انتقل إلى المحتوى

البراءة في حج الإبراهيمي (مقالة)

من ویکي‌وحدت

البراءة في حج إبراهيم، هي من الشعائر العبادية والسياسية والاجتماعية. الحج، بالإضافة إلى ما له من أحكام فردية وشخصية، له أبعاد سياسية واجتماعية واسعة. بعد انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية وتبعاً لتبصر الإمام الخميني، اكتسب هذا الركن حياة جديدة وتم الاهتمام به بشكل خاص. وفي هذا السياق، وجد الحكم الفقهي «إعلان البراءة من المشركين» وأعداء الإسلام مكانة خاصة، وقد سعى الشيعة وبعض أهل السنة، اتباعاً لفتوى الإمام الخميني، إلى تنفيذه. وفي علم الفقه، تعتبر مسألة التبرّي من المشركين نوعاً من الارتباط السلبي الخاص للمسلمين بالمشركين، ويتجسد مظهره العيني في «إعلان البراءة من المشركين» في الحج.

مفهوم البراءة

البراءة لغة

أصل كلمة «برء» و«براء» و«تبرّي» يعني الابتعاد والتبرؤ من أي شيء يُكره ويُنبذ الاقتراب منه[١][٢].

البراءة اصطلاحاً

البراءة بهذا المعنى لا تتنافى مع معناها اللغوي، وفي الواقع، فإن مفهوم البراءة يتجاوز التبرؤ كأمر قلبي وعاطفي، ليستلزم الابتعاد وعزل وطرد أعمال المشركين والمتآمرين. وكما قال المفسرون: فهي تعني رفع الأمان وسلب الحصانة وعدم الالتزام تجاه المشركين، بل ومحاربتهم، خاصة وأنهم بدؤوا بالتآمر ونقض العهد وانتهت مدة عهدهم. تعَد البراءة والتبرّي، في مقابلة الولاية والتولّي، فرعين من فروع الدين عند المسلمين. وفي الاصطلاح الديني، تطلق البراءة على التبرؤ من أعداء الله[٣]. إن استخدام تعبير «البراءة من المشركين» اليوم يشير إلى الجهود التي تبذل في البعد السياسي والدولي للحج بشكل اجتماعي، وتتم في مراسم البراءة من المشركين علناً في العالم الإسلامي وفي المملكة العربية السعودية في أرض منى بشكل خاص[٤].

الخلفية

بدون إطار
بدون إطار

إبراهيم خليل الرحمن (عليه السلام) هو أول نبي أعلن بصراحة مسألة البراءة من الشرك والمشركين، ولهذا يدعو القرآن المسلمين للتأسي بهذا النبي العظيم: قالب:نص قرآني؛ وقد اقتدت الأمة الإسلامية في إعلان البراءة من المشركين بهذا الأسوة في تاريخ الأنبياء. لكن بتأمل دقيق في القرآن الكريم نجد بوضوح أن البراءة من المشركين هي أحد الركنين الأساسيين للتوحيد، وأن جميع الأنبياء كانوا مكلفين، إلى جانب دعوة الناس لعبادة الله، بدعوتهم إلى اجتناب القوى الطاغوتية والبراءة من الشرك والمشركين.

مسألة البراءة من المشركين هي شعيرة إسلامية كانت محل اهتمام رسول الأكرم (صلى الله عليه و آله و سلم) والأئمة (عليهم السلام) منذ إبلاغها في السنة التاسعة للهجرة[٥]، وذلك بعد نقض المشركين الذين عاهدوا النبي بعد فتح مكة على عدم الاعتداء والعداوة. وقد تولت الآيات الأولى (الآيات العشر الأولى)[٦] من سورة البراءة (التوبة) الإعلان عن ذلك. قام الإمام علي (عليه السلام) بتبليغ هذه الآيات بأمر من رسول الأكرم (صلى الله عليه و آله و سلم) في موسم حج السنة التاسعة للهجرة. والآيات المذكورة تشمل، بالإضافة إلى البراءة من المشركين الناقضين للعهد، جميع المشركين، سواء كانوا من المعاهدين أو غيرهم، لأنه وفقاً لرأي بعض المفسرين، فإن الآية الثالثة من سورة التوبة ليست تكراراً للآية الأولى؛ فالآية الأولى هي إعلان براءة وتبرؤ من المشركين الناقضين للعهد، أما الآية الثالثة فخطابها «إعلان براءة» أو بتعبير القرآن «أذان براءة» موجه إلى جميع الناس، وليس إلى المشركين فقط، ليعلم الجميع أن الله ورسوله بريئان من المشركين، وليعد الناس أنفسهم لهذا الأمر بعد انقضاء الأشهر الحرم.

