الفرق بين المراجعتين لصفحة: «القضاء والقدر»
ط نقل Negahban صفحة مسودة:القضاء والقدر إلى القضاء والقدر دون ترك تحويلة |
|
(لا فرق)
| |
المراجعة الحالية بتاريخ ١١:١٣، ٥ أبريل ٢٠٢٦
القضـاء والقـدر تستعمل مادّتا القضاء والقدر لعدّة معان، في اللغة وكذلك جائت في القرآن والسنة في عدة معانٍ، ولعلّ تعدّد معاني ما يُنسبُ إلى الله من مادَّتَي القضاء والقدر، قد أدّى إلى لبسِ معنى ما ورد منهما في القرآن والحديث، واعتقاد بعض المسلمين بأنّ الإنسان يسيّر في حياته، في كلّ ما يعمل من خير أو شرّ وفق ما قضى الله عليه وقدّر قبل أنْ يخلقَ، ويطلق في الأخبار لفظ القدري على الجبريّ والتّفويضي، وعليه فإنّ القَدَرَ اسمٌ للشيء وضدّه كالقُرْء، اسمٌ للحيضِ والطُّهر معاً.ولا نُطيل البحث بإيراد أقوال المعتقدين بذلك، والإجابة عليها، وإنّما نكتفي بايراد الأحاديث التي نجد فيها جواباً لتلكم الأقوال توضيحياً وبياناً للأمر بعد بيان معانً المستعملة في القرآن الكريم.
معان القضاء
القضاء بين المتخاصمين
أ ـ قضى أو يقضي بين المتخاصمين، كقوله تعالى: (إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيـمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ )[١].
القضاء بمعنى الأنباء
ب ـ قضى الله الأمر: أَنْبَأه به، كقوله تعالى في ما أخبر به لوطاً عن مصير قومه [٢]:وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذلِكَ الاَْمْرَ أَنَّ دَابِرَ هؤُلاَءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ). أي أنبأناه).
القضاء بمعنى الوجوب
ج ـ قضى الله الشيء، وبه: أوجبه، أمر به، كقوله تعالى [٣]: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ).أي أمر ربّك وأوجب عليكم ألاّ تعبدوا إلاّ إيّاه.
القضاء بمعنى تعلق الإرادة الإلهية بشئ
د ـ قضى الله الأمر أو الشيء: تعلّقت إرادته به، قدّره، كقوله تعالى [٤]: وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).أي إذا أراد أمراً. وقوله تعالى [٥]: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِين ثُمَّ قَضَى أَجَلا).أي قدّر لكلّ انسان مدّة يحيا فيها.
معان القدر
القدر بمعنى الإستطاعة
أ ـ قدر على الشيء أو العمل: استطاع أن يفعله، يتغلّب عليه فهو قادر، والقدير: ذو القوّة، كقوله تعالى:في سورة يس( يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ) [٦]. وكذلك في سورة البقرة: وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ) [٧]. أيْ ذو القدرة على فعل كلّ شيء على قدر ما تقتضي الحكمة.
قدّر بمعنى ضيّق
1 ـ قَدَرَ الرِّزق عليه ويَقْدِر: ضيّقه، كقوله تعالى في سورة سبأ: قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ) [٨].
قدّر بمعنى دبّر
2 ـ قدر الله الأمر بقدره: دبَّره أو أراد وقوعه، كقوله تعالى في سورة المرسلات: فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ [٩].
قدّر بمعنى القضاء
1 ـ قدّر الله الأمر: قضى به أو حكم بأنْ يكون، كقوله تعالى في شأن زوجة لوط، [١٠]: فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ. أي حكمنا، أو قضينا عليها بأن تكون من الهالكين.وذكلك قوله تعالى:أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالاَْرْضَ بِقَادِر عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ [١١] . 2 ـ في سورة البقرة: وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ) [١٢]. أيْ ذو القدرة على فعل كلّ شيء على قدر ما تقتضي الحكمة.
قدّر بمعنى تمهّل
2 ـ قَدَّرَ في الأمْرِ: تَمَهَّلَ وتروّى في إنجازه، كقوله تعالى: [١٣] مخاطباً داود (عليه السلام): (وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ). أيْ تمهّل وتروَّ في صُنعه كي تحكم عمله.
القَدَر بمعنى المقدار والكميّة
1 ـ القَدَر: المقدار والكميّة، كقوله تعالى: [١٤]: (وَإِنْ مِن شَيْء إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَر مَعْلُوم). أيْ بمقدار وكميّة معلومة.
