انتقل إلى المحتوى

التثليث

من ویکي‌وحدت
مراجعة ١٢:٣٤، ٣١ مايو ٢٠٢٦ بواسطة Negahban (نقاش | مساهمات) (أنشأ الصفحة ب'بدون إطار|يسار '''التثليث''' هو أحد المعتقدات الأساسية لغالبية المسيحية، والذي ينص على أن الإله الواحد يتجلى في ثلاثة أقانيم: الله الآب، والله الابن (الذي تجسد في المسيح عيسى)، والله الروح القدس. وهذه الأقانيم الثلاثة متحدة في ا...')
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
بدون إطار
بدون إطار

التثليث هو أحد المعتقدات الأساسية لغالبية المسيحية، والذي ينص على أن الإله الواحد يتجلى في ثلاثة أقانيم: الله الآب، والله الابن (الذي تجسد في المسيح عيسى)، والله الروح القدس. وهذه الأقانيم الثلاثة متحدة في الجوهر ولكنها متميزة عن بعضها البعض.

تعرف المصادر المسيحية «التثليث» على النحو التالي: «التثليث واحد. نحن لا نعترف بثلاثة آلهة، بل بإله واحد في ثلاثة أقانيم، «تثليث واحد في الجوهر» (مجمع القسطنطينية). فالأقانيم الثلاثة ليست مجرد أجزاء من اللاهوت الواحد، بل كل واحد منها هو إله كامل: «الابن هو عين الآب، والآب هو عين الابن، والروح القدس هو عين الآب والابن».

مفهوم التثليث

من بين الأديان الإبراهيمية، تعتقد اليهودية والإسلام بإله «بسيط» «واحد» لا شائبة فيه لأي نوع من التركيب، حتى التركيب الذهني. وتعتبر المسيحية نفسها من الأديان التوحيدية وتنفي عنها شبهة الشرك؛ ومع ذلك، فإن الفرق المسيحية الثلاث الكبرى[١] تعتبر التثليث إلى جانب التوحيد من المعتقدات الأساسية والسمة المميزة لكل مسيحي.

معنى التثليث

«التثليث[٢]» يعني وجود ثلاثة أقانيم: «الآب»، «الابن»، «الروح القدس» في اللاهوت.

لطالما كان الأساس النقلي للتثليث والدفاع العقلي عنه من أهم شواغل العلماء المسيحيين[٣].

التثليث في المصادر المسيحية

التثليث واحد. نحن لا نعترف بثلاثة آلهة، بل بإله واحد في ثلاثة أقانيم، «تثليث واحد في الجوهر» (مجمع القسطنطينية). فالأقانيم الثلاثة ليست مجرد أجزاء من اللاهوت الواحد، بل كل واحد منها هو إله كامل: «الابن هو عين الآب، والآب هو عين الابن، والروح القدس هو عين الآب والابن؛ أي إنهم من حيث الجوهر والطبيعة إله واحد» (مجمع توليدو). «كل واحد من الأقانيم الثلاثة هو نفس الحقيقة، أي الجوهر والذات واللاهوت» (مجمع لاتران)[٤].

يكتب «مونتغمري وات»:

يعتقد المسيحيون أيضاً بوحدانية الله. أحد عقائدهم الرئيسية، وهي العقيدة النيقية، تبدأ بهذه الكلمات: «أنا أؤمن بإله واحد». ولكن في نفس الوقت، يعتقدون أن الله ثلاثي بطريقة ما. عقيدة «التثليث» دقيقة ومعقدة، وعلى المسيحيين العاديين قبولها دون أن يتمكنوا من تفسيرها بالكامل.

صيغتها الإنجليزية هي: «One substance and three persons»، أي «جوهر واحد وثلاثة أقانيم»... والمقصود بكلمة «Person» هي الكلمة اليونانية «Hypostasis» أو العربية «أقنوم»[٥].

