حرب يونيو 1967

حرب يونيو 1967، المعروفة أيضاً باسم حرب الأيام الستة والنكسة والحرب الثالثة بين العرب وإسرائيل، كانت نزاعاً عسكرياً بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، وخاصة مصر والأردن وسوريا، استمر من 5 إلى 10 يونيو 1967 م. بدأت هذه الحرب في أعقاب تصاعد التوترات السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط ومجموعة من الأزمات الحدودية والبحرية. وكان انتشار القوات المصرية في شبه جزيرة سيناء، وانسحاب قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة من المناطق الحدودية، وإغلاق مضيق تيران أمام السفن الإسرائيلية، والمعاهدات الدفاعية بين الدول العربية، من أهم عوامل تصاعد الأزمة. وبدأت الحكومة الإسرائيلية في 5 يونيو عملياتها العسكرية بهجوم واسع على القواعد الجوية المصرية. وفي أثناء الحرب، دمرت القوات الإسرائيلية أولاً الجزء الأكبر من القوة الجوية المصرية على الأرض، ثم تقدمت في جبهات سيناء وقطاع غزة والضفة الغربية لنهر الأردن ومرتفعات الجولان. وانتهت الحرب بتفوق عسكري لإسرائيل وسيطرتها على مناطق واسعة من الأراضي الخاضعة لسيطرة الدول العربية. فاستولت إسرائيل على شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة من مصر، والضفة الغربية والجزء الشرقي من القدس من الأردن، ومرتفعات الجولان من سوريا. وقد أثرت نتائج هذه الحرب، ومنها مسألة احتلال الأراضي الفلسطينية، والنزاع على الجولان، وتحولات علاقات مصر وإسرائيل، على سياسة الشرق الأوسط لعقود.
الخلفية التاريخية
بعد تأسيس إسرائيل في عام 1948 م، كانت علاقات هذا البلد مع الدول العربية المجاورة مصحوبة بالتوتر والنزاع. وأدت حرب 1948 بين العرب وإسرائيل إلى تهجير عدد كبير من الفلسطينيين وتقسيم أرض فلسطين بين إسرائيل والأردن ومصر. وسيطر الأردن على الضفة الغربية والجزء الشرقي من القدس، وتولت مصر إدارة قطاع غزة. ولم تعترف الدول العربية عموماً بإسرائيل، وبقيت الخلافات الحدودية ومسألة اللاجئين الفلسطينيين ووضع الملاحة في الممرات المائية بالمنطقة دون حل. وفي عام 1956 م، هاجمت إسرائيل مصر في أثناء الحرب الثانية بين العرب والكيان الصهيوني أو حرب قناة السويس، واستولت في فترة قصيرة على جزء كبير من شبه جزيرة سيناء.
وبالتدخل والضغط الدوليين، انسحبت القوات الإسرائيلية من سيناء وقطاع غزة. وبعد انتهاء الحرب، تمركزت قوة الطوارئ التابعة للأمم المتحدة في المناطق الحدودية بين مصر وإسرائيل للإشراف على وقف إطلاق النار ومنع تكرار النزاعات الواسعة. وقد ظلت هذه القوة في المنطقة أكثر من عشر سنوات وأدت دوراً مهماً في تقليل المواجهات المباشرة بين البلدين. ومع ذلك، لم يكن وجود قوات الأمم المتحدة يعني حل الخلافات الأساسية بين الدول العربية وإسرائيل. فقد استمرت الاشتباكات الحدودية وعمليات الجماعات المسلحة الفلسطينية والهجمات الإسرائيلية الانتقامية. كما ساهم الخلاف على مصادر مياه نهر الأردن ودعم بعض الحكومات العربية للجماعات الفلسطينية في زيادة التوتر في المنطقة.
تصاعد التوترات في السنوات 1964 إلى 1967
في منتصف ستينيات القرن العشرين، زاد الخلاف بين إسرائيل وسوريا على مصادر المياه ووضع حدود البلدين. فقامت إسرائيل بنقل المياه من مصادر نهر الأردن إلى شبكة إمداداتها المائية؛ وعارضت سوريا والأردن بمشاريع لتغيير مسار جزء من المياه في المناطق العليا. واشتدت الاشتباكات الحدودية والهجمات المدفعية بين قوات الطرفين، وتحول النزاع على مصادر المياه إلى أحد عوامل عدم الاستقرار في المنطقة. وفي هذه الفترة، شنت حركة فتح وغيرها من الجماعات الفلسطينية هجمات ضد أهداف إسرائيلية. ورداً على ذلك، نفذت إسرائيل عمليات عسكرية وانتقامية في المناطق التي اعتبرتها مكان نشاط الجماعات الفلسطينية.
