الصفات الخبرية
الصفات الخبرية هي تلك صفات الله التي دلّت عليه ظواهر الآيات والأحاديث كالعلوّ والوجه واليدين والاستواء والرجل إلى غير ذلك ممّا ورد في المصدرين فتعدّ من الصفات الخبريّة، وما عليه سلف أهل السنّة وهم على طائفتين: مبتدعة السلفية المغترون بظواهر بعض الآيات والأحاديث من دون إمعان وفكر في مفاهيمها ومقاصدها وهم المجسِّمة والمشبِّهة، ومعطِّلة السلفية الذين يتبرّأون من التجسيم ولكنّهم لا يخوضون في فهم الآيات ولا يمعنون في معانيها، وبذلك عدّوا من المُعطِّلة، لأنّهم عطّلوا العقول في الإمعان في صفاته. فكلا الطائفتين حُرمتا من الاستضاءة بنور القرآن، والراي السديد في تفسير الصفات الخبرية هوعلى نحو لا يلزم منه تعطيل العقول عن الإمعان في مفاهيمها، ولا التأويل أي حمل ظاهر الآية على خلافها؟ وعليه، إنّ تفسير الصفات الخبرية على النحو الصحيح يقوم على دعامتين: الأُولى: أن لا ينتهي التفسير إلى التجسيم والتشبيه والجهة وما لا يصحّ وصفه سبحانه به على ما دلّت عليه الآيات القرآنية والأدلة العقلية، والثانية: أن يكون نزيهاً عن التأويل بمعنى صرف الآية عن ظاهرها إلى غير ظاهرها، وذلك لأنّ الآيات القرآنية حجّة بظاهرها ولا يصحّ لنا ترك ظاهر الآية إلى غيرها، لأنّ ذلك عمل اليهود والنصارى حيث يؤوّلون ظواهر التوراة والإنجيل لكونها مخالفة للأحكام العقلية الواضحة والعلوم القطعية التي أثبتتها التجارب العلمية. والمحقّقون من الإسلاميّين عن بكرة أبيهم يأخذون بظواهر الآيات ولا يؤوّلونها قيد شعرة، غير أنّ الذي يجب التركيز عليه هو تشخيص ظاهر الآية، فبعد ثبوته لا يمكن رفع اليد عنه إلاّ بدليل قرآني خاص يكون ناسخاً أو مخصصاً أو مقيّداً. ومن المعلوم أنّ مجاري النسخ والتخصيص والتقييد هو آيات الأحكام، لا العقائد والمعارف. وأمّا ما وراء ذلك فيجب علينا الأخذ بالظواهر دون التنازل عنه قيد شعرة.
تقسيم صفات الله
قسّم الباحثون صفاتهِ سبحانه إلى: صفات ذاتية وصفات خبرية. فالعِلْم والقدرة والحياة والسمع والبصر وكلّ ما تطلق عليه صفة الكمال يعدّ من الصفات الذاتية، وأمّا ما دلّت عليه ظواهر الآيات والأحاديث كالعلوّ والوجه واليدين والاستواء والرجل إلى غير ذلك ممّا ورد في المصدرين فتعدّ من الصفات الخبريّة. ثمّ إنّ لأهل الحديث والكلام آراءً في تفسير الصفات الخبرية للتفصيل أكثر راجع إلى: [١].
آراء سلف أهل السنّة في الصفات الخبرية
ونحن نقتصر في المقام بنقل ما عليه سلف أهل السنّة وهم على طائفتين: الطائفة الأُولى (مبتدعة السلفية ): هم مغترون بظواهر بعض الآيات والأحاديث من دون إمعان وفكر في مفاهيمها ومقاصدها وهم المجسِّمة والمشبِّهة. الطائفة الثانية (معطِّلة السلفية): الذين يتبرّأون من التجسيم ولكنّهم لا يخوضون في فهم الآيات ولا يمعنون في معانيها، وبذلك عدّوا من المُعطِّلة، لأنّهم عطّلوا العقول في الإمعان في صفاته. فكلا الطائفتين حُرمتا من الاستضاءة بنور القرآن.