قَدَرُ الشيءِ: زمانه أو مكانه
2 ـ قَدَرُ الشيءِ: زمانه أو مكانه، كقوله تعالى [١٥]: (أَلَمْ نَخلُقكُمْ مِنْ مَاء مَهِين * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَار مَكِين * إِلَى قَدَر مَعْلُوم).أيْ إلى زمان محدّد معلومز
قَدَرُ اللهِ: قضاؤُه المحكم، أو حكمهُ المبرَم على خلقه
3 ـ قَدَرُ اللهِ: قضاؤُه المحكم، أو حكمهُ المبرَم على خلقه، كقوله تعالى [١٦] : سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً. أي قضاءً محكماً، وحُكماً مُبْرَماً.
سبب الإلتباس في معنى القضاء والقدر
لعلّ تعدّد معاني ما يُنسبُ إلى الله من مادَّتَي القضاء والقدر، قد أدّى إلى لبسِ معنى ما ورد منهما في القرآن والحديث، واعتقاد بعض المسلمين بأنّ الإنسان يسيّر في حياته، في كلّ ما يعمل من خير أو شرّ وفق ما قضى الله عليه وقدّر قبل أنْ يخلقَ. ويطلق في الأخبار لفظ القدري على الجبريّ والتّفويضي كليهما [١٧] . وعليه فإنّ القَدَرَ اسمٌ للشيء وضدّه كالقُرْء، اسمٌ للحيضِ والطُّهر معاً.ولا نُطيل البحث بإيراد أقوال المعتقدين بذلك، والإجابة عليها، وإنّما نكتفي بايراد الأحاديث التي نجد فيها جواباً لتلكم الأقوال توضيحياً وبياناً للأمر بحوله تعالى:
روايات من أئمة أهل البيت في القضاء والقدر
رواية عن أمير المؤمنين علي عليه السلام
عن أوّل أئمة أهل البيت عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، روي في توحيد الصدوق بسنده إلى الإمام الحسن (عليه السلام)، وفي تاريخ ابن عساكر بسنده إلى ابن عبّاس واللفظ للأوّل قال: دخل رجل من أهل العراق على أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال: أخبرنا عن خروجنا إلى أهل الشام أبقضاء من الله وقدر؟ فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): "أجل يا شيخ، فو الله ما علوتم تلعةً ولا هبطتم بطن واد إلاّ بقضاء من الله وقدر"، فقال الشيخ: عند الله أحتسبُ عنائي[١٨]. يا أمير المؤمنين، فقال: "مهلا يا شيخ، لعلّك تظنُّ قضاءً حتماً وقدراً لازماً [١٩].، لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب والأمر والنهي والزّجر، ولسقط معنى الوعيد والوعد، ولم يكن على مُسيء لائمةٌ ولا لمحسن محمدةٌ، ولكان المحسن أولى باللاّئمة من المذنب والمذنب أولى بالاحسان من الُمحسن [٢٠]. تلك مقالةُ عبدةِ الأوثانِ وخُصماءِ الرحمن وقدريّة هذه الاُمّة ومجوسها. يا شيخ إنّ الله عزّ وجلّ كلّف تخييراً، ونهى تحذيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يُعصَ مغلوباً، ولم يُطَع مُكرهاً، ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا، (ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) كما [٢١]. قال: فنهض الشيخ وهو يقول:
- أنت الإمام الذي نرجو بطاعته يوم النّجاة من الرحمن غفراناً
- أوضحْتَ من ديننا ما كان مُلتبساً جزاك ربّك عنّا فيه إحساناً، فليس معذرةً في فعل فاحشة قد كُنْتُ راكبها فسقاً وعصياناً [٢٢].
رواية عن الإمام الصادق عليه السلام
عن السادس من أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، الامام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): إنّ الناس في القَدَرِ على ثلاثة أوجه:
- رجلٌ يزعمُ أنّ الله عزّ وجلّ أجبر الناس على المعاصي، فهذا قد ظلم الله في حُكمه فهو كافر.
- ورجلٌ يزعمُ أنّ الأمر مفوّضٌ إليهم، فهذا قد أوهن الله في سلطانه فهو كافر.
- ورجل يزعمُ أنّ الله كلّف العباد ما يطيقون ولم يكلِّفهم ما لا يُطيقون وإذا أحسن حمد الله وإذا أساء استغفر الله فهذا مسلمٌ بالغ [٢٣].
