انتقل إلى المحتوى

الفرق بين المراجعتين لصفحة: «المعاد»

من ویکي‌وحدت
Halimi (نقاش | مساهمات)
Halimi (نقاش | مساهمات)
لا ملخص تعديل
سطر ٢٣: سطر ٢٣:


==== إعطاء اليوم الآخر موقعه في البنية العقائدية ====
==== إعطاء اليوم الآخر موقعه في البنية العقائدية ====
1ـ إعطاء اليوم الآخر موقعه في البنية العقائدية ، والتأكيد على أنه من اُصول الاعتقاد الواجبة ، قال تعالى : ( لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ )<ref>سورة البقرة : ٢ / ١٧٧</ref>. وقال تعالى : ( مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ )<ref>المائدة : ٥ / ٦٩</ref>.
1ـ إعطاء اليوم الآخر موقعه في البنية العقائدية، والتأكيد على أنه من اُصول الاعتقاد الواجبة ، قال تعالى : ( لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ )<ref>سورة البقرة : ٢ / ١٧٧</ref>. وقال تعالى : ( مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ )<ref>المائدة : ٥ / ٦٩</ref>.


==== التأكيد على وجود اليوم الآخر ====
==== التأكيد على وجود اليوم الآخر ====
٢ ـ التأكيد على وجود اليوم الآخر ، وكونه أمراً محتوماً لا ريب فيه ، ووعداً حقّاً لا يقبل التخلّف ، قال تعالى : ( رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ) <ref>سورة آل عمران : ٣ / ٩</ref>. وقال تعالى : ( اللهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا ) [٤] وقال تعالى : ( وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ بَلَىٰ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) <ref>سورة النمل : ١٦ / ٣٨</ref>. وقال تعالى : ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ) <ref>سورة سبأ : ٣٤ / ٣</ref>.
٢ ـ التأكيد على وجود اليوم الآخر ، وكونه أمراً محتوماً لا ريب فيه ، و[[الوعد|وعداً]] حقّاً لا يقبل التخلّف ، قال تعالى : ( رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ) <ref>سورة آل عمران : ٣ / ٩</ref>. وقال تعالى : ( اللهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا ) وقال تعالى : ( وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ بَلَىٰ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) <ref>سورة النمل : ١٦ / ٣٨</ref>. وقال تعالى : ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ) <ref>سورة سبأ : ٣٤ / ٣</ref>.


==== إثبات إمكان المعاد والنشور ====  
==== إثبات إمكان المعاد والنشور ====  
٣ ـ إثبات إمكان المعاد والنشور بطريق ملموس لا يقبل الحمل والتأويل ، وذلك بذكر أمثلة من إعادة بعض الأشخاص والأقوام والحيوانات من الاُمم السابقة إلى الحياة الدنيا ، بعد أن ثبت موتهم وخروجهم إلى عالم الموتى ، فعاشوا بعد حياتهم الثانية مدةً إلى أن توفّاهم الله سبحانه بآجالهم ، وقد وقع ذلك في أدوار وأمكنة مختلفة ، لدفع استبعاد الناس للنشأة الآخرة ،  
٣ ـ إثبات إمكان المعاد والنشور بطريق ملموس لا يقبل الحمل والتأويل ، وذلك بذكر أمثلة من إعادة بعض الأشخاص والأقوام والحيوانات من الاُمم السابقة إلى الحياة [[الدنيا]] ، بعد أن ثبت موتهم وخروجهم إلى عالم الموتى ، فعاشوا بعد حياتهم الثانية مدةً إلى أن توفّاهم الله سبحانه بآجالهم ، وقد وقع ذلك في أدوار وأمكنة مختلفة ، لدفع استبعاد الناس للنشأة [[الآخرة]] ،  


==== إثبات قدرة الله تعالى على المعاد ====
==== إثبات قدرة الله تعالى على المعاد ====
وفي ما يلي بعض الأمثلة على ذلك:
وفي ما يلي بعض الأمثلة على ذلك:
* أ ـ إحياء قوم من بني إسرائيل ، قال تعالى : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ )<ref>سورة البقرة : ٢ / ٢٤٣</ref>.
* أ ـ إحياء قوم من بني إسرائيل ، قال تعالى : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ )<ref>سورة البقرة : ٢ / ٢٤٣</ref>.
* ب ـ إحياء أحد أنبياء بني إسرائيل ، قال تعالى : ( أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )<ref>سورة البقرة : ٢ / ٢٥٩.</ref>.
* ب ـ إحياء أحد أنبياء [[بني إسرائيل]] ، قال تعالى : ( أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )<ref>سورة البقرة : ٢ / ٢٥٩.</ref>.
* ج‌ ـ إحياء سبعين رجلاً من قوم موسى عليه‌السلام ، قال تعالى : ( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )<ref>سورة البقرة : ٢ / ٥٥ ـ ٥٦</ref>.
* ج‌ ـ إحياء سبعين رجلاً من قوم [[موسى]] عليه‌ السلام ، قال تعالى : ( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )<ref>سورة البقرة : ٢ / ٥٥ ـ ٥٦</ref>.
* د ـ إحياء قتيل بني إسرائيل ، قال تعالى : ( وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ )<ref>سورة البقرة : ٢ / ٧٢ ـ ٧٣</ref>.
* د ـ إحياء قتيل بني إسرائيل ، قال تعالى : ( وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ )<ref>سورة البقرة : ٢ / ٧٢ ـ ٧٣</ref>.
* ه‌ ـ إحياء الطيور لإبراهيم عليه‌السلام بإذن الله سبحانه ، قال تعالى : ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) <ref>سورة البقرة : ٢ / ٢٦٠</ref>.
* ه‌ ـ إحياء الطيور [[إبراهيم الني|لإبراهيم]] عليه‌السلام بإذن الله سبحانه ، قال تعالى : ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) <ref>سورة البقرة : ٢ / ٢٦٠</ref>.


==== أهمّ وظائف الأنبياء هو إنذار الناس بالمعاد ====
==== أهمّ وظائف الأنبياء هو إنذار الناس بالمعاد ====
سطر ٤٣: سطر ٤٣:


==== تاكيد القرآن على وجود عقيدة المعاد في الشرائع السماوية ====
==== تاكيد القرآن على وجود عقيدة المعاد في الشرائع السماوية ====
السابقة للإسلام ، فقال سبحانه في ذكر خطاب نوح عليه‌السلام لقومه وكان فيه : ( وَاللهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا )<ref>سورة نوح : ٧١ / ١٧ ـ ١٨</ref>.
السابقة للإسلام ، فقال سبحانه في ذكر خطاب [[نوح]] عليه‌السلام لقومه وكان فيه : ( وَاللهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا )<ref>سورة نوح : ٧١ / ١٧ ـ ١٨</ref>.
وقال تعالى في شأن موسى عليه‌السلام : ( ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ )<ref>سورة الأنعام : ٦ / ١٥٤</ref>.
وقال تعالى في شأن موسى عليه‌السلام : ( ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ )<ref>سورة الأنعام : ٦ / ١٥٤</ref>.
وقال تعالى حكاية عن تنديد موسى عليه‌السلام بفرعون وملئه : ( إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ )<ref>سورة غافر : ٤٠ / ٢٧</ref>.
وقال تعالى حكاية عن تنديد موسى عليه‌السلام بفرعون وملئه : ( إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ )<ref>سورة غافر : ٤٠ / ٢٧</ref>.
وقال سبحانه مذكّراً عيسى عليه‌السلام بيوم القيامة : ( إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ )<ref>سورة آل عمران : ٣ / ٥٥.</ref>.
وقال سبحانه مذكّراً [[عيسى المسيح|عيسى]] عليه‌السلام بيوم القيامة : ( إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ )<ref>سورة آل عمران : ٣ / ٥٥.</ref>.