مبتدعة السلفية
إنّ غالبية السلف اغترّوا بكل حديث وقعت أعينهم عليه، فجمعوا في حقائبهم كلّ ما سمعوه، وبالتالي أخذوا بالظواهر وتركوا الاستعانة بالقرائن، ووصفوا كلّ بحث حول المعارف القرآنية تأويلاً للقرآن وخروجاً عن الدين، وكبحوا جماح العقل بتهمة الزندقة، فوصفوا الكمال المطلق بالحلول والنزول والصعود والاستواء على السرير، ترى كثيراً من هذه الأحاديث في مرويات حمّاد بن سلمة، ونعيم بن حماد، ومقاتل بن سليمان، ومن لفّ لفّهم، ففي مرويّاتهم تلك الآثار المشينة، وقد قلّدهم كثير من البسطاء في القرون المتأخرة فحسبوها حقائق راهنة وألفوا فيها الكتب.
مؤلفات مبتدعة السلفية
وعلى هذا الأساس ألّف كتاب «التوحيد» لمحمد بن إسحاق بن خزيمة(المتوفّى321هـ) و كتاب «السنّة» لعبد اللّه بن أحمد بن حنبل، وكتاب «النقض» لعثمان بن سعيد الدارمي السجزي المجسّم فانّه أوّل من اجترأ من المجسمة بالقول بأنّ اللّه لو شاء لاستقرّ على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته فكيف على عرش بعيد؟!! هذا هو الشهرستاني يحكي عقيدة مبتدعة السلف الذين يجرون الصفات الخبرية على اللّه بمعانيها الحرفية من دون تدبر فيما هو المراد الواقعي من خلال هذه الصفات، ويقول: وأمّا ما ورد في التنزيل من الاستواء والوجه واليدين والجنب والمجيء والإتيان والفوقية وغير ذلك، فأجروها على ظاهرها، أعني: ما يفهم عند إطلاق هذه الألفاظ على الأجسام، وكذلك ما ورد في الأخبار من الصورة وغيرها في قوله عليه الصلاة والسلام:«خُلق آدم على صورة الرحمن»، وقوله: «حتّى يضع الجبار قدمه في النار»، وقوله: «قلب المؤمن بين اصبعين من أصابع الرحمن»، وقوله: «خمّر طينة آدم بيده أربعين صباحاً»، وقوله: «وضع يده أو كفّه على كتفي»، و قوله:« حتّى وجدت برد أنامله على كتفي» إلى غير ذلك، أجروها على ما يتعارف في صفات الأجسام، وزادوا في الأخبار أكاذيب وضعوها ونسبوها إلى النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأكثرها مقتبسة من اليهود، فانّ التشبيه فيهم طباع، حتّى قالوا: اشتكت عيناه(اللّه) فعادته الملائكة، وبكى على طوفان نوح حتّى رمدت عيناه، وإنّ العرش لتئط من تحته أطيط الرحل الجديد، وأنّه ليفضل من كلّ جانب أربع أصابع، وروى المشبهة عن النبيـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «لقيني ربي فصافحني وكافحني ووضع يده بين كتفي حتّى وجدت برد أنامله» [٢].
آراء علماء مبتدعة السلف
هذه عقيدة مبتدعة السلف، وإليك شيئاً من نصوص هؤلاء :
عبد اللّه بن مبارك
قيل لعبد اللّه بن مبارك: كيف يعرف ربنا؟ قال: بأنّه فوق السماء السابعة على العرش بائن من خلقه.[٣].
الأوزاعي
قال الأوزاعي: إنّ اللّه على عرشه،ونؤمن بماوردت به السنّة من صفاته [٤].
الدارمي
قال الدارمي في مقدّمة كتابه«الرد على الجهمية»: استوى على عرشه، فبان من خلقه، لا تخفى عليه منهم خافية، علمه بهم محيط، وبصره فيهم نافذ[٥].