الأساس النقلي للتثليث

لا يوجد أثر للتثليث في الكتاب المقدس الذي هو مصدر المعتقدات المسيحية. ففي هذا الكتاب لم يُطلق على الأقنوم الثالث، أي الروح القدس، اسم الله ولم يُعتبر واحداً مع الله[٦]. ما هو موجود في العهد الجديد (في قسم «لاهوت المسيح») هو «التثنية»، وليس «التثليث»؛ أي إنه يتحدث فقط عن «الآب» و«الابن»، ولا يتحدث عن «الروح القدس» كإله. وقسم «لاهوت المسيح]] في الإنجيل يشكل جزءاً صغيراً من الأناجيل الأربعة يتضمن بعض آيات إنجيل يوحنا، ولا يوجد أثر في الأناجيل الثلاثة الأخرى، أي متى ولوقا ومرقس، على أن عيسى هو الله أو جزء من الله. فأين جذور الاعتقاد بالتثليث؟ يبدو أن جذوره تعود إلى «العقيدة النيقية».

العقيدة النيقية

العقيدة النيقية[٧]: وقع أول نزاع لاهوتي في المسيحية حول «التثليث» و«علاقة المسيح بالآب» في زمن قسطنطين (القرن الرابع). كان رأي بعض العلماء المسيحيين أن الله منفصل تماماً عن الخلق؛ فلا يمكن إذن اعتبار المسيح الذي نزل إلى الأرض وولد كإنسان، هو الله الذي لا يمكن معرفته... الآب أنتج الابن، فالابن مخلوق وليس من ذات الآب، ولا يمكن تسميته إلهاً بالمعنى الكامل[٨].

عارض بعض العلماء المسيحيين الآخرون بشدة الرأي أعلاه وكفروا أصحابه. أثار النزاع بين الرأيين فوضى عظيمة للكنيسة وللإمبراطورية الرومانية. خشي قسطنطين (ملك روما) من هذا الانقسام، فحاول أولاً التوفيق بين المجموعتين؛ لذلك كتب رسالة إلى «الإسكندر» (زعيم المجموعة التي دافعت عن مساواة الابن والروح القدس مع الآب في الجوهر)، ورسالة إلى «آريوس» (زعيم المجموعة التي قالت باختلاف جوهر الآب عن الابن)، وطلب منهما إنهاء هذه النزاعات «العبثية»![٩].

ولما لم تهدأ الخلافات، عزم قسطنطين على عقد مجمع مسيحي لمناقشة هذه القضية؛ لذا بأمره انعقد أول مجمع مسيحي عالمي سنة 325 م في مدينة نيقية، بحضور 318 أسقفاً. ترأس الإمبراطور شخصياً بعض جلسات هذا المجمع، وكان يتحمل جميع النفقات، وبالطبع منذ ذلك الوقت رأت الكنيسة نفسها تحت سلطة الزعيم السياسي للحكومة، لكنهم كانوا منشغلين بالقضايا الكلامية واللاهوتية لدرجة أنهم لم يتح لهم الوقت للتفكير في هذه القضية بالذات[١٠]. أقر هذا المجمع عقيدة عرفت باسم «العقيدة النيقية» والتي أكدت لأول مرة في وثيقة رسمية على «التثليث».

نص العقيدة النيقية هو:

نؤمن بإله واحد، الآب ضابط الكل، إله كل ما هو مرئي وغير مرئي؛ وبرب واحد يسوع المسيح، ابن الله، مولود من الآب، وحيد المولود الذي من جوهر الآب، إله من إله، نور من نور، إله حقيقي من إله حقيقي، مولود غير مخلوق، مساو للآب في الجوهر، الذي به كان كل ما في السماء وما على الأرض؛ الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل وتجسد، صار إنساناً وتألم؛ الذي صلب عنا، تألم، دفن، وفي اليوم الثالث قام من القبر وصعد إلى السماء وفقاً للكتاب، وجلس عن يمين الآب؛ وسيعود بمجد ليدين الأحياء والأموات، ولا نهاية لملكه. نؤمن بالروح القدس، الرب المحيي، المنبثق من الآب والابن، الذي يُعبد مع الآب والابن، والذي تكلم بواسطة الأنبياء[١١].

هذا النص يُدرّس اليوم في الكنيسة المسيحية كمبادئ عقائدية، ويُتلى كل يوم أحد وفي الأعياد المسيحية في الكنائس. بإقرار هذا البيان، تم تثبيت مساواة المسيح بالله الخالق، وأصبح الآب والابن والروح القدس ثلاثة أقانيم بجوهر واحد.

