الميت
الميت في اللغة: من الموت، وهو ضد الحياة وزوالها.[١] وفي الاصطلاح الشرعي: هو الإنسان الذي فارقت روحُه جسدَه وزالت عنه علاماتُ الحياة المعتادة، وهو ما يُعرف بالموت الحقيقي. وفي الفقه الإسلامي، تُطلق كلمة "الميت" على الشخص المسلم بعد وفاته، وتترتب على موته جملة من الأحكام الفقهية الخاصة.
أقسام الموت وأحكامه
الموت الحقيقي (الطبيعي أو الإكلينيكي)
وهو انقطاع التغذية الذاتية للجسد وانفصال الروح عنه، ويُعرف بزوال العلامات الحيوية مثل التنفس وضربات القلب ونبض الشرايين وانعدام نشاط الدماغ. عند تحققه، تترتب جميع الأحكام الشرعية للموت.
الموت الدماغي (الموت السريري)
وهو حالة العطب الكامل والدائم لجذع الدماغ، مما يعني فقدان الوظائف الحيوية الأساسية بشكل لا رجعة فيه، باستمرار بعض الأعضاء في العمل بمساعدة الأجهزة الطبية.
- مذاهب أهل السنة (الجمهور): يرى معظم فقهاء المالكية والشافعية والحنبلية أنه لا يُعتبر ميتاً شرعاً ما دامت بعض الوظائف الحيوية (كضربات القلب) قائمة بالآلة، فلا تجوز نزع الأجهزة أو التصرف في الأعضاء كما يتصرف في ميت كامل.[٢]
- الفقه الإمامي المعاصر: يميل كثير من فقهاء الإمامية إلى اعتباره ميتاً شرعاً إذا تحقق تلف الدماغ تماماً وكانت الحياة النباتية مستمرة بالآلة فقط، فيجوز رفع الأجهزة وتبدأ أحكام الموت.[٣]
الموت الظاهري (الغرق أو الحرق الشديد)
وهو ما يُخشى معه الهلاك، وتُجرى له أحكام خاصة من حيث جواز تكفينه والصلاة عليه ظناً بموته.
أحكام الميت المسلم
تُقسَّم أحكام الميت المسلم إلى مراحل:
أحكام ما قبل الدفن (التجهيز)
وهي واجباتٌ على الأحياء تجاه الميت، وتسمى فرض الكفاية، وهي: 1. التغسيل: يجب غسل جسد الميت المسلم (عدا الشهيد في المعركة).
- خلاف في عدد الغسلات: ذهب الحنفية والمالكية إلى ثلاث غسلات، والشافعية والحنبلية والإمامية إلى غسلين إرغاميّين وواحد اختياري (ثلاثة مع النية).[٤][٥]
2. التكفين: يجب تكفين الميت في ثوب يستر جميع بدنه.
- خلاف في تفاصيل الكفن: ذهب الحنفية إلى أفضل الكفن هو الأبيض، والإمامية يرون استحباب كفن الميت في ثوب كان قد حج فيه.[٦][٧]
3. الصلاة عليه (صلاة الجنازة):
- خلاف في عدد التكبيرات: ذهب الجمهور (الحنفية، المالكية، الشافعية) إلى أربع تكبيرات. وذهب الحنبلية إلى أربع تكبيرات مع اختلاف في الدعاء. وذهب فقهاء الإمامية إلى خمس تكبيرات.[٨][٩]
4. الدفن: يجب دفن الميت في قبرٍ لائق.
أحكام ما بعد الدفن
1. العزاء وزيارة القبور: مُستحب للتعزية والاتعاظ، مع النهي عن النياحة المحرمة. 2. إقامة الشعائر (المأتم):
- مذاهب أهل السنة: يرون جواز التعزية في ثلاثة أيام فقط، ويكرهون الاجتماع للطعام في منزل الميت (ما يعرف بالوليمة).
- الفقه الإمامي: يرون استحباب إقامة العزاء وقراءة القرآن للميت، خاصة في ليالي معينة (كالليلة الأولى والثالثة والسابعة والأربعين)، ويستحب إطعام الطعام للمعزين.[١٠]
أحكام تتعلق بتركة الميت
- تجهيز الميت: يكون من أصل تركته قبل تقسيم الإرث.
- الوصية: تنفذ الوصية في حدود ثلث التركة بعد دفع الديون وتكاليف التجهيز.
- توزيع الإرث: بعد سداد الديون وتنفيذ الوصية في الثلث، تُقسَّم البقية على الورثة حسب الفريضة الشرعية.
الخلافات الفقهية البارزة في أحكام الميت
في غسل الميت
1. غسل من به سلس بول أو غائط:
- مذاهب أهل السنة: يرون غسله كغيره مع الحشو والقضاء على الرائحة.
- بعض فقهاء الإمامية: يرون أن من به سلس دائم يُيمَّم ولا يُغسَّل، لاستحالة تطهيره.[١١]
2. من مات محرماً بالحج أو العمرة:
- مذاهب أهل السنة (الجمهور): يغسل بماء وسدر ولا يُمسَّ طيباً، ويُكفَّن في ثوبيه الإحرام.