رواية عن الإمام الرضاء عليه السلام
وعن الثامن من أئمة أهل البيت الامام أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: إنّ الله عزّ وجلّ لم يُطَعْ باكراه، ولم يُعصَ بغلبة، ولم يُهمل العباد في مُلكه، هو المالك لما ملّكهم والقادرُ على ما أقدرهم عليه، فإن ائتمر العبادُ بطاعته لم يكن الله منها صادّاً، ولا منها مانعاً، وإن ائتمروا بمعصيته فشاءَ أنْ يحول بينهم وبين ذلك فعل، وإنْ لم يَحُلْ وفعلوه فليس هو الذي أدخلهم فيه [٢٤]. يعني أنّ الإنسان الذي أطاع الله لم يكن مجبراً على الطاعة، والإنسان الذي عصاه لم يغلب مشيئة الله، بل الله شاء أن يكون العبد مختاراً في فعله. وكذلك قال عليه السلام : قال الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم بمشيئتي كنتَ أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاءُ، وبقوَّتي أدَّيتَ إليَّ فرائضي، وبنعمتي قويتَ على معصيتي، جعلتُك سميعاً بصيراً قويّاً، ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيّئة فمن نفسك [٢٥][٢٦]. وكذلك قال في رواية الثالثة : عملت بالمعاصي بقوّتي التي جعلتها فيك [٢٧].
رواية في نفي الجبر والتفويض
عن الامام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: لا جبرَ ولا تفويض ولكن أمرٌ بين أمرين". قال: قلت: وما أمر بين أمرين؟ قال: "مثل ذلك رجل رأيته على معصية فنهيته فلم ينْتَهِ بتركته ففعل تلك المعصية، فليس حيث لم يقبل منك فتركته كنت أنت الذي أمرته بالمعصية [٢٨]. وكذلك قال عليه السلام: ما استطعت أنْ تلوم العبد عليه فهو منه وما لم تستطع أن تلوم العبد عليه فهو من فعل الله. يقول الله للعبد: لِمَ عصيت؟ لم فسقتَ؟ لم شرِبتَ الخمر؟ لمَ زنيت؟ فهذا فعل العبدِ، ولا يقول له: لم مرضتَ؟ لم قصُرتَ؟ لم ابيضضْتَ؟ لم اسودَدْت؟ لأنّه من فعل الله تعالى [٢٩].
شرح الروايات
إنّ للجبر والتفويض جانبين: أ ـ ما كان منهما من صفات الله. ب ـ ما كان منهما من صفات الإنسان.
ما كان منهما من صفات الله
فما كان منهما من صفات الله فينبغي أخذه منه بوساطة الأنبياء، وأوصياء الأنبياء عن الأنبياء،
ما كان من صفات الإنسا
وما كان من صفات الإنسان فإن قولنا: أفعل هذا أو لا أفعله دليل على أنّا نَفْعَل ما نفعله باختيارنا، وقد عرفنا ممّا سبق أنَّ سير الإنسان في حياته لا يشابه سير الذرّة والكواكب والمجرّات المسخّرات بأمر الله في كلّ حركاتها وما يصدر منها من آثار. ولم يفوّض الله إليه أمر نفسه وكلّ ما سخّر له ليفعل ما يشاء كما يُحبُّ، وكما تهوى نفسه، بل إنّ الله أرشده بوساطة أنبيائه كيف يؤمن بقلبه بالحقّ، وهداه إلى الصالح النافع في ما يفعله بجوارحه، والضارِّ منه، فإذا اتبع هدى الله، وسار على الطريق المستقيم خطوة أخذ الله بيده وسار به عشر خطوات ثُمَّ جزاه بآثار عمله في الدنيا والآخرة سبعمائة مرّة أضعاف عمله، والله يضاعف لمن يشاء بحكمته ووفق سُنَّتِه.