==== ردّ شبهات منكري المعاد ====
==== ردّ شبهات منكري المعاد ====
سطر ٥٣: سطر ٥٣:


=== السنّةالمباركة ===
=== السنّةالمباركة ===
لقد أسهبت الأحاديث النبوية وأحاديث أهل البيت عليهم‌السلام في وصف العالم الآخر ، وما فيه من الحشر والحساب والنعيم والعذاب ، وعلى نفس المستويات المذكورة في القرآن الكريم ، بل بتفصيل أكثر وتوضيح أوفر ، وسنقتصر في هذا المقام على ذكر بعض الأحاديث الدالّة على وجوب المعاد وضرورته وحتميته.
لقد أسهبت الأحاديث النبوية وأحاديث أهل البيت عليهم‌ السلام في وصف العالم الآخر ، وما فيه من الحشر والحساب والنعيم والعذاب ، وعلى نفس المستويات المذكورة في [[القرآن الكريم]] ، بل بتفصيل أكثر وتوضيح أوفر ، وسنقتصر في هذا المقام على ذكر بعض الأحاديث الدالّة على وجوب المعاد وضرورته وحتميته.
قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « يا بني عبدالمطلب ، إن الرائد لا يكذب أهله ، والذي بعثني بالحق لتموتنّ كما تنامون ، ولتبعثنّ كما تستيقظون ، وما بعد الموت دارٌ إلّا جنّة أو نار ، وخَلْقُ جميع الخلق وبعثهم على الله عزَّوجلَّ كخلق نفس واحدة وبعثها ، قال الله تعالى : ( مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ )<ref>الاعتقادات / الصدوق : ٦٤ مؤتمر الشيخ المفيد ـ قم ، بحار الأنوار / المجلسي ٧ : ٤٧ / ٣١ و ١٠٣ / ١٣</ref>.
قال [[رسول الله]] صلى‌الله‌عليه‌ وآله‌ وسلم : « يا بني [[عبد المطلب]] ، إن الرائد لا يكذب أهله ، والذي بعثني بالحق لتموتنّ كما تنامون ، ولتبعثنّ كما تستيقظون ، وما بعد الموت دارٌ إلّا جنّة أو نار ، وخَلْقُ جميع الخلق وبعثهم على الله عزَّوجلَّ كخلق نفس واحدة وبعثها ، قال الله تعالى : ( مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ )<ref>الاعتقادات / الصدوق : ٦٤ مؤتمر الشيخ المفيد ـ قم ، بحار الأنوار / المجلسي ٧ : ٤٧ / ٣١ و ١٠٣ / ١٣</ref>.
وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : « لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربعة : حتى يشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له ، وأنى رسول الله بعثني بالحق ، وحتى يؤمن بالبعث بعد الموت ، وحتى يؤمن بالقدر » <ref>بحار الأنوار ٧ : ٤٠ / ١١</ref>.
وقال صلى‌الله‌عليه‌ وآله‌ وسلم : « لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربعة : حتى يشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له ، وأنى رسول الله بعثني بالحق ، وحتى يؤمن بالبعث بعد الموت ، وحتى يؤمن بالقدر » <ref>بحار الأنوار ٧ : ٤٠ / ١١</ref>.
وقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : « حتى إذا بلغ الكتاب أجله ، والأمر مقاديره ، واُلحق آخر الخلق بأوله ، وجاء من أمر الله ما يريده من تجديد خلقه ، ماد السماء وفطرها ، وأرجّ الأرض وأرجفها ، وقلع جبالها ونسفها ، ودكّ بعضها بعضاً من هيبة جلالته ، ومخوف سطوته ، وأخرج من فيها فجدّدهم بعد إخلاقهم ، وجمعهم بعد تفرّقهم ، ثم ميّزهم لما يريده من مسألتهم عن خفايا الأعمال ، وخبايا الأفعال ، وجعلهم فريقين : أنعم على هؤلاء ، وانتقم من هؤلاء » <ref>نهج البلاغة / صبحي الصالح : ١٦١ ـ الخطبة ١٠٩</ref>.
وقال [[علي بن أبي طالب (أميرالمؤمنين)|أمير المؤمنين عليه‌ السلام]] : « حتى إذا بلغ الكتاب أجله ، والأمر مقاديره ، واُلحق آخر الخلق بأوله ، وجاء من أمر الله ما يريده من تجديد خلقه ، ماد السماء وفطرها ، وأرجّ الأرض وأرجفها ، وقلع جبالها ونسفها ، ودكّ بعضها بعضاً من هيبة جلالته ، ومخوف سطوته ، وأخرج من فيها فجدّدهم بعد إخلاقهم ، وجمعهم بعد تفرّقهم ، ثم ميّزهم لما يريده من مسألتهم عن خفايا الأعمال ، وخبايا الأفعال ، وجعلهم فريقين : أنعم على هؤلاء ، وانتقم من هؤلاء » <ref>نهج البلاغة / صبحي الصالح : ١٦١ ـ الخطبة ١٠٩</ref>.
وقال عليه‌السلام في وصف يوم القيامة : « ذلك يوم يجمع الله فيه الأولين والآخرين لنقاش الحساب وجزاء الأعمال ، خضوعاً ، قياماً ، قد ألجمهم العرق ، ورجفت بهم الأرض ، فأحسنهم حالاً من وجد لقدميه موضعاً ، ولنفسه متّسعاً »<ref>نهج البلاغة / صبحي الصالح : ١٤٧ ـ الخطبة ١٠٢</ref>.
وقال عليه‌السلام في وصف يوم القيامة : « ذلك يوم يجمع الله فيه الأولين والآخرين لنقاش الحساب وجزاء الأعمال ، خضوعاً ، قياماً ، قد ألجمهم العرق ، ورجفت بهم الأرض ، فأحسنهم حالاً من وجد لقدميه موضعاً ، ولنفسه متّسعاً »<ref>نهج البلاغة / صبحي الصالح : ١٤٧ ـ الخطبة ١٠٢</ref>.
وقال الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه‌السلام : « العجب كلّ العجب لمن شكّ في الله وهو يرى الخلق ، والعجب كلّ العجب لمن أنكر الموت وهو يرى من يموت كلّ يوم وليلة ، والعجب كلّ العجب لمن أنكر النشأة الآخرة وهو يرى النشأة الاُولى ، والعجب كلّ العجب لعامر دار الفناء ويترك دار البقاء » <ref>بحار الأنوار ٧ : ٤٢ / ١٤ ، حق اليقين / عبدالله شبر ٢ : ٥٤</ref>.
وقال [[علي بن الحسين (السجاد)|الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه‌ السلام]] : « العجب كلّ العجب لمن شكّ في الله وهو يرى الخلق ، والعجب كلّ العجب لمن أنكر الموت وهو يرى من يموت كلّ يوم وليلة ، والعجب كلّ العجب لمن أنكر النشأة الآخرة وهو يرى النشأة الاُولى ، والعجب كلّ العجب لعامر دار الفناء ويترك دار البقاء » <ref>بحار الأنوار ٧ : ٤٢ / ١٤ ، حق اليقين / عبدالله شبر ٢ : ٥٤</ref>.