ومن أهم هذه الأحداث هجوم الجيش الإسرائيلي على قرية السموع في الضفة الغربية في نوفمبر 1966 م. وفي أثناء هذا الهجوم، اشتبكت القوات الأردنية أيضاً مع الجيش الإسرائيلي وتكبدت خسائر ملحوظة. وزادت هذه العملية من توتر علاقات الأردن وإسرائيل. وفي نوفمبر 1966 م، وقعت مصر وسوريا معاهدة دفاع مشترك. وقد تشكل هذا الاتفاق في ظروف كانت فيها علاقات سوريا وإسرائيل متوترة بسبب النزاعات الحدودية ونشاط الجماعات الفلسطينية. وكان معنى المعاهدة أن نشوب حرب بين إحدى الدولتين وإسرائيل يمكن أن يجرّ الدولة الأخرى أيضاً. وفي أبريل 1967 م، اشتدت الاشتباكات الجوية بين إسرائيل وسوريا. وفي أحد أهم الاشتباكات، اشتبكت طائرات إسرائيلية وسورية فوق المنطقة، وأسقطت إسرائيل عدة طائرات سورية. وأدى هذا الحدث إلى زيادة قلق الحكومة السورية وتصاعد الأجواء العسكرية في المنطقة.
أزمة مايو 1967
في مايو 1967 م، نُشرت تقارير من الاتحاد السوفيتي عن تمركز قوات إسرائيلية قرب الحدود السورية. وزادت هذه التقارير من قلق مصر وسوريا، رغم وجود خلاف حول صحة المعلومات ودقتها. وفي رد فعل على الوضع المستجد، أرسلت الحكومة المصرية مزيداً من القوات إلى شبه جزيرة سيناء وطالبت بخروج قوة الطوارئ التابعة للأمم المتحدة من المنطقة. وفي 16 مايو 1967 م، طلبت القيادة المصرية خروج قوات الأمم المتحدة من المواقع المتمركزة في سيناء. وتابعت الحكومة المصرية هذا الطلب رسمياً في الأيام التالية، وتمركزت القوات المصرية تدريجياً في المناطق الحدودية وقطاع غزة ومحيط شرم الشيخ. وبدأ الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك، يو تانت، بعد تلقي الطلب المصري، عملية خروج قوات حفظ السلام. واستمر خروج هذه القوات حتى يونيو 1967 م.
وفي 22 مايو، أعلن جمال عبد الناصر، رئيس جمهورية مصر، أن عبور السفن الإسرائيلية من مضيق تيران سيكون ممنوعاً. ويقع هذا المضيق عند مدخل خليج العقبة، وكان يوفر المسار البحري لوصول إسرائيل إلى ميناء إيلات. واعتبرت إسرائيل إغلاق المضيق تهديداً لحرية الملاحة وأمنها الاقتصادي، وعدّته أحد الأسباب الرئيسية لتبرير الهجوم العسكري. وفي 30 مايو 1967 م، وقع الأردن أيضاً معاهدة دفاع مع مصر. وفي أعقاب هذا الاتفاق، خضعت القوات الأردنية لتنسيق القيادة العربية، وتمركزت قوات من العراق أيضاً لدعم التحالف العربي في المنطقة. وبذلك تجاوزت الأزمة مواجهة ثنائية بين مصر وإسرائيل، وارتفع احتمال توسعها إلى عدة جبهات. وفي إسرائيل، أدى النقاش حول كيفية الرد على إجراءات مصر وغيرها من الحكومات العربية إلى قرار بدء العمليات العسكرية. وبعد اجتماعات عسكرية وسياسية، قررت الحكومة الإسرائيلية في 4 يونيو بدء الهجوم من صباح اليوم التالي.