المقدسي
وقال المقدسي في كتابه«أقاويل الثقات في الصفات»: ولم ينقل عن النبي أنّه كان يحذِّر الناس من الإيمان بما يظهر في كلامه في صفة ربّه من الفوقية واليدين ونحو ذلك، ولا نقل لهذه الصفات معاني أُخر، باطنها غير ما يظهر من مدلولها، وكان يحضر في مجلسه العالم والجاهل والذكي والبليد والأعرابي الجافي، ثمّ لا تجد شيئاً يعقب تلك النصوص بما يصرفها عن حقائقها، لا نصاً ولا ظاهراً، ولما قال للجارية: أين اللّه؟ فقالت: في السماء، لم ينكر عليها بحضرة أصحابه كي لا يتوهموا أنّ الأمر على خلاف ما هي عليه، بل أقرّها و قال: أعتقها فإنّها مؤمنة. [٦].
القرطبي
وقال القرطبي في تفسيره عند تفسير آية 54 من سورة الأعراف (ثُمَّ استوى على العَرْش): وقد كان السلف الأوّل ـ رضي اللّه عنهم ـ لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها للّه تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله، ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنّه استوى على عرشه حقيقة، وخص العرش بذلك لأنّه أعظم مخلوقاته، وإنّما جهلوا كيفية الاستواء فإنّها لا تعلم حقيقته [٧].
إ بن تيمية الحراني
ولكن العجب انّ هذه البدع بعد إخمادها، أخذت تنتعش في أوائل القرن الثامن بيد أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني (المتوفّى عام 728هـ) فجدد ما اندرس من آثار تلك الطائفة المشبّهة، وقد وصفه السبكي في «السيف الصقيل»: «بأنّه رجل جسور يقول بقيام الحوادث بذات الرب»، ولكنّه يقول بأنكر من ذلك، وقد أتى بنفس ما ذكره الدارمي المجسم في كتابه «غوث العباد» المطبوع بمصر عام 1351هـ في مطبعة الحلبي.وعلى ذلك فابن تيمية أذن إمام المدافعين عن بيضة أهل التشبيه وشيخ إسلام أهل التجسيم ممّن سبقه من الكرامية وجهلة المحدّثين، الذين اهتموا بالحفظ المجرد، وغفلوا عن الفهم والتفكير، ولأجل ذلك نرى أنّ الشيخ الحراني يرمي المفكّرين من المسلمين كإمام الحرمين والغزالي في كتابيه ([٨].، بأنّهما أشدّ كفراً من اليهود و النصارى مع أنّه (أي ابن تيمية)يعتنق عقائد يخالف فيها جمهرة المسلمين وأئمّة أهل البيتـ عليهم السَّلام ـ .
معطلة السلفية
لمّا كانت هذه الفكرة تُخبر عن التجسيم والجهة وغير ذلك من المضاعفات حاول الإمام الأشعري(260ـ324هـ) بإصلاح عقيدة أهل الحديث بشق طريق متوسط بين الأخذ بالصفات الخبرية بحرفيتها وبين تأويلها الذي كان عليه المعتزلة فصارت عقيدة الأشعري عقيدة معدّلة. وحاصل تلك النظرية: انّ الصفات الخبرية تُحمل على اللّه تعالى بنفس معانيها ولكن مقيدة بعدم الكيف، فله سبحانه يد بلا كيف، و عين بلا كيف، ورجل بلا كيف، واستواء بلا كيف، ومعنى كونه بلا كيف انّه لا يعرف كنه الصفة ولسنا مكلّفين بمعرفة تفسير هذه الآيات. وهذه الطائفة وإن خرجت عن مغبّة التشبيه والتجسيم غير انّهم تورّطوا في أشراك التعطيل وحبائله، فعطّلوا العقول عن التفكّر في المعارف والأُصول كما عطّلوها عن التدبر في الآيات والأحاديث، فكأنّ القرآن ألغاز نزلت إلى البشر، وليس كتاباً للتعليم والإرشاد، قال تعالى (وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْء) [٩]. فإذا كان القرآن مبيناً لكلّ شيء فكيف لا يكون مبيناً لنفسه؟ وكيف يكون المطلوب منه نفس الاعتقاد من دون فهم معناه؟
آراء علماء معطلة السلفية
وهانحن نأتي ببعض نصوص القوم في هذا المجال، حتى نرى كيف أنّ العناية بالإثبات في مقابل «نفاة الصفات» أفضى بالقوم إلى حدّ التعقيد ومهزلة الغموض، وكأنّ الصفات الواردة في الذكر الحكيم لم ترد للتدبر فيها، فإليك نزراً من كلماتهم:
سفيان بن عيينة
قال سفيان بن عيينة: كلّ شيء وصف اللّه به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره، لا كيف ولا مثيل [١٠].
