انتقل إلى المحتوى

الأخلاق

من ویکي‌وحدت
بدون إطار
بدون إطار

الأخلاق عنوان فرع من فروع العلوم الإنسانية الذي يُبحث فيه عن قيمة سلوكيات الإنسان. هذا العلم ليس منظورًا تاريخيًا لسلوكيات الإنسان كأمور واقعية أو محاولة لاكتشاف أسبابها وعواملها الطبيعية؛ بل دراستها من حيث المكانة التي تحتلها كل منها في نظام قيمي محدد. تظهر الأنظمة الأخلاقية كمجموعات تشمل قيمًا وتتضمن تعليمات للتحلي بالخصال الحميدة وفعل الأعمال المحمودة والابتعاد عن الأفعال المذمومة لدى العديد من الأمم القديمة، وقد شكَّلت كعلم للأخلاق في حضارات العصور القديمة المختلفة، بما فيها إيران واليونان، مسارًا متوازيًا وأفرزت أعمالًا أخلاقية بأساليب متفاوتة.

في الإسلام أيضًا، أكد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة المعصومون (عليهم السلام) بشدة على الأخلاق والحياة الأخلاقية؛ لدرجة أن الرسول الكريم جعل هدف البعثة وثمرة الرسالة إكمال مكارم الأخلاق، فقال: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ».

مصطلح الأخلاق

الأخلاق في الأصل كلمة عربية مفردها خُلْق أو خُلُق. وقد استُعملت في اللغة بمعنى الطبع والسجية؛ سواءً أكانت تلك السجية والطبع حسنةً محمودة كالمرؤة والشجاعة، أم قبيحةً مذمومة كالدناءة والجبن[١]. في لسان العرب ورد: "الأخلاق جمع خلق، وهي في اللغة بمعنى السجايا"[٢].

تعريف الأخلاق

الأخلاق هي مَلَكة أو حالة ثابتة في نفس الإنسان تصدر عنها الأفعال أو الصفات بسهولة وبدون تردد. يجب التأكيد على أن علماء علم الأخلاق قد قدموا لها تعاريف متعددة:

يذكر الشيخ الطبرسي في مقدمة كتابه «الآداب الدينية للخزانة المعينية»: «إِنَّ الْأَخْلَاقَ هِيَ مَلَكَةٌ أَوْ حَالَةٌ رَاسِخَةٌ نَفْسَانِيَّةٌ تُوجِبُ صُدُورَ الْأَعْمَالِ مِنْهَا بِدُونِ رَوِيَّةٍ وَفِكْرٍ»، و يعرّفها العلامة المجلسي بقوله: «الخُلُقُ: مَلَكَةٌ لِلنَّفْسِ يَصْدُرُ عَنْهَا الْفِعْلُ بِسُهُولَةٍ» [٣].

كما يكتب المحقق الفيض الكاشاني في تعريف الأخلاق: «هَيْئَةٌ رَاسِخَةٌ فِي النَّفْسِ تَصْدُرُ عَنْهَا الْأَفْعَالُ بِسُهُولَةٍ وَيُسْرٍ، مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى فِكْرٍ وَرَوِيَّةٍ» [٤].

ويرى الإمام الخميني أن: «الخُلُقَ عِبَارَةٌ عَنْ حَالَةٍ فِي النَّفْسِ تُدْعَى الْإِنْسَانَ إِلَى الْعَمَلِ بِدُونِ رَوِيَّةٍ وَفِكْرٍ. مَثَلًا: مَنْ كَانَتْ لَهُ خُلُقُ "السَّخَاءِ"، فَإِنَّ ذَلِكَ الْخُلُقَ يُرْغِمُهُ عَلَى الْجُودِ وَالْإِنْفَاقِ، بِدُونِ أَنْ يُكَوِّنَ مُقَدِّمَاتٍ وَيَفْكِرَ فِي مُرَجِّحَاتٍ؛ كَأَنَّهُ أَحَدُ أَفْعَالِهِ الطَّبِيعِيَّةِ، مِثْلَ الرُّؤْيَةِ وَالسَّمَاعِ»[٥].

ويذهب بعض الباحثين المحدثين إلى أن الإنسان الأخلاقي هو مَنْ تكون دائرة مُأذوناته (ما يأذن لنفسه به) أضيق من دائرة مقدراته (ما يقدر عليه). لكل إنسان سلسلة من المقدرات، أي قدرته على فعل مجموعة من الأعمال نسميها "دائرة مقدرات الفرد". ويمكن تصور دائرة ثانية للفرد الإنساني هي "دائرة مأذونات الشخص"، أي دائرة الأعمال التي يأذن الشخص لنفسه بفعلها. إذن، يمكن تصوير دائريْن لكل فرد إنساني: دائرة المقدرات ودائرة المأذونات.