وقلنا في المثل الذي ضربناه في ما سبق، بأنّ الله أدخلَ الإنسانَ المؤمن والكافر في هذا العالم في مطعم له من نوع (سلف سرويس)، كما قال سبحانه [٣٠]: كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاَءِ وَهَؤُلاَءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً. فلولا إمداد الله عبيده بكل ما يملكون من طاقات فكرية وجسديّة، وما سخَّر لهم في هذا العالم لما استطاع المؤمن أن يعمل عملا صالحاً، ولا الضالّ الكافر أن يعمل عملا ضارّاً فاسداً، ولو سلبهم لحظة واحدة أيّ جزء ممّا منحهم من الرؤية والعقل والصحّة و... و... لما استطاعوا أن يفعلوا شيئاً، إذاً فإنّ الإنسان يفعل ما يفعل بما منحه الله بمحض اختياره، وبناءً على ما بيّنّاه، أنّ الإنسان لم يفوّض إليه الأمر في هذا العالم، ولم يجبر على فعل بل هو أمر بين الأمرين، وهذه هي مشيئة الله وسنّته في أمر أفعال العباد، ولن تجد لسنّة الله تبديلا.
أسئلة وأجوبة
وفي هذا المقام ترد الأسئلة الأربعة الآتية:
كيف نجمع بين حرية الإنسان وتسلط الشيطان؟
كيف يكون الإنسان مختاراً في ما يصدر منه من فعل، مع تسلّط الشيطان عليه من حيث لا يراه، وإغوائه بما يوسوس إلى قلبه ويدعوه إلى فعل الشرّ؟! وكذلك شأن الإنسان الذي يعيش في المحيط الفاسد الذي لا يرى فيه غير الشرّ والفساد أمراً؟!
والجواب: إنّ الله تبارك وتعالى أتمّ الحجّة على الإنسان بما أودع فيه مِنْ غريزة البحث عن سبب وجود كلّ ما رآه والتي توصله إلى معرفة مسبّب الأسباب، ولذلك قال سبحانه وتعالى [٣١]: أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، فكما أنّ الإنسان لن يغفل عن غريزة الجوع في حال من الأحوال حتى يملأ جوفه بالطعام، كذلك لن يغفل عن غريزة طلب المعرفة حتى يعرف مُسبِّب الأسباب.
ماذا يستطيع أن يفعل الإنسان الذي لم تبلغه دعوة الأنبياء إليه؟
السوال: ماذا يستطيع أن يفعل الإنسان الذي لم تبلغه دعوة الأنبياء في بعض الغابات؟ والجواب عن هذا السؤال نقول: قال الله سبحانه: (لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إلاَّ وُسْعَهَا) [٣٢].
ما ذنب ولد الزِّنا ؟
السوال: ما ذنب ولد الزِّنا، وما جُبل عليه من حبّ فعل الشرّ بسبب فعل والديه؟! جوابه: إنّ ولد الزنا ـ أيضاً ـ ليس مجبوراً على فعل الشرّ، وكلّ ما في الأمر أنّ الحالة النفسيّة للوالدين في حال ارتكابهما الزّنا وما يريان من نفسهما بأنّهما باشرا بفعلهما خيانة المجتمع، وانّ المجتمع يتقذّر من فعلهما ويحتقرهما ويعاديهما لو اطّلع على فعلهما، وأنّهما عند ارتكابهما الرذيلة في حالة معاداة للنزيهين من تلك الفعلة في المجتمع والذين هم أبرار المجتمع وأخياره والمتمسِّكون بفضائل الأخلاق والمعروفون بكلّ ذلك في المجتمع. وعليه فإنّ تلك الحالة النفسيّة العدائيّة منهما للمجتمع وأبراره تؤثِّر على النطفة حين انعقادها وتنتقل بالوراثة إلى ما يتكوّن من تلك النطفة، فإنّه يجبل على حبّ الشرّ والعداء للخيّرين والمعروفين بالفضيلة في المجتمع.
بيان المطلب بالمثال الحشي
ومن الأمثلة على ذلك زياد بن أبيه وولده ابن زياد في ما ارتكباه زمان إمارتهما في العراق[٣٣]. ، وخاصّة ما فعله ابن زياد بعد استشهاد الامام الحسين (عليه السلام)، مع جسده الشريف وأجساد المستشهدين معه من آل الرسول (صلى الله عليه وآله)وأنصارهم: من التمثيل بهم، وحمله رؤوسهم من بلد إلى بلد، وسوقه بنات الرسول (صلى الله عليه وآله) سبايا إلى الكوفة وسائر ما عاملهم بها، في حين أنّه لم يبق بعد استشهاد الامام الحسين (عليه السلام) أيّ مقاوم لحكمهم ولم يكن أي مبرِّر له عندئذ في كل ما فعل من ظلم واستهانة بمقامهم في المجتمع، عدا حبّه في كسر شوكة أشرف بيت في العرب وأفضله وتوهينهم، وحبّه للشرّ وعدائه الجبليِّ الفطري للأكرمين في المجتمع.