ابن خزيمة
قال ابن خزيمة: إنّما نثبت للّه ما أثبته لنفسه، نقر بذلك بألسنتنا ونصدق بذلك في قلوبنا من غير أن نشبه وجه خالقنا بوجه أحد من المخلوقين [١١].
الخطيب
قال الخطيب: إنّما وجب إثباتها، لأنّ التوقيف ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها بقوله تعالى: (ليس كمثله شيء) [١٢].
ابن قدامة المقدسي
قال ابن قدامة المقدسي: وعلى هذا درج السلف والخلف متفقون على الإمرار والإثبات لما ورد من الصفات في كتاب اللّه وسنّة رسوله من غير تعرض لتأويله. إنّ أصحاب هذه العقيدة وإن كانوا يتظاهرون بإثبات معاني الصفات الخبرية عليه سبحانه ولكنّهم يصفون الصفات بلفظة «بلا كيف» وهذا يجعلهم بين مفترق طريقين:إمّا التشبيه وإمّا التعقيد. للتفصيل الاكثر [١٣].
الراي السديد في تفسير الصفات الخبرية
ما هو الصحيح في تفسير الصفات الخبرية، على نحو لا يلزم منه تعطيل العقول عن الإمعان في مفاهيمها، ولا التأويل أي حمل ظاهر الآية على خلافها؟ فهذا ما سنبيّنه تالياً.
رفض التعطيل والتأويل معاً
وهذا يتحضض بإلتفات الى امران:
الأُول:
إنّ تفسير الصفات الخبرية على النحو الصحيح يقوم على دعامتين: الأُولى: أن لا ينتهي التفسير إلى التجسيم والتشبيه والجهة وما لا يصحّ وصفه سبحانه به على ما دلّت عليه الآيات القرآنية والأدلة العقلية.
الثاني:
أن يكون نزيهاً عن التأويل بمعنى صرف الآية عن ظاهرها إلى غير ظاهرها، وذلك لأنّ الآيات القرآنية حجّة بظاهرها ولا يصحّ لنا ترك ظاهر الآية إلى غيرها، لأنّ ذلك عمل اليهود والنصارى حيث يؤوّلون ظواهر التوراة والإنجيل لكونها مخالفة للأحكام العقلية الواضحة والعلوم القطعية التي أثبتتها التجارب العلمية. والمحقّقون من الإسلاميّين عن بكرة أبيهم يأخذون بظواهر الآيات ولا يؤوّلونها قيد شعرة، غير أنّ الذي يجب التركيز عليه هو تشخيص ظاهر الآية، فبعد ثبوته لا يمكن رفع اليد عنه إلاّ بدليل قرآني خاص يكون ناسخاً أو مخصصاً أو مقيّداً. ومن المعلوم أنّ مجاري النسخ والتخصيص والتقييد هو آيات الأحكام، لا العقائد والمعارف. وأمّا ما وراء ذلك فيجب علينا الأخذ بالظواهر دون التنازل عنه قيد شعرة.