منشأ الملكة والعادة الراسخة

يستدلُّ البعض بالرواية النبوية الشريفة: «مَنْ آتَاهُ اللَّهُ وَجْهًا حَسَنًا وَخُلُقًا حَسَنًا فَلْيَشْكُرِ اللَّهَ»[٦]، على أن هذه الملكة (الخُلُق أو السيرة) هي عطاء من جانب الذات المقدسة الحق، وليس للإنسان قدرة على تغييرها، وإذا كان ذا خلق حسن فعليه شكر تلك الذات المقدسة[٧].

بينما يتمسك آخرون برواية «حَسِّنُوا أَخْلَاقَكُمْ»[٨]، ليجعلوا الأخلاق أمرًا اكتسابيًّا؛ بحجة أن الأمر الموجود في الرواية يدل على قدرة الإنسان على بلوغ كمال الأخلاق وإتمامها.

ويرى كثير من علماء الأخلاق أن أصل الأخلاق موهبة إلهية، ولكن إكمالها وإتمامها بيد البشر، كما يذهب إلى هذا الموقف السيد علي خان الكبير شارح الصحيفة السجادية[٩].

النقطة الأخيرة هي الإجابة عن سؤال: «هل يستطيع الإنسان أن يعيش أخلاقيًّا؟». بناءً على الرواية المنقولة عن الإمام الصادق (عليه السلام): «النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ»[١٠]، يختلف الناس وجوديًّا عن بعضهم؛ بتعبير آخر، المعدن الوجودي للناس يختلف. لكن هذا لا يعني أن كل من له معدن وجودي طيب وجيد، سينميه ويطوره. فقد يكون قطعة نحاس نُفِّذ عليها صنعة وفنٌّ وزُيِّنت بنقوش، أغلى من قطعة فضة تُركت بكرًا دون عمل. والناس كذلك؛ فمع أن معدن الوجود قد يكون عاليًا أو متوسطًا أو عاديًّا بسبب اللطف أو الجينات أو الوراثة أو البيئة... إلخ، إلا أنه بالممارسة والمراقبة يمكن إزالة الصدأ عن سيرته وزينتها بنقوش لائقة، أو بإهمالها وإضاعتها يمكن تقليل رونقها وقيمتها أو إهلاكها بالكلية.

مناهج الأخلاق

إذا اكتفينا بتقسيم عام وشامل، نجد نوعين من المنهج الأخلاقي، هما[١١]:

  1. منهج الفلاسفة والحكماء.
  2. منهج الأنبياء والمرسلين.

المنهج الأخلاقي للفلاسفة والحكماء

للأخلاق عند الفلاسفة والحكماء أسس علمية خاصة، وهدفها تحسين أفعال الإنسان وتقبيحها في نظر الناس[١٢]. يقولون: افعل العمل الحسن لأن الناس يقولون إنه حسن، ولا تفعل العمل القبيح لأن الناس يذمونك. هل يمكن للأخلاق، بالصورة الفنية والطريقة التي ذكرها فلاسفة الأخلاق وحكماؤها كـأرسطو والفارابي وابن مسكويه وغيرهم، أن تبلغنا السعادة والكمال الحقيقيين اللذين هما هدف علم الأخلاق؟ أساسًا، السؤال المهم والجوهري هو: ما معنى السعادة والكمال؟

إذا كان الأخلاق والطريق إلى السعادة والكمال هو فقط الطريق الذي سلكه الحكيم والفيلسوف بالبرهان والاستقلال، فهو طريق صعب جدًّا. خاصة وأن كثيرًا من المبادئ والمناهج التي عرَّفها الحكماء للوصول إلى السعادة والكمال تفتقر إلى المتانة الكاملة، وهي واهية وغير موثوقة، لأن:

  • أولاً: ليست معصومة من الخطأ والاشتباه.
  • ثانيًا: مبنية على أصول وقواعد علمية غير ممكنة للجميع، فالأفراد العاديون لا يستطيعون تعلم الأخلاق العلمية.

لذلك، لا يمكن اعتبار المبادئ والأخلاق التي وضعها الحكماء أخلاقًا حقيقية وممهدة للسعادة والكمال الإنساني.

طريق ومنهج الأنبياء

مبنى الأخلاق من وجهة نظر الأنبياء هو أن فعل الخير يُدخل الإنسان الجنة، وفعل الشر يُدخله النار. للمبادئ الأخلاقية التي وضعها الأنبياء عدة خصائص جوهرية.