تناقض التثليث مع العقل

من الإشكاليات الأساسية في نظرية التثليث عدم قابليتها للفهم. يُستفاد من بعض عبارات العلماء المسيحيين أن نظرية التثليث غير مفهومة للمسيحيين العاديين، لكن العلماء المسيحيين أدركوا سرها[١٢]؛ في حين أن الأمر ليس كذلك.

على سبيل المثال، يكتب أحد مفسري العهد الجديد في تفسير الآية الأولى من إنجيل يوحنا القائلة: «وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ اللَّهُ.»:

مفهوم ومغزى العبارة المذكورة هو أن الكلمة كانت شريكة في ذات الباري تعالى. العقل البشري قاصر عن فهم كيف يمكن لمثل هذا الشيء أن يكون ممكناً دون أن نقع في الثنوية، ولكن عقيدة وإيمان الكنيسة المسيحية منذ تأسيسها حتى الآن هو أن الله واحد، وأن كلمة الله لها لاهوت، وأن الكلمة هو الله[١٣]. والأكثر إثارة للاهتمام هو أن أولئك الذين أدخلوا التثليث رسمياً إلى المسيحية، أي قادة مجمع نيقية، اعترفوا بأن فهم التثليث صعب ولا بد من الإيمان به فقط:

أثناسيوس، رئيس الكهنة الفصيح والمشاكس الذي أحضره الإسكندر كسيف لاهوته... اعترف قائلاً: «إن تصور ثلاثة أقانيم متميزة في وجود واحد صعب». لكنه دافع بقوله: «يجب على العقل أن يخضع أمام سر التثليث»[١٤].

يقول مؤلف كتاب «إيضاح التعليم المسيحي»، معترفاً بعدم قابلية التثليث للفهم، في معرض رده على سؤال لماذا يطلب منا الله أن نخضع العقل لقضية تفوق إدراكنا:

  1. لكي نتواضع أمام الله تعالى ونضع له الاحترام اللائق بعزته؛
  2. إذا كان خلاص الإنسان وسعادته يكمن في البحث، وكان كل إنسان ملزماً بالبحث في حقائق الإيمان، فماذا سيكون حال الجنس البشري الذي لا يملك القدرة على فهم معظم الأمور الإلهية؟...
  3. يجب أن نؤمن بقضية تفوق إدراكنا لكي يتم إصلاح ما كان سبباً لسقوط أول نبي إلهي في هاوية الخطيئة، وهو الرغبة في اكتساب البصيرة والمعرفة والفهم...
  4. غرض الله من تكليفنا بهذا النوع من المسائل هو القضاء على أي صراع وجدال بيننا، وتمهيد طريق الخلاص لنا[١٥].

يعتقد «توما الأكويني» الشخصية البارزة في الفكر الفلسفي للقرون الوسطى أن العديد من النظريات المسيحية الأساسية، ومنها نظرية التثليث، تقع خارج نطاق العقل والاستدلال العقلي، ولا يتم قبولها إلا على أساس الإيمان الديني، وكان يعتقد أنه: على الرغم من أن نظرية التثليث لا يمكن إثباتها بالعقل والدليل، إلا أنها لا تتعارض أبداً مع العقل والحكمة[١٦].

من كلمات الأكويني يبدو أن عقيدة التثليث ليست معادية للعقل، بل هي هاربة من العقل؛ أي أنها لا تتعارض مع العقل، بل هي فوق إدراك العقل. لكن الحقيقة أن هذه العقيدة معادية للعقل؛ لأنها تؤدي إلى التناقض، إذ لا يمكن تسمية الشيء الواحد ثلاثة أشياء مع بقاء وحدته وكونه ثلاثة أشياء منفصلة في نفس الوقت.

امتناع التناقض من بديهيات العقل التي لا مفر منها، ولا يمكن القول أنه إذا كانت عقيدة في الدين معادية للعقل، فيجب قبولها تعبداً؛ لأنه لا يوجد دين أو أمر ديني يأتي بأصول مخالفة لبديهيات العقل. كما أن عقيدة التثليث لا تعتبر من محتويات الكتاب المقدس، بل هي من المبادئ التي دخلت فيما بعد في العقيدة المسيحية[١٧].

