انتقل إلى المحتوى

الفرق بين المراجعتين لصفحة: «الإنجيل»

من ویکي‌وحدت
ترجمه خودکار از ویکی فارسی
وسم: مسترجع
تراجع عن المراجعة 34010 بواسطة Translationbot (نقاش).
وسم: رجوع
 
سطر ١: سطر ١:
[[ملف:انجیل.jpg|بدون إطار|يسار]]
'''الإنجيل''' بِحَسَبِ الرأي الإسلامي، كتاب سماوي أنزله الله على [[عيسى المسيح]] عليه السلام ليبلغه إلى الناس، وكان يشمل على الهدى والذكر وأحكام الله؛ لكن [[المسيحيين]] ينكرون هذا المفهوم للإنجيل جملة وتفصيلا. فهم لا يقولون إن [[عيسى المسيح| عيسى]] جاء بكتاب بهذا الاسم. ففكرة أن [[عيسى المسيح| عيسى]] جاء ب[[الوحي| وحي]] كما جاء [[موسى كليم الله| سيدنا موسى]] ب[[التوراة]] و[[محمد بن عبدالله (خاتم الأنبياء)| سيدنا محمد]] عليهما السلام ب[[القرآن]]، لا مكان لها في العقيدة [[المسيحية]].
'''إِنْجِيل''' (معرب الكلمة اليونانية εὐαγγέλιον «إِوَانْگِلِيون» euangelion، بمعنى الخبر السار أو البشارة) هو الكتاب المقدس لدى [[مسيحية|المسيحيين]]. تُسمى الكتب الأربعة الأولى من [[عهد جديد|العهد الجديد]] المنسوبة على التوالي إلى '''مَتَّى'''، '''مَرْقُس'''، '''لوقا''' و'''يُوحَنَّا''' إنجيلاً. لا يعتبر [[مسيحية|المسيحيون]] الإنجيل كتابًا سماويًا لـ[[عيسى|عيسى عليه السلام]]، بل يعتقدون أن [[عيسى|عيسى]] نفسه كان تجسدًا لل[[وحي]] وعين الرسالة الإلهية.
في [[قرآن|القرآن الكريم]] والأحاديث الإسلامية، الإنجيل هو كتاب [[عيسى|السيد المسيح]] الذي أوحى به إليه [[الله|الله تعالى]]، لكن في كتب تاريخ الأديان وخاصة لدى المسيحيين، تُسمى الكتب التي كُتبت في القرون الأولى لـ[[مسيحية|المسيحية]] لتسجيل أقوال وأفعال السيد [[عيسى|المسيح]] بالأناجيل. استخدم مؤلفو الأناجيل في كتابة سيرة السيد المسيح عيسى مواد كانت متاحة لهم عبر تلاميذه وشهود العيان على الوقائع.


== الكتاب السماوي ==
[[الأناجيل الأربعة]] كُتبت بأيدي تلاميذ [[عيسى المسيح| سيدنا عيسى]] عليه السلام وتم اختيارها ونشرها من بين أناجيل أخرى كثيرة.
وفقًا للرؤية الإسلامية، الإنجيل كتاب سماوي أنزله الله على [[عيسى]] عليه السلام ليبلغه إلى [[ناس|الناس]]، وهو مشتمل على [[هداية]]، [[ذكر]] و[[أحكام إلهية]]؛ لكن [[مسيحية|المسيحيين]] ينكرون هذا المفهوم للإنجيل من الأساس. فهم لا يقولون أبدًا أن [[عيسى]] جاء بكتاب باسم الإنجيل. إن مجيء [[وحي]] على يد [[عيسى]] بالطريقة التي جاء بها [[موسى]] [[توراة|التوراة]] و[[محمد]] عليهما السلام [[قرآن|القرآن]]، لا مكان له في [[لاهوت مسيحي|اللاهوت المسيحي]]. [[أناجيل|الأناجيل]] الأربعة كُتبت على يد تلاميذ [[عيسى]] عليه السلام، وتم اختيارها ونشرها من بين [[أناجيل|الأناجيل]] المختلفة.
[[المسيحيون]] يرون أن حقيقة الإنجيل هي [[البشارة]] بالخلاص الذي تحقق بتجسد [[الله]] في [[عيسى المسيح| عيسى]]، و[[صلبه]]، ثم قيامته من بين الأموات. لذا يمكن القول إن هناك قراءتين مختلفتين تماما لمفهوم الإنجيل بين [[المسلم| المسلمين]] و[[المسيحيين]].
يعتبر [[مسيحية|المسيحيون]] حقيقة الإنجيل هي [[بشارة]] الخلاص الناتجة عن تجسد [[الله]] في [[عيسى]]، [[صلب]]، وقيامته عليه السلام بعد [[موت]]. لذا يمكن القول إن هناك قراءتين مختلفتين تمامًا لمفهوم الإنجيل لدى [[مسلمون|المسلمين]] و[[مسيحية|المسيحيين]].
في اللغة الإنجليزية المعاصرة، تُستخدم كلمة «Gospel» مقابل «إنجيل»<ref>منیر بعلبکی، المورد قاموس انکلیزی ـ عربی، بیروت، دارالعلم للملایین، 1995، ص 395.</ref> وأصلها في الإنجليزية القديمة «God-Spell».<ref>Encyclopedia Of Religion and Ethics, James Hastings (ed), New York, charles Scribners sons, 13 Volumes. V.6, P. 333.
</ref> وهذه الكلمة مركبة من كلمتي الأنجلوساكسونية «God» و«Spell» ومجموعهما بمعنى «كلام إلهي»,<ref>Ibid, V. 6, P. 333.</ref> أو «إملاء [[رب|الرب]]»<ref>محمّدرضا زیبایی‌نژاد، مسیحیت‌شناسی مقایسه‌ای، تهران، سروش، 1382، ص 139.</ref> أو «خبر سار»<ref>The Catholic Encyclopedia, charles G. Herrermann (ed), New York, The Encyclopedia press, Inc, 1913, 16 Volumes. V. 6, P. 656.</ref>. هذه الكلمة نفسها ترجمة للكلمة اليونانية «Evangelion» (إوانگليون) التي تُلفظ في اللاتينية «Evangelium» (إوانجيليوم). دخلت الكلمة الأخيرة إلى اللغات الفرنسية والألمانية والإيطالية وغيرها من اللغات الحديثة.<ref>Ibid; Britanica, 2002, Deluxe Edition CD-Rom. V. 5, P. 379.</ref> وبالنظر إلى أن النصوص الأولى لـ[[مسيحية|المسيحية]] كانت باللغة اليونانية، يجب القول: إن كلمة «إنجيل» في النهاية مأخوذة من الكلمة اليونانية «إوانگليون»؛ لكن الطريق المباشر أو غير المباشر لها إلى [[لغة عربية|اللغة العربية]] محل خلاف.


نولدكه (Noldke) يحتج بالاقتراض عبر اللهجة الحبشية منها، أي «Wangel»<ref>Encyclopedia Of Islam, prepared by a Number of Leading orientalists, Leiden, 1986, 10 Volumes. V. 3, P. 1205.</ref> وفريق آخر رجح أنها دخلت العربية مباشرة من اليونانية أو إحدى اللغات [[سريانية|السريانية]]، [[عبرية|العبرية]] أو السبئية.<ref>آرتور جعفری، واژه‌های دخیل در قرآن، ترجمه فریدون بدره‌ای، توس، 1372، ص 131 ـ 132.</ref> في هذا الصدد، حاول بعض [[مفسرون|المفسرين]] [[مسلمون|المسلمين]] إظهار الكلمة المذكورة كعربية، فجعلوها على وزن «أفْعِل» من جذر «ن ج ل» وقالوا فيها معانٍ مختلفة.<ref> محمّدبن حسن طوسی، التبیان، به کوشش احمد حبیب عاملی، بیروت، داراحیاء التراث العربی، ج 3، ص 542 / فضل‌بن حسن طبرسی، مجمع‌البیان، بیروت، دارالمعرفه، افست؛ تهران، ناصر خسرو، 1406، ج 2، ص 6 / محمّدبن احمد قرطبی، الجامع لاحکام القرآن، چ‌پنجم، بیروت، دارالکتب‌العلمیه،1417، ج 4، ص 6.</ref> هذا الرأي لم يقبله معجميو العربية.<ref>سید محمّدمرتضی حسینی زبیدی حنفی، تاج العروس، به کوشش علی شیری، بیروت، دارالفکر، 1414، ج 8، ص 128 / ابن منظور، لسان‌العرب، به کوشش علی شیری، بیروت، داراحیاء التراث العربی، 1408، ج 14، ص 58 / حسن مصطفوی، التحقیق فی کلمات‌القرآن الکریم، تهران، وزارت فرهنگ و ارشاد اسلامی، 1374، ج 12، ص 39، «نجل».</ref> فهم يؤكدون على كونه دخيلاً ومقترضًا من اللغة [[عبرية|العبرية]]، اليونانية أو [[سريانية|السريانية]].<ref>ابن اثیر، النهایه فی غریب الحدیث والاثر، به کوشش محمود محمّد طناحی و طاهر احمد زاوی، قم، اسماعیلیان، 1367، ج 5، ص 23 / فخرالدین طریحی، مجمع‌البحرین، به کوشش محمود عادل و احمد حسینی، چ دوم، تهران، نشر فرهنگ اسلامی، 1408، ج 4، ص 274 / ابن منظور، پیشین، ج 4، ص 58.</ref> ومعظم [[مفسرون|المفسرين]] [[مسلمون|المسلمين]] يعتبرون «إنجيل» من الكلمات الدخيلة<ref>محمّدبن عمر فخر رازی، التفسیر الکبیر، چ چهارم، قم، دفتر تبلیغات اسلامی، 1413، ج 7، ص 171 / محمّد رشیدرضا، تفسیر المنار، چ چهارم، قاهره، دارالمنار، 1373، ج 3، ص 158 / سید محمود آلوسی، روح‌المعانی فی تفسیر القرآن‌العظیم، به کوشش محمّدحسین عرب، بیروت، دارالفکر، 1417، ج 3، ص 124.</ref> وبعضهم مثل [[زمخشري|الزمخشري]] و[[بيضاوي|البيضاوي]] نظروا إلى اعتبارها عربية بعين الاحتقار.<ref>محمودبن عمر زمخشری، الکشّاف، چ دوم، قم، بلاغت، 1415، ج 1، ص 335 / ناصرالدین عبداللّه‌بن عمر بیضاوی، تفسیر بیضاوی، بیروت، مؤسسة¶الاعلمی للمطبوعات، 1410، ج 1، ص 237 / محمّدبن محمّدرضا قمی مشهدی، کنزالدقائق و بحرالغرائب، به کوشش حسین درگاهی، تهران، وزارت فرهنگ و ارشاد اسلامی، 1411، ص 237.</ref>
في اللغة الإنجليزية المعاصرة، تستخدم كلمة "Gospel" كمرادف لكلمة "الإنجيل"<ref>منير البعلبكي، المورد قاموس إنكليزي - عربي، بيروت، دار العلم للملايين، 1995، ص 395.</ref>، وأصلها في الإنجليزية القديمة "God-Spell"<ref>Encyclopedia Of Religion and Ethics, James Hastings (ed), New York, Charles Scribners Sons, 13 Volumes. V.6, P. 333.</ref>، وهي مركبة من كلمتي "God" (الله) و"Spell" (الكلام)، وتعني مجتمعة "الكلام الإلهي"<ref>Ibid, V. 6, P. 333.</ref>، أو "إملاء [[الله]]"<ref>محمد رضا الزيباوي، المسيحية المقارنة، طهران، سروش، 2002، ص 139.</ref>، أو "البشرى السارة"<ref>The Catholic Encyclopedia, Charles G. Herbermann (ed), New York, The Encyclopedia Press, Inc, 1913, 16 Volumes. V. 6, P. 656.</ref>. هذه الكلمة نفسها ترجمة للكلمة اليونانية "Evangelion" (إيفانجيليون)، والتي تنطق في اللاتينية "Evangelium" (إيفانجيليوم). وقد دخلت هذه الكلمة إلى اللغات الفرنسية والألمانية والإيطالية وغيرها من اللغات الحديثة<ref>Ibid; Britannica, 2002, Deluxe Edition CD-Rom. V. 5, P. 379.</ref>


== الإنجيل في الأدبيات الدينية للمسيحيين ==
مع الأخذ في الاعتبار أن النصوص المسيحية الأولى كانت مكتوبة باليونانية، يمكن القول إن كلمة "الإنجيل" مشتقة في النهاية من الكلمة اليونانية "إيفانجيليون"، لكن طريق انتقالها إلى [[اللغة العربية]] - سواء مباشرة أو عبر وسيط - محل خلاف.
اعتقاد [[مسيحية|المسيحيين]] حول حقيقة وماهية الإنجيل يختلف تمامًا عن مفهومه في الأدبيات الإسلامية. فالإنجيل كصورة مكتوبة للوحي المنزل على [[عيسى]] عليه السلام وكتاب سماوي، مثل [[توراة|التوراة]] والقرآن، لا مكان له في [[لاهوت مسيحي|اللاهوت المسيحي]]. [[مسيحية|المسيحيون]] يعتبرون [[عيسى|السيد المسيح]] عليه السلام نفسه «تجسد [[وحي]]» وعين الرسالة الإلهية وليس حاملها، ولا يؤمنون بإنجيل كصورة مكتوبة لل[[وحي]] كتبه [[عيسى]] [[مسيح|المسيح]] أو أملاه على تلاميذه.<ref>توماس میشل، کلام مسیحی، ترجمه حسین توفیقی، قم، مرکز مطالعات و تحقیقات ادیان، 1381، ص 49 ـ 50 / و. م. میلر، تاریخ کلیسای قدیم در امپراطوری روم و ایران، ترجمه علی نخستینی، 1931، ص 66.</ref> هم يعتبرون «الإنجيل» بمعنى «البشارة» بشأن [[عيسى]] عليه السلام وخلاص هديته للبشرية.<ref>New Catholic Encyclopedia, Second ed, Thomas Gale, second Edition, 2003, 14 Volume. V. 6, P. 366.</ref> ورد هذا المعنى كثيرًا في خطابات بولس.<ref>رومیان، 1:1، 9، 16.</ref>


البعض ركز في بيان معنى «إنجيل» على مفهوم «فداء»<ref> Encyclopedia Of Fundamentalism, Brenda E. Brasher (ed), New York, Routledge, 2002, P. 193.</ref> وبناءً على هذا، الإنجيل يعني أن المسيح عليه السلام بتحمله المصائب والموت والقيامة، أصبح كفارة لخطيئة الإنسان؛ لكن ما يُعرف الآن بـ«الأناجيل الأربعة»، هي الكتب الأربعة الأولى من [[عهد جديد|العهد الجديد]] وهي مجرد اسم أُطلق منذ نهاية القرن الثاني الميلادي على الكتابات التي reported حياة، معجزات، تعاليم، سيرة، أقوال وصعود [[عيسى|السيد المسيح]] عليه السلام؛<ref> New Catholic Encylopedia, V. 6, P. 367.</ref> لأن هذه الكتابات تحتوي على أفضل البشائر التي يمكن تقديمها للإنسان.<ref>مستر هاکس، قاموس کتاب مقدّس، تهران، اساطیر، 1377، ص 111.</ref>
يذهب نولدكه (Noldke) إلى أنها دخلت العربية عبر اللهجة الحبشية "وانجل" (Wangel)<ref>Encyclopedia Of Islam, prepared by a Number of Leading orientalists, Leiden, 1986, 10 Volumes. V. 3, P. 1205.</ref>، بينما يرى آخرون أنها ربما دخلت مباشرة من اليونانية أو من إحدى اللغات [[السريانية]] أو [[العبرية]] أو السبئية<ref>آرثر جفري، الكلمات الدخيلة في القرآن، ترجمة فریدون بدره ای، توس، 1993، ص 131-132.</ref>.


ربما اختصاص اسم إنجيل على هذه الكتب الأربعة لأنها تناولت حياة، أقوال وتصرفات [[عيسى]] عليه السلام أكثر من أجزاء أخرى من [[عهد جديد|العهد الجديد]]. مع ذلك، يمكن تسمية أجزاء أخرى تحتوي على تعاليم من [[مسيح|المسيح]] عليه السلام بـ«إنجيل»؛ كما أن بولس سمى مطالبه كثيرًا «إنجيل» وأحيانًا يُطلق على مجموعة [[عهد جديد|العهد الجديد]] إنجيل.<ref>ر. ک. انجیل عیسی مسیح ترجمه تفسیری [[عهد جدید شماره ردیف در کتابخانه مرکز فرهنگ و معارف قرآن Bs 315، 25 ف؛ انجیل شریف یا عهد جدید، چ سوم، تهران، انجمن کتاب مقدّس، 1981.
في المقابل، حاول بعض [[مفسري]] [[المسلمين]] إضفاء الطابع العربي على هذه الكلمة، فاعتبروها من وزن "أفعيل" من الجذر "ن ج ل"، وذكروا لها معاني مختلفة<ref>محمد بن الحسن الطوسي، التبيان، تحقيق أحمد حبيب العاملي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ج 3، ص 542 / فضل بن الحسن الطبرسي، مجمع البيان، بيروت، دار المعرفة، طهران، ناصر خسرو، 1985، ج 2، ص 6 / محمد بن أحمد القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ط5، بيروت، دار الكتب العلمية، 1996، ج 4، ص 6.</ref>. لكن هذا الرأي لم يلق قبولا لدى علماء اللغة العربية<ref>السيد محمد مرتضى الزبيدي، تاج العروس، تحقيق علي شيري، بيروت، دار الفكر، 1994، ج 8، ص 128 / ابن منظور، لسان العرب، تحقيق علي شيري، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1988، ج 14، ص 58 / حسن المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، طهران، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، 1995، ج 12، ص 39، مادة "نجل".</ref>، حيث يؤكدون على أنها كلمة دخيلة من [[العبرية]] أو اليونانية أو [[السريانية]]<ref>ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق محمود محمد الطناحي وطاهر أحمد الزاوي، قم، إسماعيليان، 1988، ج 5، ص 23 / فخر الدين الطريحي، مجمع البحرين، تحقيق محمود عادل وأحمد الحسيني، ط2، طهران، نشر الثقافة الإسلامية، 1988، ج 4، ص 274 / ابن منظور، المصدر السابق، ج 4، ص 58.</ref>. 
247. Encyclopedia of Islam, V. 4, p. 1205.</ref> ر. ك. إنجيل عيسى المسيح ترجمة تفسيرية العهد الجديد رقم الفهرس في مكتبة مركز ثقافة ومعارف القرآن Bs 315، 25 ف؛ الإنجيل الشريف أو العهد الجديد، ط الثالثة، طهران، جمعية الكتاب المقدس، 1981. يؤيد هذا المعنى. وعليه، فإن «إنجيل» بمعنى الرسالة التي تجري قليلًا أو كثيرًا في كل هذه الكتابات، ولا يجب الخلط بين معناها الاصطلاحي وهذه النصوص المكتوبة. جدير بالذكر أنه في الأناجيل نفسها وكتب [[عهد جديد|العهد الجديد]] الأخرى، ذُكر الإنجيل كثيرًا، فقط بصيغة المفرد، دون أن يُقصد بها الأناجيل الأربعة أو ما شابهها.<ref>و. م. میلر، پیشین، ص 66؛</ref> علاوة على ذلك، الكنيسة القديمة كانت تصر على وحدة الإنجيل.<ref>و. م. میلر، پیشین، ص 66؛
 
كما أن معظم [[مفسري]] [[المسلمين]] اعتبروا كلمة "الإنجيل" دخيلة<ref>محمد بن عمر الفخر الرازي، التفسير الكبير، ط4، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، 1993، ج 7، ص 171 / محمد رشيد رضا، تفسير المنار، ط4، القاهرة، دار المنار، 1954، ج 3، ص 158 / السيد محمود الآلوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم، تحقيق محمد حسين عرب، بيروت، دار الفكر، 1996، ج 3، ص 124.</ref>، بل إن بعضهم مثل [[الزمخشري]] و[[البيضاوي]] استهجنوا اعتبارها عربية<ref>محمود بن عمر الزمخشري، الكشاف، ط2، قم، البلاغة، 1994، ج 1، ص 335 / ناصر الدين البيضاوي، تفسير البيضاوي، بيروت، المؤسسة العلمية للمطبوعات، 1990، ج 1، ص 237 / محمد بن محمد رضا القمي المشهدي، كنز الدقائق وبحر الغرائب، تحقيق حسين درگاهي، طهران، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، 1991، ص 237.</ref>. 
 