=== الإجماع ===
=== الإجماع ===
إن الاعتقاد باليوم الآخر ممّا أجمع عليه المسلمون كافة بلا مخالف في ذلك ، وجميعهم يعتبرون الإيمان باليوم الآخر من ضرورات الدين التي يجب الاعتقاد بها ، ومن أنكرها فهو خارج عن عداد المسلمين <ref>بحار الأنوار ٧ : ٤٧ ـ ٤٨ ، حق اليقين / عبدالله شبّر ٢ : ٣٧ ـ ٣٨</ref>. ، وما يردّده المسلمون كلّ يوم في صلواتهم : ( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) هو تعبير عن إيمانهم بوجود الحياة بعد الموت ، وكون ذلك محلّ وفاق عند الجميع.
إن الاعتقاد باليوم الآخر ممّا [[إجماع|أجمع]] عليه المسلمون كافة بلا مخالف في ذلك ، وجميعهم يعتبرون الإيمان باليوم الآخر من ضرورات الدين التي يجب الاعتقاد بها ، ومن أنكرها فهو خارج عن عداد المسلمين <ref>بحار الأنوار ٧ : ٤٧ ـ ٤٨ ، حق اليقين / عبدالله شبّر ٢ : ٣٧ ـ ٣٨</ref>. ، وما يردّده المسلمون كلّ يوم في صلواتهم : ( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) هو تعبير عن إيمانهم بوجود الحياة بعد الموت ، وكون ذلك محلّ وفاق عند الجميع.
وقد اتفقت الشرائع والأديان على وجود الحياة بعد الموت ، وإنما وقع الاختلاف في كيفية الاعادة بعد الموت ، وقد ذكرنا الأقوال في المعنى الاصطلاحي للمعاد ، وليس غرضنا هنا تحقيق تلك الأقوال وبيان المختار نها ، وإنما المهمّ التأكيد على أصل الفكرة ، وهي عودة الإنسان كيفما اتفق إلى حياة ثانية ، يحاسب فيها ويُجزى بأعماله ، إن خيراً فخير ، وإن شراً فشرّ ، وذلك محلّ وفاق عند الجميع ، لأنّه ممكن عقلاً وواقع حتماً بنصّ القرآن الكريم وسائر الكتب السماوية.
وقد اتفقت [[الشريعة|الشرائع]] و[[الأديان الإبراهيمية|الأديان]] على وجود الحياة بعد الموت ، وإنما وقع الاختلاف في كيفية الاعادة بعد الموت ، وقد ذكرنا الأقوال في المعنى الاصطلاحي للمعاد ، وليس غرضنا هنا تحقيق تلك الأقوال وبيان المختار نها ، وإنما المهمّ التأكيد على أصل الفكرة ، وهي عودة الإنسان كيفما اتفق إلى حياة ثانية ، يحاسب فيها ويُجزى بأعماله ، إن خيراً فخير ، وإن شراً فشرّ ، وذلك محلّ وفاق عند الجميع ، لأنّه ممكن عقلاً وواقع حتماً بنصّ القرآن الكريم وسائر الكتب السماوية.


=== الدليل العقلي ===
=== الدليل العقلي ===
استدلّ كثير من الفلاسفة والمتكلمين ، بالبراهين العقلية المجرّدة ، على حتمية المعاد ووجوبه ، كما جاء في الكتاب الكريم أيضاً الكثير من الأدلّة العقلية والبراهين الوجدانية على ثبوت حقيقة المعاد والحياة الآخرة ، للردّ على منكري المعاد ، وإثبات كونه قطعي الوجوب وحتمي الحدوث ، وفي ما يلي نذكر بعض تلك البراهين :
استدلّ كثير من الفلاسفة و[[المتكلم|المتكلمين]] ، بالبراهين العقلية المجرّدة ، على حتمية المعاد ووجوبه ، كما جاء في الكتاب الكريم أيضاً الكثير من الأدلّة العقلية والبراهين الوجدانية على ثبوت حقيقة المعاد والحياة الآخرة ، للردّ على منكري المعاد ، وإثبات كونه قطعي الوجوب وحتمي الحدوث ، وفي ما يلي نذكر بعض تلك البراهين :


==== برهان المماثلة ====
==== برهان المماثلة ====
قال العلّامة الحلي : العالم المماثل لهذا العالم ممكن الوجود ، لأن هذا العالم ممكن الوجود ، وحكم المثلين واحد ، فلمّا كان هذا العالم ممكناً وجب الحكم على الآخر بالإمكان <ref>كشف المراد / العلّامة الحلي : ٤٢٤ ـ انتشارات شكوري ـ قم</ref>.وقد ورد في القرآن الكريم بعض الأمثلة ، في المساواة بين الإحياء في الدنيا والإحياء في الآخرة ، وذلك من خلال نمطين في المماثلة ؛ الأول : مماثلة النشأة الاُولىٰ من العدم بالنشأة الآخرة ، والثاني : مماثلة إحياء الأرض بعد موتها بالإحياء في الآخرة ، والعقل يحكم بتساوي الأمثال في الحكم ، ومنه
قال [[العلّامة الحلي]] : العالم المماثل لهذا العالم ممكن الوجود ، لأن هذا العالم ممكن الوجود ، وحكم المثلين واحد ، فلمّا كان هذا العالم ممكناً وجب الحكم على الآخر بالإمكان <ref>كشف المراد / العلّامة الحلي : ٤٢٤ ـ انتشارات شكوري ـ قم</ref>.وقد ورد في القرآن الكريم بعض الأمثلة ، في المساواة بين الإحياء في الدنيا والإحياء في الآخرة ، وذلك من خلال نمطين في المماثلة ؛ الأول : مماثلة النشأة الاُولىٰ من العدم بالنشأة الآخرة ، والثاني : مماثلة إحياء الأرض بعد موتها بالإحياء في الآخرة ، و[[العقل]] يحكم بتساوي الأمثال في الحكم ، ومنه بيّن أن القادر على الإحياء الأول قادر على الإحياء الآخر ؛ لأنهما مثلان.
بيّن أن القادر على الإحياء الأول قادر على الإحياء الآخر ؛ لأنهما مثلان.


