الفرق بين المراجعتين لصفحة: «التفويضية»
| سطر ١٤: | سطر ١٤: | ||
'''النظرية الثانية:''' كانت تفسيرًا جديدًا عرضه -على ما يبدو لأول مرة- بيان بن سمعان النهدي (ت 119هـ) أحد رؤساء الكيسانية في ذلك العصر، للآية الكريمة: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: 84]. فقد قال: إن هذه الآية تتحدث عن إلهين، أحدهما إله السماوات والآخر إله الأرض، وإن كان إله السماوات أكبر، وإله الأرض أصغر ومطيع له. | '''النظرية الثانية:''' كانت تفسيرًا جديدًا عرضه -على ما يبدو لأول مرة- بيان بن سمعان النهدي (ت 119هـ) أحد رؤساء الكيسانية في ذلك العصر، للآية الكريمة: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: 84]. فقد قال: إن هذه الآية تتحدث عن إلهين، أحدهما إله السماوات والآخر إله الأرض، وإن كان إله السماوات أكبر، وإله الأرض أصغر ومطيع له. | ||
تم دمج هاتين النظريتين في العقد الرابع من القرن الثاني على يد | تم دمج هاتين النظريتين في العقد الرابع من القرن الثاني على يد أبي الخطاب محمد بن أبي زينب الأسدي (ت حوالي 138هـ) رئيس [[غلاة الخطابية]]، بالصورة التالية: أن روح الله تنزلت وتجسَّدت في صورة الإمام الصادق عليه السلام، وهو الآن إله الأرض، والمذهب المفوضة، الذي أسسه -بعد مقتل أبي الخطاب بقليل- أحد أنصاره السابقين مفضل بن عمر الجعفي الصيرفي (ت قبل 179هـ)، كان صورة أوضح وأكثر تطورًا من نفس الفكر، وكان المفوضة يعتقدون أن النبي والأئمة هم أول المخلوقات وأوحدها التي خُلقت مباشرة بقدرة الحق، من مادة مختلفة عن سائر البشر، ثم فوض الله إليهم قدرة ومسؤولية أمور عالم الخلق وقال: فكل ما يحدث في هذا العالم فهو منهم. وهم -كما أشرنا سابقًا- يتحمَّلون جميع الأعمال التي تُنسب عادةً إلى الله مثل الخلق والرزق والإماتة. ويستطيعون تشريع [[الحكم الشرعي|حكم شرعي]] أو نسخه، وتحليل [[الحرام]] وتحريم [[الحلال]]. ويعلمون بكل شيء بما في ذلك الغيب. وقال بعض المفوضة إن الأئمة يتلقون الوحي كالنبي. وهم لا يفهمون لغة جميع البشر فحسب، بل يفهمون لغة الطيور والحيوانات أيضًا، ويمتلكون قدرة غير محدودة وعلمًا لا حصر له، وهم خالقو كل شيء، وأرواحهم حاضرة في كل مكان"<ref>نفس المصدر.</ref>. | ||
ثم يتناول الكتاب شرح معتقدات مفضل بن عمر الجعفي باعتباره أول المتحدثين باسم هذه الجماعة في المجتمع الشيعي. ويقول آقا بزرگ الطهراني عن كتاب [[التوحيد]] المشهور بـتوحيد المفضل: "هذا الكتاب [[جعفر بن محمد (الصادق)|لأبي عبد الله]] أو أبي محمد مفضل بن عمر الجعفي الكوفي، ويذكره أحمد بن علي النجاشي باسم كتاب الفكر، وسَمَّاه بعضهم كنز الحقائق والمعارف، وأوصى السيد علي بن طاووس بصحبة هذا الكتاب وملازمته، وكتب أن هذا الكتاب أملاه الإمام الصادق عليه السلام، ومضمونه في آثار خلق الله"<ref>محسن آقا بزرگ طهراني، ''الذريعة إلى تصانيف الشيعة''، ج 4، ص 482، مع تصرف في العبارات.