البراءة في القرآن

يقول الله تعالى في القرآن: قالب:نص قرآني؛ وقد فسرت كلمة «براءة» في الآية بأنها «تبرؤ». وربما لا تكون هذه الكلمة، بسبب بعدها العاطفي، وافية وكافية للتعبير عن معنى ومفهوم البراءة. فالبراءة تعني الابتعاد والانعزال وطرد العدو، وذلك في زمن السلم، بهدف منع العدو من استغلال العلاقات السلمية ضد الإسلام والأمة الإسلامية، ويتم ذلك بأسلوب مناسب ومقتضى الحال. وبالتالي، فإن تعبير «البراءة من المشركين» مأخوذ من القرآن الكريم. وقد وردت براءة الأنبياء من المشركين وإعلان تبرئهم من «الشرك» و«موضوع الشرك» في عدة مواضع من القرآن، منها: «سورة الأنعام: 19، 78؛ سورة التوبة: 3، 114؛ سورة هود: 35، 54؛ سورة يونس: 41؛ سورة الشعراء: 216؛ سورة الزخرف: 26».

البراءة من وجهة نظر إمامي الثورة

وجهة نظر الإمام الخميني

يرى الإمام الخميني أن أساليب إعلان البراءة من المشركين تختلف باختلاف كل عصر وزمان، فليس هناك أسلوب واحد يصلح لكل عصر. بل يجب، تبعاً للظروف والأوضاع الزمانية، استخدام الأسلوب الخاص بتلك الظروف. «إن إعلان البراءة في كل عصر وزمان يتطلب تجليات وأساليب وبرامج تتناسب معه، ويجب أن نرى في عصر مثل اليوم، حيث أن قادة الكفر والشرك يعرضون كل كيان التوحيد للخطر، ويجعلون جميع المظاهر الوطنية والثقافية والدينية والسياسية للشعوب لعبة لأهوائهم وشهواتهم، ماذا يجب أن نفعل؟ هل يجب أن نجلس في البيوت، وبتحليلات خاطئة وإهانة لمقام ومنزلة البشر وبث روح العجز والوهن في المسلمين، نتحمل الشيطان وأتباعه عملياً، ونمنع المجتمع من الوصول إلى الإخلاص الذي هو غاية الكمال ونهاية الآمال، ونتصور أن معركة الأنبياء مع الأصنام والمشركين كانت محصورة في الأحجار والأخشاب الجامدة، وحاشا لله أن يكون أنبياء مثل إبراهيم قد تقدموا لكسر الأصنام، لكنهم في مواجهة الظالمين تركوا ساحة المعركة؟»[٧]. وقال الإمام في موضع آخر: إن إعلان البراءة من المشركين، الذي هو من أركان التوحيد والواجبات السياسية للحج، يجب أن يقام خلال أيام الحج على شكل مظاهرات ومسيرات بأكبر قدر ممكن من الصلابة والروعة. في المسيرات، يجب أن يكون صراخ البراءة من المشركين والظالمين مدوياً وبمشاركة جماهيرية، ليصل صوت مظلومية المسلمين والشعوب الواقعة تحت سيطرة كبار المجرمين إلى مسامع العالم، ويوقظ النائمين، وينذر الصامتين أمام الجبارين، ويضع الناهين عن المنكر والآمرين بالمعرف في مكانهم الصحيح.