===== النمط الأول من المماثلة : =====
===== النمط الأول من المماثلة : =====
ونريد به البرهان على المعاد من خلال المبدأ ، عن طريق المماثلة بينهما ، فقد أكّد الكتاب الكريم على إمكان المعاد عن طريق ثبوت مثله أولاً ، وذلك بالمماثلة بين إيجاد الانسان في هذه الدنيا بعد أن كان عدماً ـ كما في خلق آدم عليه‌السلام ابتداءً من غير مادة لأبٍ واُمّ ـ وبين إعادته إلى الحياة بعد الموت والفناء ؛ فقال تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ) إلى قوله تعالى : ( ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )<ref>سورة الحج ٢٢ / ٥ ـ ٦</ref>.
ونريد به البرهان على المعاد من خلال [[المبدأ]] ، عن طريق المماثلة بينهما ، فقد أكّد الكتاب الكريم على إمكان المعاد عن طريق ثبوت مثله أولاً ، وذلك بالمماثلة بين إيجاد [[الإنسان|الانسان]] في هذه الدنيا بعد أن كان عدماً ـ كما في خلق [[آدم]] عليه‌ السلام ابتداءً من غير مادة لأبٍ واُمّ ـ وبين إعادته إلى الحياة بعد الموت والفناء ؛ فقال تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ) إلى قوله تعالى : ( ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )<ref>سورة الحج ٢٢ / ٥ ـ ٦</ref>.
فالإنسان لم يكن شيئاً مذكوراً ، فأوجده الله تعالى من تراب ، وأخرجه من العدم إلى حيّز الوجود ، ووهبه النطق والعقل ، وجعله في أحسن تقويم ، فلا ريب إذن في إمكان بعثه بعد الموت وتفرّق الأجزاء ، لأنه يماثل خلقه وإيجاده في هذه الدنيا بعد أن كان عدماً ، ولأن حكم الأمثال واحد ، والعقل لا يفرّق بين المتساويين ، بل يجعل وجود أحدهما دليلاً على إمكان وجود المساوي الآخر ، فضلاً عن أن النشأة الاُولى أعظم وأجلّ ، قال تعالى : ( وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) <ref>سورة الروم : ٣٠ / ٢٧</ref>.
فالإنسان لم يكن شيئاً مذكوراً ، فأوجده الله تعالى من تراب ، وأخرجه من العدم إلى حيّز الوجود ، ووهبه النطق والعقل ، وجعله في أحسن تقويم ، فلا ريب إذن في إمكان بعثه بعد الموت وتفرّق الأجزاء ، لأنه يماثل خلقه وإيجاده في هذه الدنيا بعد أن كان عدماً ، ولأن حكم الأمثال واحد ، والعقل لا يفرّق بين المتساويين ، بل يجعل وجود أحدهما دليلاً على إمكان وجود المساوي الآخر ، فضلاً عن أن النشأة الاُولى أعظم وأجلّ ، قال تعالى : ( وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) <ref>سورة الروم : ٣٠ / ٢٧</ref>.
ويدخل في هذا البرهان جميع الآيات التي تساوي بين المبدأ والمعاد من حيث الحكم ، منها قوله تعالى : ( اللهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) <ref>سورة الروم : ٣٠ / ١١</ref>. وقوله تعالى : ( فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ <ref>) سورة الاسراء : ١٧ / ٥١</ref>. وقوله تعالى : ( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ) <ref>سورة الأنبياء : ٢١ / ١٠٤</ref>.
ويدخل في هذا البرهان جميع الآيات التي تساوي بين المبدأ والمعاد من حيث الحكم ، منها قوله تعالى : ( اللهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) <ref>سورة الروم : ٣٠ / ١١</ref>. وقوله تعالى : ( فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ <ref>) سورة الاسراء : ١٧ / ٥١</ref>. وقوله تعالى : ( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ) <ref>سورة الأنبياء : ٢١ / ١٠٤</ref>.
سطر ٧٩: سطر ٧٨:
أكدّ الكتاب الكريم في كثير من آياته <ref>سورة الروم : ٣٠ / ١٩ ، وفاطر : ٣٥ / ٩ ، وفصلت : ٤١ / ٣٩</ref>. على إثبات المعاد عن طريق المماثلة بين إحياءٍ محسوس ومشاهد ، وهو إحياء الأرض بعد موتها ، بخروج النبات منها وعودة نشاطه الحيوي بعد جفافه أو ركوده وتوقّفه عن العمل في الشتاء ، وبين إحياء الأموات يوم القيامة ، قال تعالى : ( فَانظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) <ref>الزخرف : ٤٣ / ١١ ، وق : ٥٠ / ١١</ref>.
أكدّ الكتاب الكريم في كثير من آياته <ref>سورة الروم : ٣٠ / ١٩ ، وفاطر : ٣٥ / ٩ ، وفصلت : ٤١ / ٣٩</ref>. على إثبات المعاد عن طريق المماثلة بين إحياءٍ محسوس ومشاهد ، وهو إحياء الأرض بعد موتها ، بخروج النبات منها وعودة نشاطه الحيوي بعد جفافه أو ركوده وتوقّفه عن العمل في الشتاء ، وبين إحياء الأموات يوم القيامة ، قال تعالى : ( فَانظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) <ref>الزخرف : ٤٣ / ١١ ، وق : ٥٠ / ١١</ref>.
وقال تعالى : ( وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّىٰ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) <ref>سورة الأعراف : ٧ / ٥٧</ref>. هذه الآية الكريمة والتي قبلها في معرض مناشدة العقل السليم الذي يقرّر أن حُكم الأمثال واحد ، فإذا تحقّق الإحياء في الأرض بعد موتها ، أمكن تحققه في الإنسان بعد موته ، وفي غيره من الأحياء.
وقال تعالى : ( وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّىٰ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) <ref>سورة الأعراف : ٧ / ٥٧</ref>. هذه الآية الكريمة والتي قبلها في معرض مناشدة العقل السليم الذي يقرّر أن حُكم الأمثال واحد ، فإذا تحقّق الإحياء في الأرض بعد موتها ، أمكن تحققه في الإنسان بعد موته ، وفي غيره من الأحياء.
قال السيد الطباطبائي : المراد بقوله : ( إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ ) الدلالة على المماثلة بين إحياء الأرض الميتة وإحياء الموتى ، إذ في كل منهما موت ، وهو سقوط آثار الحياة من شيء محفوظ ، وحياة وهي تجدّد تلك الآثار بعد سقوطها ، وقد تحقّق الإحياء في الأرض والنبات ، وحياة الإنسان وغيره من ذوي الحياة مثلهما ، وحكم الأمثال في ما يجوز وفي ما لا يجوز واحد ، فإذا جاز الإحياء في بعض هذه الأمثال ، وهو الأرض والنبات ، فليجز في البعض الآخر <ref>تفسير الميزان ـ مؤسسة الأعلمي ١٦ : ٢٠٣ ، وراجع ١٧ : ٢١</ref>.
قال [[السيد محمد حسين الطباطبائي|السيد الطباطبائي]] : المراد بقوله : ( إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ ) الدلالة على المماثلة بين إحياء الأرض الميتة وإحياء الموتى ، إذ في كل منهما موت ، وهو سقوط آثار الحياة من شيء محفوظ ، وحياة وهي تجدّد تلك الآثار بعد سقوطها ، وقد تحقّق الإحياء في الأرض و[[النبات]] ، وحياة الإنسان وغيره من ذوي الحياة مثلهما ، وحكم الأمثال في ما يجوز وفي ما لا يجوز واحد ، فإذا جاز الإحياء في بعض هذه الأمثال ، وهو الأرض والنبات ، فليجز في البعض الآخر <ref>تفسير الميزان ـ مؤسسة الأعلمي ١٦ : ٢٠٣ ، وراجع ١٧ : ٢١</ref>.وقد أشار الكتاب الكريم إلى ما يقرّب هذا المعنى ، وهو كون خلق الإنسان كالإنبات وكذلك إعادته ، قال تعالى : ( وَاللهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا ) سورة <ref>نوح : ٧١ / ١٧ ـ ١٨</ref>.
وقد أشار الكتاب الكريم إلى ما يقرّب هذا المعنى ، وهو كون خلق الإنسان كالإنبات وكذلك إعادته ، قال تعالى : ( وَاللهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا ) سورة <ref>نوح : ٧١ / ١٧ ـ ١٨</ref>.