وجود أمور فوق الإدراك في أي نظام فكري ولاهوتي هو أمر لا يمكن رفضه بالكامل، لكن النقطة الجوهرية هي أنه فقط بعد الخضوع للحقائق التي يمكن إثباتها بوضوح بالفطرة والعقل، وإثبات حقانية الأشخاص الذين يعبرون عن الحقائق، يمكن الإيمان بالأمور فوق الإدراك... بينما تعتبر المسيحية نقطة انطلاق لاهوتها وأكثر قضايا فلسفتها حساسية فوق الإدراك، وتطرح شعار «آمن حتى تفهم». مثل هذا الكلام غير مقنع لمن يبحث عن اختيار مذهب ونظام لاهوتي؛ فمثل هذا الشخص عندما يواجه أدياناً مختلفة تدعو إلى التوحيد الخالص أو تعدد الآلهة، بأي رجحان عقلي أو فطري يختار المسيحية؟ أليس طلب الإيمان بأمور فوق الإدراك أو ضد العقل مخالفاً للعقل والمنطق في حد ذاته؟[١٨].

الخلاصة أن المسيحية لم تنجح في بيان معنى التثليث، والتفسيرات التي قدمت لهذا المبدأ إما تؤدي إلى التناقض وإما تؤدي إلى الشرك؛ أو يجب تفسير التثليث كأمر مجازي وتشريفي، بحيث يكون المقصود ثلاثة استنتاجات من أمر واحد، أو القول بتركيب الذات الإلهية. كما أن العديد من العلماء المسيحيين أخطأوا في وصف وتشبيه النظرية الأرثوذكسية للكنيسة بشأن التثليث، وطرحوا «التثليث التوهمي» والتجلي الثلاثي لواحد[١٩]، بينما تطرح الكنيسة رسمياً «التثليث الحقيقي»؛ أي ثلاثة ذوات منفصلة وهي في نفس الوقت واحدة.

جذور التثليث في العقائد الوثنية

الكتاب المقدس هو كتاب توحيدي. في العهدين القديم والجديد آيات كثيرة في تعريف الإله الواحد الأحد[٢٠] ولا يوجد أثر للتثليث فيها. هذه الحقيقة جعلت البعض يبحثون في أصل هذه العقيدة ليكتشفوا سبب نفاذ مثل هذه النظرية في المسيحية.

تشير البحوث التاريخية إلى أن العديد من التعاليم المسيحية، منها التثليث، والتجسد، والفداء، والقيامة، والصلب، وإظلام العالم عند موت المخلص، وكونه ابن الله، ونزول ابن الله لخلاص الأحياء والأموات، وغيرها الكثير، كانت موجودة في الديانات الوثنية السابقة، خاصة عند الهندوس والبوذيين، ودخلت الكنيسة من خلالهم؛ فمثلاً يعتبر الهندوس «براهما» الإله الأكبر الذي تجلى في ثلاثة «أقانيم» وهي «براهما» و«فيشنو» و«شيفا»[٢١]. وكذلك «أوزوريس»[٢٢] في مصر، و«أتيس»[٢٣] في آسيا الصغرى، و«ديونيسوس»[٢٤] في اليونان، كانت آلهة ماتت من أجل خلاص البشر. وكلمة «كيريوس»[٢٥] التي تعني «السيد» والتي أطلقها بولس على عيسى المسيح (عليه السلام)، أخذها من اليونانيين والسوريين الذين كانوا يخصون بها الإله «ديونيسوس»[٢٦].

دراسة تاريخ العقائد القديمة تبين لنا أن مصطلح «ابن الله» كان شائعاً جداً في القدم، وكثير من الملوك، مثل فرعون مصر، كانوا يسمون أنفسهم «ابن الله».