</ref>. ويقول [[السيد محسن الأمين]] مشيرًا إلى هذا الكتاب: "من نظر إلى الحديث المشهور للمفضل عن الإمام الصادق عليه السلام، علم أن الإمام لا يخاطب بهذا الخطاب البليغ والمعاني العجيبة والألفاظ الغريبة إلا رجلاً عظيمًا جليلاً، كان عنده علم كثير وكان ذكيًا يمكنه تحمل الأسرار الرفيعة والدقائق البديعية"<ref>سيد محسن أمين، ''أعيان الشيعة''، ج 10، ص 132.</ref>. | ثم يتناول الكتاب شرح معتقدات مفضل بن عمر الجعفي باعتباره أول المتحدثين باسم هذه الجماعة في المجتمع الشيعي. ويقول آقا بزرگ الطهراني عن كتاب [[التوحيد]] المشهور بـتوحيد المفضل: "هذا الكتاب [[جعفر بن محمد (الصادق)|لأبي عبد الله]] أو أبي محمد مفضل بن عمر الجعفي الكوفي، ويذكره أحمد بن علي النجاشي باسم كتاب الفكر، وسَمَّاه بعضهم كنز الحقائق والمعارف، وأوصى السيد علي بن طاووس بصحبة هذا الكتاب وملازمته، وكتب أن هذا الكتاب أملاه الإمام الصادق عليه السلام، ومضمونه في آثار خلق الله"<ref>محسن آقا بزرگ طهراني، ''الذريعة إلى تصانيف الشيعة''، ج 4، ص 482، مع تصرف في العبارات.</ref>. ويقول [[السيد محسن الأمين]] مشيرًا إلى هذا الكتاب: "من نظر إلى الحديث المشهور للمفضل عن الإمام الصادق عليه السلام، علم أن الإمام لا يخاطب بهذا الخطاب البليغ والمعاني العجيبة والألفاظ الغريبة إلا رجلاً عظيمًا جليلاً، كان عنده علم كثير وكان ذكيًا يمكنه تحمل الأسرار الرفيعة والدقائق البديعية"<ref>سيد محسن أمين، ''أعيان الشيعة''، ج 10، ص 132.</ref>. | ||
مراجعة ١١:١٣، ٢٤ ديسمبر ٢٠٢٥
التفوِّيضية (أو المُفَوَّضة)فرقة من غلاة المسلمين الذين يقولون إن الله فوَّض تدبير أمور الدنيا إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله. ويقول بعض منهم أيضًا: إن الله فوَّض استمرار مهمة النبي إلى الإمام علي عليه السلام، وأحلّ له كل ما في الدنيا.
تاريخ التفويض
"المفوضة" عنوان عام للجماعات والفرق الشيعية وغير الشيعية التي تعتقد بفضل وبراعة الإمام علي عليه السلام على بقية صحابة النبي والخلفاء، فهم يرون أن الإمام عليه السلام هو أفضل فرد بعد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، ويُفضِّلونه على غيره للإمامة والخلافة. وهذا الاعتقاد ليس حكرًا على الشيعة، بل توجد جماعات من أهل السنة تعتقده أيضًا، وإن كانوا يجيزون إمامة المفضول مع وجود الإمام الفاضل، وهذا ما نقله ابن أبي الحديد شارح نهج البلاغة عن عامة البغداديين وجماعة من البصريين مع اعتقاده الشخصي بهذه الأفضلية. عبدالجليل الرازي يقول: "سُمِّيَت الشيعة مفوضة؛ لأنهم يقولون: إن الله يُفوِّض الأمور في القيامة إلى علي عليه السلام"[١]. ويشير ميرسيد شريف الجرجاني إلى فرقة بهذا الاسم فيقول: "هم الذين يعتقدون أن الله فوَّض خلق الدنيا إلى محمد صلى الله عليه وآله"[٢]. ويؤكد محمد بن الحسين بن الحسن الرازي نفس المعنى ويضيف: "وزعم بعضهم أن محمدًا صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام هم الآمرون الناهون والحكام، وأن الله فوَّض إليهم أمر خلقهم وحياتهم وموتهم، وأن النبي والأئمة يستحقون العبادة"[٣].
