محمد تقي البهجت
| محمد تقي البهجت الفومني | |
|---|---|
| التفاصيل الذاتية | |
| مكان الولادة | فومن، رشت |
| مكان الوفاة | قم |
| الأساتذة | |
| الدين | الإسلام، الشيعة |
| الآثار |
|
| النشاطات | فقيه، عارف، مرجع تقليد |
آية الله محمد تقي البهجت الفومني، فقيه، عارف، مرجع تقليد شيعي، ومن أبرز تلاميذ السيد علي القاضي ومحمد حسين الغروي الأصفهاني. بدأ آية الله البهجت مراحل العرفان والسلوك منذ سن مبكرة، وكانت له كرامات ومكاشفات غيبية. ترك آثاراً قيمة في موضوع الفقه والأصول مثل «مباحث الأصول». الشهيد مرتضى المطهري، آية الله الجوادي الآملي، محمد تقي المصباح اليزدي من تلامذته.
الميلاد
في ليلة الجمعة الخامس والعشرين من شوال سنة 1334 هجرية قمرية (الموافق 24 أغسطس سنة 1916 م)، امتلأ بيت كربلائي محمود بالنور والفرح. في تلك الليلة المنيرة، وُلد طفل أضاء بعد سنوات قلب حشود من محبي العلم والمعرفة، وشيعة آل العصمة والطهارة (عليهم السلام): آية الله الحاج الشيخ محمد تقي البهجت. كان كربلائي محمود رجلاً صالحاً، حسن السمعة، موثوقاً لدى أهل فومن، وبوحي من هاتف نادى في أذنه في شبابه، سمى مولوده الجديد «محمد تقي».
أول حدث مهم في حياة محمد تقي كان وفاة والدته عندما كان عمره ستة عشر شهراً. وفاة الأم جعلت الأسرة في حداد، ومنذ ذلك الحين، قامت أخته الكبرى مقام الأم. في طفولته المبكرة، كان محمد تقي رفيق والده في خلوتهم، وكان يرى كيف ينبعث حب أهل البيت الأطهار (عليهم السلام) من قلب والده الحزين، ويتحول على الورق إلى مراثي يرددها الثكالى على عزاء الحسيني (عليه السلام) وينعشون بها مجالسهم. كان محمد تقي في كل هذه اللحظات رفيق والده، وفي بعض الأحيان كان يرثي هو نفسه، وربط قلبه بذلك الشهيد العشق تدريجياً، وظل حزن ذلك الإمام المظلوم في روحه حتى نهاية عمره. قادته تلاوة المراثي الحسينية في أزقة فومن إلى زاوية هادئة في كُتَّاب الملا حسين الكوكبي الفومني، وجلس يتلو آيات القرآن المفعمة بالحيوية. في ذلك الصمت المثير، تعرف على النغمة الملكية «الحمد لله رب العالمين». ثم بدأ يتلو الآيات البينات بحماس، وحفظ سوراً من القرآن الكريم بشوق. لكن روحه الظمأى ظلت تبحث عن صفاء المعرفة، ولم تكن كؤوس الألفاظ والحروف ترويه.
لذلك دخل الحوزة العلمية في فومن لتتعرف أذنه على معاني آيات القرآن الكريم وعلوم أحاديث الأئمة الأطهار (عليهم السلام). في نفس الحوزة الصغيرة ولكن الغنية بالمناقشات والحوارات العلمية، خطى خطواته العلمية والمعنوية الأولى. بجدية لا توصف وشغف عجيب، تعلم الدروس الحوزوية إلى جانب بعض النصوص الفارسية مثل بوستان، كلستان، كليلة ودمنة، وخلال سبع سنوات من السعي المتواصل، أصبح من بين أفضل تلاميذ الأساتذة. لكن هذا المقدار لم يكن كل ما حصل عليه محمد تقي من الحوزة العلمية في فومن. تزينت هذه الفترة بلحظات نقية من اكتساب المعرفة والأخلاق وتزكية النفس والاستفادة من علماء مثل آية الله الحاج الشيخ أحمد السعيدي الفومني. كانت لحظات حضور صلاة ذلك العالم الجليل، التي كانت تتجاوز الخشوع والخضوع الرباني إلى حالات عجيبة وغامضة في مناجاته العاشقة مع الله، تصحبها روعة معنوية لم تمح من ذاكرة الإمام والمأموم.