وبناءً على ذلك يكون حبّ الشرّ والرغبة في إيذاء الخيِّرين والمعروفين بالفضيلة في المجتمع فطريّ في ولد الزّنا، على عكس ولد الزواج الحلال والذي ليس من فطرته حبّ الشرّ والرغبة في إيذاء الخيّرين في المجتمع، ولكنّهما مع كلّ ذلك ليسا مجبورين على القيام بكلّ ما يفعلانه ويتركانه من خير وشرّ، وإنّما مثلهما في ما جُبِلا عليه مثل شابّ مكتمل الرجولة في الجسد وما يتمتّع به من حيويّة دافقة وشهوة عارمة للجنس، مع شيخ هرم ناف على التسعين وتهدّمت قواه، يعاني الفتور وفقدان القوى الجسديّة، منصرف عن الشهوة الجنسية وفي عدم تمكّن الأخير من ارتكاب الزّنا وتوفّر القوى الجنسيّة في الأوّل; فإنّ الشابّ القويّ مكتمل الرجولة ـ أيضاً ـ غير مجبور على ارتكاب الزّنا في ما إذا ارتكب ذلك ليكون معذوراً في ارتكابه الرذيلة، وأمّا إذا تيسّر له ارتكاب الزّنا وخاف مقام ربّه ونهى النفس عن الهوى فإنّ الجنّة هي المأوى [٣٤]. ، على عكس الشيخ الهرم، فإنّه لا يُثاب على تركه الزّنا، لأنّه لم يترك الزّنا مع قدرته عليه. وهكذا كلّما تعمّقنا في دراسة أي جانب من جوانب حياة الإنسان، وجدناه مختاراً في ما يصدر منه من فعل، عدا ما يصدر منه عن غفلة وعدم تنبّه.
مواضيع ذات صلة
الهوامش
- ↑ (يونس/93) و (الجاثية/17)
- ↑ سورة الحجر/66
- ↑ سورة الإسراء/23
- ↑ في سورة البقرة/117
- ↑ في سورة الأنعام/2
- ↑ الآية81
- ↑ الآية20
- ↑ الآية36
- ↑ الآية23
- ↑ في سورة النمل/57
- ↑ الآية8
- ↑ الآية20
- ↑ في سورة سبأ/11
- ↑ في سورة الحجر/21
- ↑ في سورة المرسلات/20-22
- ↑ في سورة الأحزاب/38
- ↑ المجلسي، محمد باقر، البحار 5 : 5
- ↑ أي إن كان خروجنا وجهادنا بقضائه تعالى وقدره لم نستحق أجراً، فرجائي أن يكون عنائي عند الله محسوباً في عداد أعمال من يتفضّل عليهم بفضله يوم القيامة
- ↑ بالمعنى الذي زعمته الجبرية
- ↑ لأنّهما في أصل الفعل سيّان، إذ ليس بقدرتهما وإرادتهما، مع أنّ المحسن يمدحه الناس وهو يرى ذلك حقاً له وليس كذلك فليستحق اللائمة دون المذنب، والمذنب يذمّه الناس وهو يرى ذلك حقاً عليه وليس كذلك فليستحقّ الاحسان كي ينجبر تحمّله لأذى ذمّ الناس دون المحسن
- ↑ في سورة ص : 27
- ↑ توحيد الصدوق : 380; وترجمة الامام على (عليه السلام) في تاريخ ابن عساكر 3 : 231 تحقيق الشيخ المحمودي
- ↑ توحيد الصدوق : 360-361
- ↑ توحيد الصدوق : 361
- ↑ توحيد الصدوق 328-340، 344،362
- ↑ الكافي 1 : 160
- ↑ التوحيد : 362
- ↑ الكافي 1 : 160; والتوحيد : 362
- ↑ الطرائف
- ↑ في سورة الإسراء/20
- ↑ في سورة الأعراف/172
- ↑ البقرة/286
- ↑ راجع بحث استلحاق زياد في المجلّد الأوّل من كتاب عبد الله بن سبأ للمؤلِّف; وبحث استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) في المجلّد الثالث من معالم المدرستين
- ↑ إشارة إلى قوله تعالى في سورة النازعات/40 : (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى)
المصدر
- دراسة حول الجبر والتفويض والقضاء والقدر ، العسكري، السيد مرتضى، ج1، ص8 الى 20 ، تاريخ المشاهدة: 2026/3/4م