وجهة نظر الإمام الخامنئي

الإمام الخامنئي، استمراراً لمسار الإمام الخميني، يتناول كل عام منذ بداية قيادته وحتى الآن، في لقائه بمسؤولي الحج وفي رسائله إلى الحجاج، هذه المسألة المهمة بتأكيده على إقامة شعيرة «البراءة من المشركين»؛ وفيما يلي نشير إلى بعض نماذج ذلك:

ظاهرة الإسلام المهيبة

حج إبراهيم هو ظاهرة الإسلام المهيبة في مواجهة هذه الجاهلية الحديثة؛ إنه دعوة إلى الإسلام وعرض رمزي لحياة المجتمع الإسلامي. مجتمع يكون فيه تعايش المؤمنين، في حركة دائمة حول محور التوحيد، أبرز علامة؛ الابتعاد عن التنازع والصراع، الابتعاد عن التمييز والامتيازات الأرستقراطية، الابتعاد عن الفساد والتلوث، هي شروط ضرورية؛ رمي الشيطان والبراءة من المشركين والاختلاط بالضعفاء ومساعدة المحتاجين ورفع شعائر أهل الإيمان، كلها من الواجبات الأساسية؛ والوصول إلى المنافع والمصالح العامة مع ذكر الله وشكره وعبادته، هي الأهداف الوسيطة والنهائية. هذه صورة موجزة للمجتمع الإسلامي في مرآة حج إبراهيم؛ ومقارنتها بواقع المجتمعات الغربية المدعية، تملأ قلب كل مسلم همّام شوقاً للكفاح والنضال من أجل الوصول إلى مثل هذا المجتمع.

البراءة من قتل المظلومين وإشعال الحروب

إن شعيرة البراءة، التي تعني التبرؤ من كل القسوات والظلمات والفضائحات والفساد الذي تجره طواغيت كل عصر، والوقوف في وجه قوة وجبروت المستكبرين عبر العصور، هي إحدى بركات الحج العظيمة وفرصة للأمم المسلمة المظلومة. اليوم، البراءة من جبهة الشرك والكفر للمستكبرين، وعلى رأسها أمريكا، تعني البراءة من قتل المظلومين وإشعال الحروب؛ تعني إدانة مراكز الإرهاب مثل داعش والبلكوتر الأمريكية؛ تعني زجر الأمة الإسلامية للنظام الصهيوني قاتل الأطفال وداعميه ومعينيه؛ تعني إدانة إشعال الحروب من قبل أمريكا وأعوانها في منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا الحساسة، والتي بلغت بمعاناة ومآسي الشعوب مداها، وتنزل بهم مصائب فادحة كل يوم؛ تعني التبرؤ من العنصرية والتمييز على أساس الجغرافيا والعرق ولون البشرة؛ تعني التبرؤ من السلوك الاستكباري والخبيث للقوى المعتدية والمثيرة للفتن، في مقابل السلوك الشريف والنبيل والعادل الذي يدعو إليه الإسلام الجميع.

استمرارية مسألة البراءة في العالم الإسلامي

بدون إطار
بدون إطار

هذا العام، مسألة البراءة أبرز من أي وقت مضى. إن جرائم غزة التي لا نظير لها في تاريخنا المعاصر، ووقاحة النظام القاسي ومظهر القسوة والشقاء -والذي هو آيل للزوال- الصهيوني، لم تترك مجالاً لأي تهاون أو مسايرة لأي فرد أو حزب أو حكومة أو فرقة مسلمة. براءة هذا العام يجب أن تتجاوز الموسم والميقات للحج، وتستمر في البلدان والمدن المسلمة في جميع أنحاء العالم، وتتجاوز الحجاج لتشمل عموم الناس. هذه البراءة من النظام الصهيوني وداعميه، وخصوصاً حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، يجب أن تظهر في قول وفعل الشعوب والحكومات، وتضيق الخناق على الجلادين[٨].

حج هذا العام، حج البراءة

حجنا هذا العام هو «حج البراءة»، وفقاً للتعاليم التي أعطانا إبراهيم الخليل (عليه السلام). بالطبع، البراءة موجودة منذ بداية الثورة؛ منذ بداية الثورة، البراءة موجودة في الحج، وقد جريت، ويجب أن تبقى وتستمر؛ لكن بشكل خاص، حج هذا العام هو حج البراءة. هذه الأحداث التي تجري الآن في غزة، وهذا الحادث العجيب والعظيم، وانكشاف الوجه الدموي لمجموعة ناشئة عن الحضارة الغربية، هذه أمور ليس الاهتمام بها خاصاً باليوم وهذه الأيام فقط؛ بل سيبقى في التاريخ[٩].