في جمادى الثانية سنة 1348 هجرية قمرية (الموافق سنة 1929 م)، حان وقت الهجرة من ديار الآباء. لا شك أن محمد تقي كان في لحظات خلوته مع أساتذة الحوزة العلمية في فومن - الذين كانوا من خريجي النجف - يذكر مجالس دروس الحوزة العلمية العراقية أيضاً، مما كان يثير ابتهاجه ويأخذ قلبه المشتاق إلى نقاء حرم الإمام علي (عليه السلام) والإمام الحسين (عليه السلام)، فيقف عند تلك القبور المنيرة. تلك المجالس والمناقشات أثارت شوق الطالب الفومني إلى العتبات المقدسة لدرجة أنه قرر أخيراً الهجرة، فتوجه إلى ديار المعصومين (عليهم السلام).
قصة اختيار الاسم
رويت قصة جميلة عن اسم آية الله البهجت على لسان أحد أقاربه، يذكرها هنا لطافتها: مرض والد آية الله البهجت في سن 16-17 سنة بسبب وباء الكوليرا، وتدهورت حالته حتى فقد الأمل في بقائه على قيد الحياة. قال: في تلك الحال سمعت فجأة صوتاً يقول: «لا تعبأوا به، لأنه والد محمد تقي». فغلب عليه النوم حتى اعتقدت والدته التي كانت تجلس بجانب سريره أنه توفي، لكنه استيقظ بعد فترة وتحسنت حالته حتى تعافى تماماً. وبعد عدة سنوات من هذه الحادثة، قرر الزواج، وقد نسي تماماً الكلمة التي قيلت له أثناء مرضه. بعد الزواج، سمى ولده الأول باسم والده «مهدي». الولد الثاني كان بنتاً. عندما رزقه الله الولد الثالث، سماه «محمد حسين». وعندما رزقه الله الولد الرابع، تذكر تلك الكلمة التي سمعها أثناء مرضه، فسماه «محمد تقي»، لكنه سقط في حوض ماء وهو صغير وتوفي. حتى سمى أخيراً ولده الخامس «محمد تقي»، وهكذا تم تحديد اسم آية الله البهجت.
بدأ المسير
هاجر محمد تقي في سن الثالثة عشرة لتستقر روحه المضطربة في بارگاه الأئمة المعصومين (عليهم السلام) ويقر ذهنه الباحث في الحوزة العلمية هناك. عندما رأى الأب شوق ولده الفاضل، أرسله إلى كربلاء مع أحد أصدقائه الموسرين الذي كان ينوي زيارة العتبات المقدسة. لكن محمد تقي فشل في الخروج من الحدود في السفر الأول، ومنعه ضباط الحدود بدعوى عدم مرافقة الوالدين أو عدم وجود جواز سفر. ورغم أن هذا الأمر آلم روحه المشتاقة، إلا أن تذكره لحدث معنوي في طفولته جعله متأكداً من أنه سيذهب إلى كربلاء، وهكذا حدث؛ استطاع أخيراً أن يقبل التراب المقدس في كربلاء. كان عمر محمد تقي في ذلك الوقت يقترب من أربعة عشر عاماً، ورغم نضوج روحه وكثرة علمه، إلا أنه لم يكن قد بلغ سن التكليف بعد. دخل محمد تقي منزل عمه الذي كان مقيماً في كربلاء آنذاك، وبعد حوالي سنة دخل المدرسة وسكن في إحدى الغرف. كانت حوزة كربلاء العلمية في ذلك الوقت تضم أساتذة كبار، درس محمد تقي في هذه السنوات الأدب العربي وجزءاً من كتب الفقه والأصول، وفي السنة الثانية من إقامته في كربلاء، بحضور والده الكريم الذي تشرف بزيارة كربلاء، ارتدى لباس رجال الدين عند حضرت آية الله الحاج الشيخ جعفر الحائري الفومني. مرت أربع سنوات في كربلاء المقدسة بجهود متواصلة في اكتساب العلم والمعرفة؛ جهود صاحبتها تزكية النفس واكتساب مكارم الأخلاق بالاستعانة بفيوضات حضرة سيد الشهداء (عليه السلام).