القدرة العسكرية للأطراف المتحاربة
كانت إسرائيل في بداية الحرب تمتلك قوة برية وجوية أصغر مقارنة بمجموع الجيوش العربية، لكنها كانت تتمتع بقيادة مركزية وجاهزية عملياتية وقدرة عالية على التنسيق بين القوة الجوية والوحدات البرية. واستخدمت القوة الجوية الإسرائيلية طائرات فرنسية الصنع، منها ميراج 3 وميسترال وسوبر ميسترال وأوراغان. وركز تخطيط هذه القوة على الهجوم السريع على القواعد الجوية للعدو وتدمير قدرته على دعم القوات البرية. وكانت مصر تمتلك أكبر قوة عربية في الحرب. وتكون جيش هذا البلد من وحدات مشاة ومدرعة وميكانيكية، وكان جزء كبير منه متمركزاً في شبه جزيرة سيناء. وكانت دبابات تي-54 وتي-55 وعدد كبير من المركبات المدرعة والمدفعية من المعدات المهمة للقوات المصرية.
كما امتلكت القوة الجوية المصرية طائرات مقاتلة مثل ميغ-19 وميغ-21 وقاذفات من عائلة توبوليف. واستخدم الجيش الأردني وحدات منظمة نسبياً ومعدات منها دبابات إم48 باتون الأمريكية الصنع. وكانت القوة الجوية الأردنية، مقارنة بالقوة الجوية المصرية والإسرائيلية، أصغر. كما نشرت سوريا قوة برية ملحوظة على امتداد حدودها مع إسرائيل، واستخدمت معدات مدرعة وطائرات سوفيتية الصنع. ودخل العراق أيضاً الحرب بإرسال وحدات برية والمشاركة في العمليات الجوية. ورغم التفوق العددي لمجموع القوات العربية، فقد أثر على أدائها عدم التنسيق الكامل بين القيادات العسكرية، والضعف في الإنذار المبكر، وهشاشة القواعد الجوية، وصعوبة الاتصال بين بعض الوحدات.
مسار الحرب
الهجوم الجوي الإسرائيلي على مصر

في صباح 5 يونيو 1967 م، بدأت القوة الجوية الإسرائيلية عملية واسعة ضد القواعد الجوية المصرية. وتُعرف هذه العملية باسم عملية موكد. وفي الموجة الأولى، هاجم الجزء الأكبر من الطائرات الإسرائيلية المطارات والمدارج والطائرات المصرية المتمركزة على الأرض. وقد اعتمد تخطيط الهجوم على المفاجأة والسرعة. وتمكنت الطائرات الإسرائيلية، باختيار مسارات طيران وارتفاعات مناسبة، من تجاوز جزء من منظومة الإنذار والدفاع الجوي المصرية. وقد استُهدفت العديد من الطائرات المصرية على الأرض قبل أن تتمكن من الإقلاع ومواجهة المهاجمين. ونتيجة لذلك، دُمر جزء كبير من القدرة العملياتية للقوة الجوية المصرية في الساعات الأولى من الحرب.
وبعد الموجات الأولى، عادت الطائرات الإسرائيلية إلى قواعدها، وأعادت التزود بالوقود وتحميل الذخيرة، ونفذت الهجمات التالية. وقد أدت هذه العملية، من حيث سرعة تكرار الهجمات وحجم الخسائر التي ألحقتها بالقوة الجوية المصرية، دوراً حاسماً في مسار الحرب. وبعد الهجوم على مصر، هاجمت القوة الجوية الإسرائيلية القواعد الجوية الأردنية والسورية أيضاً. ودخل عدد من الطائرات العراقية في الاشتباك خلال العمليات الجوية والهجمات المتبادلة. وقد أدت الهجمات الإسرائيلية على المطارات والطائرات المتمركزة على الأرض إلى مواجهة القوات العربية في بقية الحرب قيوداً جدية في مواجهة القوة الجوية الإسرائيلية. وتختلف التقديرات المنشورة حول العدد الدقيق للطائرات المدمرة، لكن المصادر العسكرية تتحدث عن تدمير مئات الطائرات العربية في أثناء الحرب. وقد وفر التفوق الجوي الإسرائيلي إمكانية اكتشاف أرتال العدو البرية ومهاجمتها والدعم المباشر لقواتها البرية.