==== برهان الحكمة ====
==== برهان الحكمة ====
إنّ الله تعالى حكيم في أفعاله ، وكلّ ما يصدر منه جلَّ وعلا في عالمي التكوين والتشريع يخضع لمبدأ الحكمة والهادفية ، فالمنظومة الكونية في نظامها العجيب تسير بكل جزئياتها وفق حركة هادفة ، وتتّجه صوب نهاية مرسومة بدقة وإحكام ، وكذلك تخضع المفردات التشريعية في وجودها وحركتها وتفاعلها إلى مبدأ الحكمة الإلهية والغاية الحكيمة التي تتجافى عن العبث واللغو والباطل ، قال تعالى : ( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ) <ref>سورة المؤمنون : ٢٣ / ١١٥</ref>. ، وقال تعالى : ( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ )<ref>سورة ص : ٣٨ / ٢٧.</ref> وقال تعالى ( أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى )<ref>سورة القيامة : ٧٥ / ٣٦</ref>.
إنّ [[الله]] تعالى حكيم في أفعاله ، وكلّ ما يصدر منه جلَّ وعلا في عالمي التكوين والتشريع يخضع لمبدأ الحكمة والهادفية ، فالمنظومة الكونية في نظامها العجيب تسير بكل جزئياتها وفق حركة هادفة ، وتتّجه صوب نهاية مرسومة بدقة وإحكام ، وكذلك تخضع المفردات التشريعية في وجودها وحركتها وتفاعلها إلى مبدأ [[الحكمة الإلهية]] والغاية الحكيمة التي تتجافى عن العبث واللغو والباطل ، قال تعالى : ( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ) <ref>سورة المؤمنون : ٢٣ / ١١٥</ref>. ، وقال تعالى : ( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ )<ref>سورة ص : ٢٧.</ref> وقال تعالى ( أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى )<ref>سورة القيامة : ٧٥ / ٣٦</ref>.


== مواضيع ذات صلة ==
== مواضيع ذات صلة ==

مراجعة ٠٨:٢٥، ٢٠ يناير ٢٠٢٦

المعاد هو مصدر عاد إليه يعود عَوْداً، بمعنى رجع وصار إليه وفي الإصطلاح وهو الوجود الثاني للأجسام وإعادتها بعد موتها وتفرّقها، وقد اختلفت في حقيقته ؛ أهو روحاني فقط ، أم هو جسماني، ام هو روحاني وجسماني معا، وإن أساس الإيمان باليوم الآخر يقوم على ثوابت الوحي الإلهي الصادر عن الذات الإلهية المقدسة ، ولقد حظيت عقيدة المعاد بنصيب وافر من الآيات القرآنية ، فلا تكاد تخلو سورة من سور القرآن الكريم من بضع آيات تتكلّم عن عالم الآخرة ، حتى أنه قيل : إن عدد الآيات التي أخبرت عن المعاد على نحو التصريح أو التلويح ، قد بلغ أكثر من ألف آية، وكان الإخبار القرآني عن اليوم الآخر وما يتّصل به قد جاء على مستويات مختلفة ، فقد ساق الأدلة والبراهين المختلفة على إمكان المعاد وضرورته ووجوبه كأصل من أصول الاعتقاد الثابتة في جميع الشرائع السماوية ، وردّ على شبهات المنكرين ، وأخبر عن أشراط الساعة والبعث بعد الموت والمحشر والحساب والصراط ، ووصف حال المؤمنين في الجنة وما اُعدّ لهم من النعيم الدائم ، وحال المجرمين في جهنم وما اُعدّ لهم من العذاب الأبدي.

معنى المعاد لغةً واصطلاحاً

المعاد في اللغة

كلّ شيءٍ إليه المصير والمآل ، وهو مصدر عاد إليه يعود عَوْداً وعودةً ومعاداً ، أي : رجع وصار إليه ، قال تعالى : ( كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ )[١].ويتعدّى بنفسه وبالهمزة ، فيقال : عاد الشيءَ عَوْداً وعِياداً : انتابه وبدأه ثانياً ، وأعدتُ الشيء : رددته ثانياً ، أو أرجعته ، وأعاد الكلام : كرّره ، قال تعالى : ( ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا ) [٢].وأصل المعاد ( مَعْوَد ) على وزن ( مَفْعَل ) قُلبتْ واوه ألفاً ، ومثله : مقام ومراح ، وقد جاء على الأصل في حديث أمير المؤمنين عليه‌السلام : « والحَكَمُ الله ، والمَعْوَدُ إليهِ القِيامةُ» [٣].ومَفْعَل ومقلوبها تستعمل مصدراً صحيحاً بمعنى العَوْد ، واسماً لمكان العَوْد أو زمانه ، قال تعالى : ( إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ ) [٤]. ، وفي الحديث : « واصلح لي آخرتي التي فيها معادي ».والمبدئ المعيد : من صفات الله تعالى ، لأنّ الله سبحانه بدأ الخلق إحياءً ، ثمّ يميتهم ، ثم يعيدهم إلى الحياة يوم القيامة ، قال تعالى : ( وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ )[٥].

المعاد في الاصطلاح

هو الوجود الثاني للأجسام وإعادتها بعد موتها وتفرّقها [٦] .وعرّف أيضاً بأنه الرجوع إلى الوجود بعد الفناء ، أو رجوع أجزاء البدن إلى الاجتماع بعد التفرّق ، وإلى الحياة بعد الموت ، ورجوع الأرواح إلى الأبدان بعد المفارقة [٧] .