الهجرة إلى النجف
تحولت فترة النشاط المتقد في الحوزة العلمية بكربلاء إلى فترة شوق الهجرة إلى حوزة النجف العلمية ومجاورة العتبة الملكية لأمير المؤمنين ومولى الموحدين، علي (عليه السلام). كان محمد تقي قد قرأ جزءاً من دروس السطح الحوزوي، وكان يبحث عن مبتغاه في الحوزة العريقة والكبيرة في النجف، وأخيراً في سنة 1352 هجرية قمرية (الموافق سنة 1933 م)، وبعد أربع سنوات من وجوده في كربلاء، توجه إلى النجف. كانت حوزة النجف المهيبة والقديمة في ذلك الزمان مقام العلماء، ومجلس الفقهاء، ومأوى العرفاء.
سلم الشيخ محمد تقي نفسه لمحيط الحوزة العلمية اللامحدود في النجف ليصطاد جوهرة العلم من ذلك البحر الهائج. أنهى أولاً الأجزاء الأخيرة من السطح العالي للعلوم الحوزوية عند أساتذة مثل الشيخ مرتضى الطالقاني، السيد هادي الميلاني، الحاج السيد أبو القاسم الخوئي، الشيخ علي محمد البروجردي، السيد محمود الشاهرودي، ثم دخل دروس الخارج في الفقه والأصول. للتحصيل في دروس الخارج، تتلمذ عند أساتذة من الطراز الأول في النجف وأعمدة الفقه والأصول ومعارف أهل البيت (عليهم السلام) مثل آية الله آقا ضياء العراقي وآية الله الميرزا النائيني في الأصول، وآية الله الشيخ محمد كاظم الشيرازي في الفقه، واستقر في محضر بحر الحكمة العميق وقمة العلم الشامخة، الحكيم الكبير الجليل، فقيه أهل البيت (عليهم السلام) والفيلسوف المجاهد، آية الله الغروي الكمباني، وبقي سنوات طويلة. كما استفاد كثيراً من دروس الفقيه البارز آية الله السيد أبو الحسن الأصفهاني.
جعلت دقة النظر، والذكاء، والإبداع العقلي في اكتساب العلم، والاهتمام بالنقاط الدقيقة في الدروس، من هذا الطالب الفومني شخصية متميزة وبارزة، ورفعته في عيون وقلوب الأساتذة والزملاء. بالإضافة إلى الفقه والأصول، كان الشيخ محمد تقي يهتم بالفلسفة والعلوم العقلية أيضاً. لهذا تعلم كتب الفلسفة المهمة مثل «الإشارات والتنبيهات» و«الأسفار» عند آية الله السيد حسين بادكوبهاي.
بالتدريس، أصبح من الفضلاء والمدرسين للمستويات العليا في الحوزة، وكان التعاون مع المحدث الكبير الحاج الشيخ عباس القمي في تأليف كتاب سفينة البحار من بين أنشطته العلمية والمعرفية الأخرى في تلك السنوات. لكن استفادته من أساتذة وكبار حوزة النجف لم تقتصر على اكتساب العلم والمعرفة، بل شكلت مجالسته الروحية مع أصحاب القلوب والمعرفة تجاربه العرفانية والمعنوية الأولى. بالإضافة إلى كل الجهود والمجاهدات والاستفادة من علماء وآيات العراق، فإن شخصيتين بارزتين علمياً وروحياً في حوزة النجف كان لهما تأثير أعمق على شخصية آية الله البهجت: العلامة الكبير، آية الله الغروي الأصفهاني المشهور بالكمباني، وآية الله الميرزا علي القاضي. كان حضرت آية الله الغروي الأصفهاني ذا فكر ثاقب ونافذ ودقيق، واستفاد آية الله البهجت لسنوات من ذلك الأستاذ الفريد، وكان يتعلم وينقد ويتقدم باستمرار في محضر درسه؛ حتى أصبح من أفضل تلاميذ ذلك الفقيه الحكيم والكبير. بالإضافة إلى الاستفادات العلمية من ذلك الأستاذ، نال آية الله البهجت فيوضاته المعنوية أيضاً، وتأثر بشدة بأستاذه الجليل علمياً وروحياً، وكان هذا التأثير واضحاً جداً في سلوكه العلمي والروحي. كذلك كان للعارف الشهير والسالک الفريد، حضرت آية الله الميرزا علي القاضي، تأثير كبير على المنهج العرفاني واكتساب المراتب المعنوية لآية الله البهجت. ففي الحقيقة، عندما دخل النجف الأشرف في سن الثامنة عشرة، وجد مبتغاه في وجود هذا الأستاذ الكبير، وتتلمذ لسنوات في محضره المفيض لذلك البحر من العرفان والمعنى. وكان آية الله القاضي يعتني بهذا التلميذ المستعد الباحث عن الحقيقة، وكان يناديه بمودة ومحبة «فاضل گيلاني».
