الصحابي

    من ویکي‌وحدت

    الصحابي: الغرض في هذا المقال هو تعريف الصحابي وحجية کلامه باعتبار أنه ناقل لکلام النبي (ص). وقد نقل عشرة تعاريف للصحابي وجاء في بعضها: «الصحابي من طالت صحبته مع النبي (ص) وكثرت مجالسته له وينبغي أن يطيل المكث معه على طريق التتبع له والأخذ عنه ولهذا يوصف مَن أطال مجالسة أهل العلم بأنّه من أصحابه». ولمزيد التوضيح نقدم هذه التعاريف للقارئ الکريم، ونحاول أن نثبت طرق إثبات الصحبة، ونتعرض بعضاً من الأحکام المهمة في هذا المجال.

    تعريف الصحابي لغةً

    الصحابي مشتقّ من الصحبة وهي المرافقة والملازمة[١].

    تعريف الصحابي اصطلاحاً

    اختلفت كلمات العلماء في تعريف الصحابي اصطلاحا.

    التعريف الأوّل

    إنّ الصحبة هي بمن طالت مصاحبتهُ للرسول(ص) وحسنت سيرته. فكان أهل هذا المذهب لا يعتبرون الصحابي صحابيا إلاّ بمن عرفت معاشرته للرسول(ص) ومعاصرته له. وهذا القول منسوب إلى بعض الاُصوليين [٢] عند بعض أهل السنة.
    قال المازري: لسنا نعني بقولنا الصحابة عدول كلّ من رأى النبي(ص) يوما أو زاره عاما. أو اجتمع به لفرض وانصرف، وإنّما نعني به الذين لازموه وعزروه ونصروه واتّبعوا النور الذي أنزل معه واُولئك هم المفلحون [٣].
    وقال بن السمعاني: «والظاهر من طالت صحبته مع النبي(ص) وكثرت مجالسته له وينبغي أن يطيل المكث معه على طريق التتبع له والأخذ عنه ولهذا يوصف مَن أطال مجالسة أهل العلم بأنّه من أصحابه» [٤].
    وقال الماوردي: الصحابي يشترط فيه أن يتخصص بالرسول(ص) ويتخصص الرسول به [٥].

    التعريف الثاني

    الصحابي هو من رأى النبي.
    فكلّ من رأى الرسول(ص) فهو صحابي، وهذا القول نسبهُ العراقي إلى مشهور المحدثين [٦] ونسبه ابن كثير إلى جمهور العلماء خلفاً وسلفاً [٧] وكذلك يؤمن به بعض الأصوليين من الفريقين [٨].

    التعريف الثالث

    صحبة الرسول أو رؤيته.
    قال البخاري: ومن صحب النبي(ص) أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه [٩].
    ونُقل عن أحمد بن حنبل أنّه قال: أفضل الناس بعد أهل بدر القرن الذي بُعثَ فيهم. كلّ من صحبهُ سنة أو شهرا أو يوما أو ساعة أو رآه فهو من أصحابه. فقد أطلق اسم الصحبة على من رآه وإن لم يختصّ به [١٠].

    التعريف الرابع

    رؤية الرسول مع صحبته ولو لساعة.
    وقال: العلامة الحلي: إنّ الصحابي عباره عمّن رأى الرسول(ص) وصحبهُ ولو ساعة واحدة وإن لم يختصّ به اختصاص المصحوب ولا روى عنه ولا طالت مدّة صحبته [١١].
    وقال ابن الحاجب: الصحابي من رأى النبي(ص) وإن لم يرو ولم تطل صحبته [١٢].

    التعريف الخامس

    الصحابي هو من لقى النبي(ص)، قال ابن حجر العسقلاني في كتابه الإصابة في تمييز الصحابة : الصحابي: من لقى الرسول(ص) مؤمنا به ومات على الإسلام سواء مَن روى عنه أم لم يرو عنه، ومَن غزا معه أو لم يغز معه، ومَن رآه رؤية ولم يجالسه ومَن لم يره لعارضٍ كالعمى [١٣].
    وقال الشهيد الثاني: إنّ الصحابي مَن لقي النبي(ص)مؤمنا به ومات على الإيمان و الإسلام. وإن تخللت ردته بين كونه مؤمنا وبين موته مسلما على الأظهر [١٤].
    ويراد هنا باللقاء أعم من الرؤية والمجالسة [١٥] ، ولذلك نسبه في مسلم الثبوت إلى جمهور المحدثين ، حيث قال : « الصحابي من لقيه مسلما ومات على إسلامه» [١٦].