  1. تتوافق مع فطرة الإنسان.
  2. لأن مصدرها الوحي، فهي تتمتع باطمئنان كامل ولا خطأ فيها، لذا تستطيع إيصال الإنسان إلى السعادة والكمال.
  3. سلوكها ممكن للجميع، فالكبير والعالم بالإلهيات، وكذلك الفرد العادي الأمي، يستطيعان تعلم المبادئ الأخلاقية في الإسلام والعمل بها. المنهج الأخلاقي للأنبياء هو طريق يمكن أن يسلكه علي (عليه السلام) وبلال معًا. وأفضل شاهد على أن الأخلاق الإسلامية أخلاق حقيقية ويمكنها إيصال الإنسان إلى السعادة والکمال، هو دراسة سيرة عظماء الدين وسالكي طريق الشريعة المحمدية، فقد سار سلمان وأبوذر والمقداد وبلال وغيرهم هذا الطريق وبلغوا السعادة والكمال في النهاية. وداخل نظام ومنهج الأنبياء الأخلاقي، يوجد منهج أكمل هو المنهج الأخلاقي الإسلامي[١٣].

نموذج من أخلاق النبي (ص)

لقد اجتمعت في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) صفات سامية ومكارم أخلاقية جعلت الأعداء اللدودين يقعون تحت تأثيرها ويسلمون لها، ويجذب الأصدقاء. ومع أن انتصارات النبي الإسلام كانت بتأييد وعون إلهي، إلا أن لها عوامل ظاهرية كثيرة، كان أحد أهمها الجاذبية الأخلاقية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

لذا يمكننا تسمية التعامل الأخلاقي للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمعجزته الأخلاقية، كما ظهر نموذج من هذه المعجزات الأخلاقية في فتح مكة: حين وقع المشركون القساة القلوب والخونة الذين بذلوا كل ما في وسعهم سنوات طويلة ضد الإسلام وشخص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في قبضة المسلمين، خلافًا لكل توقعات وحسابات الأصدقاء والأعداء، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "مَنْ دَخَلَ بَيْتَ اللَّهِ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ وَضَعَ السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ".

وفي الخطبة التي ألقاها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد فتح مكة المكرمة قال: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَا تَرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟» قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ. قَالَ: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ». أي: يا جماعة قريش، ماذا تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم. فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): اذهبوا فأنتم الطلقاء (المعتقون). وأخيرًا أصدر أمر العفو العام قائلاً: «لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ، يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ».

بهذا الأمر نُسيت جميع جرائم المشركين، وهذا الخلق العالي هو الذي جعلهم يدخلون في دين الله أفواجًا أفواجًا، مصداقًا للآية الكريمة. وردت في المصادر الإسلامية (التفسير والحديث) والسيرة والتاريخ وقائع وقصص كثيرة عن حُسن خلق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعفوه وصفحه وحلمه وإيثاره وتضحيته، وقد جمع الإمام الترمذي روايات عن شمائل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عُرفت بـ "الشمائل المحمدية".

نعم! لولا هذه الأخلاق الكريمة وهذا السلوك الشريف، لما احتضن الإسلام ذلك الشعب المتخلف والجاهل، وذلك الجمع العنيد غير المرن، ولتفرقوا من حوله متشتتين، مصداقًا للآية الكريمة.

ليت هذه التعاليم والأخلاق النبوية الرفيعة والهدايات الإسلامية كانت حية اليوم في الأمة الإسلامية، وليتنا نعمل بموجبها ونتأسى بخلق وسيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

الأحاديث النبوية في هذا المجال، سواءً ما تعلق بشخص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو ما تعلق بأخلاق وواجبات المسلمين، كثيرة جدًّا، نذكر بعضها فيما يلي:

  • «كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ»[١٤]. سأل سائل عائشة (رضي الله عنها) عن خلق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقالت: ألم تقرأ القرآن؟ (أي كان خلقه القرآن).
  • «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ»[١٥]. أي: إن المؤمن ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم (المُكثر من الصيام والقيام).
  • «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا»[١٦]. أي: أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا.

مواضيع ذات صلة

الهوامش

  1. فلسفة الأخلاق، مصباح يزدي، مؤسسة الإمام الخميني التعليمية والبحثية، الطبعة الثالثة، خريف 1394 هـ.ش، ص 19
  2. لسان العرب، جامعة طهران، ج 5، ص 1525
  3. بحار الأنوار، ج67، ص372
  4. المحجة البيضاء، ج5، ص95
  5. شرح الأربعين حديثًا، ص510
  6. الذريعة إلى مكارم الشريعة، ص40
  7. رياض السالكين، ج3، ص264
  8. أعيان الشيعة، ج 1، ص 301
  9. رياض السالكين، ج3، ص265
  10. الكافي، ج8، ص176، ح197
  11. المحمدي الكيلاني، الأخلاق الإسلامية، منشورات سايه، 1378 هـ.ش، ص 47-29
  12. المحمدي الكيلاني، الأخلاق الإسلامية، منشورات سايه، 1378 هـ.ش، ص 44-43
  13. تعريف الأخلاق والأخلاق الواقعية
    1. https://hawzah.net
  14. مسلم برواية عائشة (رضي الله عنها) رقم الحديث (139-746)
  15. أبو داود، رقم (4798)، صححه الألباني في الجامع الصغير برقم (1620)
  16. أبو داود حديث رقم (4682)، سنن الترمذي رقم الحديث (11662)