جبهة سيناء وقطاع غزة

بعد بدء الهجمات الجوية، بدأ الجيش الإسرائيلي عملياته البرية في شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة. وكانت القوات المصرية في سيناء تمتلك خطوط دفاع ومواقع محصنة، وكانت تتوقع أن يكون الهجوم الإسرائيلي الرئيسي من المحاور المناسبة لحركة الوحدات المدرعة. ومع ذلك، هاجمت القوات الإسرائيلية مواقع مصر من عدة محاور، وتقدمت في بعض المناطق عبر مسارات كان عبورها يُعدّ أصعب. وفي الجبهة الشمالية، هاجمت القوات الإسرائيلية قطاع غزة. وقاومت القوات الفلسطينية المتمركزة في هذه المنطقة، والتي كانت تعمل تحت القيادة المصرية، في بعض المواقع، لكن القوات الإسرائيلية سيطرت على قطاع غزة بعد عدة أيام من القتال. ثم تقدم الجيش الإسرائيلي نحو العريش، إحدى أهم مدن شمال شبه جزيرة سيناء. وفي وسط سيناء، كان أبو عجيلة أحد المناطق الدفاعية المهمة للجيش المصري.
واستخدمت القوات المصرية في هذه المنطقة الدبابات والمدفعية والمواقع الدفاعية لإيقاف تقدم إسرائيل. وهاجم الجيش الإسرائيلي مواقع مصر بهجمات مدرعة وعمليات مشاة ودعم جوي. وتُعدّ اشتباكات أبو عجيلة من المعارك البرية المهمة في حرب الأيام الستة، وقد مهد انهيار المواقع الدفاعية المصرية طريق تقدم القوات الإسرائيلية في الأجزاء الوسطى من سيناء. ومع استمرار التقدم الإسرائيلي وضعف القدرة الجوية المصرية، أصدرت القيادة المصرية أمراً بانسحاب قواتها من سيناء. وقد أدى هذا الانسحاب، الذي جرى في ظروف ضغط جوي وبري، إلى فوضى في بعض المناطق وترك معدات عسكرية.
وتقدمت القوات الإسرائيلية بسرعة في المسارات الرئيسية وسيطرت على المعابر المهمة، وضغطت على حركة القوات المصرية. وفي يومي 7 و8 يونيو، اقتربت القوات الإسرائيلية من الأجزاء الغربية لسيناء ووصلت إلى الساحل الشرقي لقناة السويس. وفي جنوب شبه الجزيرة، تحركت القوات الإسرائيلية نحو شرم الشيخ. وكان للسيطرة على هذه المنطقة أهمية استراتيجية بسبب موقعها بالقرب من مضيق تيران. وبسقوط المواقع الرئيسية لمصر وانسحاب جزء كبير من قواتها، سيطرت إسرائيل على شبه جزيرة سيناء. ومن العوامل المهمة لانتصار إسرائيل في هذه الجبهة التفوق الجوي وسرعة حركة الوحدات المدرعة والتنسيق بين القوات البرية والجوية ومشاكل القيادة والانسحاب في الجيش المصري.
جبهة الأردن والضفة الغربية
لم يكن الأردن في بداية الحرب يرغب في الدخول في معركة واسعة مع إسرائيل، لكن معاهدة الدفاع مع مصر والضغوط السياسية الإقليمية عرضته لمواجهة مباشرة. وفي اليوم الأول من الحرب، استهدفت مدفعية الأردن مواقع في الجزء الغربي من القدس ومناطق أخرى في إسرائيل. وهاجمت القوات الإسرائيلية أيضاً المواقع العسكرية الأردنية رداً على ذلك. وبعد أن تضررت القوة الجوية الأردنية بهجمات إسرائيلية على قواعدها الجوية، حصل الجيش الإسرائيلي على إمكانية أكبر للدعم الجوي للعمليات البرية في الضفة الغربية. وهاجمت القوات البرية الإسرائيلية مواقع الأردن في محاور مختلفة، وتشكلت معارك حول القدس ورام الله ومناطق أخرى في الضفة الغربية.
وفي 7 يونيو، دخلت القوات الإسرائيلية الجزء الشرقي من القدس وسيطرت على المدينة القديمة. وكان هذا الجزء من المدينة حتى ذلك الحين تحت سيطرة الأردن، وكان يضم أماكن دينية مهمة للمسلمين والمسيحيين واليهود. ويُعدّ الاستيلاء على القدس الشرقية من أهم الأحداث السياسية والدينية في الحرب. ثم واصل الجيش الإسرائيلي تقدمه في الضفة الغربية وسيطر على مدن مثل رام الله ونابلس. وبانسحاب جزء من الوحدات الأردنية وتفككها، انتقلت السيطرة على جزء كبير من الضفة الغربية إلى إسرائيل. وفي نهاية عمليات هذه الجبهة، أخضعت إسرائيل الضفة الغربية والقدس الشرقية لسيطرتها العسكرية. وقد غيّر هذا التحول وضع الأراضي الفلسطينية بشكل كبير، ومهد لتشكل مسائل سياسية وقانونية مرتبطة باحتلال هذه المناطق في العقود التالية.