    التعريف السادس

    الصحابي كلّ من كان في عصر النبي(ص)فهو صحابي حتّى وإن لم يره فيشمل كلّ من كان في عهده فهو صحابي نقل هذا القول في فتح المغيث عن يحيى بن عثمان بن صالح المصري، حيث قال: «وممّن دفن من أصحاب رسول اللّه‏(ص) ممّن أدركه ولم يسمع عنه أبو تميم الجيشاني» [١٧].
    فعبّر عنه بالصحابي وهو لم يسمع منه أي شيء.

    التعريف السابع

    لا يعدّ صحابيا إلاّ من أقام مع رسول اللّه‏(ص)مدّة قدرها ستة أشهر فصاعدا [١٨].

    التعريف الثامن

    لا يعدّ صحابيا إلاّ مَن أقام مع الرسول(ص)سنة أو سنتين أو غزا معه غزوة أو غزوتين وعلّل بأنّ الصحبة للنبي(ص) شرفا عظيما فلا تنال إلاّ باجتماع طويل [١٩]، وهو المروي عن سعيد بن المسيب.

    التعريف التاسع

    وهنالك من اشترط إدراك الحلم كما نقل عن الواقدي، حيث يقول: «رأيت أهل العلم يقولون كلّ من رأى رسول اللّه‏(ص) وقد أدرك الحلم فأسلم وعقل أمر الدين ورضي به، فهو عندنا ممّن صحب النبي(ص) ولو ساعة من نهار» [٢٠].

    التعريف العاشر

    إنّ الصحبة الشرعية خاصّة بـ المهاجرين والأنصار وما في حكمهم من السابقين إلى الإسلام والمستضعفين والموالي وغيرهم [٢١].
    وكلّ هذه الآراء لا تخلو من ردٍ ومناقشة، وردت غالبا في مصادر علوم الحديث والدراية [٢٢].

    ثبوت الصحبة

    تعرف الصحبة بالاُمور التالية:
    1 ـ ما نصّ القرآن على اسمه كما قال سبحانه وتعالى «فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا» [٢٣].
    2 ـ بـ التواتر كـ الخلفاء الراشدين و زوجات الرسول(ص)، ويشمل المشهورين من الصحابة من المهاجرين والأنصار.
    3 ـ النقل الصحيح من الآحاد أنّ فلانا من الصحابة.
    4 ـ إخبار صحابي بأنّ فلانا صحابي [٢٤].
    5 ـ إخبار بعض ثقات التابعين بأنّ فلانا صحابي [٢٥].

    الألفاظ ذات الصلة

    تابعي

    ذكرت عدّة تعاريف للتابعي:
    منها: من لقي الصحابي وأضاف البعض ولم يلقَ النبي(ص)[٢٦].
    ومنها: من لقي الصحابي مؤمنا بالنبي(ص) ومات على الإيمان وإن تخللت ردته بين كونه مؤمنا وبين موته مسلما[٢٧]. ومنها: من صحب صحابيا [٢٨].
    والفرق بين الصحابي و التابعي، هو أنّ الصحابي: من رأى رسول اللّه‏(ص) أو جالسه أو غزا معه أو طالت صحبته. على اختلاف التعاريف.
    أمّا التابعي: فهو لم يرَ ولم يصحب ولم يلق الرسول أصلاً.

    أحکام الصحابي

    الأقوال في مذهب الصحابي

    المراد بمذهب الصحابي: هو ما ثبت عن أحد أصحاب رسول اللّه‏(ص) من فتيا أو قضاء في مسألة شرعية لم ينعقد عليها إجماع وليست ممّا لا مجال فيها للاجتهاد [٢٩].
    وقال السيّد الحكيم: «ويريدون بمذهب الصحابي القول والسلوك الذي يصدر عن الصحابي ويتعبّد به من دون أن يعرف له مستند» [٣٠].
    وقد قسّم البعض فتوى الصحابي التي هي من مصاديق مذهب الصحابي إلى الأقسام التالية:
    أوّلها: أن يكون سمعها من النبي(ص).
    ثانيها: أن يكون سمعها ممّن سمعها من النبي(ص).
    ثالثها: أن يكون فهمها من آية من القرآن الكريم فهما خفيا علينا.
    رابعها: أن يكون قد اتّفق عليه ملؤهم ولم ينقل إلينا الأقوال المفتي وحده.
    خامسها: أن يكون رأيه لكمال علمه باللغة دلالة اللفظ على الوجه الذي انفرد به عنّا.
    سادسها: أن يكون فهم ما لم يروه عن النبي(ص)، وأخطأ في فهمه وعلى هذا التقرير لا يكون قوله حجّة [٣١].
    والسؤال المطروح هل يأخذ المجتهد بمذهب الصحابي أو لا؟
    لا خلاف بين الاُصوليين أنّ قول الصحابي على صحابي ليس حجّة، وإنّما الكلام على غير الصحابي ولهذا: ذكر العلماء في مذهب الصحابي عدّة أقوال:

    القول الأوّل في حجية مذهب الصحابي

    إنّه ليس حجّة مطلقا. وهو مذهب جمهور الأشاعرة [٣٢]، و المعتزلة، و الشيعة [٣٣]، و الشافعي في قول هو الراجح لدى الشافعية، وأحمد في رواية عنه، واختاره بعض متأخّري الحنفية و المالكية [٣٤].
    أنكر ابن حزم الأخذ بقول الصحابي بناءً على أنّه لا يسوّغ تقليد أحد لا من الصحابة ولا من غيرهم لا من الأحياء ولا من الأموات ويعتبر الأخذ بقول الصحابي من غير حجّة من السنّة الثبوتية تقليدا غير جائز في دين اللّه‏ تعالى [٣٥]، ونسب الشوكاني هذا القول أي أنّه ليس بحجّة مطلقا إلى جمهور العلماء [٣٦].

    القول الثاني في حجية مذهب الصحابي

    إنّه حجّة شرعية مقدّمة على القياس، وبه قال أئمة الحنفية [٣٧].
    ونقل الآمدي: عن ابن أنس والرازي والبردعي من أصحاب أبي حنيفة، والشافعي في قولٍ له، وأحمد بن حنبل في رواية له أنّه حجّة مقدّمة على القياس [٣٨].

    القول الثالث في حجية مذهب الصحابي

    إنّه حجّة إذا انضم إليه القياس فيقدّم إذا تعارض مع قول صحابي آخر وهو مذهب الشافعي في الجديد [٣٩]، وأما رأي الشافعي في القديم فإنّه حجّة مطلقة [٤٠]، وعليه مالك [٤١]، وأكثر الحنفية [٤٢].
    ونقل عن الشافعي في القديم على أنّ مذهب الصحابي حجّة بشرط الانتشار ولم يخالفه أحد [٤٣]، وفرّع الشافعية على القول القديم للشافعي فروعٍ سبعة [٤٤].
    على أنّه اختلفت كلمات علماء الشافعية في حجّية مذهب الصحابي عند الشافعي.
    قال أكثر الاُصوليين من الشافعية أنّ قول الصحابي حجّة عند الشافعي في القديم [٤٥]، واختلفوا في مذهبه الجديد على أقوال:
    أ ـ قال الأكثر: إنّه ليس بحجّة في الجديد وقيّده إمام الحرمين وابن السبكي بما لم يكن من الأحكام التعبّدية [٤٦].
    ب ـ وقال العلائي وابن القيم: إنّ قول الصحابي حجّة في القديم والجديد [٤٧].
    ج ـ ذكر القفال وابن القفال: إنّ الشافعي يرى في الجديد أنّ قول الصحابي حجّة إن عضده القياس [٤٨].
    د ـ وقال ابن القيم: لا يحفظ للشافعي في الجديد حرف واحد أنّ قول الصحابي ليس بحجّة [٤٩].
    وهذا يدلّ على أنّ قول الصحابي حجّة عند الشافعي في القديم والجديد، ويؤيّد ذلك ما ذكره صاحب البحر المحيط [٥٠].
    وبعض المحقّقين قال: إنّ الشافعي استدلّ في الجديد بقول الصحابي في كثير من المواضع [٥١].

    القول الرابع في حجية مذهب الصحابي

    التفصيل: إن كان ممّا لا يدرك بالرأي فهو حجّة واتّفق الحنفية على ذلك.
    وإن كان يدرك بالرأي واشتهر ولم يعرف له مخالف فهو حجّة باتّفاق الحنفية أيضا.
    وإن كان يدرك بالرأي ولم يشتهر فذهب أبو الحسن الكرخي من الحنفية إلى أنّه ليس حجّة [٥٢].

    القول الخامس في حجية مذهب الصحابي

    ذهب قوم إلى أنّ قول الخلفاء الراشدين هو الحجّة [٥٣] للحديث [٥٤] وهنالك من قال يجب اتّفاق الخلفاء الراشدين، وهذا يدخل تحت الإجماع [٥٥].

