انتقل إلى المحتوى

معركة النهروان

من ویکي‌وحدت

معركة النهروان، وقعت سنة 38 هـ. كان الطرف الآخر في هذه المعركة هم أصحاب الإمام علي (عليه السلام) القدامى، الذين كانت جباههم قد كلت من شدة العبادة، وكان صوت تلاوتهم للقرآن يتردد في كل مكان. كانت الحرب مع هذه الفئة أصعب من الحرب مع الفئتين الأخريين، لكن الإمام علي (عليه السلام) بعد أشهر من الصبر والتحمل، وإلقاء الخطب، وإرسال الشخصيات المؤثرة، يئس من إصلاحهم، ولما قاموا بثورة مسلحة، حاربهم، وكما قال، اقتلع عين الفتنة من حدقتها. هم الذين طرحوا مسألة التحكيم، وفي النهاية، نقضوا البيعة وأظهروا عداوتهم لعلي (عليه السلام))، وقاموا بحرب ضده في صحراء حروراء، ولأن موقع المعركة كان حروراء، عُرفت هذه الجماعة بـالحرورية. وكان رئيس هذه الجماعة حرقوص بن زهير السعدي الملقب بـذي الثدية. توجه أمير المؤمنين (عليه السلام) إليهم أولاً، ووعظهم، وطلب منهم العودة إلى بيعتهم، لكنهم أجابوه بالسهام، فقام بقتالهم.

معركة النهروان

المارقون أو الخوارج، في معركة صفين، أجبروا الإمام (عليه السلام) أولاً على ترك الحرب وقبول التحكيم، ثم ندموا على هذا الفعل، وعادوا إلى مخالفة علي (عليه السلام). أطلق عليهم الإمام علي (عليه السلام) اسم «المارقين»، وعارضهم في ثلاث مراحل:

١. قبول مبدأ التحكيم. كان الإمام يعتبره خديعة ومكراً، لكنهم فرضوه عليه. ٢. اختيار أبي موسى حكماً. عارضه الإمام، وفرض عليه بمكر الأشعث والخوارج. ٣. نقض العهد والميثاق. قال الإمام بعد التحكيم إنه يجب الوفاء بالعهد، لكنهم خالفوا.

بعد هذه الأحداث، شرعت هذه الجماعة في تشكيل فرق عسكرية مستقلة، ومارست الاغتيال، وزعزعة الأمن، ومواجهة الحكومة المركزية.

تعود جذور حرقوص بن زهير، مؤسس الخوارج، إلى زمان رسول الله (صلى الله عليه وآله). بعد غزوة حنين، قسّم النبي (صلى الله عليه وآله) الغنائم، وأعطى حصة أكبر للمشركين لتأليف قلوبهم. أثار هذا الفعل استياء البعض. ومنهم «حرقوص بن زهير»، الذي قال للنبي: «اعدل!».

أغضب هذا القول المهذب جماعة. فقال له النبي: «ويلك! إن لم يكن العدل عندي، فأين يكون؟». اقترح عمر قطع رأسه، لكن النبي منعه، وأخبر عن مستقبله الخطير، وقال: «دعوه، فسيكون له أتباع يتعمقون في الدين أكثر من اللازم، ويخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية».

استخدم النبي لفظ «مرق» الذي يعني الخروج، لأن هذه الجماعة، بسبب اعوجاجها وسوء فهمها في الدين، وصلت إلى درجة الابتعاد عن حقيقة الدين، ولُقبت بين المسلمين بـ«المارقين»[١].

جاء حرقوص بعد قضية التحكيم إلى الإمام علي (عليه السلام)، وفي حوار دار بينهما، هدده بالحرب.

في القرآن الكريم، هناك آية تتعلق بحوار «حرقوص» مع النبي، تعبر عن نفاقه الباطني: قالب:نص قرآني «ومنهم من يلمزك في الصدقات، فإن أعطوا منها رضوا، وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون».[٢].

قُتل حرقوص بن زهير في معركة النهروان[٣].

عبد الله بن وهب الراسبي، كان من كبار الخوارج، وكانت اجتماعات الخوارج تُعقد في منزله في البداية. وقد كتب عنه أن جبهته قد كلت من شدة السجود والعبادة، مثل ركبة البعير، وكان يُلقب بـ«ذا الثفنات». في اجتماع عُقد في منزله، ألقى خطبة على الخوارج، وحثهم على الزهد في الدنيا، وتحدث عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. توصل الخوارج في هذا الاجتماع إلى ضرورة اختيار قائد لهم. عرضوا الأمر على «زيد بن حصين الطائي» و«حرقوص بن زهير»، لكنهما رفضا.