الظاهر الإفرادي غير الظاهر الجملي أوالتصديقي
إنّ الظاهر الإفرادي لا يؤخذ به في منهج العقلاء وإنّما يؤخذ بالظاهر الجُمْلي والتصديقي، وله موارد متكاثرة في اللغة العربية وغيرها من اللغات: 1. رأيت أسداً في الحمام، فلفظة «أسد» ظاهرة في الحيوان المفترس، ولكنّه ظاهر إفرادي لا يؤخذ به ولا تدور عليه رحى المحاورة، وإنّما يؤخذ بالظاهر الجُمْلي أو التصديقي و هو الرجل الشجاع بقرينة قوله: في الحمام. 2. يتكرر في مصطلحاتنا ومحاضراتنا وصف الرجل ببسط اليد وقبضه، فله ظهور إفرادي وهو انّ يده مبسوطة لا تقبض أو مقبوضة لا تبسط، ولكنّه لا يحتج به وله ظهور جملي وتصديقي، وإنّما يحتج بالظهور الثاني وهو كونه كريماً و سخياً، أو لئيماً وبخيلاً. 3. إذا قلنا زيد كثير الرماد فالظهور البدوي انّ بيت زيد غير نظيف، ولكنّه ظهور بدوي، فإذا لوحظ انّ الكلام ورد في مقام المدح يكون قرينة على أنّ المراد لازم المعنى وهو الجود، والذي يجب الأخذ به هو الظهور الجملي لا الحرفي والظهور المستقر لا البدوي.
تفسير نماذج من الصفات الخبرية
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الآيات الحاكية عن الصفات الخبرية إذا لوحظت مع القرائن المحتفة بالكلام يتبيّن الظهور التصوري عن التصديقي، والظهور الابتدائي عن الاستقراري ويتبيّن انّ هذه الآيات غنية عن التأويل بمعنى حمل ظاهر الآية على خلافه. ولأجل توضيح تلك الفكرة التي عليها العدلية نفسر بعض الآيات على هذا الأساس ليكون مقياساً لسائر الآيات التي ربما يكون ظاهرها البدوي على خلاف التنزيه.
تفسير الآية: لِما خَلَقْتُ بِيَديَّ أَسْتَكْبَرتَ...
يقول سبحانه: قالَ يا إِبليسُ ما مَنَعَكَ أن تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَديَّ أَسْتَكْبَرتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ العالين)[١٤]. فنقول: إنّ «اليد» في الآية استعمل في العضو المخصوص ولكن كُنِّي بها عن الاهتمام بخلقة آدم حتى يتسنّى بذلك ذم إبليس على ترك السجود لآدم، فقوله سبحانه:(ما منَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِماخَلَقْتُ بيدي) كناية عن أنّ آدم لم يكن مخلوقاً لغيري حتى يصحّ لك يا شيطان التجنّب عن السجود له، بحجة أنّه لا صلة له بي، مع أنّه موجود خلقتُه بنفسي، ونفخت فيه من روحي، فهو مخلوقي الذي قمت بخلقه، فمع ذلك تمرّدت عن السجود له. فأُطلقت الخلقةُ باليد وكُنّي بها عن قيامه سبحانه بخلقه، وعنايته بإيجاده، وتعليمه إيّاه أسماءه، لأنّ الغالب في عمل الإنسان هو القيام به باستعمال اليد، يقول: هذا ما بنيته بيدي، أو ما صنعته بيدي، أو ربيّته بيدي، ويراد من الكل هو القيام المباشري بالعمل بكلّ الوجود، لا خصوص اليد، وكأنّه سبحانه يندد بالشيطان بأنّك تركتَ السجود لموجود اهتممت بخلقه وصنعه.
تفسير الآبة:عَمِلَت أَيْدِينا أَنعاماً...
يقول سبحانه: أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمّاعَمِلَت أَيْدِينا أَنعاماً ) فَهُمْ لَها مالِكُون) [١٥]. فالمجسّمة المتعبّدة بظواهر النصوص البدوية تستدلّ بالآية على أنّ للّه سبحانه أيدي يقوم بها بالأعمال الكبيرة، ولكن المساكين اغترّوا بالظهور التصوريّ ولم يتدبّروا في الظهور التصديقي، أخذوا بالظهور الجزئي دون الجملي، فلو كانوا ممعنين في مضمون الآية وما احتفّ بها من القرائن، لميّزوا الظهور التصديقي الذي هو الملاك عن غيره، فإنّ الأيدي في الآية كناية عن تفرّده تعالى بخلق الأنعام وانّه لم يشاركه أحد فيها، فهي مصنوعة للّه تعالى والناس ينتفعون بها، فبدل أن يشكروا، يكفرون بنعمته، وأنت إذا قارنت بين الآيتين تقف على أنّ المقصود هو المعنى الكنائي، والمدار في الموافقة والمخالفة هو الظهور التصديقي لا التصوري. قال الشريف المرتضى: قوله تعالى: (لما خلقت بيدي) جار مجرى قوله: «لماخلقت أنا» وذلك مشهور في لغة العرب. يقول أحدهم: هذا ما كسبتْ يداك، وما جرت عليك يداك. وإذا أرادوا نفي الفعل عن الفاعل استعملوا فيه هذا الضرب من الكلام فيقولون: فلان لا تمشي قدمه، ولا ينطق لسانه، ولا تكتب يده، وكذلك في الإثبات، ولا يكون للفعل رجوع إلى الجوارح في الحقيقة بل الفائدة فيه النفي عن الفاعل.[١٦].