كانت الفترة المباركة والمليئة بالأحداث للوجود في النجف الأشرف فرصة ذهبية للشيخ محمد تقي ليجتهد بكل قواه في تزكية النفس واكتساب العلم؛ لكن الانشغال الشديد والدراسة الليلية والنهارية كان يلقيه أحياناً في الفراش بسبب المرض. لذلك كان يضطر من حين لآخر إلى الذهاب إلى الكاظمية وسامراء وكربلاء لتغيير الجو وحماية جسده النحيل من الأضرار.
العودة إلى الوطن والإقامة في قم
أخيراً، بعد ستة عشر عاماً من الإقامة في جوار المراقد المنيرة للأئمة الهداة (عليهم السلام)، والنشاط الفاعل والجهود الدؤوبة في اكتساب العلم والمعرفة، والتتلمذ على أيدي أساتذة الطراز الأول في حوزة النجف، وسنوات من التدريس والبحث، مع حصوله على درجة الاجتهاد، عاد إلى موطنه بصدر مليء بالعلم والمعرفة وقلب مفعم بالشوق والاهتمام، لعلاج ما أصابه من تعب وآلام نتيجة الرياضة والشدة على النفس. شهر جمادى الثانية سنة 1364 هجرية قمرية (الموافق سنة 1945 م) هو تاريخ عودة آية الله البهجت إلى إيران وهو في سن أقل من ثلاثين عاماً. لم يمض وقت طويل على عودته إلى وطنه حتى تزوج بناءً على اقتراح أخته الكبرى التي كانت بمثابة الأم له.
بعد عدة أشهر من الإقامة في فومن، عزم مرة أخرى على السفر إلى النجف؛ لكنه هذه المرة قرر أن يقيم فترة في مدينة قم المقدسة في طريقه، وأثناء معاملات جواز السفر، ليتعرف أكثر على حوزة قم العلمية؛ ثم يتوجه إلى النجف. لهذا غادر إلى قم في شهر شوال سنة 1364 هجرية قمرية (الموافق سنة 1945 م). لم يمض وقت طويل على وجوده في قم حتى رحل والده الحنون إلى الدار الآخرة في 28 صفر سنة 1365 هجرية قمرية (الموافق سنة 1946 م)، وهو مطمئن على مستقبل ولده، تاركاً إياه حزيناً على وجوده الحبيب والكريم. صاحب شهور الإقامة في قم أخبار سيئة كانت تصل من النجف. كانت وفاة آية الله السيد أبو الحسن الأصفهاني في ذي الحجة سنة 1365 هجرية قمرية، وحضرت آية الله الميرزا علي القاضي في ربيع الأول سنة 1366 هجرية قمرية، أخباراً موجعة جعلت الفاضل گيلاني في حداد. كان الآن هو وذكرياته الكثيرة عن ليالي النجف وأيامها وما كان يختزنه في قلبه من أساتذته الروحيين والجليلين. هذه الأخبار ووفاة والده جعلته يسكن في جوار حرم كريمة أهل البيت، حضرت فاطمة المعصومة (سلام الله عليها)، ويستمتع برائحة الزهور. كان لحضور آية الله البهجت في مدينة قم المقدسة تجليات بارزة ومظاهر متنوعة في مجالات مختلفة. أول مرحلة من حياته كانت الحضور في دروس الخارج لمراجع التقليد في ذلك العصر.