النشأة
كُتب عن نشأة المفوضة: "في العقدين الثالث والرابع من القرن الثاني الهجري، في فترة حياة وإمامة الإمام الصادق عليه السلام، ظهرت في المجتمع الشيعي جماعة أخرى من الغلاة. وكانت هذه الجماعة تميل إلى معتقدات فرقة الكيسانية (التي كانت قد اختفت تقريبًا) وتناصرها وتعتبر نفسها امتدادًا لها، فكانوا يرون أئمة آل محمد صلى الله عليه وآله كائنات فوق بشرية، تمتلك علمًا غير محدود يشمل علم الغيب وقدرة التصرف في الكون. وهذه الجماعة الجديدة من الغلاة لم تكن تدعو النبي والأئمة آلهة، بل كانت تعتقد أن الله فوَّض إليهم أمورًا مثل الخلق والرزق واختصاص تشريع الأحكام، ونتيجة لذلك، فإن النبي والأئمة يقومون عمليًا بجميع المهام التي يفترض أن يقوم بها الله، مع الفارق أن الله يمتلك القدرة الذاتية، وهم يمتلكون قدرة تبعية وممنوحة. فكان الفارق الرئيس بينهم وبين الغلاة الآخرين هو إلحاد أولئك؛ لأنهم كانوا يجعلون الأئمة في عرض الله وندًا له، بينما كان هؤلاء يجعلون الأئمة في طول الله تعالى. سرعان ما عُرِف هذا المنحى في الثقافة الشيعية بكلمة التفويض، وسُمِّيت الجماعة المذكورة مفوضة نسبة إلى ذلك. كما كانت سائر جماعات الغلاة التي تدعي الألوهية للأئمة تُدعى بشكل أخص الطيّارة أو باختصار طيّارة، وفي كتب الرجال الشيعية، عادةً ما يتم تمييز أفراد الجماعات الثانية (أي الذين يدَّعون ألوهية الأئمة، والذين خرجوا عمليًا بهذا الاعتقاد وتفسيراتهم الباطنية الخاصة عن دائرة الإسلام والتشيع وشكَّلوا جماعات مستقلة) بعبارات مثل: فاسد المذهب، أو فاسد الاعتقاد، أو أهل التخليط (التفسير الباطني للشريعة). أما الجماعة الأولى، التي بقيت داخل مذهب التشيع، وهم غلاة داخليون، فتم تمييزهم بعبارات مثل: 'أهل الارتفاع'، 'في مذهبه (أو في حديثه) ارتفاع'، 'مرتفع القول'، أو 'فيه غلو وترفُّع'. وكل هذه العبارات تشير إلى التطرُّف والمبالغة غير المبررة لمن لم يجعلوا الأئمة آلهة، لكنهم رفعوهم فوق منزلتهم الحقيقية، ووصفوهم بأنهم كائنات فوق بشرية وغير طبيعية، بنسبتهم علمًا وقدرة غير محدودتين ومعجزات وما شابه. ومع ذلك، في الاستعمال الأعم، كان مصطلح الغلاة يطلق عادةً وشائعًا على كلتا الفئتين، إلا إذا استُخدم مصطلحا الغلاة والمفوضة معًا، فحينها يُقصد بكلمة الغلاة تحديدًا أولئك الذين يدعون الألوهية أو النبوة للأئمة"[٤].
المعتقدات
كانت الأصول الاعتقادية للمفوضة شكلاً متطورًا من معتقدات غلاة الصدر الأول، ويبدو أن التيار الفكري للمفوضة كان مزيجًا غير سليم من نظريتين غاليتين من غلاة الكيسانية في أوائل القرن الثاني الهجري: النظرية الأولى: نظرية حلول روح الله أو نوره في جسد النبي والأئمة، وكان غلاة القرن الأول يرون النبي أو الأئمة ببساطة آلهة وتجسيدًا للهوية الإلهية بأكملها، لكن وفقًا للنظرية الأحدث، كان الإمام مظهرًا لجزء من روح الله أو موضعًا لشرارة من النور الإلهي نزلت من آدم عبر سلسلة من الأنبياء حتى وصلت إليهم. النظرية الثانية: كانت تفسيرًا جديدًا عرضه -على ما يبدو لأول مرة- بيان بن سمعان النهدي (ت 119هـ) أحد رؤساء الكيسانية في ذلك العصر، للآية الكريمة: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: 84]. فقد قال: إن هذه الآية تتحدث عن إلهين، أحدهما إله السماوات والآخر إله الأرض، وإن كان إله السماوات أكبر، وإله الأرض أصغر ومطيع له.