    القول السادس في حجية مذهب الصحابي

    إنّ قول أبي بكر وعمر هو الحجّة [٥٦] للحديث اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر [٥٧]، ولكن لم يشترطوا الاتّفاق أي قول كلّ واحد منهما حجّة بدون الآخر [٥٨].
    هذا وقد ذكر السبكي اثني عشر قولاً في حجّية مذهب الصحابي وعدمها، فليراجع [٥٩].

    الاستدلال علی بطلان هذه الأقوال

    واستدلّ الغزالي على بطلان هذه الأقوال قائلاً: إنّ من يجوز عليه الغلط والسهو ولم تثبت عصمتهُ فلا حجّة في قوله، فكيف يحتجّ بقوله مع جواز الخطأ، وكيف تدعى عصمتهم من غير حجّة متواترة، وكيف يتصوّر عصمة قوم يجوز عليهم الاختلاف، وكيف يختلف المعصومان، كيف وقد اتّفقت كلمة الصحابة على جواز مخالفة الصحابي، فلم ينكر أبو بكر وعمر على مَن خالفهما بالاجتهاد [٦٠]؟
    وأمّا رأي الامامية: فإنّ قول الصحابي ليس حجّه على الغير ما لم يستند إلى المعصوم، وأمّا إذا كان الصحابي إماما كالامام علي(ع) والحسن والحسين عليهماالسلام فيؤخذ بقولهم باعتبارهم معصومين لا بما هم صحابة، بل هم حجّة اللّه‏ على خلقه.
    واستدلّ العلاّمة على عدم حجّية قول الصحابي بوجوه:
    أوّلاً: قوله تعالى: «فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ» [٦١]. أمر بالاعتبار وهو ينافي التقليد.
    الثاني: قوله تعالى: «فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ» [٦٢]، أوجب الرد عند الاختلاف إلى اللّه‏ ورسوله فلو رُدّ إلى مذهب الصحابي كان تركا للواجب.
    الثالث: إجماع الصحابة على جواز مخالفة كلّ واحد من آحاد الصحابة ولم ينكر أبو بكر وعمر على من خالفهما، بل ربّما رجعا إليه في قضايا كثيرة. فلو كان مذهب الصحابة حجّة لما جاز المخالفة له.
    الرابع: الصحابي من أهل الاجتهاد، والخطأ ممكن عليه، فلا يجب على المجتهد التابعي اتباع مذهب الصحابي، كالصحابيين والتابعيين.
    الخامس: الصحابة اختلفوا في مسائل كثيرة وذهب كلّ واحد منهم إلى خلاف مذهب الآخر، كما في مسائل الجد مع الأخوة، وقوله أنت عليّ حرام وغيرهما. فلو كان مذهب الصحابي حجّة على غيره من التابعين لكانت حجج اللّه‏ مختلفة متناقضة. ولم يكن اتّباع أحدهم أولى من الآخر.
    السادس: قول الصحابي عن اجتهاد ممّا يجوز عليه الخطأ فلا يقدّم على القياس، وشأنه شأن التابعي.
    السابع: التابعي المجتهد متمكّن من تحصيل الحکم بطريقةٍ فلا يجوز له التقليد فيه كالأصول [٦٣].

    تقليد الصحابي

    هل يجوز تقليد الصحابي: إن قال قائل إن لم يجب تقليدهم، فهل يجوز تقليدهم؟
    الجواب أمّا العامي فيقلدهم. وأمّا العالم فإن جاز له تقليد العالم جاز له تقليد الصحابي وإن حرم عليه تقليد العالم فقد اختلفت أقوال الشافعي في تقليد الصحابة، فقال في القديم يجوز تقليدهم، أي إذا قال الصحابي قولاً وانتشر ولم يخالفه أحد وفي موضع آخر يُقَلد الصحابي وإن لم ينتشر قوله [٦٤]، ورجع في الجديد إلى أنّه لا يقلد العالم صحابيا كما لا يقلد عالما آخر [٦٥].
    ونقل الأسنوي ثلاثة أقوال عن الشافعي: قال في الجديد: لا يجوز مطلقا ـ والثاني يجوز ـ والثالث وهو قديم إن انتشر وإلاّ فكلاّ [٦٦].
    وقال أبو سعيد البردعي تقليد الصحابي واجب يترك به القياس، قال وعلى هذا أدركنا مشايخنا [٦٧].
    وقال البخاري اتّفق عمل أصحابنا بـ التقليد فيما لا يعقل بالقياس [٦٨].
    ومنهم من فصّل في تقليد الصحابة فقد أوجب تقليد الخلفاء الراشدين لتخصيصهم بالفضيلة.
    ومنهم من أوجب تقليد الشيخين فقط [٦٩].
    وقال العلاّمة: الحقّ أنّه لا يجوز للعالم تقليد الصحابي في الفروع [٧٠].