- الفقه الإمامي: يرى البعض أنه يُغسل ويُكفن كغيره، ولا يترك دون تغسيل.[١٢]
في الصلاة على الميت
1. الصلاة على الطفل الذي لم يبلغ:
- مذاهب أهل السنة: يصلى على الطفل الذي له ست سنوات فأكثر، وقيل يصلى على من بلغ أربع سنوات.
- الفقه الإمامي: يصلى على الطفل إذا بلغ ست سنين، وقيل يصلى على من بلغ ثلاث سنين.[١٣]
2. مكان إقامة الصلاة:
- المالكية: يفضلون الصلاة في المسجد.
- الجمهور الآخر والإمامية: يفضلون الصلاة في المصلى (الجنائز) خارج المسجد.
في الدفن
1. دفن أكثر من ميت في قبر واحد:
- مذاهب أهل السنة: يجوز في حالات الضرورة (كالكوارث) مع وضع حاجز بینهما.
- الفقه الإمامي: يجوز في الضرورة مع كراهة شديدة، ويرى البعض جواز الدفن في اللحد الواحد مع تعدد الشقوق.[١٤]
2. نقل الميت بعد الدفن:
- مذاهب أهل السنة (الحنفية والشافعية): يجوز نقل الميت بعد الدفن إذا كان لمصلحة (كأن يدفن في مقبرة المسلمين).
- المالكية والحنبلية والإمامية: يكرهون النقل بعد الدفن إلا لضرورة قصوى.
أحكام خاصة بالنساء
1. حضور النساء الدفن والجنازة:
- مذاهب أهل السنة (الجمهور): يكرهون خروج النساء لتشييع الجنازة أو حضور الدفن.
- الفقه الإمامي: يجيزون للنساء حضور الدفن والتشييع دون كراهة، بل قد يكون مستحباً في بعض الحالات.[١٥]
أحكام تتعلق بالتعامل مع الميت في العصر الحديث
1. التبرع بالأعضاء من الميت:
- مذاهب أهل السنة المعاصرة: هناك تفصيل، فمنهم من أجاز التبرع إذا كان سينقذ حياة إنسان، ومنهم من اشترط موافقة الميت في حياته أو موافقة ورثته بعد موته.
- الفقه الإمامي المعاصر: فيه تفصیل، فبعض المراجع أجاز التبرع بأعضاء الميت المخزنة (كقرنية العین) بشرط إذنه في الحياة، وبعضهم منع أي انتهاك لجسد الميت بعد موته.[١٦]
2. تشريح جثة الميت لأغراض علمية أو جنائية:
- مذاهب أهل السنة: يجوز للضرورة الطبية أو القضائية مع مراعاة الحرمة.
- الفقه الإمامي: يجوز عند الضرورة القصوى (كالجناية) مع كراهة شديدة والتعويض لعائلة الميت.[١٧]
الخلاصة
أحكام الميت في الإسلام تنطلق من تكريم الإنسان حياً ومیتاً، والحفاظ على حرمة جسده، وإكرامه في انتقاله إلى الدار الآخرة. ورغم الاختلافات الفقهية بين المذاهب في التفاصیل والكيفيات، فإنها جميعاً تتفق على وجوب رعاية حقوق الميت والتكريم في تجهيزه ودفنه والدعاء له. وتظهر هذه الاختلافات في الإطار الإجتهادي الواسع الذي تسمح به الشريعة، دون أن تمس الأصول الكلية لهذه الأحكام.
الهوامش
- ↑ ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، ج 2، ص 387.
- ↑ مجمع الفقه الإسلامي الدولي، قرار رقم 5 (الدورة العاشرة)، 1997م.
- ↑ الخامنئي، علی، أجوبة الاستفتاءات، ج 2، ص 633.
- ↑ النووي، يحيى بن شرف، المجموع شرح المهذب، ج 5، ص 120.
- ↑ الطوسي، محمد بن الحسن، المبسوط في فقه الإمامية، ج 1، ص 187.
- ↑ ابن عابدين، محمد أمين، رد المحتار على الدر المختار، ج 2، ص 195.
- ↑ النجفي، محمد حسن، جواهر الكلام، ج 4، ص 7.
- ↑ القرطبي، محمد، الجامع لأحكام القرآن، ج 3، ص 45.
- ↑ الحلي، الحسن بن يوسف، مختلف الشيعة في أحكام الشريعة، ج 2، ص 500.
- ↑ الخميني، روح الله، تحرير الوسيلة، ج 1، ص 118.
- ↑ الخوئي، أبو القاسم، منهاج الصالحين، ج 1، ص 84.
- ↑ السيستاني، علی، منهاج الصالحین، ج 1، ص 112.
- ↑ النجفي، جواهر الكلام، ج 4، ص 310.
- ↑ اليزدي، محمد كاظم، العروة الوثقى، ج 2، ص 560.
- ↑ الخميني، تحرير الوسيلة، ج 1، ص 120.
- ↑ الخامنئي، أجوبة الاستفتاءات، ج 2، ص 641.
- ↑ الخوئي، أبو القاسم، صراط النجاة، ج 1، ص 430.