تم دمج هاتين النظريتين في العقد الرابع من القرن الثاني على يد أبي الخطاب محمد بن أبي زينب الأسدي (ت حوالي 138هـ) رئيس غلاة الخطابية، بالصورة التالية: أن روح الله تنزلت وتجسَّدت في صورة الإمام الصادق عليه السلام، وهو الآن إله الأرض، والمذهب المفوضة، الذي أسسه -بعد مقتل أبي الخطاب بقليل- أحد أنصاره السابقين مفضل بن عمر الجعفي الصيرفي (ت قبل 179هـ)، كان صورة أوضح وأكثر تطورًا من نفس الفكر، وكان المفوضة يعتقدون أن النبي والأئمة هم أول المخلوقات وأوحدها التي خُلقت مباشرة بقدرة الحق، من مادة مختلفة عن سائر البشر، ثم فوض الله إليهم قدرة ومسؤولية أمور عالم الخلق وقال: فكل ما يحدث في هذا العالم فهو منهم. وهم -كما أشرنا سابقًا- يتحمَّلون جميع الأعمال التي تُنسب عادةً إلى الله مثل الخلق والرزق والإماتة. ويستطيعون تشريع حكم شرعي أو نسخه، وتحليل الحرام وتحريم الحلال. ويعلمون بكل شيء بما في ذلك الغيب. وقال بعض المفوضة إن الأئمة يتلقون الوحي كالنبي. وهم لا يفهمون لغة جميع البشر فحسب، بل يفهمون لغة الطيور والحيوانات أيضًا، ويمتلكون قدرة غير محدودة وعلمًا لا حصر له، وهم خالقو كل شيء، وأرواحهم حاضرة في كل مكان"[٥].
ثم يتناول الكتاب شرح معتقدات مفضل بن عمر الجعفي باعتباره أول المتحدثين باسم هذه الجماعة في المجتمع الشيعي. ويقول آقا بزرگ الطهراني عن كتاب التوحيد المشهور بـتوحيد المفضل: "هذا الكتاب لأبي عبد الله أو أبي محمد مفضل بن عمر الجعفي الكوفي، ويذكره أحمد بن علي النجاشي باسم كتاب الفكر، وسَمَّاه بعضهم كنز الحقائق والمعارف، وأوصى السيد علي بن طاووس بصحبة هذا الكتاب وملازمته، وكتب أن هذا الكتاب أملاه الإمام الصادق عليه السلام، ومضمونه في آثار خلق الله"[٦]. ويقول السيد محسن الأمين مشيرًا إلى هذا الكتاب: "من نظر إلى الحديث المشهور للمفضل عن الإمام الصادق عليه السلام، علم أن الإمام لا يخاطب بهذا الخطاب البليغ والمعاني العجيبة والألفاظ الغريبة إلا رجلاً عظيمًا جليلاً، كان عنده علم كثير وكان ذكيًا يمكنه تحمل الأسرار الرفيعة والدقائق البديعية"[٧].
كما يشير المدرسي الطباطبائي في حاشية هذا الكتاب، نقلاً عن الشيخ المفيد في "أوائل المقالات"، إلى الفرق بين الغلاة والمفوضة، ويذكر في معرض حديثه عن عدم علم الإمام بالغيب: "وعلى ذلك جماعة أهل الإمامة إلا من شذَّ عنهم من المفوضة ومن انتمى إليهم من الغلاة، وهذا تعبير دقيق يوضح الطبيعة الداخلية (ضمن المذهب) للمفوضة مقابل الانفصال التام للغلاة الملحدين الذين كانوا يدَّعون الانتساب إلى التشيع فقط"[٨][٩][١٠][١١][١٢][١٣][١٤][١٥].
مواضيع ذات صلة
الهوامش
- ↑ عبدالجليل الرازي، النقض، ص 538.
- ↑ مير السيد شريف جرجاني، تعريفات العلوم وتحديدات الرسوم، ص 183.
- ↑ محمد بن الحسين بن الحسن رازي، تبصرة العوام في معرفة مقالات الأنام، ص 176.
- ↑ سيد حسين مدرسي طباطبائي، مكتب در فرآيند تكامل، ص 31، مع تصرف في العبارات.
- ↑ نفس المصدر.
- ↑ محسن آقا بزرگ طهراني، الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ج 4، ص 482، مع تصرف في العبارات.
- ↑ سيد محسن أمين، أعيان الشيعة، ج 10، ص 132.
- ↑ محمد جواد مشكور، ثقافة الفرق الإسلامية، مشهد، منشورات آستان قدس رضوي، سنة 1372 ش، الطبعة الثانية، ص 123 و 423.
- ↑ فخر رازي، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، ص 74.
- ↑ ابن جوزي، تلبيس إبليس، ص 142.
- ↑ عباس إقبال آشتياني، عائلة النوبختي، ص 264.
- ↑ عبد المنعم حنفي، موسوعة الفرق والجماعات والمذاهب والأحزاب والحركات الإسلامية، ص 616.
- ↑ أحمد بن علي مقريزي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، ج 2، ص 351.
- ↑ شريف يحيى الأمين، قاموس الفرق الإسلامية، ص 262.
- ↑ صلاح أبو سعود، الفرق والجماعات والمذاهب الإسلامية، ص 61.