== الإنجيل في الأدب الديني المسيحي ==
يعتقد [[المسيحيون]] بشأن حقيقة الإنجيل وماهيته ما يختلف تمامًا عن مفهومه في الأدب الإسلامي. فالإنجيل كصورة مكتوبة للوحي المنزل على [[عيسى]] عليه السلام، وككتاب سماوي على غرار [[التوراة]] والقرآن، ليس له مكان في [[اللاهوت المسيحي]]. [[المسيحيون]] يعتبرون [[السيد المسيح]] نفسه "تجسيدًا للوحي" وذات الرسالة الإلهية لا مجرد حامل لها، ولا يؤمنون بوجود إنجيل كتبه [[عيسى المسيح]] أو أملى على تلاميذه.<ref>توماس ميشل، الكلام المسيحي، ترجمة حسين توفيقي، قم، مركز الدراسات والأبحاث الدينية، 2002، ص 49-50 / و.م. ميلر، تاريخ الكنيسة القديمة في الإمبراطورية الرومانية وإيران، ترجمة علي نخستيني، 1931، ص 66.</ref>
 
إنهم يعتبرون "الإنجيل" بمعنى "البشارة" المتعلقة ب[[عيسى]] عليه السلام وخلاص البشرية الذي تحقق من خلاله.<ref>New Catholic Encyclopedia, Second ed, Thomas Gale, second Edition, 2003, 14 Volume. V. 6, P. 366.</ref> وأكثر استخدام لهذا المعنى ورد في أقوال بولس.<ref>الرسالة إلى أهل رومية، 1:1، 9، 16.</ref>
 
كما ركز بعضهم في تفسير معنى "الإنجيل" على مفهوم "الفداء"،<ref>Encyclopedia Of Fundamentalism, Brenda E. Brasher (ed), New York, Routledge, 2002, P. 193.</ref> حيث يصبح الإنجيل يعني أن المسيح عليه السلام قد تحمل الآلام والموت والقيامة ليكفر عن خطايا البشر. أما ما يعرف الآن بـ"الأناجيل الأربعة"، فهي الكتب الأربعة الأولى من [[العهد الجديد]]، وهي تسمية أطلقت منذ نهاية القرن الثاني الميلادي على كتابات تسجل حياة [[السيد المسيح]] عليه السلام ومعجزاته وتعليمه وسيرته وأقواله وصعوده.<ref>New Catholic Encylopedia, V. 6, P. 367.</ref> وذلك لأن هذه الكتابات تضم أفضل البشارات التي يمكن أن تقدم للإنسان.<ref>مستر هوكس، قاموس الكتاب المقدس، طهران، أساطير، 1998، ص 111.</ref>
 
ولعل تخصيص اسم "الإنجيل" لهذه الكتب الأربعة يعود إلى أنها تناولت حياة [[عيسى]] عليه السلام وأقواله وسلوكه أكثر من أي جزء آخر في [[العهد الجديد]]. مع ذلك، يمكن تسمية الأجزاء الأخرى التي تحتوي على تعاليم من [[المسيح]] عليه السلام بـ"الإنجيل"، كما أن بولس كان يطلق مرارًا على كتاباته اسم "الإنجيل"، ويطلق أحيانًا على مجمل [[العهد الجديد]] اسم الإنجيل.<ref>راجع: إنجيل عيسى المسيح ترجمة تفسيرية [[العهد الجديد رقم التسجيل في مكتبة مركز الثقافة والمعارف القرآنية Bs 315، 25 ف؛ الإنجيل الشريف أو العهد الجديد، ط3، طهران، جمعية الكتاب المقدس، 1981.
247. Encyclopedia of Islam, V. 4, p. 1205.</ref>
 
وبالتالي فإن "الإنجيل" هو الرسالة التي تتخلل كل هذه الكتابات إلى حد ما، ولا ينبغي الخلط بين المعنى الاصطلاحي له وهذه النصوص المكتوبة. ومن الجدير بالذكر أن الأناجيل نفسها وغيرها من كتب [[العهد الجديد]] تذكر "الإنجيل" بصيغة المفرد فقط مرارًا، دون أن تقصد بذلك الأناجيل الأربعة أو ما شابهها.<ref>و.م. ميلر، مرجع سابق، ص 66؛</ref> كما أن الكنيسة القديمة أكدت على وحدة الإنجيل.<ref>و.م. ميلر، مرجع سابق، ص 66؛
The New Catholic Encyclopedia, V. 6, P. 367.</ref>
The New Catholic Encyclopedia, V. 6, P. 367.</ref>


نقطة أخرى جديرة بالانتباه أن [[مسيحية|المسيحيين]] لا يعتبرون مؤلفي الأناجيل المذكورة وكتب [[عهد جديد|العهد الجديد]] الأخرى أنبياء؛ لكنهم يعتقدون أن جميعهم كتبوا النصوص المذكورة بـ[[إلهام]] وإرشاد إلهي<ref>توماس میشل، پیشین، ص 50 ـ 51.</ref> وهذا ما صرح به مؤلفو [[عهد جديد|العهد الجديد]] أنفسهم؛<ref>همان، ص 43 و 50 / و. م. میلر، پیشین، ص 70.</ref> لكنهم لا يقدمون سببًا مقنعًا لماذا من بين كثرة الأناجيل، الرسائل، الرؤى وكتب أعمال الرسل، فقط 27 رسالة موجودة في [[عهد جديد|العهد الجديد]] كانت بإلهام إلهي. البعض اعتبر الاختيار المذكور بتوجيه من روح القدس.<ref>ویلیام گلبن و هنری مرتن، کتاب مقدّس، ترجمه فاضل خان‌همدانی، تهران، اساطیر، 1380 / دوم تیموتائوس، 3:16.</ref>
ومن النقاط الجديرة بالملاحظة أيضًا أن [[المسيحيين]] لا يعتبرون كتّاب هذه الأناجيل وغيرها من كتب [[العهد الجديد]] أنبياء، لكنهم يعتقدون أن جميعهم كتبوا هذه النصوص بتأثير من [[الإلهام]] والتوجيه الإلهي،<ref>توماس ميشل، مرجع سابق، ص 50-51.</ref> وهذا ما أكده كتّاب [[العهد الجديد]] أنفسهم.<ref>نفسه، ص 43 و50 / و.م. ميلر، مرجع سابق، ص 70.</ref> لكنهم لا يقدمون سببًا مقنعًا لاختيار 27 رسالة فقط من بين عدد هائل من الأناجيل والرسائل والرؤى وكتب أعمال الرسل الموجودة في [[العهد الجديد]] على أنها من وحي الله. ويرى بعضهم أن هذا الاختيار تم بتوجيه من الروح القدس.<ref>ويليام غلبن وهنري مرتن، الكتاب المقدس، ترجمة فاضل خان همداني، طهران، أساطير، 2001 / الرسالة الثانية إلى تيموثاوس، 3:16.</ref>


بناءً على المفهوم [[مسيحية|المسيحي]] لـ«إنجيل»، [[مسيحية|المسيحيون]] المطلعون على رؤية القرآن حول [[عيسى|السيد المسيح]] عليه السلام والإنجيل، لا يقبلون تقديم الإنجيل ككتاب سماوي منزل على [[عيسى]] عليه السلام وتبليغ تعاليمه بواسطةه إلى الناس عصره، وإذا كان مراد القرآن نفس الأناجيل الأربعة، يعترضون على عدم استخدام لفظ الجمع «أناجيل» عليها. هم يعتبرون تقارير القرآن حول [[مسيحية|المسيحية]] والإنجيل سطحية وربما مأخوذة من [[مسيحية|مسيحيي]] المدينة الذين كانوا على معرفة فقط ببعض المصادر غير الرسمية لـ[[مسيحية|المسيحية]]. وبناءً على هذا، يعتقدون: تقارير مثل المجيئ المعجز لـ«رطب طري» لـ[[مريم|مريم]] بعد ولادة [[عيسى|السيد المسيح]] عليه السلام،<ref>«فناداها من تحتها الاّ تحزنی قد جعل ربّک تحتک سریّا و هزّی الیک بجذع النخلة تساقط علیک رطبا جنیا فکلی و اشربی و قرّی عیناً فاما ترینّ من البشر احدا فقولی انّی نذرت للرحمن صوما فلن اکلم الیوم اِنسیا.» مریم: 24 ـ 26</ref> كلام [[مسيح|السيد المسيح]] عليه السلام في المهد<ref>«فاشارت الیه قالوا کیف نکلّم من کان فی المهد صبیا قال انّی عبداللّه آتانی الکتاب و جعلنی نبیّا...» مریم: 29 ـ 33</ref> وإحياء الطيور الطينية بيده وبقدرة الله،<ref>«انّی اخلق لکم من الطین کهیئة الطیر فانفخ فیه فیکون طیرا باذن اللّه...» آل‌عمران: 49؛ مائده: 110.</ref> غير موجودة في الكتب الدينية المعتبرة والرسمية للمسيحية وتوجد أحيانًا في الأناجيل غير المعتبرة.<ref> Encyclopedia of Islam, Vol. 3, P. 1205-1206.</ref> هذا التحدي مع كون القرآن وحيًا من جهة، وكتابة الأناجيل بيد البشر وتعدد نسخها كذلك الشكوك الموجودة في تاريخها ومحتواها من جهة أخرى، قابل للإجابة.
وفقًا للمفهوم [[المسيحي]] لـ"الإنجيل"، فإن [[المسيحيين]] المطلعين على رؤية القرآن بشأن [[السيد المسيح]] عليه السلام والإنجيل لا يتقبلون وصف الإنجيل ككتاب سماوي نزل على [[السيد المسيح]] عليه السلام وقام بتبليغ تعاليمه للناس في عصره. وإذا كان المقصود بالقرآن هو الأناجيل الأربعة نفسها، فإنهم يعترضون على عدم استخدام صيغة الجمع "أناجيل". وهم يعتبرون تقارير القرآن عن [[المسيحية]] والإنجيل سطحية، وربما مأخوذة من [[مسيحيي]] المدينة الذين كانوا على معرفة ببعض المصادر غير الرسمية ل[[المسيحية]]. وبناءً على ذلك، يعتقدون أن روايات القرآن مثل نزول "رطب طازج" معجزة ل[[مريم]] بعد ولادة [[السيد المسيح]] عليه السلام،<ref>"فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا." مريم: 24-26</ref> وكلام [[المسيح]] عليه السلام في المهد،<ref>"فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا..." مريم: 29-33</ref> وإحياء الطيور الطينية بيده وبقوة الله،<ref>"إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله..." آل عمران: 49؛ المائدة: 110.</ref> غير موجودة في الكتب الدينية المسيحية المعتمدة، وإنما توجد أحيانًا في أناجيل غير معتمدة.<ref>Encyclopedia of Islam, Vol. 3, P. 1205-1206.</ref> ويمكن الرد على هذا التحدي بالنظر إلى كون القرآن وحيًا من جهة، وإلى أن الأناجيل كتبت بأيدي بشر وتعددت نسخها وما يحيط بها من شكوك تاريخية ومحتوية من جهة أخرى.


== تاريخ الإنجيل ==
== تاريخ الإنجيل ==
العقود الثلاثة الأولى من تاريخ [[المسيحية]] ووجود كتابٍ باسم الإنجيل ومنسوب إلى [[السيد المسيح]] عليه السلام، تكتنفها هالة من الغموض من حيث المصادر التاريخية المستقلة عن النصوص [[مسيحية|المسيحية]] والإسلامية، بحيث شكّك البعض حتى في وجود [[السيد عيسى]] عليه السلام ذاته.<ref>ویل دورانت، تاریخ تمدّن، ترجمه احمد آرام، ع. پاشایی و امیرحسین آریان‌پور، چ ششم، تهران، علمی و فرهنگی، 1378، ج 3، ص 651 / سید جلال‌الدین آشتیانی، تحقیقی در دین مسیح، تهران، نگارش، 1368، ص 170 ـ 174؛
العقدين أو الثلاثة الأولى من تاريخ [[المسيحية]] ووجود كتاب يُدعى الإنجيل منسوب إلى [[السيد المسيح]] عليه السلام يكتنفها الغموض من وجهة نظر المصادر التاريخية المستقلة عن النصوص [[المسيحية]] والإسلامية، لدرجة أن بعضهم شكك حتى في وجود [[السيد عيسى]] عليه السلام نفسه.<ref>ويل ديورانت، قصة الحضارة، ترجمة أحمد شفيق وغيرهم، الطبعة السادسة، طهران، علمي وفرهنكي، 1999، ج3، ص651 / السيد جلال الدين الآشتياني، بحث في الدين المسيحي، طهران، نگارش، 1989، ص170-174؛
Carl Lofmark, What is the Bible, 1990, P. 66.</ref> في حين أن غياب التقارير التاريخية لا يمكن أن يكون دليلاً على عدم الوجود الخارجي والتاريخي للإنجيل، وربما لم تُسجّل التفاصيل المتعلقة بظهور [[السيد عيسى]] عليه السلام والوحي المنزل عليه لأسباب مجهولة في التاريخ، أو أنها ضاعت.当然، في بعض الأناجيل الأربعة، ذُكر إنجيل [[المسيح]] عليه السلام.<ref>فاضل خان‌همدانی، پیشین / انجیل متی، 26:13 / انجیل مرقس، 14:9 ـ 10.</ref>
كارل لوفمارك، ما هي الكتاب المقدس، 1990، ص66.</ref>


في الثلاثين إلى الأربعين سنة الأولى للميلاد، كان تعليم [[المسيحية]] يتم تقريباً فقط شفهياً وأحياناً عبر المراسلات. وكان الحواريون يبيّنون تعاليم [[السيد المسيح]] عليه السلام ضمن مواعظهم، ويصورونها بأحداث من حياة ذلك السيد؛ لكن النقص وعدم كفاية تعاليم الرسائل والروايات الشفهية، مهّد الأرضية لكتابة الأناجيل.<ref>و. م. میلر، پیشین، ص 66 ـ 69.</ref> وعليه، فإن تاريخ كتابة [[العهد الجديد]] وما يُقرأ اليوم باسم «الكتاب المقدّس [[مسيحيون|للمسيحيين]]»، يعود في غالبه إلى ما بعد النصف الأول من القرن الأول الميلادي وفي حدود عشرين إلى ثلاثين سنة بعد صعود [[السيد المسيح]] عليه السلام<ref>عبدالرحیم سلیمانی اردستانی، مسیحیت، قم، زلال کوثر، 1381، ص 67 / موریس بوکای، القرآن و التوراة والانجیل و العلم، ترجمه قسم الترجمه بالدار، القاهره، مکتبه‌مدبولی،1996، ص 107.</ref> وقد تم ذلك على يد رسله وتلاميذهم. وقد صُنّفت هذه الكتابات في أربع فئات: «رسائل الرسل»، و«أعمال الرسل»، و«الأناجيل الأربعة»، و«الرؤيات».
في حين أن غياب السجلات التاريخية لا يمكن أن يكون دليلاً على عدم وجود الإنجيل خارجيًا وتاريخيًا، وقد تكون التفاصيل المتعلقة بظهور [[السيد عيسى]] عليه السلام والوحي المنزل عليه لم تُسجل أو ضاعت لأسباب غير معروفة. ومع ذلك، فقد ورد ذكر إنجيل [[المسيح]] عليه السلام في بعض الأناجيل الأربعة.<ref>فاضل خان الهمداني، مرجع سابق / إنجيل متى 26:13 / إنجيل مرقس 14:9-10.</ref>


«رسائل الرسل»، هي المواد والتعاليم التي كتبها رسل مثل [[بولس|بولُس]]، و[[يوحنا|يوحنّا]]، و[[يعقوب]]، و[[برنابا|بَرنابا]]، و[[يهوذا]]، و[[بطرس]]، إبلاغاً ونشراً لرسالة [[السيد المسيح]] عليه السلام إلى أفراد وجماعات ومناطق مختلفة. وقد قُبل بعضها في مجموعة [[العهد الجديد]]، ورُفض بعضها الآخر من قبل [[الكنيسة]] في القرون الأولى من تاريخ [[المسيحية]]. وتاريخ كتابة رسائل بولس هو الأقدم بين جميع أجزاء [[العهد الجديد]].<ref>جوان، اُ. گریدی، مسیحیت و بدعت‌ها، ترجمه عبدالرحیم سلیمانی اردستانی، قم، طه، 1377، ص 46 ـ 47 / توماس میشل، پیشین، ص 54.</ref>
في السنوات الثلاثين إلى الأربعين الأولى بعد الميلاد، كانت تعاليم [[المسيحية]] تنتقل شفهيًا في الغالب، وأحيانًا عبر المراسلات. كان الحواريون يقدمون تعاليم [[السيد المسيح]] عليه السلام في مواعظهم مصحوبة بأحداث من حياته. لكن قصور الرسائل والروايات الشفهية وعدم كفايتها هيأت الأرضية لتدوين الأناجيل.<ref>و.م. ميلر، مرجع سابق، ص66-69.</ref>


«أعمال الرسل» هي تقرير عن الأنشطة التبشيرية لل[[حواريون|الحواريين]] و[[الرسل]]، سجّلها أفراد مثل [[لوقا|لُوقا]]. أما تاريخ الحياة، والمعجزات، والتعاليم، والسيرة، وأقوال [[السيد المسيح]] عليه السلام، فهو الجزء الآخر من [[العهد الجديد]] الذي كتبه عدد من الرسل وتلاميذهم، ويعتمد على مشاهدات عينية أو ما سمعه المؤلفون من شهود عيان. وقد عُرفت هذه الكتابات حتى النصف الأول من القرن الثاني بعنوان «مذكرات الرسل»، ومن أواخر القرن الثاني باسم «الأناجيل».<ref> سید جلال‌الدین آشتیانی، پیشین، ص 41 ـ 42 / قس. موریس بوکای، پیشین، ص 77.</ref>
وبالتالي فإن تاريخ كتابة [[العهد الجديد]] وما يُعرف اليوم بـ"الكتاب المقدس [[للمسيحيين]]" يعود في الغالب إلى النصف الثاني من القرن الأول الميلادي، أي بعد عشرين إلى ثلاثين عامًا من صعود [[السيد المسيح]] عليه السلام،<ref>عبدالرحيم السليماني الأردستاني، المسيحية، قم، زلال الكوثر، 2002، ص67 / موريس بوكاي، القرآن والتوراة والإنجيل والعلم، ترجمة قسم الترجمة بالدار، القاهرة، مكتبة مدبولي، 1996، ص107.</ref> حيث قام بكتابتها رسله وتلاميذه. وتنقسم هذه الكتابات إلى أربع فئات: "رسائل الرسل"، "أعمال الرسل"، "الأناجيل الأربعة"، و"الرؤى".


إذ يعترف المسيحيون بتلقي أسماء نحو 50 إنجيلاً من النوع المذكور، فإنهم يعلمون فقط المعلومات المتعلقة بـ 20 منها، ومنها إنجيل العبرانيين، وإنجيل بطرس، وإنجيل المصريين، وإنجيل فيلبس، وإنجيل توما، وإنجيل يعقوب، وإنجيل نيقوديموس، وإنجيل الاثني عشر حواريًا، وإنجيل يهوذا، وإنجيل مرقيون.<ref>The International Standard Bible Encyclopedia, Geoffrey W. Bromiley, (ed), WM. B. Eerdmans publishing company, U.S.A. , 1988, 4 Volumes, Vol. 2, P. ¶529; Encylopedia Of Fundamentalism, P. 193; New Catholic Encylopedia, Vol, 6, P. 367.
"رسائل الرسل" هي تعاليم وكتابات رسل مثل [[بولس]]، [[يوحنا]]، [[يعقوب]]، [[برنابا]]، [[يهوذا]]، و[[بطرس]]، التي كُتبت لنشر رسالة [[السيد المسيح]] عليه السلام. قبلت بعضها في [[العهد الجديد]] بينما رفضت أخرى من قبل [[الكنيسة]] في القرون الأولى ل[[المسيحية]]. أقدم أجزاء [[العهد الجديد]] هي رسائل بولس.<ref>جوان أ.غرادي، المسيحية والبدع، ترجمة عبدالرحيم السليماني الأردستاني، قم، طه، 1998، ص46-47 / توماس ميشل، مرجع سابق، ص54.</ref>
</ref> وهناك أناجيل أخرى مثل إنجيل الطفولة باللغة العربية، الذي يورد معجزات السيد عيسى عليه السلام في فترة الطفولة.<ref> International Standard Bible Encyclopedia, V, I, P. 183.</ref>


وقد اختار رؤساء [[الكنيسة]] في أواخر القرن الثاني الميلادي، من بين الكتابات المتنوعة والكثيرة التي تقع في الفئات الأربع المذكورة، عدداً منها بسبب توافقها مع تعاليم [[الكنيسة]] وككتب قانونية ومعتمدة<ref>Canon.</ref> ووضعوها باسم «العهد الجديد»، إلى جانب «العهد القديم»، كجزء ثانٍ من الكتاب المقدس للمسيحيين.<ref>توماس میشل، پیشین، ص 42.</ref> وفي عام 382 ميلادي، نهّنت جمعية من الأساقفة قائمة تحتوي على 27 كتاباً ورسالة، والتي أُعيد تأكيدها مجدداً بواسطة مجمع ترنت (Trent) في الفترة ما بين عامي 1545-1563.<ref>Carl Lofmark, op.cit, P. 27; The International Standard Bible Encyclopedia, V. 1, P. 601-606.</ref> تبدأ مجموعة العهد الجديد بالأناجيل الأربعة المنسوبة إلى [[متى|متّا]]، و[[مرقس|مَرْقُس]]، ولوقا، ويوحنا. وبعد ذلك، كتاب «أعمال [[الرسل]]»، ثم ثلاث عشرة أو أربع عشرة رسالة منسوبة إلى [[بولس]]، ورسالة واحدة منسوبة إلى [[يعقوب]]، ورسالتان منسوبة إلى بطرس، وثلاث رسائل منسوبة إلى يوحنا، ورسالة واحدة منسوبة إلى يهوذا. ويأتي كتاب «[[رؤيا يوحنا|مكاشفة]] [[يوحنا]]» كجزء ختامي لهذه المجموعة.
"أعمال الرسل" هي سجل لأنشطة التبشير التي قام بها [[الحواريون]] و[[الرسل]]، دونتها شخصيات مثل [[لوقا]]. أما تاريخ حياة [[السيد المسيح]] عليه السلام ومعجزاته وتعاليمه وسيرته وأقواله، فهو جزء آخر من [[العهد الجديد]] كتبه بعض الرسل وتلاميذهم بناءً على مشاهدات عينية أو سماع من شهود عيان. عُرفت هذه الكتابات في النصف الأول من القرن الثاني بـ"مذكرات الرسل"، ثم أطلق عليها اسم "الأناجيل" في أواخر القرن الثاني.<ref>السيد جلال الدين الآشتياني، مرجع سابق، ص41-42 / قارن: موريس بوكاي، مرجع سابق، ص77.</ref>


يمكن تقسيم العهد الجديد من حيث المحتوى إلى ثلاثة أقسام عامة: تاريخي، وعقائدي، وتنبؤي.
يعترف المسيحيون بوجود حوالي خمسين إنجيلاً من هذا النوع، لكن المعلومات المتوفرة لديهم لا تشمل سوى عشرين منها، بما في ذلك إنجيل العبرانيين، إنجيل بطرس، إنجيل المصريين، إنجيل فيليب، إنجيل توما، إنجيل يعقوب، إنجيل نيقوديموس، إنجيل الرسل الاثني عشر، إنجيل يهوذا، وإنجيل مرقيون.<ref>الموسوعة الكتابية الدولية القياسية، تحرير جيفري دبليو بروميلي، شركة دبليو.إم.إيردمانز للنشر، الولايات المتحدة، 1988، 4 مجلدات، مج2، ص529؛ موسوعة الأصولية، ص193؛ الموسوعة الكاثوليكية الجديدة، مج6، ص367.</ref>


تشكّل الأناجيل الأربعة إلى جانب «أعمال [[الرسل]]» القسم التاريخي من العهد الجديد، وتورد في الغالب تاريخ حياة وأنشطة السيد المسيح عليه السلام والحواريين قليلاً حتى نحو عام 63 ميلادي.<ref> The Catholic Encyclopedia. V. 6. P. 656. The New International Dictionary of Bible. P. 105.</ref>
هناك أيضًا أناجيل أخرى مثل إنجيل الطفولة بالعربية الذي يسجل معجزات [[السيد المسيح]] عليه السلام في طفولته.<ref>الموسوعة الكتابية الدولية القياسية، مج1، ص183.</ref>


ويتكون القسم العقائدي ل[[العهد الجديد]] من 21 رسالة موجودة فيه، والتي تتناول في الغالب بيان [[العقائد]]، والدفاع عنها، وردّ العقائد الأخرى. أما القسم التنبؤي فيتعلق بأحداث آخر الزمان وعودة [[السيد المسيح]] عليه السلام مرة أخرى، والذي وُضع في قالب [[رؤيا]] و[[مكاشفة]]، وهو موجود في كتاب «[[رؤيا يوحنا|مكاشفة]] [[يوحنا]]».
في أواخر القرن الثاني الميلادي، اختار قادة [[الكنيسة]] من بين هذا الكم الهائل والمتنوع من الكتابات التي تنتمي إلى الفئات الأربع المذكورة، عددًا منها لموافقتها تعاليم [[الكنيسة]] واعتبروها كتبًا قانونية ومعتمدة<ref>Canon.</ref>، وجمعوها في "العهد الجديد" إلى جانب "العهد القديم" ليشكلا الجزء الثاني من الكتاب المقدس للمسيحيين.<ref>توماس ميشل، مرجع سابق، ص42.</ref>


مجموعة [[العهد الجديد]] من حيث التعاليم الاعتقادية والعملية، ثنائية وغير متجانسة؛ فجزء منها هو تتمة ل[[العهد القديم]]، ويؤكد على كون [[السيد المسيح]] عليه السلام [[إنسان]]اً ورسول [[الله]]، وضرورة الالتزام بشريعة [[السيد موسى]] عليه السلام، وجزء آخر يؤكد على الجانب الإلهي لذلك السيد ونفي [[شريعة]] موسى. وهاتان الروايتان غير المتجانستين تعكسان النزاع الفكري والعقائدي بين [[بطرس]] و[[بولس]].<ref>عبدالرحیم سلیمانی، «عهد جدید» تاریخ نگارش و نویسندگان، فصلنامه هفت آسمان، قم، مرکز مطالعات و تحقیقات ادیان و مذاهب، ش 3 ـ 4، (1378)، ¶ص 73،74، 79 و 81.</ref>
في عام 382م، وضع مجمع من الأساقفة قائمة نهائية تحتوي على 27 كتابًا ورسالة، أعاد مجمع ترنت (Trent) التأكيد عليها بين عامي 1545-1547م.<ref>كارل لوفمارك، مرجع سابق، ص27؛ الموسوعة الكتابية الدولية القياسية، مج1، ص601-606.</ref>


أما الكتابات الأخرى، التي لم تحظَ بموافقة [[الكنيسة]]، فتُعرف باسم «الأبوكريفا» أي الكتابات المشكوك فيها وغير المعتمدة، وقد ضاع عدد كبير منها وبقي عدد آخر.<ref>موریس بوکای، پیشین، ص 103 ـ 105 / محمّدجواد شکور، خلاصه ادیان، چ دوم، تهران، شرق، 1362، ص 168.</ref> وإنجيل برنابا، المنسوب إلى رفيق يوسف [[برنابا]]، صديق [[بولس]] و[[مرقس]]، من هذا القبيل، وقد حرّمت الكنيسة قراءته منذ القرن الرابع الميلادي فصاعداً. وقد وصفه البعض بأنه الحلقة المفقودة بين [[الإسلام]] و[[المسيحية]]. وإنجيل برنابا رغم عدم توافق بعض تعاليمه مع تعاليم من [[الإسلام]] وكذلك [[المسيحية]] الرسمية، إلا أنه يمتلك مبادئ أساسية صحيحة ويتوافق في نقاط مهمة وملحوظة مع القرآن. ومن ذلك الذكر الصريح للاسم، والخصائص، والبشارة ببعثة [[محمد بن عبد الله (خاتم الأنبياء)|محمد بن عبد‌الله (خاتم الانبیا)]] صلى الله عليه وآله، ونفي الألوهية والبنوة ل[[السيد المسيح]] عليه السلام، والتصريح على كون [[السيد إسماعيل]] عليه السلام هو [[ذبيح|المذبوح]] وليس [[السيد إسحاق]] عليه السلام ـ ونفي صلب [[السيد عيسى]] عليه السلام وقتل يهوذا الإسخريوطي بدلاً منه.<ref>موریس بوکای، پیشین، ص 103 ـ 105 / محمّدجواد شکور، خلاصه ادیان، چ دوم، تهران، شرق، 1362، ص 168.</ref>
يبدأ [[العهد الجديد]] بالأناجيل الأربعة المنسوبة إلى [[متى]]، [[مرقس]]، لوقا، ويوحنا. تليها "أعمال [[الرسل]]"، ثم ثلاث عشرة أو أربع عشرة رسالة منسوبة إلى [[بولس]]، ورسالة واحدة منسوبة إلى [[يعقوب]]، ورسالتان منسوبتان إلى بطرس، وثلاث رسائل منسوبة إلى يوحنا، ورسالة واحدة منسوبة إلى يهوذا. ويختتم [[العهد الجديد]] بكتاب "[[رؤيا]] [[يوحنا]]".