حقيقة المعاد وماهيته

اختلفوا في حقيقته ؛ أهو روحاني فقط ، أم هو جسماني ؛ فالقائلون بأنه روحاني فقط، هم جمهور الفلاسفة الذين توقفوا عند قاعدتهم العقلية التي تقول : إن المعدوم لا يعاد. فلما كانت الأبدان تنعدم بعد الموت ، فلا يمكن أن تعاد ثانية ، وعليه جعلوا المعاد وما يتعلّق به من شأن الروح وحدها التي لا يعتريها الفناء. وأما القائلون بالمعاد الجسماني ، وهم عامة أهل الإسلام من المتكلمين والفقهاء وأهل الحديث وأهل التصوف ، فقد آمنوا بعودة الأبدان يوم القيامة كما أخبر عنه الله تعالىٰ. وقد افترق هؤلاء أيضاً في مصير الروح بعد الموت إلى فريقين لاختلافهم في تفسير الروح ؛ فقال فريق بأن الروح جسم سارٍ في البدن سريان النار في الفحم ، والماء في الورد ، فالمعاد عندهم بالنسبة للبدن والروح هو معاد جسماني ، وقال آخرون وفيهم كثير من الحكماء وأكابر المتكلمين والعرفاء بتجرد الروح وعودتها إلى البدن بعد البعث .. فيصبح المعاد عندهم جسماني روحاني. وعلى هذا ورد تقسيم الأقوال في المعاد إلى ثلاثة : روحاني ، وجسماني ، وجسماني روحاني [٨].

أدلّة حتمية المعاد ووجوبه

الأدلّة القرآنية

إن أساس الإيمان باليوم الآخر يقوم على ثوابت الوحي الإلهي الصادر عن الذات الإلهية المقدسة ، ولقد حظيت عقيدة المعاد بنصيب وافر من الآيات القرآنية ، فلا تكاد تخلو سورة من سور القرآن الكريم من بضع آيات تتكلّم عن عالم الآخرة ، حتى أنه قيل : إن عدد الآيات التي أخبرت عن المعاد على نحو التصريح أو التلويح ، قد بلغ أكثر من ألف آية. وكان الإخبار القرآني عن اليوم الآخر وما يتّصل به قد جاء على مستويات مختلفة ، فقد ساق الأدلة والبراهين المختلفة على إمكان المعاد وضرورته ووجوبه كأصل من أصول الاعتقاد الثابتة في جميع الشرائع السماوية ، وردّ على شبهات المنكرين ، وأخبر عن أشراط الساعة والبعث بعد الموت والمحشر والحساب والصراط ، ووصف حال المؤمنين في الجنة وما اُعدّ لهم من النعيم الدائم ، وحال المجرمين في جهنم وما اُعدّ لهم من العذاب الأبدي.

الصورة الموجزة عن المعاد في الآيات القرآنية

وفي ما يلي نقدّم صورةً موجزةً عن أهم المضامين القرآنية الواردة في النشأة الاُخرى ، وما يتعلّق بها :

إعطاء اليوم الآخر موقعه في البنية العقائدية

1ـ إعطاء اليوم الآخر موقعه في البنية العقائدية، والتأكيد على أنه من اُصول الاعتقاد الواجبة ، قال تعالى : ( لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ )[٩]. وقال تعالى : ( مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ )[١٠].

التأكيد على وجود اليوم الآخر

٢ ـ التأكيد على وجود اليوم الآخر ، وكونه أمراً محتوماً لا ريب فيه ، ووعداً حقّاً لا يقبل التخلّف ، قال تعالى : ( رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ) [١١]. وقال تعالى : ( اللهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا ) وقال تعالى : ( وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ بَلَىٰ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) [١٢]. وقال تعالى : ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ) [١٣].

إثبات إمكان المعاد والنشور

٣ ـ إثبات إمكان المعاد والنشور بطريق ملموس لا يقبل الحمل والتأويل ، وذلك بذكر أمثلة من إعادة بعض الأشخاص والأقوام والحيوانات من الاُمم السابقة إلى الحياة الدنيا ، بعد أن ثبت موتهم وخروجهم إلى عالم الموتى ، فعاشوا بعد حياتهم الثانية مدةً إلى أن توفّاهم الله سبحانه بآجالهم ، وقد وقع ذلك في أدوار وأمكنة مختلفة ، لدفع استبعاد الناس للنشأة الآخرة ،

إثبات قدرة الله تعالى على المعاد

وفي ما يلي بعض الأمثلة على ذلك:

  • أ ـ إحياء قوم من بني إسرائيل ، قال تعالى : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ )[١٤].
  • ب ـ إحياء أحد أنبياء بني إسرائيل ، قال تعالى : ( أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )[١٥].
  • ج‌ ـ إحياء سبعين رجلاً من قوم موسى عليه‌ السلام ، قال تعالى : ( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )[١٦].
  • د ـ إحياء قتيل بني إسرائيل ، قال تعالى : ( وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ )[١٧].
  • ه‌ ـ إحياء الطيور لإبراهيم عليه‌السلام بإذن الله سبحانه ، قال تعالى : ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) [١٨].

أهمّ وظائف الأنبياء هو إنذار الناس بالمعاد

بيّن الكتاب الكريم أنّ من أهمّ وظائف الأنبياء عليهم‌السلام هو إنذار الناس بالبعث والحساب في اليوم الآخر ، فقال تعالى : ( يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ) [١٩]. وقال تعالى : ( وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا قَالُوا بَلَىٰ وَلَٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ ) [٢٠]. والانذار هنا عام لا يقتصر على اُمّة دون اُخرى.

تاكيد القرآن على وجود عقيدة المعاد في الشرائع السماوية

السابقة للإسلام ، فقال سبحانه في ذكر خطاب نوح عليه‌السلام لقومه وكان فيه : ( وَاللهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا )[٢١]. وقال تعالى في شأن موسى عليه‌السلام : ( ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ )[٢٢]. وقال تعالى حكاية عن تنديد موسى عليه‌السلام بفرعون وملئه : ( إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ )[٢٣]. وقال سبحانه مذكّراً عيسى عليه‌السلام بيوم القيامة : ( إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ )[٢٤].

ردّ شبهات منكري المعاد

تبنّت الكثير من الآيات القرآنية الردّ على شبهات منكري المعاد ، مؤكدة أنهم لا يمتلكون أدنى برهان أو دليل على إنكارهم ، وليس لديهم إلّا الظن الذي لا يُغني من الحق شيئاً ، قال تعالى : ( وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ) [٢٥]. وقال في موضع آخر : ( وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ) [٢٦]. وطالبهم بإقامة البرهان على إنكارهم ( قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) فما كان منهم إلّا شبهات ضعيفة وتخرّصات واهية ، أجاب عنها الكتاب الكريم بأجوبة شافية ، يستند بعضها إلىٰ البرهان العقلي الذي يؤكد ضرورة المعاد وحتمية الوعد الإلهي ، كما في قوله تعالىٰ حاكياً شبهتهم وراداً عليهم : ( وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ) [٢٧].