    مراتب ألفاظ الصحابي في الرواية

    تختلف مراتب الألفاظ التي نقلها الصحابي عن الرسول، وهذا الاختلاف يؤثّر على مستوى حجّية الرواية والمراتب هي:

    المرتبة الاُولى

    وهي أعلى مراتب النقل بأن يقول الصحابي: سمعت رسول اللّه‏(ص) يقول كذا، أو حدّثني كذا، أو أخبرني أو شافهني [٧١].

    المرتبة الثانية

    أن يقول: قال رسول اللّه‏(ص) كذا وإنّما كانت هذه أقل «أَدون» من الاُولى؛ لأنّ في الاُولى تصريح بأنّه روى عن الرسول(ص) بلا واسطة وفي الثانية يحتمل التوسّط؛ لأنّ كثيرا ما يقول الواحد قال رسول اللّه‏(ص)اعتمادا على ما نُقِلَ إليه عنه، لكن إذا صدر من الصحابي كان ذلك ظاهرا في سماعه من الرسول(ص) ويكون حجّة عند الأكثر [٧٢].
    وقال الباقلاني: لا يحكم بذلك، بل هو مردد بين قد سمعهُ من النبي(ص) وبين قد سمعه من غير النبي(ص)، فمن قال بأنّ حكم الراوي من الصحابة حكم غيرهم في وجوب الكشف عن حال الراوي فحكمه حكم المراسيل [٧٣].

    المرتبة الثالثة

    لو قال الصحابي: أمر رسول اللّه‏(ص) بكذا أو نهى عن كذا كان أقلّ مرتبة من السابقة لتطرّق الاحتمال الأوّل من مريد آخر، وهو أنّ الناس قد اختلفوا في صيغ الأوامر والنواهي فقد يظنّ ما ليس بأمر أمرا واختلف في أنّه حجّة أو لا؟
    وكذا اختلفوا لو قال: سمعت رسول اللّه‏(ص) يأمر بكذا أو ينهى عن كذا. قال الآمدي و«والذي عليه الاعتماد أنّه حجّة، وهو الأظهر»؛ وذلك لأنّ الظاهر من حال الصحابي مع عدالتهِ ومعرفتهِ بأوضاع اللغة أن يكون عارفا بمواقع الخلاف والوفاق بذلك. فالظاهر من حاله لا ينقل إلاّ ما تحقّق أنّه أمر أو نهي من غير خلاف نفيا للتدليس والتلبيس عنه بنقل ما يوجب عن سامعه اعتقاد الأمر والنهي فيما لا يعتقدهُ أمرا ولا نهيا [٧٤].

    المرتبة الرابعة

    أن يقول الصحابي: أمَرَنا بكذا، أو نهينا عن كذا، أو أوجب كذا، أو أبيع كذا، أو أحرّم كذا وهذهِ أدون من المرتبة الثالثة ـ لأنّ كل ما ذُكِر من الاحتمالات في الثالثة فهو حاصل هنا ويزيد عليه احتمال آخر، وهو كون الآمر والناهي والموجب والمبيع والمحرِم هو غير الرسول(ص) [٧٥] ـ وهل هو حجّة أم لا؟
    قال الشافعي: نعم، إنّه حجّة؛ لأنّه يفيد أنّ الآمر والناهي هو الرسول(ص) وذهب جماعة من الأصوليين والكرخي من أصحاب أبي حنيفة إلى المنع من ذلك [٧٦].

    المرتبة الخامسة

    إذا قال الصحابي من السنة كذا ذهب الأكثر [٧٧] إلى أنّه محمول على سنّة رسول اللّه‏(ص) خلافا للكرخي حيث احتجّ بوجهين:
    الأوّل: «مَن سنّ سنّةً حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها» [٧٨]. وأراد سنّة غير الرسول(ص).
    الثاني: السنّة مأخوذة من الاستنان وهو غير مختصّ بشخص دون شخص.
    وأجاب العلاّمة عن ذلك قائلاً: «هذا بحسب الوضع اللغوي، ولكن أنّه بحسب عرف الشرع يفيد ذلك» [٧٩].
    وقال الآمدي: «إنّ سنّة النبي(ص) هي الأصل وسنّة الخلفاء تبع لسنّة رسول اللّه‏(ص) ومقصود الصحابي هو بيان الأصل دون التبع. هذا أوّلاً. وثانياً: إنّ سنة الرسول هي المتبادره من كلام الصحابي» [٨٠].