في النهاية، عرضوه على «عبد الله بن وهب» فقبل، وقال: «ألا إنني والله ما قبلتها للدنيا، ولا أتركها خوفاً من الموت». ثم بايعه الجمهور. كتب رسالة إلى خوارج البصرة يدعوهم للانضمام إليه، فأجابوا إيجاباً. قُتل عبد الله بن وهب في معركة النهروان على يد علي (عليه السلام)[٤].

يعتقد البعض أن «ذا الثدية» هو نفسه «حرقوص بن زهير». لكنهما كانا شخصين، لهما قصة متشابهة؛ لأن ذا الثدية اعترض أيضاً على النبي (صلى الله عليه وآله) وقال: «يا محمد، اعدل». وقد أوقع تشابه القصتين البعض في خطأ اعتبارهما شخصاً واحداً. على أي حال، قُتل ذو الثدية في معركة النهروان. وُلِقّب بـ«ذي الثدية» لأنه كانت لديه قطعة لحم زائدة في أعلى ذراعه.

قبل ظهور الخوارج، كان أمير المؤمنين علي (عليه السلام) قد قال لأصحابه مراراً: «ستقوم جماعة من هذا القبيل، وسيكون من بينهم رجل له زائدة في يده». بعد انتهاء المعركة، قيل إنه لم يُرَ مثل هذا الرجل. فقال الإمام: «لا أكذب، ولا يُكذب عليّ». حتى أُخبر أنه تم العثور على ذي الثدية، ووجدوا فيه تلك العلامة. عندما مر أمير المؤمنين (عليه السلام) بقتلى النهروان، قال:

«لَقَد ضَرَّكُم مَنْ غَرَّكُم». سُئل: «من هو ذلك الشخص؟» فقال: «الشيطان والنفس الأمارة غرتهما بالأماني، وزينت لهما الذنوب، ووعدتهما النصر».[٥].

بُرْج بن مسهر الطائي، وعمران بن حطاء، وعبد الله بن الكواء، هم من الشخصيات الأخرى البارزة في أحداث الخوارج.

عبد الرحمن بن ملجم المرادي، واستشهاد علي بن أبي طالب (عليه السلام)

بعد معركة النهروان، بقي عدد قليل من الخوارج، ونجوا بأنفسهم. وفي اجتماعات لاحقة بينهم، توصلوا إلى أن سبب الفوضى والاضطراب بين الأمة الإسلامية هم معاوية بن أبي سفيان، عمرو بن العاص، وعلي بن أبي طالب، وأن الحل هو اغتيال هؤلاء الثلاثة. كُلِّف عبد الرحمن بن ملجم المرادي بقتل علي (عليه السلام)، ودخل الكوفة لتنفيذ هذه المهمة.

في تصنيف لعوامل استشهاد علي بن أبي طالب (عليه السلام) على يد الخوارج، يمكن ذكر ما يلي:

    • سوء الفهم في الدين**

كان عبد الرحمن بن ملجم وقطام كلاهما من الخوارج، ويحملان أفكارهم ومعتقداتهم. لقد أخطأوا في فهم الآية الكريمة «لا حكم إلا لله» خطأً عجيباً، ولم يفرقوا بين حق التشريع والسن، وبين الحكم وتنفيذ القوانين. مضمون الآية الكريمة يعبر عن حق التشريع، لأنه من الواضح أن الله تعالى لن يحكم على الناس في الأرض كحاكم وخليفة. هذا الجهل وسوء الفهم، مع العناد واللجاج، غيّر مسار التاريخ.

    • الحقد والثأر**

كانت قطام ابنة عم عبد الرحمن، وكانت من أجمل فتيات الكوفة، وفي الوقت نفسه، كانت فصيحة وحاضرة الجواب. قُتل والدها وأخوها، وكانا من الخوارج، في معركة النهروان، وكانت نار الثأر والحقد تتقد في قلب قطام. وقع عبد الرحمن في حب قطام وطلب يدها للزواج، فوافقت، وجعلت مهرها قتل علي بن أبي طالب. وافق عبد الرحمن، وكان لديه الدافع المسبق لهذا المهر الغالي.

    • النفاق**

دخل عبد الرحمن منزل الأشعث بن قيس. وكان الأشعث من المنافقين في زمن علي (عليه السلام)، فاستضاف عبد الرحمن شهراً، وشجعه على ما ينوي، وهو يعرف دوافعه. والدليل على ذلك، حوارهما ليلة التاسع عشر، الذي سمعه حجر بن عدي، وكان ينوي إبلاغ أمير المؤمنين، لكن القدر شاء أن يسلك حجر طريقاً ويسلك علي (عليه السلام) طريقاً آخر. وصل حجر إلى المسجد بعد فوات الأوان.