السنّةالمباركة

لقد أسهبت الأحاديث النبوية وأحاديث أهل البيت عليهم‌ السلام في وصف العالم الآخر ، وما فيه من الحشر والحساب والنعيم والعذاب ، وعلى نفس المستويات المذكورة في القرآن الكريم ، بل بتفصيل أكثر وتوضيح أوفر ، وسنقتصر في هذا المقام على ذكر بعض الأحاديث الدالّة على وجوب المعاد وضرورته وحتميته. قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌ وآله‌ وسلم : « يا بني عبد المطلب ، إن الرائد لا يكذب أهله ، والذي بعثني بالحق لتموتنّ كما تنامون ، ولتبعثنّ كما تستيقظون ، وما بعد الموت دارٌ إلّا جنّة أو نار ، وخَلْقُ جميع الخلق وبعثهم على الله عزَّوجلَّ كخلق نفس واحدة وبعثها ، قال الله تعالى : ( مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ )[٢٨]. وقال صلى‌الله‌عليه‌ وآله‌ وسلم : « لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربعة : حتى يشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له ، وأنى رسول الله بعثني بالحق ، وحتى يؤمن بالبعث بعد الموت ، وحتى يؤمن بالقدر » [٢٩]. وقال أمير المؤمنين عليه‌ السلام : « حتى إذا بلغ الكتاب أجله ، والأمر مقاديره ، واُلحق آخر الخلق بأوله ، وجاء من أمر الله ما يريده من تجديد خلقه ، ماد السماء وفطرها ، وأرجّ الأرض وأرجفها ، وقلع جبالها ونسفها ، ودكّ بعضها بعضاً من هيبة جلالته ، ومخوف سطوته ، وأخرج من فيها فجدّدهم بعد إخلاقهم ، وجمعهم بعد تفرّقهم ، ثم ميّزهم لما يريده من مسألتهم عن خفايا الأعمال ، وخبايا الأفعال ، وجعلهم فريقين : أنعم على هؤلاء ، وانتقم من هؤلاء » [٣٠]. وقال عليه‌السلام في وصف يوم القيامة : « ذلك يوم يجمع الله فيه الأولين والآخرين لنقاش الحساب وجزاء الأعمال ، خضوعاً ، قياماً ، قد ألجمهم العرق ، ورجفت بهم الأرض ، فأحسنهم حالاً من وجد لقدميه موضعاً ، ولنفسه متّسعاً »[٣١]. وقال الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه‌ السلام : « العجب كلّ العجب لمن شكّ في الله وهو يرى الخلق ، والعجب كلّ العجب لمن أنكر الموت وهو يرى من يموت كلّ يوم وليلة ، والعجب كلّ العجب لمن أنكر النشأة الآخرة وهو يرى النشأة الاُولى ، والعجب كلّ العجب لعامر دار الفناء ويترك دار البقاء » [٣٢].

الإجماع

إن الاعتقاد باليوم الآخر ممّا أجمع عليه المسلمون كافة بلا مخالف في ذلك ، وجميعهم يعتبرون الإيمان باليوم الآخر من ضرورات الدين التي يجب الاعتقاد بها ، ومن أنكرها فهو خارج عن عداد المسلمين [٣٣]. ، وما يردّده المسلمون كلّ يوم في صلواتهم : ( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) هو تعبير عن إيمانهم بوجود الحياة بعد الموت ، وكون ذلك محلّ وفاق عند الجميع. وقد اتفقت الشرائع والأديان على وجود الحياة بعد الموت ، وإنما وقع الاختلاف في كيفية الاعادة بعد الموت ، وقد ذكرنا الأقوال في المعنى الاصطلاحي للمعاد ، وليس غرضنا هنا تحقيق تلك الأقوال وبيان المختار نها ، وإنما المهمّ التأكيد على أصل الفكرة ، وهي عودة الإنسان كيفما اتفق إلى حياة ثانية ، يحاسب فيها ويُجزى بأعماله ، إن خيراً فخير ، وإن شراً فشرّ ، وذلك محلّ وفاق عند الجميع ، لأنّه ممكن عقلاً وواقع حتماً بنصّ القرآن الكريم وسائر الكتب السماوية.

الدليل العقلي

استدلّ كثير من الفلاسفة والمتكلمين ، بالبراهين العقلية المجرّدة ، على حتمية المعاد ووجوبه ، كما جاء في الكتاب الكريم أيضاً الكثير من الأدلّة العقلية والبراهين الوجدانية على ثبوت حقيقة المعاد والحياة الآخرة ، للردّ على منكري المعاد ، وإثبات كونه قطعي الوجوب وحتمي الحدوث ، وفي ما يلي نذكر بعض تلك البراهين :

برهان المماثلة

قال العلّامة الحلي : العالم المماثل لهذا العالم ممكن الوجود ، لأن هذا العالم ممكن الوجود ، وحكم المثلين واحد ، فلمّا كان هذا العالم ممكناً وجب الحكم على الآخر بالإمكان [٣٤].وقد ورد في القرآن الكريم بعض الأمثلة ، في المساواة بين الإحياء في الدنيا والإحياء في الآخرة ، وذلك من خلال نمطين في المماثلة ؛ الأول : مماثلة النشأة الاُولىٰ من العدم بالنشأة الآخرة ، والثاني : مماثلة إحياء الأرض بعد موتها بالإحياء في الآخرة ، والعقل يحكم بتساوي الأمثال في الحكم ، ومنه بيّن أن القادر على الإحياء الأول قادر على الإحياء الآخر ؛ لأنهما مثلان.

النمط الأول من المماثلة :

ونريد به البرهان على المعاد من خلال المبدأ ، عن طريق المماثلة بينهما ، فقد أكّد الكتاب الكريم على إمكان المعاد عن طريق ثبوت مثله أولاً ، وذلك بالمماثلة بين إيجاد الانسان في هذه الدنيا بعد أن كان عدماً ـ كما في خلق آدم عليه‌ السلام ابتداءً من غير مادة لأبٍ واُمّ ـ وبين إعادته إلى الحياة بعد الموت والفناء ؛ فقال تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ) إلى قوله تعالى : ( ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )[٣٥]. فالإنسان لم يكن شيئاً مذكوراً ، فأوجده الله تعالى من تراب ، وأخرجه من العدم إلى حيّز الوجود ، ووهبه النطق والعقل ، وجعله في أحسن تقويم ، فلا ريب إذن في إمكان بعثه بعد الموت وتفرّق الأجزاء ، لأنه يماثل خلقه وإيجاده في هذه الدنيا بعد أن كان عدماً ، ولأن حكم الأمثال واحد ، والعقل لا يفرّق بين المتساويين ، بل يجعل وجود أحدهما دليلاً على إمكان وجود المساوي الآخر ، فضلاً عن أن النشأة الاُولى أعظم وأجلّ ، قال تعالى : ( وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) [٣٦]. ويدخل في هذا البرهان جميع الآيات التي تساوي بين المبدأ والمعاد من حيث الحكم ، منها قوله تعالى : ( اللهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) [٣٧]. وقوله تعالى : ( فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [٣٨]. وقوله تعالى : ( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ) [٣٩].