    المرتبة السادسة

    أن يقول عن النبي(ص) كذا قال قوم هو حجّة؛ لأنّ الأظهر إنّه سمعهُ منه أي النبي(ص) وآخرون جوزوا أن يكون قد أخبره مخبر عن النبي(ص) وهو لم يسمعه فلا يكون حجّة [٨١].

    المرتبة السابعة

    وهي لو قال الصحابي: كنّا نفعل كذا، أو كانوا يفعلون كذا كقول عائشة كانوا لا يقطعون في الشيء النادر[٨٢].
    وكقول إبراهيم النخعي كانوا يحذفون التكبير حذفا [٨٣].
    حمل عند الأكثر على فعل الجماعة دون بعضهم خلافا لبعض الأصوليين [٨٤]؛ لأنّ الظاهر من حال الصحابي أنّه إنّما أورد ذلك في معرض الاحتجاج وإنّما يكون حجّة لو كان ما نقله مستندا إلى فعل الجميع.
    فإن فعل البعض ليس حجّة على البعض الآخر.
    قال العلامة الحلي: والأولى التفصيل وهو أنّه إن قصد بهذا الكلام أن يعرفنا شرعا ولا يكون كذلك إلاّ وقد كانوا يفعلونه في عهد النبي(ص) مع علمه بذلك وإنّه لم ينكره عليهم اقتضى كونه شرعا.
    وإن لم يعرف ذلك، لكنّه قال قولاً كان للاجتهاد فيه مجال، فإن كان عدلاً ثقة اقتضى حسن الظنّ به أن يكون قال عن طريق، لكن الوجه لا يكون حجّة. وإن لم يكن للاجتهاد فيه مجال فليس إلاّ لسماعهِ من النبي(ص) [٨٥].

    هل مذهب الصحابي يخصص العموم؟

    إذا ورد لفظ عام، ثُمّ وجدنا صحابيا يقول أو يفعل ما يخالف ذلك العام في جزئية خاصّة فهل نقول بأنّ فعل الصحابي وقول الصحابي يخصص العموم أو لا؟
    مثال ذلك: جاء حديث عن النبي(ص) أنّ النبي(ص)أمرنا بإعفاء اللحى، واللحى عام لكونه جمعا معرفا بال الجنسية فيشمل جميع اللحية، ثُمّ وردنا في صحيح البخاري أنّ ابن عمر كان يأخذ مازاد عن القبضة، فهنا أصبح عندنا عموم ـ وهنا مذهب صحابي يخالف ذلك العموم ـ فهل يخصص العموم ففي هذه المسألة قولان للعلماء:
    الأوّل: إنّ هذه المسألة مرتبطة بمسألة حجّية قول الصحابي، فمن قال بأنّ قول الصحابي حجّة فإنّه يخصص به العموم.
    الثاني: ليس هنالك ترابط بين المسألتين بدليل أنّ بعض الاُصوليين يرى حجّية قول الصحابي، ثُمّ لا يُخصص العموم به [٨٦]. إذا تقرر ذلك: فهل يُخصص العموم بقول الصحابي إذا قلنا بأنّه حجّة؟ للعلماء في ذلك ثلاثة أقوال:
    الأوّل: إنّ العموم يُخصص بقول الصحابي، وهذا مذهب الحنابلة والحنفية [٨٧].
    الثاني: بأنّ العموم لا يخصص به حتّى وإن كان حجّة.
    الثالث: بأنّ الصحابي إذا كان عالما بالعام فخالفه، فإنّه يخصص العموم بمذهبه. وأمّا إذا كان الصحابي لا يعلم بالعموم فإنّ مذهبه لا يخصص العموم [٨٨].
    إذا قال الصحابي قولاً وظهر في الصحابة وانتشر ولم يعرف له مخالف، هل كان ذلك إجماعا مقطوعا به.
    اختلف الاُصوليون في هذهِ المسألة على عدّة مذاهب:
    الأوّل: لا يعتبر ذلك إجماعا ولا يكون حجّة، وهو المنقول عن داوود الظاهري، والرازي، والبيضاوي.
    الثاني: يعتبر ذلك حجّة مطلقة ويكون إجماعا سواء مات المجمعون أو لم يموتوا، وهو مذهب الإمام أحمد وأكثر الحنفية.
    الثالث: يعتبر ذلك إجماعا ولا يكون حجّة بعد موتهم لا في حياتهم، وهو المنسوب إلى أبي علي الجبائي.
    الرابع: يعتبر حجّة ولا يكون إجماعا.
    الخامس: إذا كان القول على سبيل الفتوى وسكت الباقون عن إنكاره كان ذلك إجماعا وحجّة وإن كان حكما وسكت الباقون عن إنكاره لم يكن إجماعا ولا حجّة، وهو لأبي علي بن أبي هريرة من أصحاب الشافعي [٨٩].