يمكن تقسيم [[العهد الجديد]] من حيث المحتوى إلى ثلاثة أقسام رئيسية: تاريخي، عقائدي، ونبوي.


== الأناجيل الأربعة ==
تشكل الأناجيل الأربعة مع "أعمال [[الرسل]]" القسم التاريخي من [[العهد الجديد]]، حيث تسجل تاريخ حياة [[السيد المسيح]] عليه السلام وأنشطة الحواريين حتى حوالي عام 63م.<ref>الموسوعة الكاثوليكية، مج6، ص656؛ القاموس الدولي الجديد للكتاب المقدس، ص105.</ref>
تحتل الأناجيل الأربعة باعتبارها أشهر أجزاء [[العهد الجديد]]، صدره. وفي [[لاهوت مسيحي|اللاهوت المسيحي]]، دون الاعتقاد بنزول وحياني للأناجيل المذكورة وأجزاء [[العهد الجديد]] الأخرى على [[السيد عيسى]] عليه السلام، تم قبول كتابة المجموعة المذكورة على يد بشر عاديين وبعد صعود [[السيد المسيح]] عليه السلام.<ref>و. م. میلر، پیشین، ص 67 / توماس میشل، پیشین، ص 28 / محمّدعلی بروّ العاملی، الکتاب المقدّس فی المیزان، بیروت، الدارالاسلامیة، 1413، ص 238.</ref> وقد اشتهرت الأناجيل الأربعة وفقاً لأسماء مؤلفيها، ب[[إنجيل متى|إنجيل مَتّا]]، و[[إنجيل مرقس|إنجيل مَرقُس]]، و[[إنجيل لوقا|إنجيل لُوقا]]، و[[إنجيل يوحنا|إنجيل یوحنّا]]. ورغم البحوث الواسعة التي أُجريت حول تاريخ الكتابة، وهوية الكتاب، وصحة وسند وثائقها، إلا أنه لا يوجد إجماع قاطع في هذا الشأن.当然، إلى جانب التحديات والشكوك الجادة، وبناءً على بعض القرائن والشواهد، توجد أيضاً تخمينات قوية.<ref>ویل دورانت، پیشین، ج 3، ص 655 / سید جلال‌الدین آشتیانی، پیشین، ص 57 ـ 70 / موریس بوکای، پیشین، ص 99 ـ 101.</ref>


'''1[[. إنجيل مرقس]]:'''
أما القسم العقائدي من [[العهد الجديد]] فيتكون من 21 رسالة، معظمها مخصص لتوضيح [[العقائد]] والدفاع عنها ورفض العقائد الأخرى. بينما يتناول القسم النبوي أحداث نهاية الزمان والعودة الثانية ل[[السيد المسيح]] عليه السلام، وهو مذكور في شكل [[رؤى]] و[[مكاشفات]] في كتاب "[[رؤيا]] [[يوحنا]]".


لم يُقل عن مرقس أنه من أصحاب [[السيد عيسى]] عليه السلام، بل صديق، ورفيق، وتلميذ للحواري [[بطرس]]، وكان أحياناً يسافر مع [[بولس]] أيضاً، وقد أخذ رواياته من بطرس.<ref>مریل سی بن، معرفی عهد جدید، ترجمه طاطه‌وس میکائیلیان، تهران، حیات ابدی، 1362، ص 171 ـ 173؛
يتميز [[العهد الجديد]] بتناقض في التعاليم العقائدية والعملية؛ فجزء منه يمثل استمرارًا ل[[العهد القديم]] ويؤكد على بشرية [[السيد المسيح]] عليه السلام وكونه رسول [[الله]] وضرورة الالتزام بشريعة [[سيدنا موسى]] عليه السلام، بينما يركز الجزء الآخر على ألوهيته وينفي [[الشريعة]] الموسوية. يعكس هذا التناقض الصراع الفكري والعقائدي بين [[بطرس]] و[[بولس]].<ref>عبدالرحيم السليماني، "العهد الجديد" تاريخ الكتابة والكتاب، مجلة الأفلاك السبعة، قم، مركز الدراسات والأبحاث في الأديان والمذاهب، العددان 3-4 (1999)، ص73،74،79،81.</ref>
The Encyclopedia of Religion, V, P. 208.</ref> ويُعد إنجيله الأكثر اختصاراً، وكُتب باللغة الرومية<ref>موریس بوکای، پیشین، ص 86 ـ 90.</ref> ووفقاً لرأي معظم الباحثين، بين عامي 65-70 ميلادي وفي مدينة روما.<ref>جماعة من اللاهوتیین، تفسیر الکتاب المقدّس، بیروت، منشورات النفیر، 1988 م، ج 5، ص 90 ـ 91 / القس فهیم عزیز، المدخل الی العهدالجدید، قاهره، ¶دارالثقافه المسیحیه، 1980 م، ص 21 / موریس بوکای، پیشین، ص 88.</ref>
 
أما الكتابات الأخرى التي لم تقبلها [[الكنيسة]]، فتُعرف بـ"أبوكريفا" أي الكتابات المشكوك فيها وغير المعتمدة، وقد فقد الكثير منها بينما بقي بعضها.<ref>موريس بوكاي، مرجع سابق، ص103-105 / محمد جواد شكور، ملخص الأديان، الطبعة الثانية، طهران، شرق، 1983، ص168.</ref>
 
ومنها إنجيل برنابا، المنسوب إلى يوسف [[برنابا]] صديق [[بولس]] و[[مرقس]]، الذي حظرت [[الكنيسة]] قراءته منذ القرن الرابع الميلادي. وصفه البعض بالحلقة المفقودة بين [[الإسلام]] و[[المسيحية]]. فعلى الرغم من وجود بعض التعاليم في إنجيل برنابا تتعارض مع [[الإسلام]] و[[المسيحية]] الرسمية، إلا أنه يحتوي على مبادئ أساسية صحيحة ويتوافق مع القرآن في نقاط مهمة وجديرة بالملاحظة. ومنها ذكره الصريح لاسم [[محمد بن عبد الله (خاتم الأنبياء)]] صلى الله عليه وآله وصفاته وبشارة بعثته، ونفي ألوهية وبنوة [[السيد المسيح]] عليه السلام، والتأكيد على أن [[سيدنا إسماعيل]] عليه السلام هو الذبيح وليس [[إسحاق]] عليه السلام، ونفي صلب [[السيد المسيح]] عليه السلام وقتل يهوذا الإسخريوطي بدلاً منه.
 
'''1. [[إنجيل مرقس]]:'''
 
لم يكن مرقس من صحابة [[سيدنا عيسى]] عليه السلام، بل كان صديقًا ورفيقًا وتلميذًا ل[[بطرس]] الحواري، وكان يرافق [[بولس]] أحيانًا، وقد استقى رواياته من بطرس.<ref>ميريل سي بن، مقدمة إلى العهد الجديد، ترجمة طاطه وس ميخائيلين، طهران، حياة أبدية، 1983، ص 171-173؛
The Encyclopedia of Religion, V, P. 208.</ref> يعتبر إنجيله الأكثر اختصارًا، وكُتب باللغة الرومانية<ref>موريس بوكاي، مرجع سابق، ص 86-90.</ref>، ووفقًا لرأي معظم الباحثين، فقد كُتب بين عامي 65-70 ميلادية في مدينة روما.<ref>جماعة من اللاهوتيين، تفسير الكتاب المقدس، بيروت، منشورات النفير، 1988، ج5، ص90-91 / القس فهيم عزيز، مدخل إلى العهد الجديد، القاهرة، دار الثقافة المسيحية، 1980، ص21 / موريس بوكاي، مرجع سابق، ص88.</ref>


'''2. [[إنجيل متى]]:'''
'''2. [[إنجيل متى]]:'''


هو أكثر الأناجيل تفصيلاً ومنسوب إلى متى الحواري. قبل بدء النقد في العصر الحديث، كان يُعتقد أنه أقدم إنجيل وتاريخ كتابته بين عامي 50-60 وأحياناً 38 ميلادي؛<ref>القس فهیم عزیز، پیشین، ص 247؛
هو أطول الأناجيل، وينسب إلى متى الحواري. قبل بداية النقد في العصر الحديث، كان يُعتقد أنه أقدم إنجيل وكُتب بين عامي 50-60 ميلادية، وأحيانًا يُقال عام 38 ميلادية.<ref>القس فهيم عزيز، مرجع سابق، ص247؛
Cross, F.L. , The Oxford Dictionary of the Christian Church, London, Oxford University Press, 1957, P. 859.</ref> لكن الباحثين استناداً إلى بعض تقاريره هو أيضاً، وتكرار جميع مطالب إنجيل مرقس فيه، اعتبروا تاريخ تأليفه أيضاً بين عامي 65 إلى 70 ميلادي وبعد [[إنجيل مرقس]].<ref>القس فهیم عزیز، پیشین، ص 221 / جماعه من اللاهوتیین، پیشین، ج 5، ص 91.</ref> وكانت نسخته الأصلية باللغة العبرية وهي غير متوفرة. ثم تُرجم لاحقاً إلى لغات أخرى منها اليونانية.<ref>مستر هاکس، پیشین، ص 782 / محمّدعلی بّرو العاملی، پیشین، ص 244 ـ 245.
Cross, F.L., The Oxford Dictionary of the Christian Church, London, Oxford University Press, 1957, P. 859.</ref> لكن الباحثين، بناءً على بعض التقارير الواردة فيه وتكرار جميع محتويات إنجيل مرقس فيه، يعتقدون أنه كُتب بين عامي 65-70 ميلادية، أي بعد [[إنجيل مرقس]].<ref>القس فهيم عزيز، مرجع سابق، ص221 / جماعة من اللاهوتيين، مرجع سابق، ج5، ص91.</ref> النسخة الأصلية كانت باللغة العبرية وهي مفقودة الآن، ثم تُرجمت إلى لغات أخرى بما فيها اليونانية.<ref>مستر هوكس، مرجع سابق، ص782 / محمد علي برو العاملي، مرجع سابق، ص244-245.
The Oxford Dictionary of The Christian Church, p.359.</ref> وقد تحدث الباحثون ضمن تشكيكهم في نسبته إلى متى الحواري،<ref>القس فهیم عزیز، پیشین، ص 242 ـ 247؛
The Oxford Dictionary of The Christian Church, p.359.</ref> يشكك الباحثون في نسبته إلى متى الحواري،<ref>القس فهيم عزيز، مرجع سابق، ص242-247؛
The Encyclopedia of Religion, V. 9. P. 285.</ref> عن احتمال كتابته على يد فرد آخر同名 له<ref>القس فهیم عزیز، پیشین، ص 245؛
The Encyclopedia of Religion, V.9. P.285.</ref> ويرجحون أنه كُتب بواسطة شخص آخر له نفس الاسم،<ref>القس فهيم عزيز، مرجع سابق، ص245؛
Achtemeier, Paul J. , Harper,s Bible Dictionary, Harper San Francisco, 1985, P. 613.</ref> وغالباً ما ذُكر مكان كتابته «أنطاكية».<ref>مریل سی بن، پیشین، ص 159.</ref>
Achtemeier, Paul J., Harper's Bible Dictionary, Harper San Francisco, 1985, P.613.</ref> ويعتقد معظمهم أنه كُتب في أنطاكية.<ref>ميريل سي بن، مرجع سابق، ص159.</ref>
 
'''3. [[إنجيل لوقا]]:'''


'''3[[. إنجيل لوقا]]:'''
لم يكن لوقا من الحواريين، ولم يلتقِ [[المسيح]] عليه السلام، وتعلم المسيحية من بولس. معظم محتويات إنجيله مأخوذة من إنجيل مرقس وإنجيل متى.<ref>ويل ديورانت، مرجع سابق، ج3، ص655 / موريس بوكاي، مرجع سابق، ص90-92.</ref> تُعرف هذه الأناجيل الثلاثة بـ"الأناجيل المتوافقة" بسبب تشابهها الكبير.<ref>ويل ديورانت، مرجع سابق، ج3، ص655 / مستر هوكس، مرجع سابق، ص112 / عبدالرحيم السليماني الأردستاني، مرجع سابق، ص67.</ref> وفقًا للرأي التقليدي، يُنسب هذا الإنجيل إلى لوقا رفيق بولس، وروايته مأخوذة منه. ويعتقد أنه كُتب بين عامي 70-90 ميلادية، وعلى الأرجح بين 80-85 ميلادية.<ref>The Encyclopedia of Religion, V.9. P.51; Harper's Bible Dictionary. p.583.</ref> يحتوي على بعض القصص مثل أحداث طفولة [[سيدنا عيسى]] عليه السلام التي لم ترد في الأناجيل الأخرى.<ref>موريس بوكاي، مرجع سابق، ص92.</ref>


لم يكن [[لوقا]] حواريًا، ولم يرَ المسيح عليه السلام، وتعلم النصرانية من بولس. ويُعتقد أن معظم مطالب إنجيله مأخوذة من إنجيل مرقس وإنجيل متى.<ref>ویل دورانت، پیشین، ج 3، ص 655 / موریس بوکای، پیشین، ص 90 ـ 92.</ref> وتُعرف الأناجيل الثلاثة المذكورة بسبب اشتراكاتها الكثيرة، ب«الأناجيل المتوافقة».<ref>ویل دورانت، پیشین، ج 3، ص 655 / مستر هاکس، پیشین، ص 112 / عبدالرحیم سلیمانی اردستانی، پیشین، ص 67.</ref> ووفقاً للرأي التقليدي، يُنسب الإنجيل المذكور إلى لوقا، رفيق ومرافق بولس، وروايته منقولة عنه. ويُعتقد أن كتابته كانت بين عامي 70-90 وعلى الأرجح 80-85 ميلادي.<ref>The Encyclopedia of Religion, V. 9. P. 51; Harper,s Bible Dictionary. p. 583.</ref> وبعض حكاياته مثل حوادث طفولة [[السيد عيسى]] عليه السلام لم ترد في الأناجيل الأخرى.<ref>موریس بوکای، پیشین، ص 92.</ref>
'''4. [[إنجيل يوحنا]]:'''


'''4[[. إنجيل يوحَنّا]]:'''
هو آخر الأناجيل،<ref>Harper's Bible Dictionary, P.583.</ref> ويختلف الباحثون حول تاريخ كتابته أكثر من الأناجيل الثلاثة الأخرى. يعتقد البعض أنه كُتب عام 65 ميلادية، لكن الرأي الأقوى، والذي تميل إليه التقاليد [[المسيحية]]، أنه كُتب بين عامي 90-115 ميلادية.<ref>القس فهيم عزيز، مرجع سابق، ص560-561 / ميريل سي بن، مرجع سابق، ص209؛
The new International Dictionary of the Bible, P.499, 534.</ref> كان يوحنا من الحواريين المقربين [[لسيدنا المسيح]] عليه السلام. لكن هناك شكوكًا حول صحة نسبته إليه. يختلف إنجيل يوحنا تمامًا عن الأناجيل الثلاثة الأخرى، وهو مزيج من حياة [[سيدنا المسيح]] عليه السلام والمفاهيم الفلسفية اليونانية.<ref>ويل ديورانت، مرجع سابق، ج3، ص696 / موريس بوكاي، مرجع سابق، ص93-97.</ref>


هو آخر الأناجيل<ref>Harper,s Bible Dictionary, P. 583.</ref> والاختلاف في تاريخ كتابته أكثر من الأناجيل الثلاثة الأخرى. أحياناً يُعتقد أن تاريخ تأليفه عام 65 ميلادي، لكن وفقاً لأقوى رأي، الذي تميل التقاليد [[مسيحية|المسيحية]] أيضاً إلى قبوله، كُتب بين عامي 90-115 ميلادي.<ref>القس فهیم عزیز، پیشین، ص 560 ـ 561 / مریل سی بن، پیشین، ص 209؛
== الإنجيل في شبه الجزيرة العربية ==
The new International Dictionary of the Bible, P. 499, 534.</ref> ويُوصف يوحنا بأنه الحواري المفضل بشدة لدى [[السيد المسيح]] عليه السلام. وهناك شكوك أيضاً في صحة نسبة الإنجيل المذكور إليه. وإنجيل يوحنا مختلف تماماً عن الأناجيل الثلاثة الأخرى وهو مزيج من حياة [[السيد المسيح]] عليه السلام والمفاهيم الفلسفية اليونانية.<ref>ویل دورانت، پیشین، ج 3، ص 696 / موریس بوکای، پیشین، ص 93 ـ 97.</ref>


== الإنجيلُ في شبه الجزيرة العربية ==
يُقال إنه حتى عام 400 ميلادية، كان الإنجيل الرسمي في مناطق [[الشرق الأوسط]]، خاصة [[سوريا]]، إنجيلًا واحدًا نتج عن دمج الأناجيل الأربعة.<ref>Britanica, V.7, P.69.</ref> وكان هذا الإنجيل يُسمى "دياطسرون" (Diatessaron). لذلك، من المحتمل أن هذا الإنجيل كان متداولًا بين نصارى شبه الجزيرة العربية وقت نزول القرآن.<ref>Neal Robinson, Jesus in the Quran, The Historical Jesus, P.8.</ref> الآن، النسخة الأصلية الكاملة لهذا الإنجيل، التي كانت بالسريانية، مفقودة، ولم يبقَ سوى ترجمات أجزاء منه بلغات مختلفة.<ref>New Catholic Encyclopedia, V.4, P.731.</ref>
يُقَالُ إنه حتى عام 400 ميلادي، كان الإنجيلُ الرسميُّ لمناطق [[الشرق الأوسط]]، ولا سيما [[سوريا]]، هو إنجيلٌ واحدٌ نشأ من دمج الأناجيل الأربعة.<ref>Britanica, V. 7, P. 69.</ref> وكان هذا الإنجيلُ يُسمَّى دياتسرون (Diatessaron). وعليه، فمن المحتمل أن يكون هذا الإنجيلُ شائعًا، قليلًا أو كثيرًا، بين نصارى شبه الجزيرة العربية في زمن نزول القرآن أيضًا.<ref>Neal Robinson, Jesus in the Quran, The Historical Jesus, P. 8.</ref> وحاليًا، فإن الأصلَ الكاملَ لهذا الإنجيلِ، الذي كان باللغة السريانية، نادرُ الوجود، ولا المتاحُ سوى ترجمةِ أجزاءٍ منه إلى لغاتٍ شتى.<ref>New Catholic Encyclopedia, V. 4, P. 731.</ref>


وإن إنجيلًا آخرَ كان رائجًا على الأرجح في ذلك الزمن، هو إنجيلُ الطفولةِ بـ[[اللغة العربية]] (Arabic Infancy Gospel)، الذي ينقلُ قصصَ حياةِ [[عيسى]] عليه السلام في فترة الطفولةِ، شبيهةً بقصصِ القرآن الكريم في هذا الشأن.
هناك إنجيل آخر كان متداولًا على الأرجح في ذلك الوقت، وهو إنجيل الطفولة [[باللغة العربية]] (Arabic Infancy Gospel)، الذي يروي قصصًا عن حياة [[سيدنا عيسى]] عليه السلام في طفولته، تشبه القصص الواردة في القرآن الكريم حول هذا الموضوع.


== الإنجيل في القرآن ==
== الإنجيل في القرآن ==
وردت كلمة «الإنجيل» 12 مرة في 12 آية من 6 [[سورة]] من القرآن، وقد ذُكرت صراحةً بصيغة المفرد في جميع المواضع. <ref>آل عمران: 3، 48، 65؛ المائدة: 46، 47، 66، 68، 110؛ الأعراف: 157؛ التوبة: 111؛ الفتح: 29؛ الحديد: 27</ref> كما أُشير إليه في موارد متعددة بعبارات مثل «ما بَيْنَ يَدَيْهِ» <ref>آل عمران: 3؛ فاطر: 31؛ الأحقاف: 30</ref> و«الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ»<ref>الأنعام: 92؛ يونس: 37؛ يوسف: 111؛ سبأ: 31</ref>، كأحد الكتب السماوية السابقة للقرآن. وبالإضافة إلى ما ذُكر، فإن «الإنجيل» يُعدّ في بعض الأحيان من المصاديق الحتمية والمشار إليها بـ«الكتاب» في تراكيب مثل «أَهْلَ الْكِتَابِ» <ref>آل عمران: 64 ـ 65؛ النساء: 171</ref> و«الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ» <ref>البقرة: 146؛ النساء: 47، 13؛ المائدة: 5</ref>.