تفسير الآية: على الْعَرشِ استَوى
قال سبحانه: الرحمنُ على الْعَرشِ استَوى [١٧]. انّ العرش في اللغة هو السرير والاستواء عليه هو الجلوس، غير أنّ هذا حكم مفرداتها، وأمّا معنى الجملة فيتفرع الاستظهار منها، على القرائن الحافة بها، فالعرب الأقحاح لا يفهمون منها سوى السلطة والاستيلاء، وحملها على غير ذلك يعدّ تصرّفاً في الظاهر، وتأويلاً لها، فإذا سمع العرب قول القائل: قد استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهـراق. أو سمع قول الشاعر: ولما علونا واستوينـا عليهم * تركناهم مرعى لنسر وكاسر.فلا يتبادر إلى أذهانهم سوى الاستيلاء والسيطرة والسلطة، لا العلو المكاني الذي لا يعد ـ حتّى ـ كمالاً للجسم، وأين هو من العلو المعنوي الذي هو كمال الذات.فلا يتبادر إلى أذهانهم سوى الاستيلاء والسيطرة والسلطة، لا العلو المكاني الذي لا يعد ـ حتّى ـ كمالاً للجسم، وأين هو من العلو المعنوي الذي هو كمال الذات. وقد جاء استعمال لفظ الاستواء على العرش في سبع آيات مقترناً بذكر فعل من أفعاله، وهو رفع السماوات بغير عمد، أو خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، فكان ذاك قرينة على أنّ المراد منه ليس هو الاستواء المكاني بل الاستيلاء والسيطرة على العالم كله، فكما لاشريك له في الخلق والإيجاد لا شريك له أيضاً في الملك والسلطة.
النتيجة النهائية
ولأجل ذلك فخرجنا بالنتيجة التالية:إنّ الصفات الخبرية كالوجه واليد، والعين وغيرها، لها حكم عند الافراد ولها حكم آخر إذا جاءت في ضمن الجمل فعند الافراد يؤخذ بمعانيها اللغوية، وعندما تأتي في ضمن الجمل، تتبع القرائن الموجودة في الكلام من غير فرق بين ما وقع وصفاً للّه سبحانه، أو جاء وصفاً لغيره. فإذا قال سبحانه (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً) تحمل اليد والعنق على ما هو المتبادر من هذه الجمل، وهو الإسراف والتقتير، فبسط اليد أُريد به الإنفاق بلا شرط; كما أنّ جعل اليد مغلولة، أُريد به التقتير.هذا ـ مع العلم ـ بأنّ بسط اليد عند الإفراد بمعنى مدها و غلّ اليد إلى العنق بمعنى شدّها.
الوجه الصيحيح لتفسير الصفات الخبرية
وممّا ذكرنا يظهر لك مقاصد الآيات التي وردت فيها الصفات الخبرية، نظير:
- 1.العين، كقوله سبحانه:.(وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي). [١٨].
- 2. اليمين، كقوله سبحانه: (وَالسّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِه) [١٩].
- 3. الاستواء، كقوله سبحانه: (الرَّحمنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوى) [٢٠].
- 4. النفس، كقوله سبحانه: (تَعْلَمُ ما فِي نَفْسي وَلا أَعْلَمُ ما في نَفْسِكَ) [٢١].
- 5. الوجه، كقوله سبحانه: (فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّه) [٢٢].