    • هوى النفس**

افتتن عبد الرحمن بجمال قطام الساحر. وعندما أدركت قطام ذلك، زادت في فتنته، وألهبت نار وجوده. لولا هذا اللقاء، لربما كان عبد الرحمن سيتخلى عن دافعه الشيطاني، لكن هوى النفس وفتنة قطام أوقعته في هذا الفخ، وألحقته بعذاب الله الأبدي.

وفي نهاية المطاف، في فجر التاسع عشر من شهر رمضان المبارك سنة أربعين للهجرة، أُصيب الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) بسيف عبد الرحمن بن ملجم المرادي في المحراب. ومن المصادفة أن الضربة وقعت في نفس المكان الذي أصابته ضربة عمرو بن عبدود في غزوة الخندق، فشقت جبهة أمير المؤمنين (عليه السلام). وداع الإمام الدنيا ليلة الحادي والعشرين من رمضان، ولحق بالرفيق الأعلى.

زمان وقوع المعركة

مرّ نحو عام على معركة صفين، ولم تكن نيران تلك الحرب الدامية قد خمدت تماماً، حتى اشتعلت نيران حرب أهلية، هذه المرة من داخل جيش الإمام علي (عليه السلام)، بقيادة المسلمين المتطرفين، وهكذا واجه الإمام علي (عليه السلام) منذ توليه زمام السلطة السياسية، حرباً أهلية كل عام.

الزمان الدقيق لمعركة النَهْرَوَان غير معروف على وجه التحديد. اعتبر بعض المؤرخين أنها وقعت سنة 38 هـ، وبعضهم سنة 37 هـ، وفريق آخر سنة 39 هـ.

يبدو أن الرأي الأول أقرب إلى الصحة. فقد قال العديد من كتاب السير، أو كما قال الطبري: إن أكثرهم على هذا القول. علاوة على ذلك، فإن التتبع الدقيق لسيرة الأحداث في فترة حكم الإمام علي (عليه السلام) يؤكد هذا الرأي.

أما شهر وقوع معركة النهروان، فلم يذكره معظم المؤرخين؛ لكن بعضهم أشار إلى أن هذه المعركة وقعت في شهر صفر سنة 38 للهجرة، وقال آخرون إن تاريخ وقوعها كان في شهر شعبان من العام نفسه. يبدو أن القول الأول هو الصحيح، أي شهر صفر سنة 38 هـ؛ لأن موعد التحكيم كان في شهر رمضان، وبعدها جهز الإمام علي (عليه السلام) جيشاً وتوجه نحو الشام، وفي تلك الأثناء واجه تمرد الخوارج. واستمرت هذه المعركة وقتاً قصيراً، وسرعان ما خمدت نيرانها.

مكان المعركة

وقعت معركة النهروان في [مكان يسمى] «النهروان»، وهي منطقة واسعة بين بغداد وواسط، وتقع على بعد أربعة فراسخ شرق بغداد.

عدد المشاركين في المعركة

تجاوز جيش الإمام علي (عليه السلام) 68 ألف رجل، وذلك لأنه كان قد أعدهم لحرب الشاميين، وليس لقتال الخوارج.

أما جيش الخوارج، فضم أربعة آلاف، أو ألفين وثمانمائة رجل.

قادة جيش الإمام

  • قائد الميمنة: حُجْر بن عدي الكندي.
  • قائد الميسرة: شَبَث بن ربعي، أو معقل بن قيس الرياحي.
  • قائد الفرسان: أبو أيوب الأنصاري.
  • قائد المشاة: أبو قتادة الأنصاري.
  • قائد أهل المدينة: قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري.

قادة جيش المارقين

  • قائد الميمنة: زيد بن حُصَين الطائي.
  • قائد الميسرة: شُرَيح بن أَوفى العبسي.
  • قائد الفرسان: حمزة بن سنان الأسدي.
  • قائد المشاة: حرقوص بن زُهَير السعدي.

وقيل: قائد الميمنة: يزيد بن حُصَين، وقائد الفرسان: عبد الله بن وَهْب.

الهوامش

  1. فروغ ولاية، جعفر السبحاني، ص620.
  2. تفسير مجمع البيان، ج3، ص40.
  3. أسد الغابة، ج1، ص475.
  4. الكامل، ج2، ص398.
  5. نفس المرجع، ج2، ص407.

المصادر

١. مأخوذ من موقع معركة النهروان - مركز بحوث الإذاعة والتلفزيون

٢. مأخوذ من موقع خصائص معركة النهروان - حديث نت