يذكر القرآن الإنجيل في مناسبات متنوعة. ومن ذلك: التصريح بكونه وحيًا ومجموعة من [[آية|الآيات]] المُنزّلة على [[عيسى]] عليه السلام <ref>آل عمران: 3؛ المائدة: 46، 110؛ الحديد: 27</ref>، وشهادته على حقانية [[التوراة]] <ref>المائدة: 46</ref>، وتصديق القرآن له <ref>المائدة: 48؛ يونس: 37</ref>، وبشارة الإنجيل بشأن بعثة [[محمد بن عبد الله (خاتم الأنبياء)]] صلى الله عليه وآله وانتشار دعوته <ref>الأعراف: 157؛ الفتح: 29</ref>، وتحريف وكتمان وحذف جزء من تعاليمه <ref>المائدة: 14 ـ 15</ref>.
ذكرت كلمة "الإنجيل" 12 مرة في 12 آية من 6 [[سور]] قرآنية، دائمًا بصيغة المفرد.<ref>آل عمران: 3، 48، 65؛ المائدة: 46، 47، 66، 68، 110؛ الأعراف: 157؛ التوبة: 111؛ الفتح: 29؛ الحديد: 27</ref> كما ورد ذكره في مواضع أخرى بعبارات مثل "ما بين يديه"<ref>آل عمران: 3؛ فاطر: 31؛ الأحقاف: 30</ref> و"الذي بين يديه"<ref>الأنعام: 92؛ يونس: 37؛ يوسف: 111؛ سبأ: 31</ref>، كواحد من الكتب السماوية السابقة للقرآن. بالإضافة إلى ذلك، يُعتبر "الإنجيل" من المصاديق الواضحة لكلمة "الكتاب" في تركيبات مثل "أهل الكتاب"<ref>آل عمران: 64-65؛ النساء: 171</ref> و"الذين أوتوا الكتاب"<ref>البقرة: 146؛ النساء: 47، 13؛ المائدة: 5</ref>.
 
يذكر القرآن الإنجيل في مناسبات مختلفة، مؤكدًا على أنه وحي منزل على [[سيدنا عيسى]] عليه السلام<ref>آل عمران: 3؛ المائدة: 46، 110؛ الحديد: 27</ref>، وشاهد على صحة [[التوراة]]<ref>المائدة: 46</ref>، ومصدق من القرآن<ref>المائدة: 48؛ يونس: 37</ref>، ومبشرًا ببعثة [[محمد بن عبدالله (خاتم الأنبياء)]] صلى الله عليه وآله وانتشار دعوته<ref>الأعراف: 157؛ الفتح: 29</ref>، وكذلك محذرًا من تحريفه وإخفاء بعض تعاليمه<ref>المائدة: 14-15</ref>.
 
==='''1. الإنجيل؛ الكتاب السماوي للمسيح عليه السلام'''===
يرى القرآن أن بعثة [[عيسى المسيح]] عليه السلام هي استمرار لإرسال الرسل وإنزال الكتب، ويسمي كتابه السماوي صراحةً "الإنجيل"، مؤكدًا على أنه وحي من الله.<ref>محمد بن جرير الطبري، جامع البيان، تحقيق صدقي جميل العطار، بيروت، دار الفكر، 1995، ج6، ص358 / فضل بن الحسن الطبرسي، مرجع سابق، ج3، ص313 / السيد محمد حسين الطباطبائي، الميزان، ط3، بيروت، الأعلمي، قم، الإسلامية، 1973، ج3، ص198.</ref> كما في الآية: "لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ... ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ..."<ref>الحديد: 25 و27</ref> وكذلك<ref>المائدة: 46، 110</ref>، كما تشير كلمة "الكتاب" في آية 30 من سورة مريم إلى "الإنجيل".<ref>"قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا" مريم: 30</ref>
 
على الرغم من وجود العديد من الأناجيل، بما فيها الأناجيل الأربعة الرسمية في زمن نزول القرآن وقبله، يؤكد القرآن باستخدام صيغة المفرد في جميع الآيات المتعلقة به على أن الإنجيل المنزل على [[عيسى المسيح| سيدنا المسيح]] عليه السلام واحد. وبالتالي، يمكن القول إن القرآن بتأكيده على المصدر الوحياني ووحدة الإنجيل المنزل على [[عيسى المسيح| سيدنا عيسى]] عليه السلام، ينفي بشريته<ref>محمد رشيد رضا، مرجع سابق، ج3، ص159 / حسن المصطفوي، مرجع سابق، ج12، ص40 / محمد صادقي، الفرقان، ط2، طهران، الثقافة الإسلامية، 1986، ج3، ص12.</ref> وتعدده.<ref>محمد رشيد رضا، مرجع سابق، ج3، ص159 / السيد محمد حسين الطباطبائي، مرجع سابق، ج3، ص308-309 / محمد صادقي، مرجع سابق، ج3، ص12.</ref> نتيجة لذلك، فإن الأناجيل الحالية وأجزاء أخرى من [[العهد الجديد]]، التي كتبها بشر، لا يمكن أن تكون نفس الإنجيل المنزل على المسيح عليه السلام،<ref>السيد محمود الآلوسي، مرجع سابق، مج15، ج28، ص28 / محمد رشيد رضا، مرجع سابق، ج3، ص159 / السيد محمد حسين الطباطبائي، مرجع سابق، ج3، ص189.</ref> بل هي روايات مختلفة عنه، وعلى الأرجح أن النسخة الأصلية للإنجيل ضاعت لأسباب مختلفة.<ref>حسن المصطفوي، مرجع سابق، ج12، ص40-41.</ref>
 
من هذه الأسباب الظروف الصعبة التي عاشها المجتمع المسيحي المبكر والاضطهادات العنيفة التي تعرض لها من قبل [[اليهودية| اليهود]] والرومان.<ref>محمد رشيد رضا، مرجع سابق، ج3، ص159.</ref> كما أن ذكر الإنجيل إلى جانب [[التوراة]] و[[القرآن]] كـ"كتاب" يثبت وجوده الواقعي كمجموعة من التعاليم السماوية. وقد ورد ذكر الإنجيل مع [[التوراة]] ثماني مرات،<ref>آل عمران: 49؛ المائدة: 66، 68 و110؛ التوبة: 111</ref> ومرتين مع [[التوراة]] و[[القرآن]]: "نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ... وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ..."<ref>آل عمران: 3-4 وكذلك المائدة: 46-48</ref>
 
من المهم ملاحظة أن القرآن يؤكد فقط على نزول مجموعة من [[الآيات]] الوحيية المسماة "الإنجيل"، ولا يذكر شيئًا عن كتابتها أو إملائها خلال حياة [[سيدنا المسيح]] عليه السلام. لذلك، ولتوفير أرضية مشتركة بين المفهومين [[المسيحي]] والإسلامي للإنجيل، يمكن اعتبار الإنجيل المذكور في القرآن إشارة إلى [[الآيات]] المنزلة على [[سيدنا عيسى]] عليه السلام، والتي سجلت الأناجيل الأربعة أجزاءً منها - بغض النظر عن صحتها - مع الأخذ في الاعتبار أنه وفقًا للرؤية [[المسيحية]] المختلفة حول [[سيدنا عيسى]] عليه السلام، فإن كل أقواله وأفعاله وأحداث حياته تدخل ضمن المفهوم [[المسيحي]] للإنجيل.
 
بعض مفسري الشيعة<ref>محمد بن الحسن الطوسي، جوامع الجامع، بيروت، دار الأضواء، 1985، ج1، ص263 / المولى محسن الفيض الكاشاني، تفسير الصافي، تحقيق حسين الأعلمي، ط2، بيروت، مؤسسة الأعلمي، 1982، ج1، ص315 / السيد محمد حسين الطباطبائي، مرجع سابق، ج3، ص7.</ref> والسنة،<ref>محمد بن عمر الفخر الرازي، مرجع سابق، ج7، ص169 / محمد بن أحمد القرطبي، مرجع سابق، ج4، ص5 / محمد رشيد رضا، مرجع سابق، ج3، ص159.</ref> يرون أن استخدام كلمة "إنزال" بدلاً من "تنزيل" فيما يخص [[التوراة]] والإنجيل يدل على نزولهما دفعة واحدة؛ لكن بعض الباحثين المعاصرين لا يتفقون مع هذا الرأي.<ref>محمود راميار، تاريخ القرآن، ط2، طهران، أمير كبير، 1983، ص190 / محمد علي مهدوي راد، آفاق التفسير، طهران، هستي نما، 2004، ص334-340.</ref> بينما يعتقد آخرون، استنادًا إلى الآيات 45 و48 من سورة آل عمران، أن اسم "الإنجيل" مذكور في كلام الأنبياء والكتب السماوية السابقة، مثل وعد بعثة [[سيدنا المسيح]] عليه السلام: "إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ... وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ". هذه الآية تظهر أن [[السيدة مريم]] عليها السلام كانت تعرف اسم "الإنجيل"، وإلا لكان ذكر تعليم الله له قبل ولادته ونزول الإنجيل غير منطقي.<ref>محمد بن جرير الطبري، مرجع سابق، مج3، ج3، ص373.</ref>
 
==='''2. شهادة الإنجيل على صحة التوراة'''===
يصف [[القرآن الكريم]] [[سيدنا عيسى]] عليه السلام والإنجيل بأنهما مصدقان ل[[التوراة]]: "وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ..." <ref>المائدة: 46</ref>. تكرار كلمة "تصديق" وإسنادها بشكل منفصل إلى [[سيدنا المسيح]] عليه السلام والإنجيل، يدل على أن الشهادة على صحة [[التوراة]] ونزولها من عند الله قد وردت ليس فقط في أقوال [[سيدنا المسيح]] عليه السلام، بل أيضًا في [[آيات]] الإنجيل. ومن الواضح أن المقصود هنا هو [[التوراة]] الأصلية المنزلة على موسى عليه السلام والتي علّمها الله ل[[سيدنا عيسى]] عليه السلام خالية من التحريفات. <ref>آل عمران: 48؛ المائدة: 110</ref> وبالتالي، فإن هذا التصديق لا يعني بأي حال الموافقة الكاملة على [[التوراة]] الموجودة في عصر [[سيدنا عيسى]] عليه السلام أو أنها خالية من [[التحريف]].<ref>السيد محمد حسين الطباطبائي، مرجع سابق، ج3، ص201</ref>
 
ويرى بعض المفسرين<ref>السيد محمود الآلوسي، مرجع سابق، مج3، ج3، ص273 / محمد رشيد رضا، مرجع سابق، ج3، ص312 / السيد محمد حسين الطباطبائي، مرجع سابق، ج3، ص201</ref> استنادًا إلى هذه الآية وما يشابهها، أن الإنجيل المنزل على [[سيدنا المسيح]] عليه السلام قد أكمل وأتم أحكام [[التوراة]]، وأن شريعة [[عيسى]] عليه السلام - باستثناء بعض الأحكام - لم تنسخ [[شريعة]] [[موسى]] عليه السلام. وهذا ما أكده [[سيدنا عيسى]] عليه السلام في [[إنجيل متى]].<ref>فاضل خان الهمداني، مرجع سابق، متى 5: 17-18</ref>. كما أن تأكيد [[القرآن]] على أن الله قد علّم [[التوراة]] ل[[سيدنا عيسى]] عليه السلام ووصف ذلك بنعمة عليه<ref>"إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ... وَعَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ..." المائدة: 110؛ آل عمران: 48</ref> <ref>آل عمران: 48؛ المائدة: 110</ref> يمكن أن يكون مؤيدًا لهذا الرأي.
 
وتوضيحًا أكثر، فإن بعض [[الآيات]] تبين أن حكم لحم وأجزاء معينة من بعض الحيوانات التي حُرّمت على بني إسرائيل وفقًا ل[[التوراة]]،<ref>"وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ۖ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ۚ ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ ۖ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ" الأنعام: 146</ref> قد نُسخت بواسطة الإنجيل: "وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ" <ref>آل عمران: 50</ref>. ويبين [[القرآن]] أن سبب هذه التحريمات - رغم حِلّها في الأصل - هو ظلم بني إسرائيل ومخالفتهم للحق، وأنها كانت عقابًا لهم. <ref>النساء: 160؛ الأنعام: 146</ref>
 
==='''3. تصديق القرآن للإنجيل'''===
يؤكد الله في العديد من [[الآيات]] في [[القرآن الكريم]] أنه مصدق للكتب السماوية السابقة بما فيها الإنجيل: "وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ..." <ref>المائدة: 48</ref>. ولكن اختلف المفسرون في معنى هذا التصديق والتأييد؛<ref>محمد بن جرير الطبري، مرجع سابق، مج1، ج1، ص615؛ مج3، ج3، ص226؛ مج4، ج6، ص361 / محمد بن الحسن الطوسي، مرجع سابق، ج8، ص429 / فضل بن الحسن الطبرسي، مرجع سابق، ج2، ص696-697؛ ج3، ص313؛ ج8، ص637</ref>
 
فالرأي الأول يرى أنه يعني شهادة [[القرآن]] على نزولها من عند الله، مع توضيح أن هذا لا يعني بالضرورة تصديق كل محتويات الكتب التي تسمى اليوم [[التوراة]] والإنجيل. أما الرأي الثاني فيرى أن التصديق يعني تأييد كل أو بعض محتوى الكتب السماوية السابقة. بينما يرى الرأي الثالث أن الكتب السماوية السابقة قد بشرت بنزول [[القرآن]] من عند الله، وأن نزول [[القرآن]] نفسه - وليس شهادته القولية - هو الدليل على صحة هذا الخبر الغيبي وعلى أن الكتب السابقة من عند الله.<ref>محمد تقي المصباح، علوم القرآن، تحقيق محمود الرجبي، قم، انتشارات إسلامي، 1997، ج1، ص182-183</ref>
 
ويبدو أن التدقيق في [[الآيات]] ذات الصلة واختلاف العبارات يمكن أن يحل هذا الإشكال ويوحد الآراء؛ حيث يمكن تقسيم [[الآيات]] المصادقة إلى نوعين:
 
الأول: الآيات التي تستخدم عبارات مثل "الذي بين يديه" و"ما بين يديه"، والتي تشير صراحة إلى تصديق الكتب قبل [[القرآن]]، ولا يمكن أن تعني إلا تأييد كتب مثل [[التوراة]] والإنجيل المنزلة: "وَمَا كَانَ هَـٰذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ..." <ref>يونس: 37 وكذلك يوسف: 111؛ البقرة: 97؛ آل عمران: 3؛ المائدة: 48؛ فاطر: 31؛ الأحقاف: 30</ref>. "التصديق" في هذه [[الآيات]] يعني بلا شك شهادة [[القرآن]] على نزول [[التوراة]] والإنجيل الحقيقيين من عند الله وتأييد جميع تعاليمهما.<ref>محمد بن الحسن الطوسي، مرجع سابق، ج3، ص542 / فضل بن الحسن الطبرسي، مرجع سابق، ج3، ص313 / السيد محمد حسين الطباطبائي، مرجع سابق، ج5، ص349</ref>. ومن الواضح أن "التصديق" بهذا المعنى يشمل أيضًا البشارات في [[التوراة]] والإنجيل عن [[بعثة]] [[محمد بن عبد الله (خاتم الأنبياء)]] صلى الله عليه وآله ونزول [[القرآن]].
 
ومن الجدير بالذكر أن [[القرآن]] يؤكد - كشرح تكميلي لتصديق الكتب السماوية السابقة - على أنه "مهيمن" عليها، لمنع أي توهم بأن هذا التصديق يعني القبول دون أي تدخل أو تعديل. وقد فُسرت "الهيمنة" بمعان متقاربة.<ref>محمد بن جرير الطبري، مرجع سابق، مج4، ج6، ص360-363 / فضل بن الحسن الطبرسي، مرجع سابق، ج3، ص313 / إسماعيل بن كثير الدمشقي، تفسير القرآن العظيم، تحقيق يوسف المرعشلي، ط3، بيروت، دار المعرفة، 1989، ج2، ص68</ref>. وخلاصة هذه المعاني أن [[القرآن]] مسيطر على الكتب السابقة، وهو أعلى منها وأشمل، وبناءً عليه يمكنه إجراء أي تعديلات عليها. وعلى هذا الأساس، فقد حفظ وأكد التعاليم الأساسية فيها، وأشار إلى ما حُرِّف منها وأصلحه، ونسخ التعاليم المرتبطة بظروف خاصة من زمان أو مكان أو مخاطبين.<ref>محمد رشيد رضا، مرجع سابق، ج6، ص410-411 / السيد محمد حسين الطباطبائي، مرجع سابق، ج5، ص349</ref>.


'''1. الإنجيل؛ الكتاب السماوي للمسيح عليه السلام'''
أما النوع الثاني من [[الآيات]]، فيستخدم عبارات مثل "لما معكم" و"لما معهم" التي تشير إلى أهل الكتاب ([[اليهود]] و[[النصارى]]): "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا..." <ref>النساء: 47 وكذلك البقرة: 41،91</ref>. ورغم أن الظاهر أن هذه العبارات تشير إلى [[التوراة]] والأناجيل الموجودة في عصر النزول والتي كانت بحوزة [[أهل الكتاب]]، إلا أنها قطعًا لا تعني تصديق كل محتواها، بل - كما تشير بعض [[الآيات]] الأخرى -<ref>"وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ" المائدة: 14</ref> تأييد الجزء غير المحرَّف من تعاليمها. وذلك لأن الأناجيل المذكورة تحتوي على تعاليم متناقضة وشركية، وتنسب إلى [[سيدنا عيسى]] عليه السلام أقوالاً وأفعالاً وأحداثاً لا تتفق مع [[العقل]] والتعاليم التوحيدية. كصلب وقتل [[سيدنا المسيح]] عليه السلام، واعتقاد ألوهيته وبنوته لله، وعقيدة "التثليث". <ref>النساء: 157، 171؛ المائدة: 17، 72-73، 116-117؛ التوبة: 30</ref>
يعدّ القرآن بعثة [[عيسى]] [[المسيح]] عليه السلام امتدادًا لإرسال الرسل وإنزال الكتب، وقد سمّى [[كتاب سماوي|كتابه السماوي]] صراحةً «الإنجيل»، وأكد على كونه وحيًا: <ref>محمد بن جرير الطبري، جامع البيان، بتحقيق صدقي جميل العطار، بيروت، دار الفكر، 1415، ج 6، ص 358 / الفضل بن الحسن الطبرسي، المصدر نفسه، ج 3، ص 313 / السيد محمد حسين الطباطبائي، الميزان، ط 3، بيروت، أعلمي، مصورة، قم، الإسلامية، 1393 هـ، ج 3، ص 198.</ref>«لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ... ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ...» <ref>الحديد: 25 و 27</ref> وكذلك <ref>المائدة: 46، 110</ref> وكلمة «كتاب» في الآية 30 من سورة مريم تشير أيضًا إلى «الإنجيل».<ref>«قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا.» مريم: 30</ref>


ومن جهة أخرى، وعلى الرغم من وجود أناجيل عديدة، منها الأناجيل الأربعة الرسمية في عصر النزول وقبله، فإن القرآن باستخدامه صيغة المفرد في جميع [[آية|الآيات]] المتعلقة به، يصرّ على وحدة الإنجيل المُنزّل على [[السيد المسيح]] عليه السلام. وعليه يمكن القول: إن القرآن بتصريحه على المنشأ الوحياني ووحدة إنجيل [[السيد عيسى]] عليه السلام، ينفي بشرية<ref>محمد رشيد رضا، المصدر نفسه، ج 3، ص 159 / حسن المصطفوي، المصدر نفسه، ج 12، ص 40 / محمد الصادقي، الفرقان، ط 2، طهران، الثقافة الإسلامية، 1365 ش، ج 3، ص 12.</ref> وتعدده<ref>محمد رشيد رضا، المصدر نفسه، ج 3، ص 159 / السيد محمد حسين الطباطبائي، المصدر نفسه، ج 3، ص 308 ـ 309 / محمد الصادقي، المصدر نفسه، ج 3، ص 12.</ref>. ونتيجة لذلك، فإن الأناجيل الموجودة وأجزاء أخرى من [[العهد الجديد]]، التي كُتبت بأيدي بشر، لا يمكن أن تكون عين الإنجيل المُنزّل على المسيح عليه السلام،<ref>السيد محمود الآلوسي، المصدر نفسه، مج 15، ج 28، ص 28 / محمد رشيد رضا، المصدر نفسه، ج 3، ص 159 / السيد محمد حسين الطباطبائي، المصدر نفسه، ج 3، ص 189.</ref> بل إنها تحتوي على روايات مختلفة عنه، وعلى الأرجح أن النسخة المحتملة للإنجيل المذكور قد ضاعت لأسباب معينة.<ref>حسن المصطفوي، المصدر نفسه، ج 12، ص 40 ـ 41.</ref>
ويمكن استنباط تأييد ضمني وإجمالي للأناجيل في عصر النزول من بعض [[الآيات]] الأخرى. ففي الآية 66 من سورة المائدة، التي تحث [[أهل الكتاب]] على العمل بتعاليم [[التوراة]] والإنجيل، يعدهم الله بالبركات من السماء والأرض: "وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ...". وقد فسر المفسرون "إقامة [[التوراة]] والإنجيل" بأنها الإيمان والعمل بتعاليمهما حول المبدأ والمعاد،<ref>السيد محمد حسين الطباطبائي، مرجع سابق، ج6، ص37-38</ref> والأحكام والحدود الإلهية،<ref>محمد بن عمر الفخر الرازي، مرجع سابق، ج12، ص46 / تفسير البيضاوي، ج1، ص444 / السيد محمد حسين الطباطبائي، مرجع سابق، ج6، ص37-38</ref> وكذلك الاعتراف بوجود البشارة عن [[محمد بن عبد الله (خاتم الأنبياء)]] صلى الله عليه وآله،<ref>أبو جعفر النحاس، معاني القرآن، تحقيق الصابوني، السعودية، جامعة أم القرى، 1989، ج2، ص337 / محمد بن عمر الفخر الرازي، مرجع سابق، ج12، ص46/ إسماعيل بن كثير الدمشقي، مرجع سابق، ج1، ص169</ref> دون أي تحريف أو كتمان.<ref>محمد بن الحسن الطوسي، مرجع سابق، ج3، ص585 / فضل بن الحسن الطبرسي، مرجع سابق، ج3، ص341 / السيد محمد حسين الطباطبائي، مرجع سابق، ج6، ص37-38</ref>. وبالتالي، فإن الأناجيل الموجودة في عصر النزول احتوت على بعض تعاليم الإنجيل المنزل. وإلا فإن الدعوة إلى إقامتها - مع عدم وجود الإنجيل الحقيقي - لن يكون لها مبرر منطقي. ويمكن فهم هذا التأييد الضمني والإجمالي أيضًا من الآية 68 من سورة المائدة: "قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ...".


ومن بين تلك الأسباب الظروف الصعبة جدًا التي سادت مجتمع [[المسيحيين]] الجدد، والمعاملات العنيفة والقامعة من قبل [[اليهود]] والرومان معهم.<ref>محمد رشيد رضا، المصدر نفسه، ج 3، ص 159.</ref> كما أن ذكر الإنجيل إلى جانب [[التوراة]] و[[القرآن]] وبصفته «كتابًا»، يثبت وجوده وواقعيته الخارجية كمجموعة من التعاليم السماوية. وتوضيح ذلك أنه ذُكر 8 مرات مقرونًا بالتوراة <ref>آل عمران: 49؛ المائدة: 66، 68 و 110؛ التوبة: 111</ref> ومرتين إلى جانب [[التوراة]] و[[القرآن]]: «نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ... وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ...» <ref>آل عمران: 3 ـ 4 وكذلك المائدة: 46 ـ 48</ref>
وفي [[سبب النزول]] لهذه [[الآية]]، يُذكر أن مجموعة من [[اليهود]]، بعد إجابة [[محمد بن عبد الله (خاتم الأنبياء)]] صلى الله عليه وآله على سؤالهم حول تصديقه ل[[التوراة]]، قالوا: نحن أيضًا نقبل [[التوراة]]؛ لكننا لا نؤمن بغيرها. فرد الله بهذه الآية بأن دينهم وطريقتهم بلا قيمة ولا أساس بدون الإيمان والعمل ب[[التوراة]] والإنجيل. كما أن الإيمان والعمل بهما يتطلبان [[الإيمان]] ب[[محمد بن عبد الله (خاتم الأنبياء)]] صلى الله عليه وآله و[[القرآن]]. وفي مكان آخر، يدعو [[القرآن الكريم]] أتباع الإنجيل إلى الحكم بما أنزل الله فيه: "وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ..." <ref>المائدة: 47</ref>. وهذه الآية أيضًا تدل على تأييد ضمني وإجمالي للأناجيل في عصر النزول.