- 6. الساق، كقوله سبحانه: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساق) [٢٣].
- 7. الجنب، كقوله سبحانه: (عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللّهِ) [٢٤].
- 8. القرب، كقوله سبحانه: (فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوةَ الدّاعِ) [٢٥].
- 9. المجيء، كقوله سبحانه: (وَجاءَ رَبُّكَ) الفجر:22.
- 10. الإتيـان، كما قـال سبحـانه: (أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ) [٢٦].
- 11. الغضب، كما في قولـه: (وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِم) [٢٧].
- 12. الرضا، كما في قوله: (رَضِيَ اللّهُ عَنْهُم) [٢٨].إلى غير ذلك من الصفات الخبرية التي وردت في القرآن الكريم وأخبر عنها الوحي، فللجميع ظواهر غير مستقرة لا تلائم الأُصول الواردة في محكمات الآيات، ولكن بالإمعان و الدقة يصل الإنسان إلى مآلها ومرجعها وواقعها، وهذا لا يعني حمل الظاهر على خلافه، بل التتبع في القرائن الموجودة في نفس الآية لغاية العثور على الظاهر، إذ ليس للمتشابه ظاهر ظهور مستقرّ في بدء الأمر حتّى نتبعه.
بقي هنا سؤال و هو انّ تفسير الصفات الخبرية في ضوء القرائن الموجودة في الآية ينتهي بنا إلى القول بالتأويل، فأيّ فرق بين هذا و القول بالتأويل؟ والإجابة عنه واضحة، وذلك لأنّه إن أُريد من التأويل هو حمل الكلام على ظهوره التصديقي، سواء أكان المعنى حقيقياً أم مجازياً فهذا أمر مقبول، سواء أسمي بالأخذ بالظاهر أو سمي بالتأويل. وإن أُريد من التأويل هو صرف ظاهر الآية إلى خلافه فهو أمر مرفوض فانّ ظاهر القرآن حجّة قطعية لا يعدل عنها، إنّما اللازم هو تشخيص الظاهر فانّ من يسمّي هذا النوع من التفسير تأويلاً فإنّما يأخذ بحرفية ظاهر الكلمة وظهورها الافرادي، وقد عرفت أنّ الميزان هو الظهور التصديقي والظهور الجملي. المتكلّم و الصفات الخبرية المؤلف :
مواضيع ذات صلة
الهوامش
- ↑ لاحظ بحوث في الملل والنحل: 2 / 95 ـ 114; مفاهيم القرآن: قسم المقدمة:15ـ32
- ↑ الملل والنحل: 1 / 105 ـ 107
- ↑ راجع في الوقوف على مصادر هذه النصوص كتاب «علاقة الإثبات والتفويض»: ص 48، 41، 68
- ↑ راجع في الوقوف على مصادر هذه النصوص كتاب «علاقة الإثبات والتفويض»: ص 48، 41، 68
- ↑ راجع في الوقوف على مصادر هذه النصوص كتاب «علاقة الإثبات والتفويض»: ص 48، 41، 68
- ↑ علاقة الإثبات والتفويض»، ص 115
- ↑ الملل والنحل:1/15.
- ↑ منهاج السنة والموافقة المطبوع على هامش الأوّل
- ↑ النحل:89.
- ↑ علاقة الإثبات والتفويض:44
- ↑ علاقة الإثبات والتفويض: 58، 59، 59
- ↑ علاقة الإثبات والتفويض: 58، 59، 59
- ↑ راجع الى جعفر السبحاني، المتكلم والصفات الخبرية، ج1، ص51 الى 53
- ↑ ص:75
- ↑ يس:71
- ↑ أمالي المرتضى:1/565
- ↑ طه:5
- ↑ طه:39
- ↑ الزمر:67
- ↑ طه:5
- ↑ المائدة:116
- ↑ البقرة:115
- ↑ القلم:42
- ↑ الزمر:56
- ↑ البقرة:186
- ↑ الأنعام:158
- ↑ الفتح:6
- ↑ المائدة:119
المصدر
السبحاني، الشيخ جعفر، ج1 ، ص 70، تاريخ المشاهدة: 2026/3/3م