الندوة الدولية للحج، نداء وحدة المسلمين في وجه جرائم المشركين

أعلن الدكتور حميد شهرياري، الأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، في «الندوة الدولية للحج، نداء وحدة المسلمين في وجه جرائم المشركين» التي أقيمت بمناسبة حلول أيام الحج وبجهود المجمع العالمي للتقريب، بأن أول وأهم خاصية للحج هي كونه عبادة، وقال: الحج هو مظهر العبودية لله. الحج يقرب الناس إلى مبدأ الوجود، ويلفت انتباه جميع المسلمين إلى المبدأ الأصلي في حياة الكون. يبدأ الحج من الظاهر الجسدي، حيث يدخل الحجاج من نقطة إلى أخرى محرمين وبلباس خاص مشهداً يشبه يوم القيامة، حيث يقوم الجميع من القبور بأكفانهم ويتجهون نحو المحشر، وهو صحراء المحاسبة والعدالة وإعادة تمثيل جميع أعمال الإنسان على الأرض. هذه الخاصية تدل على أن الله يريد أن يوجه قلوب الناس إليه، وينزل السكينة على قلوب المسلمين بذكره.

بدون إطار
بدون إطار

وأشار حجة الإسلام والمسلمين شهرياري إلى حج البراءة هذا العام، وقال: نحن نرى اليوم أن عالم الكفر قد سل سيفه على عالم الإسلام، ولم يكتف بمهاجمة البيوت، بل هاجم الحقول أيضاً، ولا يتردد في قتل النساء والأطفال، وهذا يحدث أمام أعين العالم أجمع. وأشار إلى أن أيام الحج تبين لنا كيف نواجه الظالمين، وأكد قائلاً: إن أحد الأمور التي أوجبها الله تعالى على الجميع هي «البراءة من الطاغوت»، ومن الأمور المذمومة بشدة «الولاية للطاغوت»، وتعني ولاية الأشخاص الذين تمردوا على العقائد والأخلاق الصحيحة، وتُعد ولاية هؤلاء الأشخاص ضد الولاية الإلهية. كما يقول الله تعالى: قالب:نص قرآني.

وبين الأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية أن ولاية الاستكبار العالمي هي في الواقع ولاية الطاغوت، وأوضح: نأمل أن يكون حج إبراهيم هذا العام مصحوباً بحج البراءة. ليس على الحجاج فقط هذا العام أن يعلنوا براءتهم من الطاغوت، بل يجب على جميع المسلمين في كل مكان من العالم أن يعلنوا براءتهم من النظام الصهيوني الغاصب لإسرائيل إلى جانب الحجاج. وأشار إلى أننا نشهد اليوم قيام دعاة العدالة في جميع أنحاء العالم ضد الظلم وقتل الأطفال الذي يقترفه النظام الصهيوني بحق الشعب المظلوم في فلسطين، معلنين براءتهم من هذا النظام، لأن البراءة من إسرائيل إحدى السمات الفطرية للإنسان. وأكد في ختام كلمته أننا نأمل أن يري الله الظالمين أن عاقبتهم لن تكون إلا الانهيار والمحو من على وجه الأرض، وأن حكومة العدل ستقع بأيدي المستضعفين في العالم[١٠].

وصلات خارجية

انظر أيضًا

الهوامش

  1. أبو الحسن أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج 1، ص 236.
  2. الحسيني الزبيدي الواسطي، السيد مرتضى، تاج العروس من جواهر القاموس، مادة «ب ر ء».
  3. الطوسي، محمد بن الحسن، التبيان في تفسير القرآن، ج 2، ص 65-66.
  4. الراغب الأصفهاني، أبو القاسم الحسين بن محمد، المفردات في غريب القرآن، ج 8، ص 289.
  5. تحقيق حول مراسم البراءة من المشركين، موقع حديث شيعة الإخباري.
  6. ابن كثير، تفسير، ج 2، ص 287-293.
  7. صحيفة الإمام، ج 20، ص 316.
  8. رسالة إلى حجاج بيت الله الحرام، 11 يونيو 2024 م (22 خرداد 1403 هـ ش).
  9. تصريحات في لقاء مسؤولي الحج، 6 مايو 2024 م (17 أرديبهشت 1403 هـ ش).
  10. حج إبراهيم، حج البراءة من العدو المجرم الصهيوني، وكالة مهر للأنباء.

المصادر