بيد أن النقطة المهمة والجديرة بالانتباه هي أن [[القرآن]] لا يؤكد إلا نزول مجموعة من [[آية|الآيات]] الوحيانية باسم «الإنجيل»، وليس الكتاب بالمعنى المتعارف عليه، وليس لديه تقرير نفيًا أو إثباتًا حول كتابته في حياة [[السيد المسيح]] عليه السلام بخطه أو بإملائه. وعليه، ولتقديم مجال مشترك بين المفهومين [[مسيحية|المسيحي]] والإسلامي للإنجيل، يمكن اعتبار الإنجيل المذكور في [[القرآن]] إشارة إلى [[آية|الآيات]] المُنزّلة على [[السيد عيسى]] عليه السلام، التي reported الأناجيل الأربعة أيضًا أجزاء منها بغض النظر عن صحة الرواية وسقمها ـ مع هذا التوضيح أنه بناءً على الرؤية المختلفة لـ[[المسيحية]] بشأن [[السيد عيسى]] عليه السلام، فإن جميع أقواله وأفعاله وحوادث حياته تدخل أيضًا في نطاق المفهوم [[مسيحية|المسيحي]] للإنجيل.
==='''4. تعاليم الإنجيل'''===
يقدم [[القرآن الكريم]] أحيانًا وصفًا عامًا، وأحيانًا أخرى يذكر أحكامًا وتعليمات محددة، ليقدم صورة شبه كاملة عن محتوى الإنجيل. ومن هذه التعاليم:


عدد من المفسرين الشيعة<ref>محمد بن الحسن الطوسي، جوامع الجامع، بيروت، دار الأضواء، 1405، ج 1، ص 263 / الملا محسن الفيض الكاشاني، تفسير الصافي، بتحقيق حسين الأعلمي، ط 2، بيروت، مؤسسة الأعلمي، 1402، ج 1، ص 315 / السيد محمد حسين الطباطبائي، المصدر نفسه، ج 3، ص 7.</ref> والسنة،<ref>محمد بن عمر الفخر الرازي، المصدر نفسه، ج 7، ص 169 / محمد بن أحمد القرطبي، المصدر نفسه، ج 4، ص 5 / محمد رشيد رضا، المصدر نفسه، ج 3، ص 159.</ref> يرون أن استخدام كلمة «إنزال» بدلًا من «تنزيل» بشأن [[التوراة]] والإنجيل دليل على نزولهما دفعيًا؛ غير أن بعض المعاصرين لا يرتضون هذا الرأي.<ref>محمود راميار، تاريخ القرآن، ط 2، طهران، أميركبير، 1362 ش، ص 190 / محمد علي مهدوي راد، آفاق التفسير، طهران، هستي نما، 1383 ش، ص 334 ـ 340.</ref> ويرى البعض الآخر استنادًا إلى [[آية|الآيتين]] 45 و 48 من آل عمران أن اسم «الإنجيل» ورد كما وردت بشارة بعثة [[السيد المسيح]] عليه السلام في أقوال الأنبياء و[[كتاب سماوي|الكتب السماوية]] السابقة: «إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ... وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ.» وهذه الآية تدل على أن [[السيدة مريم]] عليها السلام كانت знакома باسم «الإنجيل». وإلا فإن الإخبار بتعليمه إلهيًا لـ[[السيد عيسى]] عليه السلام قبل ولادته ونزول الإنجيل، لا يكون معقولًا.<ref>محمد بن جرير الطبري، المصدر نفسه، مج 3، ج 3، ص 373.</ref>
===='''1. الهدى والنور والموعظة:'''====
«...وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ.» <ref>المائدة: 46؛ آل عمران: 3-4</ref>


'''2. شهادة الإنجيل على صحة التوراة'''
فسّر [[المفسرون]] معنى «[[الهدى]]» بأنه يشمل تعاليم [[التوحيد]] وتنزيه [[الله]] عن الزوجة والولد والشريك والنظير،<ref>محمد بن جرير الطبري، المرجع السابق، المجلد 3، الجزء 3، ص 226 / محمد عمر الفخر الرازي، المرجع السابق، الجزء 12، ص 9 / محمد رشيد رضا، المرجع السابق، الجزء 6، ص 401.</ref> والمعارف المتعلقة [[بالمعاد]]،<ref>محمد بن عمر الفخر الرازي، المرجع السابق، الجزء 12، ص 9.</ref> وتصديق [[الأنبياء]]، وبشارة [[بعثة]] [[محمد بن عبد الله (خاتم الأنبياء)]] صلى الله عليه وآله،<ref>محمد بن جرير الطبري، المرجع السابق، المجلد 3، الجزء 3، ص 226 / محمد بن عمر الفخر الرازي، المرجع السابق، الجزء 12، ص 9.</ref> والأحكام الإلهية وأدلتها.<ref>محمد بن جرير الطبري، المرجع السابق، المجلد 4، الجزء 6، ص 358 / فضل بن الحسن الطبرسي، المرجع السابق، الجزء 3، ص 314.</ref>
يصف [[القرآن الكريم]] [[السيد عيسى]] عليه السلام والإنجيل بأنهما مصدقان لـ[[التوراة]]: «وَ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ....» <ref>المائدة: 46</ref> وتكرار «التصديق» ونسبته بشكل منفصل إلى [[السيد عيسى]] عليه السلام والإنجيل، يدل على أن الشهادة على حقانية [[التوراة]]، ونزولها الإلهي وردت في [[آية|آيات]] الإنجيل بالإضافة إلى أقوال [[السيد المسيح]] عليه السلام. ومن الواضح أن المراد هو [[التوراة]] الأصلية المُنزّلة على موسى عليه السلام التي علّمها الله خالية من التحريفات الحادثة لـ[[السيد عيسى]] عليه السلام. <ref>آل عمران: 48؛ المائدة: 110</ref> وعليه، فإن التصديق المذكور لا يعني أبدًا الموافقة الكاملة على [[التوراة]] الموجودة في عصر [[السيد عيسى]] عليه السلام وخلوها من [[تحريف]].<ref>السيد محمد حسين الطباطبائي، المصدر نفسه، ج 3، ص 201.</ref>


ويرى عدد من المفسرين<ref>السيد محمود الآلوسي، المصدر نفسه، مج 3، ج 3، ص 273 / محمد رشيد رضا، المصدر نفسه، ج 3، ص 312 / السيد محمد حسين الطباطبائي، المصدر نفسه، ج 3، ص 201.</ref> استنادًا إلى الآية المذكورة وما شابهها، أن الإنجيل المُنزّل على [[السيد المسيح]] عليه السلام قد أمّز وأكمل أحكام [[التوراة]]، وأن دين [[عيسى]] عليه السلام لم يكن ناسخًا لـ[[شريعة]] [[موسى]] عليه السلام إلا في بعض الأحكام. وقد صُرح بهذا الأمر أيضًا في [[إنجيل متّى]] وعلى لسان [[السيد عيسى]] عليه السلام.<ref>فاضل خان الهمداني، المصدر نفسه، متى 5: 17 ـ 18.</ref> وتصريح [[القرآن]] على تعليم [[التوراة]] لـ[[السيد عيسى]] عليه السلام من قبل الله والتأكيد عليها كنعمة عليه<ref>«إذ قال الله يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك... وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل...» المائدة: 110؛ آل عمران: 48.</ref> <ref>آل عمران: 48؛ المائدة: 110</ref> يمكن أن يكون مؤيدًا لهذا الرأي.
ويمكن الاستدلال على ذلك بوصف [[القرآن]] و[[محمد بن عبد الله (خاتم الأنبياء)]] صلى الله عليه وآله بأنهما مصدر [[الهدى]]،<ref>«ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ.» البقرة: 2</ref> كما فسّر المفسرون اشتمال الإنجيل على [[النور]] بأنه يشمل بيان الأحكام الشرعية،<ref>محمد بن عمر الفخر الرازي، المرجع السابق، الجزء 12، ص 9.</ref> والأدلة والأمثال والفضائل التي تهدي إلى الحق،<ref>محمد رشيد رضا، المرجع السابق، الجزء 6، ص 401.</ref> وإزالة ظلمات الجهل.<ref>محمد بن جرير الطبري، المرجع السابق، المجلد 4، الجزء 6، ص 358.</ref>


وتوضيحًا أكثر، فإن بعض [[آية|الآيات]] تدل على أن حكم لحم وبعض أجزاء أخرى من حيوانات معينة، التي حُرّمت على قوم يهود بناءً على [[التوراة]]،<ref>«وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ.» الأنعام: 146</ref> قد نُسخ بواسطة الإنجيل: «وَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ.» <ref>آل عمران: 50</ref> ويعرف [[القرآن]] سبب التحريمات المذكورة مع كونها حلالًا بأنه ظلم قوم يهود وعداؤهم للحق وتمردهم، وكعقوبة لهم. <ref>النساء: 160؛ الأنعام: 146</ref>
أما المراد بـ«الموعظة» في الإنجيل، فهو الأوامر الإلهية بالابتعاد عن المعاصي والإكثار من العبادات، بالإضافة إلى النصائح البليغة المؤثرة.<ref>فضل بن الحسن الطبرسي، المرجع السابق، الجزء 3، ص 311 / محمد بن عمر الفخر الرازي، المرجع السابق، الجزء 12، ص 9.</ref>


'''3. تصديق الإنجيل من قبل القرآن'''
===='''2. بشارة بعثة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله:'''====
يعدّ الله في [[آية|آيات]] متعددة من [[القرآن الكريم]]، القرآن مصدقًا للكتب السماوية السابقة بما فيها الإنجيل: «وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ...» <ref>المائدة: 48</ref> غير أن المفسرين اختلفوا في معنى التصديق والتأييد المذكور؛<ref>محمد بن جرير الطبري، المصدر نفسه، مج 1، ج 1، ص 615؛ مج 3، ج 3، ص 226؛ مج 4، ج 6، ص 361 / محمد بن الحسن الطوسي، المصدر نفسه، ج 8، ص 429 / الفضل بن الحسن الطبرسي، المصدر نفسه، ج 2، ص 696 ـ 697؛ ج 3، ص 313؛ ج 8، ص 637.</ref> فالرأي الأول يراه بمعنى شهادة [[القرآن]] على نزولها من قبل الله؛ مع توضيح أن لازمة ذلك ليس تصديق جميع محتويات الكتب التي تسمى اليوم بـ[[التوراة]] والإنجيل. والرأي الثاني يرى التصديق المذكور بمعنى تأكيد كل أو جزء من محتوى الكتب السماوية الماضية؛ والرأي الثالث يرى أن الكتب السماوية السابقة قد أخبرت عن نزول [[القرآن]] من قبل الله، وأن نزول [[القرآن]] ـ وليس شهادته القولية ـ دليل على صحة ذلك الخبر الغيبي وكون الكتب السماوية الماضية من عند الله.<ref>محمد تقي المصباح، معرفة القرآن، بتحقيق محمود رجبی، قم، انتشارات الإسلامية، 1376 ش، ج 1، ص 182 ـ 183.</ref>
بحسب صريح بعض [[آيات]] [[القرآن]]، فإن خبر [[بعثة]] [[محمد بن عبد الله (خاتم الأنبياء)]] صلى الله عليه وآله وصفاته مذكور في [[التوراة]] والإنجيل المنزل من عند الله. وهذا الموضوع يتميز بأهمية خاصة بين تعاليم [[التوراة]] والإنجيل المذكورة في [[القرآن]]


ويبدو أن التدقيق في [[آية|الآيات]] المتعلقة واختلاف العبارات، يمكن أن يزيل الإشكال المذكور ويوفر أرضية للاتفاق؛ مع توضيح أن [[آية|الآيات]] المصّدقة يمكن تقسيمها من وجهة نظر إلى قسمين: القسم الأول الآيات التي وردت فيها عبارات مثل «الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ» و«ما بَيْنَ يَدَيْهِ»، وهي تشير صراحة إلى تصديق الكتب السابقة لـ[[القرآن]] ولا يمكن أن تكون إلا بمعنى تأكيد كتب مثل [[التوراة]] والإنجيل المُنزّل: «وَ مَا كَانَ هَـذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ...» <ref>يونس: 37 وكذلك يوسف: 111؛ البقرة: 97؛ آل عمران: 3؛ المائدة: 48؛ فاطر: 31؛ الأحقاف: 30</ref> إن «التصديق» في هذه [[آية|الآيات]]، يمكن يقينًا أن يكون بمعنى شهادة [[القرآن]] على النزول الإلهي لـ[[التوراة]] والإنجيل الحقيقيين وتأكيد جميع تعاليمهما.<ref> محمد بن الحسن الطوسي، المصدر نفسه، ج 3، ص 542 / الفضل بن الحسن الطبرسي، المصدر نفسه، ج 3، ص 313 / السيد محمد حسين الطباطبائي، المصدر نفسه، ج 5، ص 349.</ref> ومن الواضح أن «التصديق» بهذا المعنى، يشمل أيضًا بشائر [[التوراة]] والإنجيل بشأن [[بعثة]] [[محمد بن عبد الله (خاتم الأنبياء)]] صلى الله عليه وآله ونزول [[القرآن]].
«الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ...» <ref>الأعراف: 157</ref>


والنقطة الجديرة بالانتباه أن [[القرآن]] كتوضيح تكميلي بشأن تصديق الكتب السماوية الماضية، يصرّ على كونه «مُهَيْمِنًا» عليها لمنع نشوء وهم التصديق دون أي دخل وتصرف. وقد فُسّر كون [[القرآن]] «مهيمنًا» بمعانٍ مختلفة ولكنها متقاربة.<ref>محمد بن جرير الطبري، المصدر نفسه، مج 4، ج 6، ص 360 ـ 363 / الفضل بن الحسن الطبرسي، المصدر نفسه، ج 3، ص 313 / إسماعيل بن كثير الدمشقي، تفسير القرآن العظيم، بتحقيق يوسف المرعشي، ط 3، بيروت، دار المعرفة، 1409، ج 2، ص 68.</ref> ومحصّل هذه المعاني هو أن [[القرآن]] مسلّط على الكتب الماضية وفوقها وشامل لها، وبناءً عليه، يمكنه إجراء أنواع الدخول والتصرف فيها. وبناءً على هذا، فقد حفظ تعاليمها الأساسية وأمّزها، وذكّر وصحّح المحذوف والمحرّف منها، ونسخ التعاليم التابعة لظروف خاصة من زمان ومكان ومخاطبين.<ref>محمد رشيد رضا، المصدر نفسه، ج 6، ص 410 ـ 411 / السيد محمد حسين الطباطبائي، المصدر نفسه، ج 5، ص 349.</ref>
يظهر من الآية أن الأوصاف الثلاثة «الرسول»، «النبي»، و«الأمي» (الذي لم يتعلم القراءة والكتابة) مذكورة كلها في [[التوراة]] والإنجيل لـ[[محمد بن عبد الله (خاتم الأنبياء)]] صلى الله عليه وآله.<ref>محمد بن جرير الطبري، المرجع السابق، المجلد الجزء 9، ص 112-113 / إسماعيل بن كثير الدمشقي، المرجع السابق، الجزء 2، ص 262؛ الجزء 3، ص 427 / سيد محمد حسين الطباطبائي، المرجع السابق، الجزء 8، ص 280.</ref>


وفي القسم الثاني من [[آية|الآيات]]، استُخدمت عبارات مثل «لِمَا مَعَكُمْ» و«لِمَا مَعَهُم» وأشارت إلى أهل الكتاب ([[اليهود]] و[[النصارى]]): «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا...» <ref>النساء: 47 وكذلك البقرة: 41، 91</ref> ورغم أنه يمكن اعتبار ظاهر هذه العبارات إشارة إلى [[التوراة]] والأناجيل الموجودة في عصر النزول التي كانت بيد [[أهل الكتاب]]؛ إلا أنها قطعًا لا تعني تصديق جميع المحتوى، بل ـ كما تشير إليه بعض [[آية|الآيات]] أيضًا ـ<ref>«وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.» المائدة: 14</ref> فإنها تأكيد لجزء من تعاليمها غير المحرّفة، والسبب في ذلك هو أن الأناجيل المذكورة تحتوي على تعاليم متناقضة ومشركة، وتنسب إلى [[السيد عيسى]] عليه السلام أقوالًا وأفعالًا وحوادث لا تتوافق مع [[العقل]] والتعاليم التوحيدية. ومن ذلك صلب وقتل [[السيد المسيح]] عليه السلام، والاعتقاد بألوهيته وكونه ابن الله، وعقيدة «التثليث». <ref>النساء: 157، 171؛ المائدة: 17، 72 ـ 73، 116 ـ 117؛ التوبة: 30</ref>
وفي آية أخرى، صرّح [[المسيح]] عليه السلام باسم [[محمد بن عبد الله (خاتم الأنبياء)]] صلى الله عليه وآله الذي سيأتي بعده:


ويتضح التصديق الضمني والإجمالي لأناجيل عصر النزول من بعض [[آية|الآيات]] الأخرى أيضًا. ومن ذلك الآية 66 من المائدة التي تعتبر في ترغيب أهل الكتاب للعمل بتعاليم [[التوراة]] والإنجيل، أن الحصول على بركات [[السماء]] والأرض نتيجة لذلك: «وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ....» وقد اعتبر المفسرون مراد إقامة [[التوراة]] والإنجيل هو الاعتقاد والعمل بتعاليمهما بشأن المبدأ، والمعاد،<ref>السيد محمد حسين الطباطبائي، المصدر نفسه، ج 6، ص 37 ـ 38.</ref> والأحكام والحدود الإلهية<ref>محمد بن عمر الفخر الرازي، المصدر نفسه، ج 12، ص 46 / تفسير البيضاوي، ج 1، ص 444 / السيد محمد حسين الطباطبائي، المصدر نفسه، ج 6، ص 37 ـ 38.</ref> وكذلك الإقرار بوجود البشارة المتعلقة بـ[[محمد بن عبد الله (خاتم الأنبياء)]] صلى الله عليه وآله،<ref>أبو جعفر النحاس، معاني القرآن، بتحقيق الصابوني، السعودية، جامعة أم القرى، 1409، ج 2، ص 337 / محمد بن عمر الفخر الرازي، المصدر نفسه، ج 12، ص 46/ إسماعيل بن كثير الدمشقي، المصدر نفسه، ج 1، ص 169.</ref> دون أي تحريف وكتمان<ref>محمد بن الحسن الطوسي، المصدر نفسه، ج 3، ص 585 / الفضل بن الحسن الطبرسي، المصدر نفسه، ج 3، ص 341 / السيد محمد حسين الطباطبائي، المصدر نفسه، ج 6، ص 37 ـ 38.</ref>. وعليه، فإن الأناجيل الموجودة في عصر النزول على الأقل، كانت تحتوي على تعاليم من الإنجيل المُنزّل. وإلا فإنه مع عدم وجود الإنجيل الحقيقي، لن يكون للدعوة إلى إقامته مبرر معقول. ويمكن استنتاج التصديق الضمني والإجمالي المذكور من الآية 68 من المائدة أيضًا: «قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ....»
«وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ... وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ...» <ref>الصف: 6</ref>


وفي [[شأن النزول]] لهذه [[آية]]، قِيل: إن جماعة من [[اليهود]]، بعد رد [[محمد بن عبد الله (خاتم الأنبياء)]] صلى الله عليه وآله على سؤالهم حول تصديق [[التوراة]] من قبله، قالوا: نحن أيضًا نقبل [[التوراة]]؛ لكننا لا نؤمن بغيرها، و[[الله]] بناءً على هذه الآية، اعتبر دينهم ومذهبهم بدون اعتقاد وعمل بـ[[التوراة]] والإنجيل فاقدًا للقيمة وغير قائم على أساس. والاعتقاد والعمل بهما يتطلب [[إيمان]]ًا بـ[[محمد بن عبد الله (خاتم الأنبياء)]] صلى الله عليه وآله و[[القرآن]]. ويدعو [[القرآن الكريم]] في مكان آخر، أتباع الإنجيل إلى التحاكم والحكم بناءً على «ما أَنْزَلَ اللَّهُ» فيه: «وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ....» <ref>المائدة: 47</ref> وهذه الآية أيضًا توحي بالتصديق الضمني والإجمالي لأناجيل عصر النزول.
ورغم أن هذه الآية تشير إلى بشارة [[المسيح]] عليه السلام ببعثة [[محمد بن عبد الله (خاتم الأنبياء)]] صلى الله عليه وآله وليس إلى ذكر اسمه في الإنجيل،<ref>المرجع نفسه، الجزء 19، ص 253.</ref> إلا أنه يمكن استنباط ذلك من الإنجيل لأن [[المسيح]] عليه السلام لم يكن ينطق إلا بوحي الله.