وكذلك قصة موت أو صلب القديسين، وتحملهم الألم والمصيبة، وأخيراً قيامتهم، هي نماذج كثيرة وردت في الكثير من الروايات الأسطورية القديمة: «هرقل» اليوناني، و«تموز» البابلي، و«أدونيس» السوري، و«أتيس» الفريجي، و«أوزوريس» المصري، هم آلهة قُتلوا؛ «برومثيوس» و«ليكورغوس» و«ديونيسوس» صُلبوا؛ بعض هؤلاء الآلهة، مثل «أتيس» و«أوزوريس» و«أدونيس» قاموا من القبور، وكثير منهم، مثل يسوع، قاموا في اليوم الثالث؛ كل عام كان أتباع «أتيس» الذي انتشرت عبادته من آسيا الصغرى إلى الغرب (روما)، يعلقون تمثال «أتيس» على شجرة صنوبر وينوحون على موته، وبعد ثلاثة أيام كانوا يدفنونه ويحتفلون بقيامته، ويعتبرونها علامة الخلاص، وعلامة على هذه القيامة كانوا يتعمدون بدم الثور، وكان كاهن أتيس يعلن: «تشجعوا، فكما قام الرب، ستخلصون أنتم أيضاً»؛ كان أتباع «ديونيسوس» يعرضون في معابدهم تمثال الإله المصلوب أو نقشه، تماماً كما تقدم الكنيسة المسيحية أيقونة المسيح المصلوب بدلاً من الله. كانت قصة قيامة الآلهة والأبطال شائعة جداً لدرجة أن أوريجينوس كتب عن قيامة المسيح: «هذه المعجزة ليست جديدة على الوثنيين»[٢٧].

القرآن والتثليث

في العديد من آيات القرآن المجيد تم التأكيد على وحدانية الله تعالى[٢٨]، كما نفت آيات أخرى لاهوت السيد المسيح (عليه السلام) والسيدة مريم (عليها السلام)[٢٩]. لكن فيما يتعلق بالتثليث، ورد في آيتين نهي صريح عن النطق به أو اعتباره معادلاً للكفر، نذكرهما فيما يلي:

في الآية 171 سورة النساء: «يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۖ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ۚ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ ۚ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ۘ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا».

الآيات 73 إلى 75 سورة المائدة: «لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۚ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ۗ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ».

يرى بعض الكتاب المسيحيين أن الآيات أعلاه لا ترفض التثليث، وإنما ترفض التثليث القائل بثلاثة آلهة، وهو ما لا يعتقده المسيحيون الأرثوذكس أيضاً. يكتب توما ميشيل:

يرفض القرآن التثليث القائل بثلاثة آلهة، وليس التثليث الذي هو عقيدة بعض مشركي الحجاز. لقد تبنى هؤلاء جزءاً من المسيحية وحرّفوه[٣٠].

كما يصرح مونتغمري وات:

ينتقد القرآن الاعتقاد بثلاثة آلهة، وليس بثلاثة أقانيم. على مر العصور، قد يكون هناك مسيحيون بسطاء أو سيئو التعليم اعتقدوا بثلاثة آلهة؛ ويحتمل وجود مثل هؤلاء الأشخاص في عربستان في زمن النبي محمد (صلى الله عليه و آله و سلم). فالقرآن يرفض بدعة مسيحية، والمسيحية الأرثوذكسية توافق على هذا النقد[٣١].

لكن في الآيات أعلاه أدلة تثبت أن مقصود القرآن هو التثليث المسيحي الشائع. في الآية الأولى (النساء: 171) ينهى الله أولاً أهل الكتاب عن الغلو، ثم يحصر الأمر قائلاً: «إنما المسيح... رسول الله وكلمته...» ثم بعد عبارة «ولا تقولوا ثلاثة» يضيف: «سبحانه أن يكون له ولد». مع أن الشخصية الثانية في التثليث هي «الابن». إذاً الإسلام والقرآن يرفضان هذا الفكر المسيحي الرسمي الشائع.

والآية الثانية أيضاً (المائدة: 73-75) تنفي لاهوت المسيح وتقول: «ما المسيح إلا رسول قد خلت من قبله الرسل». إذاً، من وجهة نظر القرآن، المسيح هو إنسان فقط، وهذا لا يتوافق مع التثليث المسيحي الشائع[٣٢].