    الهوامش

    1. . المعجم الوسيط: 507 مادّة «صحب»، لسان العرب 2: 2152 ـ 2153 مادّة «صحب»، كتاب العين 3: 124.
    2. . اُنظر مسلم الثبوت 2: 120، شرح العضد على مختصر المنتهى 2: 67، شرح الجلالي الحلّي على جمع الجوامع 2: 146، اُصول الفقه الزحيلي 2: 50.
    3. . تدريب الراوي: 1 ـ 2: 446.
    4. . البحر المحيط 4: 301.
    5. . تدريب الراوي 1 ـ 2: 442.
    6. . فتح المغيث: 343.
    7. . معرفة علوم الحديث الحاكم: 24، مقدّمة ابن الصلاح:181.
    8. . منية اللبيب في شرح التهذيب 2: 313، الإحكام الآمدي 1: 255.
    9. . صحيح البخاري 5 ـ 6: 60 كتاب فضائل الصحابة.
    10. . العدة لأبي يعلى 2: 141.
    11. . نهاية الوصول إلى علم الاُصول الحلّي 3: 475.
    12. . بيان المختصر الاصفهاني 1: 714.
    13. . كتاب الإصابة ابن حجر 1: 158.
    14. . الرعاية لحال البداية: 161.
    15. . كتاب الإصابة ابن حجر 1: 158.
    16. . مسلم الثبوت 2: 158.
    17. . تيسير التحرير 3: 67، فتح المغيث: 347، عمدة القاري 6: 169، مقياس الهداية 3: 300.
    18. . مسلّم الثبوت 2: 158، البحر المحيط 4: 304، مخالفة الصحابي: 48.
    19. . أسد الغابة 1: 12، مواهب الجليل 1: 32، دراسات في الحديث و المحدثين معروف الحسني: 68.
    20. . الإصابة 1: 8، الكفاية في علم الرواية البغدادي: 69، مخالفة الصحابي للحديث النبوي: 45.
    21. . الصحبة والصحابة: 21.
    22. . مقباس الهداية 3: 300، مخالفة الصحابي للحديث النبوي: 49 ـ 76.
    23. . الأحزاب: 37.
    24. . علوم الحديث أصلها ومعاصرها: 91 ـ 94، إرشاد الفحول 1: 250، البحر المحيط 4: 305.
    25. . سبل السلام الكحلاني 4: 231.
    26. . صحيح مسلم بشرح النووي 1: 36، مقباس الهداية 3: 311، نهاية الدراية السيّد الصدر : 341، رسائل في دراية الحديث (البابلي) 2: 46.
    27. . الرعاية لحال البداية في علم الدراية علي أكبر غفاري مقباس الهداية 3: 311.
    28. . تدريب الراوي 1 ـ 2: 440 وكتاب الكفاية في علم الرواية: 22.
    29. . الإحكام الآمدي 3 ـ 4: 385.
    30. . الاُصول العامّة للفقه المقارن: 423.
    31. . اُنظر: أعلام الموقّعين 4: 148، اُصول الفقه محمّد أبو زهره: 214.
    32. . اُنظر: الإحكام الآمدي 3 ـ 4: 385، المحصول (الرازي) 2: 562، إرشاد الفحول 2: 274.
    33. . اُصول الاستنباط الحيدري: 267، ذكرى الشيعة (الشهيد الأوّل) 1 : 23.
    34. . ابن حزم أبو زهرة: 433.
    35. . إرشاد الفحول 2: 274.
    36. . إرشاد الفحول 2: 274.
    37. . اُنظر: أعلام الموقّعين 4: 156، و 1: 30، كشف الأسرار البخاري 3: 406، اُنظر: اللمع: 194.
    38. . إرشاد الفحول 2: 274، الإحكام الآمدي 3 ـ 4: 385، اُصول الفقه (الزحيلي) 2: 851.
    39. . الرسالة الشافعي: 598، البحر المحيط 6: 56، إرشاد الفحول 2 : 274.
    40. . المحصول الرازي: 562، البرهان 2: 132، الإحكام (الآمدي) 3ـ4: 385، التبصرة: 395.
    41. . تنقيح الفصول: 445، المذكرة الشنقيطي: 164.
    42. . اُصول الفقه للسرخسي 2: 105، كشف الأسرار البخاري 3: 219، فواتيح الرحموت 2: 186، تيسير التحرير 3: 182.