'''4. تعاليم الإنجيل'''
وقد وجّهت هذه الآية انتباه بعض [[المفسرين]]<ref>محمد بن الحسن الطوسي، المرجع السابق، الجزء 4، ص 559 / فضل بن الحسن الطبرسي، المرجع السابق، الجزء 4، ص 749 / محمد بن عمر الفخر الرازي، المرجع السابق، الجزء 29، ص 313-314.</ref> والباحثين المسلمين إلى كلمة «فارقليط» (Paraclete) في الأناجيل الحالية، والتي تعني «المعزّي» أو «الروح القدس» عند [[المسيحيين]].
يقدم [[القرآن الكريم]] أحيانًا ببعض الأوصاف العامة وأحيانًا بذكر بعض الأحكام والتعاليم المحددة، صورةً كاملة نسبيًا، لمحتوى الإنجيل. ومن الموارد المذكورة ما يلي:


'''''1. الهدى والنور والموعظة:'''''
لكن [[المفسرون]] والباحثون المذكورون يعتقدون أن الكلمة الأصلية كانت «بريكليتوس» (Periklytos) بمعنى «أحمد» أو «المحمود»، ثم حُرّفت لاحقًا.
«... وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ.» <ref>المائدة: 46؛ آل عمران: 3 ـ 4</ref> وقد فسر [[مفسرون|المفسرون]] معنى «[[هداية|الهدى]]»، بوجود تعاليم تتعلق بـ[[توحيد]] [[الله]] وتنزيهه عن اتخاذ زوجة أو ولد أو شريك أو ند،<ref>محمد بن جرير الطبري، المصدر نفسه، مج 3، ج 3، ص 226 / محمد عمر الفخر الرازي، المصدر نفسه، ج 12، ص 9 / محمد رشيد رضا، المصدر نفسه، ج 6، ص 401.</ref> والمعارف المتعلقة بالمعاد،<ref>محمد بن عمر الفخر الرازي، المصدر نفسه، ج 12، ص 9.</ref> وتصديق وتنزيه [[الأنبياء]]، وبشارة [[بعثة]] [[محمد بن عبد الله (خاتم الأنبياء)]] صلى الله عليه وآله،<ref> محمد بن جرير الطبري، المصدر نفسه، مج 3، ج 3، ص 226 / محمد بن عمر الفخر الرازي، المصدر نفسه، ج 12، ص 9.</ref> والأحكام الإلهية وأدلتها<ref>محمد بن جرير الطبري، المصدر نفسه، مج 4، ج 6، ص 358 / الفضل بن الحسن الطبرسي، المصدر نفسه، ج 3، ص 314.</ref> [[تفسير|فسّروا]]. والانتباه إلى وصف [[القرآن]] و[[محمد بن عبد الله (خاتم الأنبياء)]] صلى الله عليه وآله بأنهما مصدر «هدى»،<ref>«ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ.» البقرة: 2</ref> يمكن أن يكون مفيدًا جدًا في هذا المجال؛ كما أنه في [[تفسير]] اشتمال الإنجيل على [[نور]]، فُسّر بأنه إشارة إلى بيان الأحكام الشرعية،<ref>محمد بن عمر الفخر الرازي، المصدر نفسه، ج 12، ص 9.</ref> والأدلة، والأمثال، والفضائل والقيم الإرشادية نحو الحق<ref>محمد رشيد رضا، المصدر نفسه، ج 6، ص 401.</ref> وإزالة ظلمات الجهل والجهالة<ref>محمد بن جرير الطبري، المصدر نفسه، مج 4، ج 6، ص 358.</ref> من قبل الإنجيل، وقصدوا بوجود «الموعظة» فيه، الأوامر الإلهية القائمة على اجتناب المعاصي وأداء العبادات والنصائح والبلاغات البليغة.<ref>الفضل بن الحسن الطبرسي، المصدر نفسه، ج 3، ص 311 / محمد بن عمر الفخر الرازي، المصدر نفسه، ج 12، ص 9.</ref>


'''''2. البشارة ببعثة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله:'''''
وفي المقابل، يرى بعض الباحثين [[المسيحيين]] أن محاولات مطابقة الكلمة مع «أحمد» غير ناجحة، وأن الكلمة كانت مستخدمة قبل [[الإسلام]] بقرون بنفس المعنى.
بناءً على نص صريح لبعض [[آية|آيات]] [[القرآن]] وكذلك ظاهر بعضها الآخر، فإن خبر [[بعثة]] [[محمد بن عبد الله (خاتم الأنبياء)]] صلى الله عليه وآله واسمه وصفاته ورد في [[التوراة]] والإنجيل المُنزّل من قبل الله. وهذا الموضوع له بروز خاص среди التعاليم المذكورة لـ[[التوراة]] والإنجيل في [[القرآن]]: «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ....» <ref>الأعراف: 157</ref> ويبدو من ظاهر الآية، أن الأوصاف الثلاثة «رسول»، «نبي» و«أُمّي» (غير القارئ وغير الكاتب) جميعها ذكرت في [[التوراة]] والإنجيل لـ[[محمد بن عبد الله (خاتم الأنبياء)]] صلى الله عليه وآله<ref>محمد بن جرير الطبري، المصدر نفسه، مج 6، ج 9، ص 112 ـ 113 / إسماعيل بن كثير الدمشقي، المصدر نفسه، ج 2، ص 262؛ ج 3، ص 427 / السيد محمد حسين الطباطبائي، المصدر نفسه، ج 8، ص 280.</ref> ولو لم تكن الآية بصدد هذا البيان، لما كان لذكر الأوصاف الثلاثة معًا، المنحصر في هذه الآية، خاصةً ذكر الصفة الثالثة، فائدة ظاهرة.<ref>السيد محمد حسين الطباطبائي، المصدر نفسه، ج 8، ص 280.</ref> وفي آية أخرى وعلى لسان [[السيد المسيح]] عليه السلام، صُرح باسم [[محمد بن عبد الله (خاتم الأنبياء)]] صلى الله عليه وآله، الذي سيأتي من بعده: «وَ إِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ... وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ....» (الصف: 6) ورغم أن هذه الآية تدل على بشارة بعثة [[محمد بن عبد الله (خاتم الأنبياء)]] صلى الله عليه وآله واسمه من لسان [[السيد المسيح]] عليه السلام وليس على وروده في الإنجيل،<ref>المصدر نفسه، ج 19، ص 253.</ref> إلا أنه بما أن ذلك السيد لا ينطق في هذا المجال إلا بـ[[آية|آيات]] الإنجيل و[[وحي]] الله، فيمكن أن يكون مأخوذًا من الإنجيل. وقد صرفت هذه الآية انتباه عدد من المفسرين<ref>محمد بن الحسن الطوسي، المصدر نفسه، ج 4، ص 559 / الفضل بن الحسن الطبرسي، المصدر نفسه، ج 4، ص 749 / محمد بن عمر الفخر الرازي، المصدر نفسه، ج 29، ص 313 ـ 314.</ref> و107 باحثًا مسلمًا، الذين سعوا لإيجاد اسم «أحمد» في الأناجيل الحالية، إلى كلمة «فارقليط» (Paraclete) أو «باركليت». والكلمة المذكورة يونانية وتعني «التسلي» و«المُ Comfort»، وقد سماها [[المسيحيون]] «روح القدس».


غير أن [[مفسرون|المفسرين]] والباحثين المذكورين يرون أن هذه الكلمة في الأصل، اسم خاص وبصورة «بيريكليتوس» وتعني «أحمد» و«محمود» ثم تغيرت لاحقًا. وفي المقابل، يعتبر بعض الباحثين في [[المسيحية]] نفي دلالة [[آية|الآية]] على ذكر اسم «أحمد» في الإنجيل، أن الجهود المبذولة لتطبيقها على «[[فارقليط]]» غير ناجحة وغير ضرورية. ويدّعون إلى جانب بعض الحجج الدفاعية أن الكلمة المذكورة كانت مستخدمة قبل قرون من [[الإسلام]] أيضًا بنفس الصورة وبمعنى «المُسلّي» وكان مصداقها «[[روح القدس]]». ويعتبرون أجزاء أخرى من [[العهد الجديد]] مصداقًا لبشارة الإنجيل في قالب أوصاف عامة ـ وليس بالاسم ـ بشأن مجيء [[محمد بن عبد الله (خاتم الأنبياء)]] صلى الله عليه وآله.<ref>عبد الرحيم سليماني، «القرآن الكريم وبشارات الأنبياء»، فصلية هفت آسمان، ع 16 شتاء 1381 ش، ص 51 ـ 61.</ref>
وتشير [[آيات]] أخرى إلى أن اليهود والنصارى كانوا يعرفون [[محمد بن عبدالله (خاتم الأنبياء)]] صلى الله عليه وآله كما يعرفون أبناءهم، لكن بعضهم كتموا الحق: 


وقد كانت تقارير [[التوراة]] والإنجيل حول البعثة، واسم وصفات [[محمد بن عبد الله (خاتم الأنبياء)]] صلى الله عليه وآله دقيقة وواضحة بحيث لم تبقِ لليهود والنصارى أو على الأقل لعلمائهم، أي شك وتردد في معرفة ذلك السيد وحقانية دعوته ورسالته؛<ref>السيد محمد حسين الطباطبائي، المصدر نفسه، ج 7، ص 41.</ref> غير أن جماعة منهم كانوا يكتمونه لدوافع مختلفة: «الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ.» <ref>البقرة: 146</ref> ويبدو من هذه الآية وما شابهها، أن التقارير المذكورة كانت موجودة أيضًا في [[التوراة]] والإنجيل الموجودين في عصر النزول. وإلا فإن اليهود والنصارى كانوا باستنادهم إليها كأفضل دليل، يكذبون بشدة بـ[[القرآن]]، و[[محمد بن عبد الله (خاتم الأنبياء)]] صلى الله عليه وآله ودعوته،<ref>محمد بن عمر الفخر الرازي، المصدر نفسه، ج 17، ص 94 / السيد أبو القاسم الخوئي، البيان، ط 8، أنوار الهدى، 1401، ص 122 / السيد محمد حسين الطباطبائي، المصدر نفسه، ج 19، ص 253.</ref> في حين أن عددًا منهم، خاصة بعض علماء اليهود والنصارى، آمنوا به بناءً على البشارات المذكورة والمعرفة السابقة بـ[[محمد بن عبد الله (خاتم الأنبياء)]] صلى الله عليه وآله:111«الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ.» <ref>القصص: 52 ـ 53</ref> ومن ذلك بشارة مجيء «فارقليط» بعد [[السيد عيسى]] عليه السلام، التي ذُكرت على لسانه في إنجيل يوحنا<ref>يوحنا، 14:15 ـ 17 و 25 ـ 26؛ 15:26 ـ 27؛ 16: 5 ـ 15.</ref> والتي لفتت انتباه واستند إليها عدد من مفسري الشيعة <ref>الفضل بن الحسن الطبرسي، المصدر نفسه، ج 4، ص 749 / محمد تقي المصباح، المصدر نفسه، ج 1، ص 188ـ189 / محمد الصادقي، المصدر نفسه، ج 26ـ27، ص 306.</ref> والسنة <ref> محمد بن عمر الفخر الرازي، المصدر نفسه، ج 29، ص 313 / محمد رشيد رضا، المصدر نفسه، ج 9، ص 291 / السيد محمود الآلوسي، المصدر نفسه، مج 15، ج 28، ص 128.</ref>.当然,考虑到[[العهد الجديد]] العديد من التقارير غير الحقيقية، فإن ما ذكره [[القرآن]] في هذا الشأن، غير موجود فيه بالكامل، وما يوجد هو بعض العبارات العامة القابلة للتطبيق على [[محمد بن عبد الله (خاتم الأنبياء)]] صلى الله عليه وآله، في حين أن بيانات [[القرآن]] تدل على أنه قد أُخبر في [[التوراة]] والإنجيل بوضوح وصراحة، عن مجيء النبي صلى الله عليه وآله.<ref>محمد تقي المصباح، المصدر نفسه، ص 188.</ref>
«الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ.» <ref>البقرة: 146</ref>


وفي الآية 29 من [[سورة الفتح]] أيضًا ذُكر ذكر بعض أوصاف [[محمد بن عبد الله (خاتم الأنبياء)]] صلى الله عليه وآله وأتباعه الصادقين في [[التوراة]] والإنجيل. وبناءً على هذه الآية، ورد في الكتب المذكورة أن [[محمد بن عبد الله (خاتم الأنبياء)]] صلى الله عليه وآله وأتباعه شداء على الأعداء ورحماء فيما بينهم. كما أنهم شُبهوا بزرع ينمو يومًا بعد يوم ويزداد صلابة، مما يثير إعجاب المزارعين؛ بمعنى أن المسلمين في البداية قليلون؛ ولكن مع مرور الأيام، يزداد عددهم وقوتهم بحيث يغضب [[الكافرون]] ويخافون:<ref>محمد بن جرير الطبري، المصدر نفسه، مج 13، ج 25، ص 145 / محمد بن أحمد القرطبي، المصدر نفسه، ج 16، ص 292.</ref>«مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ....» <ref>الفتح: 29</ref> وإن كان جميع الأوصاف المذكورة وردت في كلا الكتابين [[التوراة]] والإنجيل أو جزء في [[التوراة]] وجزء آخر في الإنجيل، فهو محل خلاف بين [[مفسرون|المفسرين]].
===='''3. الجهاد:'''====
من التعاليم الأخرى التي ذكرها [[القرآن]] في [[التوراة]] والإنجيل، الجهاد في سبيل [[الله]] ووعد [[الجنة]] للمؤمنين الذين يُقاتلون في سبيله:


ويرى عدد من [[مفسرون|المفسرين]] [[شيعة|الشيعة]]<ref>محمد بن الحسن الطوسي، المصدر نفسه، ج 9، ص 337 / الفضل بن الحسن الطبرسي، المصدر نفسه، ج 9، ص 192.</ref> والسنة <ref>محمد بن جرير الطبري، المصدر نفسه، مج 13، ج 25، ص 145 ـ 146/ إسماعيل بن كثير الدمشقي، المصدر نفسه، ج 4، ص 219 / أبو جعفر النحاس، المصدر نفسه، ج 6، ص 515.</ref> اتباعًا للمفسرين الأوائل مثل قتادة، والضحاك، وابن جبير،<ref>محمد بن جرير الطبري، المصدر نفسه، مج 13، ج 25، ص 145 / عبد الرزاق الصنعاني، تفسير الصنعاني، بتحقيق محمود محمد عبده، بيروت، دار الكتب العلمية، 1419، ج 3، ص 228 / جمال الدين الجوزي، زاد المسير في علم التفسير، ط 4، بيروت، المكتب الإسلامي، 1407، ج 7، ص 449.</ref> أن الأوصاف التي وردت قبل كلمة «ذَلِكَ» ذكرت في [[التوراة]]، والتشبيه بالزرع والزرع ورد في الإنجيل. ويقول الطبري في إثبات هذا الرأي: لو كان «كَزَرْعٍ» معطوفًا على الأوصاف السابقة ومتعلقًا بـ[[التوراة]] أيضًا، لكان يجب أن يأتي مع «واو» العطف.<ref>محمد بن جرير الطبري، المصدر نفسه، مج 13، ج 25، ص 146.</ref> وفي المقابل، يعتبر الشوكاني جملة «كَزَرْعٍ» مستأنفة ويتبع المجاهد،认为: جميع الخصائص المذكورة من بداية الآية حتى نهايتها، وردت في كل من [[التوراة]] والإنجيل.<ref>محمد بن علي الشوكاني، فتح القدير، بيروت، دار المعرفة، ج 5، ص 56.</ref> ويعتقد أبو سليمان الدمشقي أيضًا أن التشبيه بالزرع والزرع ورد في [[التوراة]] والإنجيل.<ref>جمال الدين الجوزي، المصدر نفسه، ج 7، ص 448/ ج 3، ص 503.</ref>
«إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ...» <ref>التوبة: 111</ref>


'''''3. الجهاد:'''''
وقد نزلت هذه [[الآية]] في أهل «بيعة العقبة»،<ref>جمال الدين الجوزي، المرجع السابق، الجزء 7، ص 448 / الجزء 3، ص 503.</ref> ويرى [[المفسرون]] أنها تدل على أن الجهاد موجود في جميع الأديان السماوية.<ref>محمد بن عمر الفخر الرازي، المرجع السابق، الجزء 16، ص 201 / فضل بن الحسن الطبرسي، المرجع السابق، الجزء 5، ص 113-114 / سعيد بن هبة الله الراوندي، فقه القرآن، ج 1، ص 349.</ref>
ومن التعاليم الأخرى التي يتحدث [[القرآن]] عن ذكرها في [[التوراة]] والإنجيل، الحرب والجهاد في سبيل [[الله]] والوعد الحتمي بـ[[الجنة]] من قبله للمؤمنين الذين يقتلون أعداء [[الله]] في هذا الطريق أو يُقتلون: «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ....» <ref>التوبة: 111</ref> وقد نزلت هذه [[آية|الآية]] في شأن أصحاب «بيعة العقبة»<ref>جمال الدين الجوزي، المصدر نفسه، ج 7، ص 448/ ج 3، ص 503.</ref> ويعتقد [[مفسرون|المفسرون]] أنها تدل على وجود حكم الجهاد في جميع الأديان السماوية.<ref>محمد بن عمر الفخر الرازي، المصدر نفسه، ج 16، ص 201 / الفضل بن الحسن الطبرسي، المصدر نفسه، ج 5، ص 113 ـ 114 / سعيد بن هبة الله الراوندي، فقه القرآن، بتحقيق سيد أحمد حسيني، ط 2، قم، مكتبة آية الله المرعشي النجفي، 1405، ج 1، ص 349.</ref> وبالإضافة إلى التعاليم المذكورة، التي يذكر [[القرآن]] صراحة ذكرها في الإنجيل، فإن التعاليم المذكورة لـ[[السيد المسيح]] عليه السلام لأتباعه في [[القرآن]] يمكن أن تكون أيضًا من تعاليم الإنجيل المُنزّل عليه. ومن ذلك التوصية بـ[[تقوى]]، والتوحيد، واتباعه، وكذلك تصديق [[التوراة]] ونفي الشرك. <ref>آل عمران: 50 ـ 51؛ المائدة: 72؛ التوبة: 31</ref>


== هوامش ==
== الهوامش ==
{{مراجع}}
{{الهوامش}}


[[تصنيف:كتب]]
[[تصنيف:كتب سماوية]]
[[تصنيف:الكتب]]
[[تصنيف:مسيحية]]

المراجعة الحالية بتاريخ ٠١:٠٤، ٢٩ أبريل ٢٠٢٦

الإنجيل بِحَسَبِ الرأي الإسلامي، كتاب سماوي أنزله الله على عيسى المسيح عليه السلام ليبلغه إلى الناس، وكان يشمل على الهدى والذكر وأحكام الله؛ لكن المسيحيين ينكرون هذا المفهوم للإنجيل جملة وتفصيلا. فهم لا يقولون إن عيسى جاء بكتاب بهذا الاسم. ففكرة أن عيسى جاء ب وحي كما جاء سيدنا موسى بالتوراة و سيدنا محمد عليهما السلام بالقرآن، لا مكان لها في العقيدة المسيحية.

الأناجيل الأربعة كُتبت بأيدي تلاميذ سيدنا عيسى عليه السلام وتم اختيارها ونشرها من بين أناجيل أخرى كثيرة. المسيحيون يرون أن حقيقة الإنجيل هي البشارة بالخلاص الذي تحقق بتجسد الله في عيسى، وصلبه، ثم قيامته من بين الأموات. لذا يمكن القول إن هناك قراءتين مختلفتين تماما لمفهوم الإنجيل بين المسلمين والمسيحيين.

في اللغة الإنجليزية المعاصرة، تستخدم كلمة "Gospel" كمرادف لكلمة "الإنجيل"[١]، وأصلها في الإنجليزية القديمة "God-Spell"[٢]، وهي مركبة من كلمتي "God" (الله) و"Spell" (الكلام)، وتعني مجتمعة "الكلام الإلهي"[٣]، أو "إملاء الله"[٤]، أو "البشرى السارة"[٥]. هذه الكلمة نفسها ترجمة للكلمة اليونانية "Evangelion" (إيفانجيليون)، والتي تنطق في اللاتينية "Evangelium" (إيفانجيليوم). وقد دخلت هذه الكلمة إلى اللغات الفرنسية والألمانية والإيطالية وغيرها من اللغات الحديثة[٦].

مع الأخذ في الاعتبار أن النصوص المسيحية الأولى كانت مكتوبة باليونانية، يمكن القول إن كلمة "الإنجيل" مشتقة في النهاية من الكلمة اليونانية "إيفانجيليون"، لكن طريق انتقالها إلى اللغة العربية - سواء مباشرة أو عبر وسيط - محل خلاف.

يذهب نولدكه (Noldke) إلى أنها دخلت العربية عبر اللهجة الحبشية "وانجل" (Wangel)[٧]، بينما يرى آخرون أنها ربما دخلت مباشرة من اليونانية أو من إحدى اللغات السريانية أو العبرية أو السبئية[٨].

في المقابل، حاول بعض مفسري المسلمين إضفاء الطابع العربي على هذه الكلمة، فاعتبروها من وزن "أفعيل" من الجذر "ن ج ل"، وذكروا لها معاني مختلفة[٩]. لكن هذا الرأي لم يلق قبولا لدى علماء اللغة العربية[١٠]، حيث يؤكدون على أنها كلمة دخيلة من العبرية أو اليونانية أو السريانية[١١].

كما أن معظم مفسري المسلمين اعتبروا كلمة "الإنجيل" دخيلة[١٢]، بل إن بعضهم مثل الزمخشري والبيضاوي استهجنوا اعتبارها عربية[١٣].

الإنجيل في الأدب الديني المسيحي

يعتقد المسيحيون بشأن حقيقة الإنجيل وماهيته ما يختلف تمامًا عن مفهومه في الأدب الإسلامي. فالإنجيل كصورة مكتوبة للوحي المنزل على عيسى عليه السلام، وككتاب سماوي على غرار التوراة والقرآن، ليس له مكان في اللاهوت المسيحي. المسيحيون يعتبرون السيد المسيح نفسه "تجسيدًا للوحي" وذات الرسالة الإلهية لا مجرد حامل لها، ولا يؤمنون بوجود إنجيل كتبه عيسى المسيح أو أملى على تلاميذه.[١٤]

إنهم يعتبرون "الإنجيل" بمعنى "البشارة" المتعلقة بعيسى عليه السلام وخلاص البشرية الذي تحقق من خلاله.[١٥] وأكثر استخدام لهذا المعنى ورد في أقوال بولس.[١٦]

كما ركز بعضهم في تفسير معنى "الإنجيل" على مفهوم "الفداء"،[١٧] حيث يصبح الإنجيل يعني أن المسيح عليه السلام قد تحمل الآلام والموت والقيامة ليكفر عن خطايا البشر. أما ما يعرف الآن بـ"الأناجيل الأربعة"، فهي الكتب الأربعة الأولى من العهد الجديد، وهي تسمية أطلقت منذ نهاية القرن الثاني الميلادي على كتابات تسجل حياة السيد المسيح عليه السلام ومعجزاته وتعليمه وسيرته وأقواله وصعوده.[١٨] وذلك لأن هذه الكتابات تضم أفضل البشارات التي يمكن أن تقدم للإنسان.[١٩]

ولعل تخصيص اسم "الإنجيل" لهذه الكتب الأربعة يعود إلى أنها تناولت حياة عيسى عليه السلام وأقواله وسلوكه أكثر من أي جزء آخر في العهد الجديد. مع ذلك، يمكن تسمية الأجزاء الأخرى التي تحتوي على تعاليم من المسيح عليه السلام بـ"الإنجيل"، كما أن بولس كان يطلق مرارًا على كتاباته اسم "الإنجيل"، ويطلق أحيانًا على مجمل العهد الجديد اسم الإنجيل.[٢٠]

وبالتالي فإن "الإنجيل" هو الرسالة التي تتخلل كل هذه الكتابات إلى حد ما، ولا ينبغي الخلط بين المعنى الاصطلاحي له وهذه النصوص المكتوبة. ومن الجدير بالذكر أن الأناجيل نفسها وغيرها من كتب العهد الجديد تذكر "الإنجيل" بصيغة المفرد فقط مرارًا، دون أن تقصد بذلك الأناجيل الأربعة أو ما شابهها.[٢١] كما أن الكنيسة القديمة أكدت على وحدة الإنجيل.[٢٢]

ومن النقاط الجديرة بالملاحظة أيضًا أن المسيحيين لا يعتبرون كتّاب هذه الأناجيل وغيرها من كتب العهد الجديد أنبياء، لكنهم يعتقدون أن جميعهم كتبوا هذه النصوص بتأثير من الإلهام والتوجيه الإلهي،[٢٣] وهذا ما أكده كتّاب العهد الجديد أنفسهم.[٢٤] لكنهم لا يقدمون سببًا مقنعًا لاختيار 27 رسالة فقط من بين عدد هائل من الأناجيل والرسائل والرؤى وكتب أعمال الرسل الموجودة في العهد الجديد على أنها من وحي الله. ويرى بعضهم أن هذا الاختيار تم بتوجيه من الروح القدس.[٢٥]

وفقًا للمفهوم المسيحي لـ"الإنجيل"، فإن المسيحيين المطلعين على رؤية القرآن بشأن السيد المسيح عليه السلام والإنجيل لا يتقبلون وصف الإنجيل ككتاب سماوي نزل على السيد المسيح عليه السلام وقام بتبليغ تعاليمه للناس في عصره. وإذا كان المقصود بالقرآن هو الأناجيل الأربعة نفسها، فإنهم يعترضون على عدم استخدام صيغة الجمع "أناجيل". وهم يعتبرون تقارير القرآن عن المسيحية والإنجيل سطحية، وربما مأخوذة من مسيحيي المدينة الذين كانوا على معرفة ببعض المصادر غير الرسمية لالمسيحية. وبناءً على ذلك، يعتقدون أن روايات القرآن مثل نزول "رطب طازج" معجزة لمريم بعد ولادة السيد المسيح عليه السلام،[٢٦] وكلام المسيح عليه السلام في المهد،[٢٧] وإحياء الطيور الطينية بيده وبقوة الله،[٢٨] غير موجودة في الكتب الدينية المسيحية المعتمدة، وإنما توجد أحيانًا في أناجيل غير معتمدة.[٢٩] ويمكن الرد على هذا التحدي بالنظر إلى كون القرآن وحيًا من جهة، وإلى أن الأناجيل كتبت بأيدي بشر وتعددت نسخها وما يحيط بها من شكوك تاريخية ومحتوية من جهة أخرى.