النمط الثاني من المماثلة

أكدّ الكتاب الكريم في كثير من آياته [٤٠]. على إثبات المعاد عن طريق المماثلة بين إحياءٍ محسوس ومشاهد ، وهو إحياء الأرض بعد موتها ، بخروج النبات منها وعودة نشاطه الحيوي بعد جفافه أو ركوده وتوقّفه عن العمل في الشتاء ، وبين إحياء الأموات يوم القيامة ، قال تعالى : ( فَانظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) [٤١]. وقال تعالى : ( وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّىٰ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) [٤٢]. هذه الآية الكريمة والتي قبلها في معرض مناشدة العقل السليم الذي يقرّر أن حُكم الأمثال واحد ، فإذا تحقّق الإحياء في الأرض بعد موتها ، أمكن تحققه في الإنسان بعد موته ، وفي غيره من الأحياء. قال السيد الطباطبائي : المراد بقوله : ( إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ ) الدلالة على المماثلة بين إحياء الأرض الميتة وإحياء الموتى ، إذ في كل منهما موت ، وهو سقوط آثار الحياة من شيء محفوظ ، وحياة وهي تجدّد تلك الآثار بعد سقوطها ، وقد تحقّق الإحياء في الأرض والنبات ، وحياة الإنسان وغيره من ذوي الحياة مثلهما ، وحكم الأمثال في ما يجوز وفي ما لا يجوز واحد ، فإذا جاز الإحياء في بعض هذه الأمثال ، وهو الأرض والنبات ، فليجز في البعض الآخر [٤٣].وقد أشار الكتاب الكريم إلى ما يقرّب هذا المعنى ، وهو كون خلق الإنسان كالإنبات وكذلك إعادته ، قال تعالى : ( وَاللهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا ) سورة [٤٤].

برهان الحكمة

إنّ الله تعالى حكيم في أفعاله ، وكلّ ما يصدر منه جلَّ وعلا في عالمي التكوين والتشريع يخضع لمبدأ الحكمة والهادفية ، فالمنظومة الكونية في نظامها العجيب تسير بكل جزئياتها وفق حركة هادفة ، وتتّجه صوب نهاية مرسومة بدقة وإحكام ، وكذلك تخضع المفردات التشريعية في وجودها وحركتها وتفاعلها إلى مبدأ الحكمة الإلهية والغاية الحكيمة التي تتجافى عن العبث واللغو والباطل ، قال تعالى : ( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ) [٤٥]. ، وقال تعالى : ( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ )[٤٦] وقال تعالى ( أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى )[٤٧].

مواضيع ذات صلة

الهوامش

  1. سورة الأعراف : ٧ / ٢٩
  2. سورة نوح : ٧١ / ١٨
  3. نهج البلاغة / صبحي الصالح : ٢٣١ الخطبة ١٦٢
  4. سورة القصص : ٢٨ / ٨٥
  5. سورة الروم : ٣٠ / ٢٧ ، وراجع في المعنى اللغوي : لسان العرب / ابن منظور ـ عود ـ ٣ / ٣١٥
  6. النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر / الفاضل المقداد : ٨٦
  7. شرح المقاصد / التفتازاني ٥ : ٨٢
  8. المبدأ والمعاد / صدر الدين الشيرازي : ٣٧٤ ـ ٣٧٥ ، حق اليقين / عبد الله شبر ٢ : ٣٦ ـ ٣٨
  9. سورة البقرة : ٢ / ١٧٧
  10. المائدة : ٥ / ٦٩
  11. سورة آل عمران : ٣ / ٩
  12. سورة النمل : ١٦ / ٣٨
  13. سورة سبأ : ٣٤ / ٣
  14. سورة البقرة : ٢ / ٢٤٣
  15. سورة البقرة : ٢ / ٢٥٩.
  16. سورة البقرة : ٢ / ٥٥ ـ ٥٦
  17. سورة البقرة : ٢ / ٧٢ ـ ٧٣
  18. سورة البقرة : ٢ / ٢٦٠
  19. سورة الأنعام : ٦ / ١٣٠
  20. سورة الزمر : ٣٩ / ٧١
  21. سورة نوح : ٧١ / ١٧ ـ ١٨
  22. سورة الأنعام : ٦ / ١٥٤
  23. سورة غافر : ٤٠ / ٢٧
  24. سورة آل عمران : ٣ / ٥٥.
  25. سورة الجاثية : ٤٥ / ٢٤
  26. سورة النجم : ٥٣ / ٢٨
  27. سورة فاطر ٣٥ / ٧٩ ـ ٨٠
  28. الاعتقادات / الصدوق : ٦٤ مؤتمر الشيخ المفيد ـ قم ، بحار الأنوار / المجلسي ٧ : ٤٧ / ٣١ و ١٠٣ / ١٣
  29. بحار الأنوار ٧ : ٤٠ / ١١
  30. نهج البلاغة / صبحي الصالح : ١٦١ ـ الخطبة ١٠٩
  31. نهج البلاغة / صبحي الصالح : ١٤٧ ـ الخطبة ١٠٢
  32. بحار الأنوار ٧ : ٤٢ / ١٤ ، حق اليقين / عبدالله شبر ٢ : ٥٤
  33. بحار الأنوار ٧ : ٤٧ ـ ٤٨ ، حق اليقين / عبدالله شبّر ٢ : ٣٧ ـ ٣٨
  34. كشف المراد / العلّامة الحلي : ٤٢٤ ـ انتشارات شكوري ـ قم
  35. سورة الحج ٢٢ / ٥ ـ ٦
  36. سورة الروم : ٣٠ / ٢٧
  37. سورة الروم : ٣٠ / ١١
  38. ) سورة الاسراء : ١٧ / ٥١
  39. سورة الأنبياء : ٢١ / ١٠٤
  40. سورة الروم : ٣٠ / ١٩ ، وفاطر : ٣٥ / ٩ ، وفصلت : ٤١ / ٣٩
  41. الزخرف : ٤٣ / ١١ ، وق : ٥٠ / ١١
  42. سورة الأعراف : ٧ / ٥٧
  43. تفسير الميزان ـ مؤسسة الأعلمي ١٦ : ٢٠٣ ، وراجع ١٧ : ٢١
  44. نوح : ٧١ / ١٧ ـ ١٨
  45. سورة المؤمنون : ٢٣ / ١١٥
  46. سورة ص : ٢٧.
  47. سورة القيامة : ٧٥ / ٣٦

المصدر

المعاد يوم القيامة، الكعبي، علي موسى، ج 1، ص 10 الى 47.