حوزة قم العلمية التي مضى على إحيائها حوالي 24 سنة بجهود آية الله الحائري السامية، كانت قد تحولت بحضور العلماء والمجتهدين البارزين، وخاصة بعد دخول آية الله البروجردي (رحمة الله) الذي لم يمض على وجوده سوى بضعة أشهر، إلى حوزة قوية وحارة. آية الله البهجت على الرغم من أنه كان مجتهداً معروفاً عند دخوله إلى قم، إلا أنه حضر دروس الخارج لآية الله حجة كوه كمرهاي وكذلك درس آية الله البروجردي، من أجل المزيد من الرواج لدروس الخارج واحتراماً للأساتذة البارزين في الحوزة، وأصبح من أبرز الحاضرين في درس ذلك المرجع، وسرعان ما اشتهر كأحد أهم وأدق المعترضين في درسه. لهذا، أمسك عن النقد والإشكال العلمي لئلا يبرز ويلفت إليه الانتباه.
كما اشتغل بالتدريس بعد دخوله إلى قم، وبعد حوالي سنة، شرع في تدريس الخارج في الفقه والأصول، واستمر لأكثر من ستين عاماً حتى آخر أيام عمره المبارك. في السنوات الأخيرة، كان يشتغل صباحاً بتدريس الخارج في الفقه وبعد الظهر بتدريس الخارج في الأصول، وبدافع الابتعاد عن الشهرة، جعل غرف المدارس ثم منزله مكاناً للتدريس؛ لكنه أخيراً أصر على إقامة دروسه أولاً في مسجدين صغيرين، ومنذ سنة 1375 شمسية (1996 م) في مسجد فاطمية، واستمر في التدريس في هذا المكان المقدس حتى نهاية عمره.
الجانب البارز الآخر من أنشطة آية الله البهجت في قم كان إقامة مجالس العزاء، التي استمرت لأكثر من أربعين عاماً حتى نهاية حياته الشريفة. كانت مجالس عزاء أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) تقام من قبله أولاً في المنزل، وبعد قبول مسؤولية المرجعية، في مسجد فاطمية الصغير ولكن الصافي، وكان يحضر هذا المجلس بإصرار في أشد أيام السنة حرارة وبرودة، وحتى في أسوأ حالاته الصحية حتى أواخر عمره، ويبكي على مظلومية ذلك الإمام الشهيد. وفي الصيف أيضاً عندما كان يشرف على مشهد المقدسة، كان هذا المجلس يقام. وكأن إصراره على إقامة وحضور مجلس العزاء كان حرصاً منه على العمل بوصية أستاذه الذي قال: «لا تترك مجالس العزاء الأسبوعية لأبي عبد الله الحسين».
كان مجلس العزاء الأسبوعي الخاص به محفل جميع المخلصين والمحبين لأهل بيت العصمة والطهارة (عليهم السلام)؛ أولئك الذين كانوا يأتون من مدن مختلفة من البلاد بدافع الشوق للمشاركة في عزاء أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) في هذا المحفل، وكانت دموع حزنهم على الحسين تمتزج بدموع شوقهم لرؤية هذا المرجع الجليل.
اسم آية الله البهجت يستحضر في الأذهان الصلاة والمناجاة. كان لهذا الاستحضار والارتباط سببان على الأقل: الأول حالات ذلك الناسك الإلهي المتصوف وروحانيته أثناء الصلاة، والسبب الآخر اهتمامه الشديد بإقامة صلاة الجماعة في كل أيام وأوقات السنة، والتي كان يحضرها منذ البداية كبار وصفوة علماء الحوزة. كان يقيم أولاً جميع الصلوات الخمس جماعة في مسجد فاطمية؛ لكنه في السنوات الأخيرة من عمره، بسبب كبر السن، اكتفى بإقامة صلاتي الظهر والعصر جماعة. لا تتسع أي كتابة لعظمة وروعة صلاة جماعته في مسجد فاطمية، ولا يمكن لمن أدرك تلك العظمة والروعة المعنوية إلا أن يصف لمحة منها. ذكرى تلك الأيام والليالي التي كانت صفوف الصلاة تمتد من صحن المسجد إلى الفناء والشوارع، لن تمحى من ذاكرة المصلين في مسجد فاطمية، وكم من شيوخ وشبان يتوقون لتلك اللحظات الروحية النقية.