تاريخ الإنجيل

العقدين أو الثلاثة الأولى من تاريخ المسيحية ووجود كتاب يُدعى الإنجيل منسوب إلى السيد المسيح عليه السلام يكتنفها الغموض من وجهة نظر المصادر التاريخية المستقلة عن النصوص المسيحية والإسلامية، لدرجة أن بعضهم شكك حتى في وجود السيد عيسى عليه السلام نفسه.[٣٠]

في حين أن غياب السجلات التاريخية لا يمكن أن يكون دليلاً على عدم وجود الإنجيل خارجيًا وتاريخيًا، وقد تكون التفاصيل المتعلقة بظهور السيد عيسى عليه السلام والوحي المنزل عليه لم تُسجل أو ضاعت لأسباب غير معروفة. ومع ذلك، فقد ورد ذكر إنجيل المسيح عليه السلام في بعض الأناجيل الأربعة.[٣١]

في السنوات الثلاثين إلى الأربعين الأولى بعد الميلاد، كانت تعاليم المسيحية تنتقل شفهيًا في الغالب، وأحيانًا عبر المراسلات. كان الحواريون يقدمون تعاليم السيد المسيح عليه السلام في مواعظهم مصحوبة بأحداث من حياته. لكن قصور الرسائل والروايات الشفهية وعدم كفايتها هيأت الأرضية لتدوين الأناجيل.[٣٢]

وبالتالي فإن تاريخ كتابة العهد الجديد وما يُعرف اليوم بـ"الكتاب المقدس للمسيحيين" يعود في الغالب إلى النصف الثاني من القرن الأول الميلادي، أي بعد عشرين إلى ثلاثين عامًا من صعود السيد المسيح عليه السلام،[٣٣] حيث قام بكتابتها رسله وتلاميذه. وتنقسم هذه الكتابات إلى أربع فئات: "رسائل الرسل"، "أعمال الرسل"، "الأناجيل الأربعة"، و"الرؤى".

"رسائل الرسل" هي تعاليم وكتابات رسل مثل بولس، يوحنا، يعقوب، برنابا، يهوذا، وبطرس، التي كُتبت لنشر رسالة السيد المسيح عليه السلام. قبلت بعضها في العهد الجديد بينما رفضت أخرى من قبل الكنيسة في القرون الأولى لالمسيحية. أقدم أجزاء العهد الجديد هي رسائل بولس.[٣٤]

"أعمال الرسل" هي سجل لأنشطة التبشير التي قام بها الحواريون والرسل، دونتها شخصيات مثل لوقا. أما تاريخ حياة السيد المسيح عليه السلام ومعجزاته وتعاليمه وسيرته وأقواله، فهو جزء آخر من العهد الجديد كتبه بعض الرسل وتلاميذهم بناءً على مشاهدات عينية أو سماع من شهود عيان. عُرفت هذه الكتابات في النصف الأول من القرن الثاني بـ"مذكرات الرسل"، ثم أطلق عليها اسم "الأناجيل" في أواخر القرن الثاني.[٣٥]

يعترف المسيحيون بوجود حوالي خمسين إنجيلاً من هذا النوع، لكن المعلومات المتوفرة لديهم لا تشمل سوى عشرين منها، بما في ذلك إنجيل العبرانيين، إنجيل بطرس، إنجيل المصريين، إنجيل فيليب، إنجيل توما، إنجيل يعقوب، إنجيل نيقوديموس، إنجيل الرسل الاثني عشر، إنجيل يهوذا، وإنجيل مرقيون.[٣٦]

هناك أيضًا أناجيل أخرى مثل إنجيل الطفولة بالعربية الذي يسجل معجزات السيد المسيح عليه السلام في طفولته.[٣٧]

في أواخر القرن الثاني الميلادي، اختار قادة الكنيسة من بين هذا الكم الهائل والمتنوع من الكتابات التي تنتمي إلى الفئات الأربع المذكورة، عددًا منها لموافقتها تعاليم الكنيسة واعتبروها كتبًا قانونية ومعتمدة[٣٨]، وجمعوها في "العهد الجديد" إلى جانب "العهد القديم" ليشكلا الجزء الثاني من الكتاب المقدس للمسيحيين.[٣٩]

في عام 382م، وضع مجمع من الأساقفة قائمة نهائية تحتوي على 27 كتابًا ورسالة، أعاد مجمع ترنت (Trent) التأكيد عليها بين عامي 1545-1547م.[٤٠]

يبدأ العهد الجديد بالأناجيل الأربعة المنسوبة إلى متى، مرقس، لوقا، ويوحنا. تليها "أعمال الرسل"، ثم ثلاث عشرة أو أربع عشرة رسالة منسوبة إلى بولس، ورسالة واحدة منسوبة إلى يعقوب، ورسالتان منسوبتان إلى بطرس، وثلاث رسائل منسوبة إلى يوحنا، ورسالة واحدة منسوبة إلى يهوذا. ويختتم العهد الجديد بكتاب "رؤيا يوحنا".

يمكن تقسيم العهد الجديد من حيث المحتوى إلى ثلاثة أقسام رئيسية: تاريخي، عقائدي، ونبوي.

تشكل الأناجيل الأربعة مع "أعمال الرسل" القسم التاريخي من العهد الجديد، حيث تسجل تاريخ حياة السيد المسيح عليه السلام وأنشطة الحواريين حتى حوالي عام 63م.[٤١]

أما القسم العقائدي من العهد الجديد فيتكون من 21 رسالة، معظمها مخصص لتوضيح العقائد والدفاع عنها ورفض العقائد الأخرى. بينما يتناول القسم النبوي أحداث نهاية الزمان والعودة الثانية لالسيد المسيح عليه السلام، وهو مذكور في شكل رؤى ومكاشفات في كتاب "رؤيا يوحنا".

يتميز العهد الجديد بتناقض في التعاليم العقائدية والعملية؛ فجزء منه يمثل استمرارًا لالعهد القديم ويؤكد على بشرية السيد المسيح عليه السلام وكونه رسول الله وضرورة الالتزام بشريعة سيدنا موسى عليه السلام، بينما يركز الجزء الآخر على ألوهيته وينفي الشريعة الموسوية. يعكس هذا التناقض الصراع الفكري والعقائدي بين بطرس وبولس.[٤٢]

أما الكتابات الأخرى التي لم تقبلها الكنيسة، فتُعرف بـ"أبوكريفا" أي الكتابات المشكوك فيها وغير المعتمدة، وقد فقد الكثير منها بينما بقي بعضها.[٤٣]

ومنها إنجيل برنابا، المنسوب إلى يوسف برنابا صديق بولس ومرقس، الذي حظرت الكنيسة قراءته منذ القرن الرابع الميلادي. وصفه البعض بالحلقة المفقودة بين الإسلام والمسيحية. فعلى الرغم من وجود بعض التعاليم في إنجيل برنابا تتعارض مع الإسلام والمسيحية الرسمية، إلا أنه يحتوي على مبادئ أساسية صحيحة ويتوافق مع القرآن في نقاط مهمة وجديرة بالملاحظة. ومنها ذكره الصريح لاسم محمد بن عبد الله (خاتم الأنبياء) صلى الله عليه وآله وصفاته وبشارة بعثته، ونفي ألوهية وبنوة السيد المسيح عليه السلام، والتأكيد على أن سيدنا إسماعيل عليه السلام هو الذبيح وليس إسحاق عليه السلام، ونفي صلب السيد المسيح عليه السلام وقتل يهوذا الإسخريوطي بدلاً منه.

1. إنجيل مرقس:

لم يكن مرقس من صحابة سيدنا عيسى عليه السلام، بل كان صديقًا ورفيقًا وتلميذًا لبطرس الحواري، وكان يرافق بولس أحيانًا، وقد استقى رواياته من بطرس.[٤٤] يعتبر إنجيله الأكثر اختصارًا، وكُتب باللغة الرومانية[٤٥]، ووفقًا لرأي معظم الباحثين، فقد كُتب بين عامي 65-70 ميلادية في مدينة روما.[٤٦]

2. إنجيل متى:

هو أطول الأناجيل، وينسب إلى متى الحواري. قبل بداية النقد في العصر الحديث، كان يُعتقد أنه أقدم إنجيل وكُتب بين عامي 50-60 ميلادية، وأحيانًا يُقال عام 38 ميلادية.[٤٧] لكن الباحثين، بناءً على بعض التقارير الواردة فيه وتكرار جميع محتويات إنجيل مرقس فيه، يعتقدون أنه كُتب بين عامي 65-70 ميلادية، أي بعد إنجيل مرقس.[٤٨] النسخة الأصلية كانت باللغة العبرية وهي مفقودة الآن، ثم تُرجمت إلى لغات أخرى بما فيها اليونانية.[٤٩] يشكك الباحثون في نسبته إلى متى الحواري،[٥٠] ويرجحون أنه كُتب بواسطة شخص آخر له نفس الاسم،[٥١] ويعتقد معظمهم أنه كُتب في أنطاكية.[٥٢]

3. إنجيل لوقا:

لم يكن لوقا من الحواريين، ولم يلتقِ المسيح عليه السلام، وتعلم المسيحية من بولس. معظم محتويات إنجيله مأخوذة من إنجيل مرقس وإنجيل متى.[٥٣] تُعرف هذه الأناجيل الثلاثة بـ"الأناجيل المتوافقة" بسبب تشابهها الكبير.[٥٤] وفقًا للرأي التقليدي، يُنسب هذا الإنجيل إلى لوقا رفيق بولس، وروايته مأخوذة منه. ويعتقد أنه كُتب بين عامي 70-90 ميلادية، وعلى الأرجح بين 80-85 ميلادية.[٥٥] يحتوي على بعض القصص مثل أحداث طفولة سيدنا عيسى عليه السلام التي لم ترد في الأناجيل الأخرى.[٥٦]

4. إنجيل يوحنا:

هو آخر الأناجيل،[٥٧] ويختلف الباحثون حول تاريخ كتابته أكثر من الأناجيل الثلاثة الأخرى. يعتقد البعض أنه كُتب عام 65 ميلادية، لكن الرأي الأقوى، والذي تميل إليه التقاليد المسيحية، أنه كُتب بين عامي 90-115 ميلادية.[٥٨] كان يوحنا من الحواريين المقربين لسيدنا المسيح عليه السلام. لكن هناك شكوكًا حول صحة نسبته إليه. يختلف إنجيل يوحنا تمامًا عن الأناجيل الثلاثة الأخرى، وهو مزيج من حياة سيدنا المسيح عليه السلام والمفاهيم الفلسفية اليونانية.[٥٩]

الإنجيل في شبه الجزيرة العربية

يُقال إنه حتى عام 400 ميلادية، كان الإنجيل الرسمي في مناطق الشرق الأوسط، خاصة سوريا، إنجيلًا واحدًا نتج عن دمج الأناجيل الأربعة.[٦٠] وكان هذا الإنجيل يُسمى "دياطسرون" (Diatessaron). لذلك، من المحتمل أن هذا الإنجيل كان متداولًا بين نصارى شبه الجزيرة العربية وقت نزول القرآن.[٦١] الآن، النسخة الأصلية الكاملة لهذا الإنجيل، التي كانت بالسريانية، مفقودة، ولم يبقَ سوى ترجمات أجزاء منه بلغات مختلفة.[٦٢]

هناك إنجيل آخر كان متداولًا على الأرجح في ذلك الوقت، وهو إنجيل الطفولة باللغة العربية (Arabic Infancy Gospel)، الذي يروي قصصًا عن حياة سيدنا عيسى عليه السلام في طفولته، تشبه القصص الواردة في القرآن الكريم حول هذا الموضوع.

الإنجيل في القرآن

ذكرت كلمة "الإنجيل" 12 مرة في 12 آية من 6 سور قرآنية، دائمًا بصيغة المفرد.[٦٣] كما ورد ذكره في مواضع أخرى بعبارات مثل "ما بين يديه"[٦٤] و"الذي بين يديه"[٦٥]، كواحد من الكتب السماوية السابقة للقرآن. بالإضافة إلى ذلك، يُعتبر "الإنجيل" من المصاديق الواضحة لكلمة "الكتاب" في تركيبات مثل "أهل الكتاب"[٦٦] و"الذين أوتوا الكتاب"[٦٧].

يذكر القرآن الإنجيل في مناسبات مختلفة، مؤكدًا على أنه وحي منزل على سيدنا عيسى عليه السلام[٦٨]، وشاهد على صحة التوراة[٦٩]، ومصدق من القرآن[٧٠]، ومبشرًا ببعثة محمد بن عبدالله (خاتم الأنبياء) صلى الله عليه وآله وانتشار دعوته[٧١]، وكذلك محذرًا من تحريفه وإخفاء بعض تعاليمه[٧٢].

1. الإنجيل؛ الكتاب السماوي للمسيح عليه السلام

يرى القرآن أن بعثة عيسى المسيح عليه السلام هي استمرار لإرسال الرسل وإنزال الكتب، ويسمي كتابه السماوي صراحةً "الإنجيل"، مؤكدًا على أنه وحي من الله.[٧٣] كما في الآية: "لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ... ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ..."[٧٤] وكذلك[٧٥]، كما تشير كلمة "الكتاب" في آية 30 من سورة مريم إلى "الإنجيل".[٧٦]

على الرغم من وجود العديد من الأناجيل، بما فيها الأناجيل الأربعة الرسمية في زمن نزول القرآن وقبله، يؤكد القرآن باستخدام صيغة المفرد في جميع الآيات المتعلقة به على أن الإنجيل المنزل على سيدنا المسيح عليه السلام واحد. وبالتالي، يمكن القول إن القرآن بتأكيده على المصدر الوحياني ووحدة الإنجيل المنزل على سيدنا عيسى عليه السلام، ينفي بشريته[٧٧] وتعدده.[٧٨] نتيجة لذلك، فإن الأناجيل الحالية وأجزاء أخرى من العهد الجديد، التي كتبها بشر، لا يمكن أن تكون نفس الإنجيل المنزل على المسيح عليه السلام،[٧٩] بل هي روايات مختلفة عنه، وعلى الأرجح أن النسخة الأصلية للإنجيل ضاعت لأسباب مختلفة.[٨٠]

من هذه الأسباب الظروف الصعبة التي عاشها المجتمع المسيحي المبكر والاضطهادات العنيفة التي تعرض لها من قبل اليهود والرومان.[٨١] كما أن ذكر الإنجيل إلى جانب التوراة والقرآن كـ"كتاب" يثبت وجوده الواقعي كمجموعة من التعاليم السماوية. وقد ورد ذكر الإنجيل مع التوراة ثماني مرات،[٨٢] ومرتين مع التوراة والقرآن: "نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ... وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ..."[٨٣]

من المهم ملاحظة أن القرآن يؤكد فقط على نزول مجموعة من الآيات الوحيية المسماة "الإنجيل"، ولا يذكر شيئًا عن كتابتها أو إملائها خلال حياة سيدنا المسيح عليه السلام. لذلك، ولتوفير أرضية مشتركة بين المفهومين المسيحي والإسلامي للإنجيل، يمكن اعتبار الإنجيل المذكور في القرآن إشارة إلى الآيات المنزلة على سيدنا عيسى عليه السلام، والتي سجلت الأناجيل الأربعة أجزاءً منها - بغض النظر عن صحتها - مع الأخذ في الاعتبار أنه وفقًا للرؤية المسيحية المختلفة حول سيدنا عيسى عليه السلام، فإن كل أقواله وأفعاله وأحداث حياته تدخل ضمن المفهوم المسيحي للإنجيل.

بعض مفسري الشيعة[٨٤] والسنة،[٨٥] يرون أن استخدام كلمة "إنزال" بدلاً من "تنزيل" فيما يخص التوراة والإنجيل يدل على نزولهما دفعة واحدة؛ لكن بعض الباحثين المعاصرين لا يتفقون مع هذا الرأي.[٨٦] بينما يعتقد آخرون، استنادًا إلى الآيات 45 و48 من سورة آل عمران، أن اسم "الإنجيل" مذكور في كلام الأنبياء والكتب السماوية السابقة، مثل وعد بعثة سيدنا المسيح عليه السلام: "إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ... وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ". هذه الآية تظهر أن السيدة مريم عليها السلام كانت تعرف اسم "الإنجيل"، وإلا لكان ذكر تعليم الله له قبل ولادته ونزول الإنجيل غير منطقي.[٨٧]

2. شهادة الإنجيل على صحة التوراة

يصف القرآن الكريم سيدنا عيسى عليه السلام والإنجيل بأنهما مصدقان لالتوراة: "وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ..." [٨٨]. تكرار كلمة "تصديق" وإسنادها بشكل منفصل إلى سيدنا المسيح عليه السلام والإنجيل، يدل على أن الشهادة على صحة التوراة ونزولها من عند الله قد وردت ليس فقط في أقوال سيدنا المسيح عليه السلام، بل أيضًا في آيات الإنجيل. ومن الواضح أن المقصود هنا هو التوراة الأصلية المنزلة على موسى عليه السلام والتي علّمها الله لسيدنا عيسى عليه السلام خالية من التحريفات. [٨٩] وبالتالي، فإن هذا التصديق لا يعني بأي حال الموافقة الكاملة على التوراة الموجودة في عصر سيدنا عيسى عليه السلام أو أنها خالية من التحريف.[٩٠]

ويرى بعض المفسرين[٩١] استنادًا إلى هذه الآية وما يشابهها، أن الإنجيل المنزل على سيدنا المسيح عليه السلام قد أكمل وأتم أحكام التوراة، وأن شريعة عيسى عليه السلام - باستثناء بعض الأحكام - لم تنسخ شريعة موسى عليه السلام. وهذا ما أكده سيدنا عيسى عليه السلام في إنجيل متى.[٩٢]. كما أن تأكيد القرآن على أن الله قد علّم التوراة لسيدنا عيسى عليه السلام ووصف ذلك بنعمة عليه[٩٣] [٩٤] يمكن أن يكون مؤيدًا لهذا الرأي.

وتوضيحًا أكثر، فإن بعض الآيات تبين أن حكم لحم وأجزاء معينة من بعض الحيوانات التي حُرّمت على بني إسرائيل وفقًا لالتوراة،[٩٥] قد نُسخت بواسطة الإنجيل: "وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ" [٩٦]. ويبين القرآن أن سبب هذه التحريمات - رغم حِلّها في الأصل - هو ظلم بني إسرائيل ومخالفتهم للحق، وأنها كانت عقابًا لهم. [٩٧]

3. تصديق القرآن للإنجيل

يؤكد الله في العديد من الآيات في القرآن الكريم أنه مصدق للكتب السماوية السابقة بما فيها الإنجيل: "وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ..." [٩٨]. ولكن اختلف المفسرون في معنى هذا التصديق والتأييد؛[٩٩]

فالرأي الأول يرى أنه يعني شهادة القرآن على نزولها من عند الله، مع توضيح أن هذا لا يعني بالضرورة تصديق كل محتويات الكتب التي تسمى اليوم التوراة والإنجيل. أما الرأي الثاني فيرى أن التصديق يعني تأييد كل أو بعض محتوى الكتب السماوية السابقة. بينما يرى الرأي الثالث أن الكتب السماوية السابقة قد بشرت بنزول القرآن من عند الله، وأن نزول القرآن نفسه - وليس شهادته القولية - هو الدليل على صحة هذا الخبر الغيبي وعلى أن الكتب السابقة من عند الله.[١٠٠]

ويبدو أن التدقيق في الآيات ذات الصلة واختلاف العبارات يمكن أن يحل هذا الإشكال ويوحد الآراء؛ حيث يمكن تقسيم الآيات المصادقة إلى نوعين:

الأول: الآيات التي تستخدم عبارات مثل "الذي بين يديه" و"ما بين يديه"، والتي تشير صراحة إلى تصديق الكتب قبل القرآن، ولا يمكن أن تعني إلا تأييد كتب مثل التوراة والإنجيل المنزلة: "وَمَا كَانَ هَـٰذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ..." [١٠١]. "التصديق" في هذه الآيات يعني بلا شك شهادة القرآن على نزول التوراة والإنجيل الحقيقيين من عند الله وتأييد جميع تعاليمهما.[١٠٢]. ومن الواضح أن "التصديق" بهذا المعنى يشمل أيضًا البشارات في التوراة والإنجيل عن بعثة محمد بن عبد الله (خاتم الأنبياء) صلى الله عليه وآله ونزول القرآن.

ومن الجدير بالذكر أن القرآن يؤكد - كشرح تكميلي لتصديق الكتب السماوية السابقة - على أنه "مهيمن" عليها، لمنع أي توهم بأن هذا التصديق يعني القبول دون أي تدخل أو تعديل. وقد فُسرت "الهيمنة" بمعان متقاربة.[١٠٣]. وخلاصة هذه المعاني أن القرآن مسيطر على الكتب السابقة، وهو أعلى منها وأشمل، وبناءً عليه يمكنه إجراء أي تعديلات عليها. وعلى هذا الأساس، فقد حفظ وأكد التعاليم الأساسية فيها، وأشار إلى ما حُرِّف منها وأصلحه، ونسخ التعاليم المرتبطة بظروف خاصة من زمان أو مكان أو مخاطبين.[١٠٤].

أما النوع الثاني من الآيات، فيستخدم عبارات مثل "لما معكم" و"لما معهم" التي تشير إلى أهل الكتاب (اليهود والنصارى): "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا..." [١٠٥]. ورغم أن الظاهر أن هذه العبارات تشير إلى التوراة والأناجيل الموجودة في عصر النزول والتي كانت بحوزة أهل الكتاب، إلا أنها قطعًا لا تعني تصديق كل محتواها، بل - كما تشير بعض الآيات الأخرى -[١٠٦] تأييد الجزء غير المحرَّف من تعاليمها. وذلك لأن الأناجيل المذكورة تحتوي على تعاليم متناقضة وشركية، وتنسب إلى سيدنا عيسى عليه السلام أقوالاً وأفعالاً وأحداثاً لا تتفق مع العقل والتعاليم التوحيدية. كصلب وقتل سيدنا المسيح عليه السلام، واعتقاد ألوهيته وبنوته لله، وعقيدة "التثليث". [١٠٧]

ويمكن استنباط تأييد ضمني وإجمالي للأناجيل في عصر النزول من بعض الآيات الأخرى. ففي الآية 66 من سورة المائدة، التي تحث أهل الكتاب على العمل بتعاليم التوراة والإنجيل، يعدهم الله بالبركات من السماء والأرض: "وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ...". وقد فسر المفسرون "إقامة التوراة والإنجيل" بأنها الإيمان والعمل بتعاليمهما حول المبدأ والمعاد،[١٠٨] والأحكام والحدود الإلهية،[١٠٩] وكذلك الاعتراف بوجود البشارة عن محمد بن عبد الله (خاتم الأنبياء) صلى الله عليه وآله،[١١٠] دون أي تحريف أو كتمان.[١١١]. وبالتالي، فإن الأناجيل الموجودة في عصر النزول احتوت على بعض تعاليم الإنجيل المنزل. وإلا فإن الدعوة إلى إقامتها - مع عدم وجود الإنجيل الحقيقي - لن يكون لها مبرر منطقي. ويمكن فهم هذا التأييد الضمني والإجمالي أيضًا من الآية 68 من سورة المائدة: "قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ...".

وفي سبب النزول لهذه الآية، يُذكر أن مجموعة من اليهود، بعد إجابة محمد بن عبد الله (خاتم الأنبياء) صلى الله عليه وآله على سؤالهم حول تصديقه لالتوراة، قالوا: نحن أيضًا نقبل التوراة؛ لكننا لا نؤمن بغيرها. فرد الله بهذه الآية بأن دينهم وطريقتهم بلا قيمة ولا أساس بدون الإيمان والعمل بالتوراة والإنجيل. كما أن الإيمان والعمل بهما يتطلبان الإيمان بمحمد بن عبد الله (خاتم الأنبياء) صلى الله عليه وآله والقرآن. وفي مكان آخر، يدعو القرآن الكريم أتباع الإنجيل إلى الحكم بما أنزل الله فيه: "وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ..." [١١٢]. وهذه الآية أيضًا تدل على تأييد ضمني وإجمالي للأناجيل في عصر النزول.