من وجهة نظر القرآن، السيد المسيح عليه السلام هو شخصية له ميزتان مهمتان: الأولى مقام الرسالة، والثانية ولادته المعجزة بكلمة الله التكوينية[٣٣]. في الميزة الأولى يشاركه جميع رسل الله، وفي الميزة الثانية يشبه آدم أبا البشر:

«إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ»[٣٤].

بالتأمل في آيات القرآن يتضح أن كريستولوجيا القرآن لا تتوافق مع الكريستولوجيا التثليثية المسيحية، وأنه حتى على سبيل التشريف لا ينبغي تسمية عيسى المسيح (عليه السلام) بابن الله[٣٥].

إشكال

يكتب «هاري أوسترين ولفسون» في كتاب فلسفة علم الكلام:

يرفض القرآن التثليث الذي يتكون من الله والمسيح ومريم، بينما التعاليم الرسمية هي تثليث يتكون من الله والمسيح السابق الوجود (الكلمة) والروح القدس.

ثم يجيب على الإشكال أعلاه قائلاً:

استبدال عيسى، أي المسيح المولود، بالمسيح السابق الوجود، له سابقة في طريقة التفكير التثليثية؛ أما بالنسبة لاستبدال مريم بالروح القدس، فيجب القول أنه قد يكون هناك سابقة لمثل هذا التصور للتثليث، كما نقل أوريجينوس عن إنجيل العبرانيين[٣٦].

لا بد من توضيح هذه النقطة بخصوص كلام ولفسون، وهي: أنه لا يوجد في أي مكان من القرآن تحديد صريح لشخصيات التثليث الثلاث معاً؛ فالموجود في القرآن هو النفي الصريح للتثليث[٣٧]، ونفي لاهوت المسيح[٣٨]، ونفي لاهوت مريم[٣٩]، ونفي لاهوت الملائكة[٤٠]. نفي لاهوت مريم لا يعني بالضرورة أن القرآن يعتبرها واحدة من شخصيات التثليث؛ لأن القرائن تشير إلى أن عبادة مريم كانت منتشرة في العديد من كنائس المشرق.

خلاصة القول: إن القرآن لا يقول إن هؤلاء هم أقانيم التثليث، بل يقول إن المسيحيين جعلوا للمسيح وأمه لاهوتاً، كما يقول في موضع آخر: «اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ»[٤١]؛ والمقصود ليس أنهم سموهم صراحة آلهة، بل أنهم أطاعوهم طاعة مطلقة.

معارضة العلماء المسيحيين لعقيدة التثليث

بين الحين والآخر، يعترض بعض الأفراد والجماعات المسيحية على عقيدة التثليث، أو يعبرون عن تفاسير مختلفة عن الرأي الرسمي للمسيحية:

من بين هذه الجماعات المعترضة طائفة تسمى «الونيتاريانية». كان زعيم هذه الجماعة شخصاً إسبانياً اسمه «ميخائيل سيرفيتوس»، وقد أُحرق حياً في مدينة جنيف التي كانت مركز الطائفة الكالفينية بتهمة الكفر والإلحاد. لاحظ بعد دراسة دقيقة لأسفار العهد الجديد أن مسألة التثليث، التي أصبحت أمراً مسلماً به لدى عامة المسيحيين بحسب العقيدة النيقية، غير موجودة في تلك الأسفار، واعتقد أن هذه العقيدة هي كفر محض وباطل. فنشر رسالة بعنوان «عن أخطاء التثليث» سنة 1531 م[٤٢].

