب الشيعة بدقّة» [٢٣].

مواضيع ذات صلة

الهوامش

  1. لمزيد من الاطلاع انظر: موسوعة الفقه الاسلامي المقارن، مكارم الشيرازي، ج1 «مكانة الفقه الإسلامي في ميدان الامم وتعامل المذاهب فيما بينها»
  2. عيون أخبار الرضا، ج 2، ص 34؛ إرشاد المفيد، ج 1، ص 233؛ مستدرك الحاكم، ج 3، ص 148؛ مجمع الزوائد، ج 9، ص 163
  3. تحف العقول، ص 459؛ بحارالأنوار، ج 22، ص 104 ومابعدها؛ مستدرك الحاكم، ج 3، ص 148؛ مجمع‌الزوائد، ج 9، ص 163
  4. من لا يحضره الفقيه، ج 3، ص 498؛ الاحتجاج للطبرسي، ج 1، ص 97؛ بحار الأنوار، ج 29، ص 343؛ مجمع الزوائد، ج 7، ص 235؛ شرح نهج‌البلاغة لابن أبي الحديد، ج 2، ص 297
  5. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 11، ص 44
  6. النصائح الكافية، ص 72
  7. سير أعلام النبلاء، ج 5، ص 102
  8. النصائح الكافية لمحمّد بن عقيل، ص 116؛ العتب الجميل، ص 74 وكتب أخرى
  9. أورد الحاكم النيسابوري هذا الحديث في مستدرك الصحيحين، ج 3، ص 12، واعتبره حديثاً صحيحاً
  10. مقدمة فتح الباري، ص 1. واعتبر «الهرساوي» صاحب كتاب الإمام البخاري أكثر دفاعيات ابن حجر وأدلته لا أساس لها (الإمام البخاري، ص 513
  11. همبستگى مذاهب اسلامى، (ائتلاف المذاهب الإسلامية)، ص 10 (بالفارسيّة)
  12. مجله حوزه، (مجلة الحوزة)، العدد 43 و 44، ص 176 (بالفارسيّة)
  13. مقارنة المذاهب في الفقه، ص 5 و 6
  14. الشيخ محمود شلتوت طلايه‌دار تقريب، بي آزر الشيرازي، ص 191 وما بعد (بالفارسيّة)
  15. تطبع وتنشر هذه المجلة في مصر بهمة علماء دار التقريب
  16. مقدمة كتاب شرح كتاب النيل، ج 1، ص 30
  17. موسوعة فقه إبراهيم النخعي، مقدمة، ج 1، ص 5 و 6
  18. اسلام در جهان امروز، (الإسلام المعاصر)، ص 244 (بالفارسيّة)
  19. لمصدر السابق، ص 247
  20. الشيخ محمود شلتوت طلايه‌دار تقريب، ص 182 (بالفارسيّة)
  21. مجلة رسالة الإسلام، لسنة 11، ص 220
  22. كتاب حج وقبله (كتاب الحج والقبلة)، ص 130- 132 (بالفارسيّة)
  23. مجله تقريب مذاهب اسلامى (مجلة تقريب المذاهب الإسلامية)، العدد 5، ص 44 (بالفارسيّة)

المصدر

[موسوعة الفقه الاسلامي المقارن، مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر، ج1، ص79 الى ص110.