من برامجه الدائمة والجميلة الأخرى كان حضوره اليومي في الحرم الملكي لحضرة فاطمة المعصومة (سلام الله عليها). كان حتى نهاية حياته المليئة بالنور والبركة، وعن عمر يقارب التسعين عاماً، يذهب كل يوم بعد صلاة الفجر وتعقيباتها لزيارة ضريح فاطمة المعصومة سلام الله عليها، ثم كان يناجي عاشقاً في خلوتها في زاوية من الحرم الشريف، فيقرأ الزيارات ويقيم الصلاة.
الآثار العلمية
كان الجهد العلمي المتواصل من خصائص ذلك المرجع الجليل للشيعة. لحضرت آية الله البهجت مؤلفات عديدة في الفقه والأصول، لكنه لم يقم بنفسه بطبع معظمها. عندما أرادت مجموعة من المؤمنين طبع آثاره دون استخدام الأموال الشرعية، قال لهم: «ما زالت العديد من كتب كبار العلماء مخطوطة منذ سنوات؛ فاطبعوها. لم يفت الأوان بعد على هذه الكتب». لكن ما خطته قلمه القوي وفكره المنير على الورق وطبع، يحكي عن عمق أفكاره الفقهية.
بعض الآثار المطبوعة والمخطوطة لذلك الفقيه المتصوف هي:
- مباحث الأصول (دورة الأصول كاملة)؛
- حاشية على مكاسب الشيخ الأنصاري (ره) وتكميلها حتى نهاية المتاجر؛
- المجموعة الفقهية «بهجة الفقيه»، وتشمل كتب الطهارة، الصلاة، الزكاة، الخمس والحج؛
- حاشية على مناسك الشيخ الأنصاري (ره)؛
- رسالة توضيح المسائل (فارسية وعربية)؛
- مناسك الحج؛
- وسيلة النجاة: هذا الكتاب يحتوي على آرائه في بعض أبواب الفقه التي وردت في متن كتاب «وسيلة النجاة»، تأليف آية الله السيد أبو الحسن الأصفهاني (ره)، وطبع مجلده الأول؛
- جامع المسائل: دورة الفقه الفتوائي، هي حصيلة تأملات خمسة وعشرين عاماً لهذا الفقيه من أهل البيت في مقام الإفتاء، فريدة من نوعها. جزء منه حاشية على كتاب «ذخيرة العباد» للمرحوم الشيخ محمد حسين الغروي، طبع في خمسة مجلدات؛
- أشعار عرفانية وأخلاقية.
الوفاة
كانت الأيام الأخيرة من شهر مايو سنة 2009 م، آخر أيام انتظار الوصول إلى جنة اللقاء. كان في كل سنوات حياته المباركة بكل كيانه وجسمه المتعب النحيل وروحه الظمأى المتعبة، يتمنى الوصال الأبدي. بالنسبة له، وهو العبد الصالح لله الذي لم يفكر في كل حياته إلا في العبودية، كانت لحظة لقاء المعبود بداية اللذة الروحية المحضة. اللقاء مع سفير الله البشوش، كان نتيجة تسعين عاماً من الجهاد في سبيل الحبيب الأزلي. الاستراحة في حضن الأمن والرحمة الإلهية، نصيب ثمنه الطهارة والعبودية. لكن يوم فراقه للدنيا الترابية، كان ليلة فراق الأحبة والأصدقاء المخلصين. ذلك اليوم، بينما كانت روحه الكبيرة والفرحة تحلق في السماوات، كانت دموع آلاف المعجبين بالروحانية والتعفف تنهمر حسرة.
عندما انتشر خبر وفاة ذلك العالم الرباني في المساء، مساء يوم الأحد 17 مايو سنة 2009 م، عمت الذهول والحيرة ثم الأنين والبكاء المدينة. توافد سيل المشتاقين والمحبين للفقه والمرجعية إلى قم. لبست قم السواد، وكانت حشود المعزين تذكر بتشييع آية الله البروجردي التاريخي. حضر عامة الناس والعرفاء، الفضلاء والتجار، ومن جميع الطبقات، لتشييع جثمان رجل كان صدره مليئاً بالحب والشغف، وترك إرثاً مقدساً. وأخيراً، ووري الجثمان الطاهر لذلك الشيخ الراحل في الحرم الشريف لحضرة فاطمة المعصومة (سلام الله عليها) في مسجد بالاسر، في تراب المسك والعصمة.