انظر أيضاً

الهوامش

  1. الكاثوليكية، والأرثوذكسية، والبروتستانتية.
  2. The Trinity.
  3. عبدالرحيم سليماني أردستاني، درآمدی بر الهیات تطبیقی اسلام و مسیحیت، ص 124.
  4. Catechism of the cotholic church, P. 60.
  5. .Montgomery Watt, Islam and Christianity today, P. 49.
  6. في موضع واحد ورد الآب والابن والروح القدس معاً، ولكن مجرد ورود عدة كلمات معاً لا يدل على اتحادها. ر.ك: إنجيل متى، 28: 2؛ أو في بعض الحالات ورد ضمير الجمع لله، وربما كان ذلك من قبيل التعظيم. حتى في كتابات بولس وإنجيل يوحنا حيث المسيح له لاهوت، فإن أقصى ما تدل عليه هو التثنية، وليس التثليث.
  7. نسبة إلى مدينة نيقية في آسيا الصغرى، الواقعة في تركيا الحالية.
  8. و. م. ميلر، تاریخ کلیسای قدیم، ص 240.
  9. ويل ديورانت، تاریخ تمدن، ج 3، ص 769؛ جوان أكيريدي، مسیحیت و بدعت‌ها، ص 150.
  10. آرل كرنر، سرگذشت مسیحیت در طول تاریخ، ص 106 ـ 107.
  11. بطرس فرماج، إيضاح التعليم المسيحي، ص 20؛ و تاریخ کلیسای قدیم، ص 244.
  12. .Montgomery Watt, Islam and christianity Today, P. 49.
  13. و. م. ميلر، تفسير إنجيل يوحنا، ص 2.
  14. تاریخ تمدن، ج 3، ص 770.
  15. إيضاح التعليم المسيحي، ص 24؛ نقلاً عن: محمد رضا زيبايي نژاد، در آمدی بر تاریخ و کلام مسیحیت، ص 138.
  16. روبرت وير، جهان مذهبی، ص 733.
  17. فيما يتعلق بتناقض عقيدة التثليث مع العقل، ر.ك: عبدالرحيم سليماني أردستاني، درآمدی بر الهیات تطبیقی اسلام و مسیحیت، ص 230.
  18. محمد رضا زيبايي نژاد، مسیحیت شناسی مقایسه ای، ص 347.
  19. مثل سابليوس من العلماء المسيحيين في القرن الثالث، ر.ك: جوان أكيريدي، مسیحیت و بدعت‌ها، ص 144.
  20. مثل سفر التثنية، 4: 35 و39، سفر الملوك الأول، 8: 60، سفر إشعياء، 45: 5، إنجيل مرقس، 12: 29 و32، إنجيل يوحنا، 17: 3، رسالة كورنثوس الأولى، 8: 4، رسالة تيموثاوس الأولى، 2: 5 و...
  21. بطرس البستاني، دائرة المعارف البستانية، ج 5، ص 321.
  22. Osiris.
  23. Atis.
  24. Dionosus.
  25. Kyrios
  26. ويل ديورانت، تاریخ تمدن، ج 3، ص 697؛ هاشم رضى، تاریخ ادیان، ص 1408.
  27. اقتباس من: جلال الدين آشتياني، تحقیقی در دین مسیح، ص 474؛ تاریخ ادیان، ص 1408.
  28. . مثل سورة الإخلاص: قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد.
  29. مثل: سورة المائدة، آية 17 و116 وسورة التوبة، آية 30.
  30. توما ميشيل، کلام مسیحی، ص 79.
  31. Montgomery Watt, Islam and Christianity today, P. 50 نقلاً عن: عبدالرحيم سليماني أردستاني، درآمدی بر الهیات تطبیقی اسلام و مسیحیت، ص 136.
  32. تركيب «كلمة الله» و«روح الله» من قبيل الإضافة التشريفية. مثل هذه الإضافة توجد في جميع اللغات والمراد منها بيان العظمة والاحترام.
  33. ر.ك: درآمدی بر الهیات تطبیقی اسلام و مسیحیت، ص 136 ـ 137.
  34. كون عيسى (عليه السلام) «كلمة الله» يعني أنه وُجد بإرادة الله الخاصة، وبطريقة غير طبيعية. محمد رضا زيبايي نژاد، مسیحیت شناسی مقایسه ای، ص 361.
  35. سورة آل عمران، آية 59.
  36. هاري أوسترين ولفسون، فلسفة علم الكلام، ص 327، باختصار.
  37. سورة النساء، آية 171 وسورة المائدة، آية 73-75
  38. سورة المائدة، آية 17 و72، سورة الزخرف، آية 59.
  39. سورة المائدة، آية 116.
  40. سورة النساء، آية 172، سورة آل عمران، آية 79.
  41. سورة التوبة، آية 31.
  42. جون بي ناس، تاریخ جامع ادیان، ص 681.

المصادر