4. تعاليم الإنجيل

يقدم القرآن الكريم أحيانًا وصفًا عامًا، وأحيانًا أخرى يذكر أحكامًا وتعليمات محددة، ليقدم صورة شبه كاملة عن محتوى الإنجيل. ومن هذه التعاليم:

1. الهدى والنور والموعظة:

«...وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ.» [١١٣]

فسّر المفسرون معنى «الهدى» بأنه يشمل تعاليم التوحيد وتنزيه الله عن الزوجة والولد والشريك والنظير،[١١٤] والمعارف المتعلقة بالمعاد،[١١٥] وتصديق الأنبياء، وبشارة بعثة محمد بن عبد الله (خاتم الأنبياء) صلى الله عليه وآله،[١١٦] والأحكام الإلهية وأدلتها.[١١٧]

ويمكن الاستدلال على ذلك بوصف القرآن ومحمد بن عبد الله (خاتم الأنبياء) صلى الله عليه وآله بأنهما مصدر الهدى،[١١٨] كما فسّر المفسرون اشتمال الإنجيل على النور بأنه يشمل بيان الأحكام الشرعية،[١١٩] والأدلة والأمثال والفضائل التي تهدي إلى الحق،[١٢٠] وإزالة ظلمات الجهل.[١٢١]

أما المراد بـ«الموعظة» في الإنجيل، فهو الأوامر الإلهية بالابتعاد عن المعاصي والإكثار من العبادات، بالإضافة إلى النصائح البليغة المؤثرة.[١٢٢]

2. بشارة بعثة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله:

بحسب صريح بعض آيات القرآن، فإن خبر بعثة محمد بن عبد الله (خاتم الأنبياء) صلى الله عليه وآله وصفاته مذكور في التوراة والإنجيل المنزل من عند الله. وهذا الموضوع يتميز بأهمية خاصة بين تعاليم التوراة والإنجيل المذكورة في القرآن:

«الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ...» [١٢٣]

يظهر من الآية أن الأوصاف الثلاثة «الرسول»، «النبي»، و«الأمي» (الذي لم يتعلم القراءة والكتابة) مذكورة كلها في التوراة والإنجيل لـمحمد بن عبد الله (خاتم الأنبياء) صلى الله عليه وآله.[١٢٤]

وفي آية أخرى، صرّح المسيح عليه السلام باسم محمد بن عبد الله (خاتم الأنبياء) صلى الله عليه وآله الذي سيأتي بعده:

«وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ... وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ...» [١٢٥]

ورغم أن هذه الآية تشير إلى بشارة المسيح عليه السلام ببعثة محمد بن عبد الله (خاتم الأنبياء) صلى الله عليه وآله وليس إلى ذكر اسمه في الإنجيل،[١٢٦] إلا أنه يمكن استنباط ذلك من الإنجيل لأن المسيح عليه السلام لم يكن ينطق إلا بوحي الله.

وقد وجّهت هذه الآية انتباه بعض المفسرين[١٢٧] والباحثين المسلمين إلى كلمة «فارقليط» (Paraclete) في الأناجيل الحالية، والتي تعني «المعزّي» أو «الروح القدس» عند المسيحيين.

لكن المفسرون والباحثون المذكورون يعتقدون أن الكلمة الأصلية كانت «بريكليتوس» (Periklytos) بمعنى «أحمد» أو «المحمود»، ثم حُرّفت لاحقًا.

وفي المقابل، يرى بعض الباحثين المسيحيين أن محاولات مطابقة الكلمة مع «أحمد» غير ناجحة، وأن الكلمة كانت مستخدمة قبل الإسلام بقرون بنفس المعنى.

وتشير آيات أخرى إلى أن اليهود والنصارى كانوا يعرفون محمد بن عبدالله (خاتم الأنبياء) صلى الله عليه وآله كما يعرفون أبناءهم، لكن بعضهم كتموا الحق:

«الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ.» [١٢٨]

3. الجهاد:

من التعاليم الأخرى التي ذكرها القرآن في التوراة والإنجيل، الجهاد في سبيل الله ووعد الجنة للمؤمنين الذين يُقاتلون في سبيله:

«إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ...» [١٢٩]

وقد نزلت هذه الآية في أهل «بيعة العقبة»،[١٣٠] ويرى المفسرون أنها تدل على أن الجهاد موجود في جميع الأديان السماوية.[١٣١]

الهوامش

  1. منير البعلبكي، المورد قاموس إنكليزي - عربي، بيروت، دار العلم للملايين، 1995، ص 395.
  2. Encyclopedia Of Religion and Ethics, James Hastings (ed), New York, Charles Scribners Sons, 13 Volumes. V.6, P. 333.
  3. Ibid, V. 6, P. 333.
  4. محمد رضا الزيباوي، المسيحية المقارنة، طهران، سروش، 2002، ص 139.
  5. The Catholic Encyclopedia, Charles G. Herbermann (ed), New York, The Encyclopedia Press, Inc, 1913, 16 Volumes. V. 6, P. 656.
  6. Ibid; Britannica, 2002, Deluxe Edition CD-Rom. V. 5, P. 379.
  7. Encyclopedia Of Islam, prepared by a Number of Leading orientalists, Leiden, 1986, 10 Volumes. V. 3, P. 1205.
  8. آرثر جفري، الكلمات الدخيلة في القرآن، ترجمة فریدون بدره ای، توس، 1993، ص 131-132.
  9. محمد بن الحسن الطوسي، التبيان، تحقيق أحمد حبيب العاملي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ج 3، ص 542 / فضل بن الحسن الطبرسي، مجمع البيان، بيروت، دار المعرفة، طهران، ناصر خسرو، 1985، ج 2، ص 6 / محمد بن أحمد القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ط5، بيروت، دار الكتب العلمية، 1996، ج 4، ص 6.
  10. السيد محمد مرتضى الزبيدي، تاج العروس، تحقيق علي شيري، بيروت، دار الفكر، 1994، ج 8، ص 128 / ابن منظور، لسان العرب، تحقيق علي شيري، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1988، ج 14، ص 58 / حسن المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، طهران، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، 1995، ج 12، ص 39، مادة "نجل".
  11. ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق محمود محمد الطناحي وطاهر أحمد الزاوي، قم، إسماعيليان، 1988، ج 5، ص 23 / فخر الدين الطريحي، مجمع البحرين، تحقيق محمود عادل وأحمد الحسيني، ط2، طهران، نشر الثقافة الإسلامية، 1988، ج 4، ص 274 / ابن منظور، المصدر السابق، ج 4، ص 58.
  12. محمد بن عمر الفخر الرازي، التفسير الكبير، ط4، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، 1993، ج 7، ص 171 / محمد رشيد رضا، تفسير المنار، ط4، القاهرة، دار المنار، 1954، ج 3، ص 158 / السيد محمود الآلوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم، تحقيق محمد حسين عرب، بيروت، دار الفكر، 1996، ج 3، ص 124.
  13. محمود بن عمر الزمخشري، الكشاف، ط2، قم، البلاغة، 1994، ج 1، ص 335 / ناصر الدين البيضاوي، تفسير البيضاوي، بيروت، المؤسسة العلمية للمطبوعات، 1990، ج 1، ص 237 / محمد بن محمد رضا القمي المشهدي، كنز الدقائق وبحر الغرائب، تحقيق حسين درگاهي، طهران، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، 1991، ص 237.
  14. توماس ميشل، الكلام المسيحي، ترجمة حسين توفيقي، قم، مركز الدراسات والأبحاث الدينية، 2002، ص 49-50 / و.م. ميلر، تاريخ الكنيسة القديمة في الإمبراطورية الرومانية وإيران، ترجمة علي نخستيني، 1931، ص 66.
  15. New Catholic Encyclopedia, Second ed, Thomas Gale, second Edition, 2003, 14 Volume. V. 6, P. 366.
  16. الرسالة إلى أهل رومية، 1:1، 9، 16.
  17. Encyclopedia Of Fundamentalism, Brenda E. Brasher (ed), New York, Routledge, 2002, P. 193.
  18. New Catholic Encylopedia, V. 6, P. 367.
  19. مستر هوكس، قاموس الكتاب المقدس، طهران، أساطير، 1998، ص 111.
  20. راجع: إنجيل عيسى المسيح ترجمة تفسيرية [[العهد الجديد رقم التسجيل في مكتبة مركز الثقافة والمعارف القرآنية Bs 315، 25 ف؛ الإنجيل الشريف أو العهد الجديد، ط3، طهران، جمعية الكتاب المقدس، 1981. 247. Encyclopedia of Islam, V. 4, p. 1205.
  21. و.م. ميلر، مرجع سابق، ص 66؛
  22. و.م. ميلر، مرجع سابق، ص 66؛ The New Catholic Encyclopedia, V. 6, P. 367.
  23. توماس ميشل، مرجع سابق، ص 50-51.
  24. نفسه، ص 43 و50 / و.م. ميلر، مرجع سابق، ص 70.
  25. ويليام غلبن وهنري مرتن، الكتاب المقدس، ترجمة فاضل خان همداني، طهران، أساطير، 2001 / الرسالة الثانية إلى تيموثاوس، 3:16.
  26. "فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا." مريم: 24-26
  27. "فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا..." مريم: 29-33
  28. "إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله..." آل عمران: 49؛ المائدة: 110.
  29. Encyclopedia of Islam, Vol. 3, P. 1205-1206.
  30. ويل ديورانت، قصة الحضارة، ترجمة أحمد شفيق وغيرهم، الطبعة السادسة، طهران، علمي وفرهنكي، 1999، ج3، ص651 / السيد جلال الدين الآشتياني، بحث في الدين المسيحي، طهران، نگارش، 1989، ص170-174؛ كارل لوفمارك، ما هي الكتاب المقدس، 1990، ص66.
  31. فاضل خان الهمداني، مرجع سابق / إنجيل متى 26:13 / إنجيل مرقس 14:9-10.
  32. و.م. ميلر، مرجع سابق، ص66-69.
  33. عبدالرحيم السليماني الأردستاني، المسيحية، قم، زلال الكوثر، 2002، ص67 / موريس بوكاي، القرآن والتوراة والإنجيل والعلم، ترجمة قسم الترجمة بالدار، القاهرة، مكتبة مدبولي، 1996، ص107.
  34. جوان أ.غرادي، المسيحية والبدع، ترجمة عبدالرحيم السليماني الأردستاني، قم، طه، 1998، ص46-47 / توماس ميشل، مرجع سابق، ص54.
  35. السيد جلال الدين الآشتياني، مرجع سابق، ص41-42 / قارن: موريس بوكاي، مرجع سابق، ص77.
  36. الموسوعة الكتابية الدولية القياسية، تحرير جيفري دبليو بروميلي، شركة دبليو.إم.إيردمانز للنشر، الولايات المتحدة، 1988، 4 مجلدات، مج2، ص529؛ موسوعة الأصولية، ص193؛ الموسوعة الكاثوليكية الجديدة، مج6، ص367.
  37. الموسوعة الكتابية الدولية القياسية، مج1، ص183.
  38. Canon.
  39. توماس ميشل، مرجع سابق، ص42.
  40. كارل لوفمارك، مرجع سابق، ص27؛ الموسوعة الكتابية الدولية القياسية، مج1، ص601-606.
  41. الموسوعة الكاثوليكية، مج6، ص656؛ القاموس الدولي الجديد للكتاب المقدس، ص105.
  42. عبدالرحيم السليماني، "العهد الجديد" تاريخ الكتابة والكتاب، مجلة الأفلاك السبعة، قم، مركز الدراسات والأبحاث في الأديان والمذاهب، العددان 3-4 (1999)، ص73،74،79،81.
  43. موريس بوكاي، مرجع سابق، ص103-105 / محمد جواد شكور، ملخص الأديان، الطبعة الثانية، طهران، شرق، 1983، ص168.
  44. ميريل سي بن، مقدمة إلى العهد الجديد، ترجمة طاطه وس ميخائيلين، طهران، حياة أبدية، 1983، ص 171-173؛ The Encyclopedia of Religion, V, P. 208.
  45. موريس بوكاي، مرجع سابق، ص 86-90.
  46. جماعة من اللاهوتيين، تفسير الكتاب المقدس، بيروت، منشورات النفير، 1988، ج5، ص90-91 / القس فهيم عزيز، مدخل إلى العهد الجديد، القاهرة، دار الثقافة المسيحية، 1980، ص21 / موريس بوكاي، مرجع سابق، ص88.
  47. القس فهيم عزيز، مرجع سابق، ص247؛ Cross, F.L., The Oxford Dictionary of the Christian Church, London, Oxford University Press, 1957, P. 859.
  48. القس فهيم عزيز، مرجع سابق، ص221 / جماعة من اللاهوتيين، مرجع سابق، ج5، ص91.
  49. مستر هوكس، مرجع سابق، ص782 / محمد علي برو العاملي، مرجع سابق، ص244-245. The Oxford Dictionary of The Christian Church, p.359.
  50. القس فهيم عزيز، مرجع سابق، ص242-247؛ The Encyclopedia of Religion, V.9. P.285.
  51. القس فهيم عزيز، مرجع سابق، ص245؛ Achtemeier, Paul J., Harper's Bible Dictionary, Harper San Francisco, 1985, P.613.
  52. ميريل سي بن، مرجع سابق، ص159.
  53. ويل ديورانت، مرجع سابق، ج3، ص655 / موريس بوكاي، مرجع سابق، ص90-92.
  54. ويل ديورانت، مرجع سابق، ج3، ص655 / مستر هوكس، مرجع سابق، ص112 / عبدالرحيم السليماني الأردستاني، مرجع سابق، ص67.
  55. The Encyclopedia of Religion, V.9. P.51; Harper's Bible Dictionary. p.583.
  56. موريس بوكاي، مرجع سابق، ص92.
  57. Harper's Bible Dictionary, P.583.
  58. القس فهيم عزيز، مرجع سابق، ص560-561 / ميريل سي بن، مرجع سابق، ص209؛ The new International Dictionary of the Bible, P.499, 534.
  59. ويل ديورانت، مرجع سابق، ج3، ص696 / موريس بوكاي، مرجع سابق، ص93-97.
  60. Britanica, V.7, P.69.
  61. Neal Robinson, Jesus in the Quran, The Historical Jesus, P.8.
  62. New Catholic Encyclopedia, V.4, P.731.
  63. آل عمران: 3، 48، 65؛ المائدة: 46، 47، 66، 68، 110؛ الأعراف: 157؛ التوبة: 111؛ الفتح: 29؛ الحديد: 27
  64. آل عمران: 3؛ فاطر: 31؛ الأحقاف: 30
  65. الأنعام: 92؛ يونس: 37؛ يوسف: 111؛ سبأ: 31
  66. آل عمران: 64-65؛ النساء: 171
  67. البقرة: 146؛ النساء: 47، 13؛ المائدة: 5
  68. آل عمران: 3؛ المائدة: 46، 110؛ الحديد: 27
  69. المائدة: 46
  70. المائدة: 48؛ يونس: 37
  71. الأعراف: 157؛ الفتح: 29
  72. المائدة: 14-15
  73. محمد بن جرير الطبري، جامع البيان، تحقيق صدقي جميل العطار، بيروت، دار الفكر، 1995، ج6، ص358 / فضل بن الحسن الطبرسي، مرجع سابق، ج3، ص313 / السيد محمد حسين الطباطبائي، الميزان، ط3، بيروت، الأعلمي، قم، الإسلامية، 1973، ج3، ص198.
  74. الحديد: 25 و27
  75. المائدة: 46، 110
  76. "قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا" مريم: 30
  77. محمد رشيد رضا، مرجع سابق، ج3، ص159 / حسن المصطفوي، مرجع سابق، ج12، ص40 / محمد صادقي، الفرقان، ط2، طهران، الثقافة الإسلامية، 1986، ج3، ص12.
  78. محمد رشيد رضا، مرجع سابق، ج3، ص159 / السيد محمد حسين الطباطبائي، مرجع سابق، ج3، ص308-309 / محمد صادقي، مرجع سابق، ج3، ص12.
  79. السيد محمود الآلوسي، مرجع سابق، مج15، ج28، ص28 / محمد رشيد رضا، مرجع سابق، ج3، ص159 / السيد محمد حسين الطباطبائي، مرجع سابق، ج3، ص189.
  80. حسن المصطفوي، مرجع سابق، ج12، ص40-41.
  81. محمد رشيد رضا، مرجع سابق، ج3، ص159.
  82. آل عمران: 49؛ المائدة: 66، 68 و110؛ التوبة: 111
  83. آل عمران: 3-4 وكذلك المائدة: 46-48
  84. محمد بن الحسن الطوسي، جوامع الجامع، بيروت، دار الأضواء، 1985، ج1، ص263 / المولى محسن الفيض الكاشاني، تفسير الصافي، تحقيق حسين الأعلمي، ط2، بيروت، مؤسسة الأعلمي، 1982، ج1، ص315 / السيد محمد حسين الطباطبائي، مرجع سابق، ج3، ص7.
  85. محمد بن عمر الفخر الرازي، مرجع سابق، ج7، ص169 / محمد بن أحمد القرطبي، مرجع سابق، ج4، ص5 / محمد رشيد رضا، مرجع سابق، ج3، ص159.
  86. محمود راميار، تاريخ القرآن، ط2، طهران، أمير كبير، 1983، ص190 / محمد علي مهدوي راد، آفاق التفسير، طهران، هستي نما، 2004، ص334-340.
  87. محمد بن جرير الطبري، مرجع سابق، مج3، ج3، ص373.
  88. المائدة: 46
  89. آل عمران: 48؛ المائدة: 110
  90. السيد محمد حسين الطباطبائي، مرجع سابق، ج3، ص201
  91. السيد محمود الآلوسي، مرجع سابق، مج3، ج3، ص273 / محمد رشيد رضا، مرجع سابق، ج3، ص312 / السيد محمد حسين الطباطبائي، مرجع سابق، ج3، ص201
  92. فاضل خان الهمداني، مرجع سابق، متى 5: 17-18
  93. "إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ... وَعَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ..." المائدة: 110؛ آل عمران: 48
  94. آل عمران: 48؛ المائدة: 110
  95. "وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ۖ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ۚ ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ ۖ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ" الأنعام: 146
  96. آل عمران: 50
  97. النساء: 160؛ الأنعام: 146
  98. المائدة: 48
  99. محمد بن جرير الطبري، مرجع سابق، مج1، ج1، ص615؛ مج3، ج3، ص226؛ مج4، ج6، ص361 / محمد بن الحسن الطوسي، مرجع سابق، ج8، ص429 / فضل بن الحسن الطبرسي، مرجع سابق، ج2، ص696-697؛ ج3، ص313؛ ج8، ص637
  100. محمد تقي المصباح، علوم القرآن، تحقيق محمود الرجبي، قم، انتشارات إسلامي، 1997، ج1، ص182-183
  101. يونس: 37 وكذلك يوسف: 111؛ البقرة: 97؛ آل عمران: 3؛ المائدة: 48؛ فاطر: 31؛ الأحقاف: 30
  102. محمد بن الحسن الطوسي، مرجع سابق، ج3، ص542 / فضل بن الحسن الطبرسي، مرجع سابق، ج3، ص313 / السيد محمد حسين الطباطبائي، مرجع سابق، ج5، ص349
  103. محمد بن جرير الطبري، مرجع سابق، مج4، ج6، ص360-363 / فضل بن الحسن الطبرسي، مرجع سابق، ج3، ص313 / إسماعيل بن كثير الدمشقي، تفسير القرآن العظيم، تحقيق يوسف المرعشلي، ط3، بيروت، دار المعرفة، 1989، ج2، ص68
  104. محمد رشيد رضا، مرجع سابق، ج6، ص410-411 / السيد محمد حسين الطباطبائي، مرجع سابق، ج5، ص349
  105. النساء: 47 وكذلك البقرة: 41،91
  106. "وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ" المائدة: 14
  107. النساء: 157، 171؛ المائدة: 17، 72-73، 116-117؛ التوبة: 30
  108. السيد محمد حسين الطباطبائي، مرجع سابق، ج6، ص37-38
  109. محمد بن عمر الفخر الرازي، مرجع سابق، ج12، ص46 / تفسير البيضاوي، ج1، ص444 / السيد محمد حسين الطباطبائي، مرجع سابق، ج6، ص37-38
  110. أبو جعفر النحاس، معاني القرآن، تحقيق الصابوني، السعودية، جامعة أم القرى، 1989، ج2، ص337 / محمد بن عمر الفخر الرازي، مرجع سابق، ج12، ص46/ إسماعيل بن كثير الدمشقي، مرجع سابق، ج1، ص169
  111. محمد بن الحسن الطوسي، مرجع سابق، ج3، ص585 / فضل بن الحسن الطبرسي، مرجع سابق، ج3، ص341 / السيد محمد حسين الطباطبائي، مرجع سابق، ج6، ص37-38
  112. المائدة: 47
  113. المائدة: 46؛ آل عمران: 3-4
  114. محمد بن جرير الطبري، المرجع السابق، المجلد 3، الجزء 3، ص 226 / محمد عمر الفخر الرازي، المرجع السابق، الجزء 12، ص 9 / محمد رشيد رضا، المرجع السابق، الجزء 6، ص 401.
  115. محمد بن عمر الفخر الرازي، المرجع السابق، الجزء 12، ص 9.
  116. محمد بن جرير الطبري، المرجع السابق، المجلد 3، الجزء 3، ص 226 / محمد بن عمر الفخر الرازي، المرجع السابق، الجزء 12، ص 9.
  117. محمد بن جرير الطبري، المرجع السابق، المجلد 4، الجزء 6، ص 358 / فضل بن الحسن الطبرسي، المرجع السابق، الجزء 3، ص 314.
  118. «ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ.» البقرة: 2
  119. محمد بن عمر الفخر الرازي، المرجع السابق، الجزء 12، ص 9.
  120. محمد رشيد رضا، المرجع السابق، الجزء 6، ص 401.
  121. محمد بن جرير الطبري، المرجع السابق، المجلد 4، الجزء 6، ص 358.
  122. فضل بن الحسن الطبرسي، المرجع السابق، الجزء 3، ص 311 / محمد بن عمر الفخر الرازي، المرجع السابق، الجزء 12، ص 9.
  123. الأعراف: 157
  124. محمد بن جرير الطبري، المرجع السابق، المجلد 6، الجزء 9، ص 112-113 / إسماعيل بن كثير الدمشقي، المرجع السابق، الجزء 2، ص 262؛ الجزء 3، ص 427 / سيد محمد حسين الطباطبائي، المرجع السابق، الجزء 8، ص 280.
  125. الصف: 6
  126. المرجع نفسه، الجزء 19، ص 253.
  127. محمد بن الحسن الطوسي، المرجع السابق، الجزء 4، ص 559 / فضل بن الحسن الطبرسي، المرجع السابق، الجزء 4، ص 749 / محمد بن عمر الفخر الرازي، المرجع السابق، الجزء 29، ص 313-314.
  128. البقرة: 146
  129. التوبة: 111
  130. جمال الدين الجوزي، المرجع السابق، الجزء 7، ص 448 / الجزء 3، ص 503.
  131. محمد بن عمر الفخر الرازي، المرجع السابق، الجزء 16، ص 201 / فضل بن الحسن الطبرسي، المرجع السابق، الجزء 5، ص 113-114 / سعيد بن هبة الله الراوندي، فقه القرآن، ج 1، ص 349.