    43. . المحصول الرازي 2: 564، الإبهاج في شرح المنهاج 3: 192.
    44. . المحصول الرازي 2: 565.
    45. . أعلام الموقعين 4: 120.
    46. . منع الموانع على جمع الجوامع: 455.
    47. . البحر المحيط 6: 56.
    48. . أعلام الموقعين 4: 120.
    49. . المصدر السابق 4: 120.
    50. . البحر المحيط 6: 56.
    51. . أعلام الموقعين 4: 120.
    52. . ميزان الاُصول 2: 697 ـ 698، اُصول الفقه الزحيلي 2: 851، أثر الأدلّة المختلف فيها في الفقه الإسلامي (البغا): 341، اُصول الفقه (الخضري بك): 357.
    53. . نهاية السول للأسنوي 3: 143، الإبهاج في شرح المنهاج 3: 192.
    54. . مسند أحمد 4: 126.
    55. . الإحكام الآمدي 3 ـ 4: 385.
    56. . الإحكام الآمدي 3 ـ 4: 385.
    57. . سنن الترمذي 5: 271، المستدرك الحاكم 3: 75.
    58. . الإبهاج في شرح المنهاج 3: 192.
    59. . منع الموانع عن جمع الجوامع: 455.
    60. . المستصفى 1: 250.
    61. . الحشر: 2.
    62. . النساء: 59.
    63. . نهاية الوصول العلاّمة الحلّي 4: 442 ـ 447.
    64. . اُنظر: الإحكام الآمدي 3 ـ 4: 390، المستصفى 1: 252.
    65. . المستصفى 1: 252.
    66. . التمهيد للأسنوي: 500.
    67. . اُصول السرخسي 2: 180، كشف الأسرار البخاري 3: 406.
    68. . كشف الأسرار 3: 406.
    69. . كشف الأسرار 3: 408، اُنظر: نهاية الوصول العلاّمة 4: 432.
    70. . نهاية الوصول 4: 432.
    71. . المحصول الرازي 2: 218، الإحكام (الآمدي) 1ـ2: 324 ـ 328، نهاية الوصول (الحلّي) 3: 477، الفائق في اُصول الفقه 2: 210 ـ 211.
    72. . منية اللبيب 2: 314، شرح روضة الناظر النمله 2: 843.
    73. . الإحكام الآمدي 1ـ2: 324، شرح روضة الناظر (النمله) 2: 844.
    74. . اُنظر: المحصول الرازي 2: 219، الإحكام (الآمدي) 1 ـ 2: 325 ـ 326، نهاية الوصول (العلاّمة) 3: 478، منية اللبيب 2: 315.
    75. . منية اللبيب 2: 316.
    76. . الإحكام الآمدي 1 ـ 2: 326، المحصول 2: 220، الفصول في الاُصول (الجصاص) 3: 198.
    77. . الإحكام الآمدي 1 ـ 2: 324.
    78. . الإحكام الآمدي 1 ـ 2: 326.
    79. . نهاية الوصول الحلّي 3: 481، منية اللبيب 2: 317.
    80. . اُنظر: الإحكام الآمدي 1 ـ 2: 324.
    81. . منية اللبيب في شرح التهذيب 2: 317، شرح روضة الناظر (النمله) 2: 843.
    82. . الإحكام الآمدي 1 ـ 2: 327.
    83. . الإحكام الآمدي 1 ـ 2: 327.
    84. . المحصول الرازي 2: 221، نقله الآمدي في الإحكام (الآمدي) 1 ـ 2: 327.
    85. . نهاية الوصول الحلّي 3: 482.
    86. . إرشاد الفحول 1: 528، شرح المختصر لابن اللحام: 495.
    87. . شرح المختصر لابن اللحام: 496، اُنظر: شرح الروضة (النمله) 3: 1908 ـ 1910، منع الموانع عن جمع الجوامع: 436.
    88. . اُنظر: إرشاد الفحول 1: 529.
    89. . اُنظر: قواطع الأدلّة 2: 4، اُنظر: نهاية السول 3: 294، المحصول الرازي 2: 74، اُنظر: الإحكام (الآمدي) 1 ـ 2: 533، المعتمد 2: 66 ـ 67، روضة الناظر: 32، اُصول الفقه (الشيخ زهير أبو النور) 3: 167.