جبهة سوريا ومرتفعات الجولان
دخلت سوريا في الأيام الأولى من الحرب الاشتباك بهجمات مدفعية وبعض العمليات المحدودة ضد مواقع إسرائيل. وبالهجمات الجوية الإسرائيلية على القواعد الجوية السورية، تراجعت قدرة القوة الجوية لهذا البلد. ورغم ذلك، كانت المواقع البرية السورية في مرتفعات الجولان تتمتع بموقع دفاعي مناسب، وكان بعضها في المرتفعات ومواقع محصنة. وكان لمرتفعات الجولان أهمية عسكرية كبيرة؛ لأن ارتفاعات هذه المنطقة تشرف على أجزاء من شمال إسرائيل. ومنذ ما قبل الحرب أيضاً، حوّلت الاشتباكات الحدودية والخلاف على مصادر المياه هذه المنطقة إلى أحد مراكز التوتر بين سوريا وإسرائيل.
في البداية، كانت القيادة الإسرائيلية مترددة في الهجوم البري على الجولان؛ لأن المواقع السورية في المرتفعات كانت تجعل تقدم القوات المدرعة والمشاة صعباً. ومع ذلك، وبعد نجاح إسرائيل في جبهتي مصر والأردن، قرر القادة الإسرائيليون توسيع العمليات إلى هذه المنطقة. وفي 9 يونيو 1967 م، بدأ الجيش الإسرائيلي هجوماً برياً على مرتفعات الجولان. وهاجمت القوات الإسرائيلية، باستخدام المدفعية والدعم الجوي والهجمات المشاة والمدرعة، المواقع الدفاعية السورية. وفي بعض المناطق، كانت المقاومة السورية شديدة، ورافق تقدم القوات الإسرائيلية صعوبة وخسائر. ومع ذلك، أتاح انسحاب عدد من الوحدات السورية والخلل في تنسيق القوات المدافعة للجيش الإسرائيلي التقدم في المرتفعات. وفي 10 يونيو، سيطرت القوات الإسرائيلية على جزء كبير من مرتفعات الجولان. وفي اليوم نفسه، بدأ سريان وقف إطلاق النار في الجبهة السورية. وقد غيّر الاستيلاء على الجولان الموقع العسكري لإسرائيل في الشمال، وتحول إلى أحد مسائل النزاع المستمرة بين إسرائيل وسوريا.
وقف إطلاق النار ونهاية الحرب
دخل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة منذ يوم بدء الحرب للعمل على وقف النزاعات وأصدر قرارات لوقف إطلاق النار. وقد بدأ وقف إطلاق النار بين إسرائيل والأردن في 7 يونيو، وبين إسرائيل ومصر في 8 يونيو. وفي الجبهة السورية أيضاً، بدأ تنفيذ وقف إطلاق النار في 10 يونيو، بعد تقدم إسرائيل في مرتفعات الجولان. وفي نهاية الحرب، سيطرت إسرائيل على مناطق واسعة كانت في السابق تحت إدارة مصر والأردن وسوريا. وقد غيّرت هذه التغييرات الإقليمية موازين القوى العسكرية في المنطقة، وحوّلت مسألة الانسحاب من الأراضي المحتلة إلى أحد المحاور الرئيسية لدبلوماسية الشرق الأوسط.
الخسائر والأضرار
لا تتطابق إحصاءات خسائر حرب الأيام الستة في المصادر المختلفة. فاختلاف تعريف القتلى والمفقودين والأسرى، وكذلك اختلاف التقارير العسكرية للدول المتحاربة، أدى إلى نشر تقديرات مختلفة. ومع ذلك، تؤكد معظم المصادر أن خسائر القوات العربية، وخاصة مصر، كانت أكبر بكثير من خسائر إسرائيل، وأن القوة الجوية للدول العربية تكبدت خسائر فادحة.
| الطرف المتحارب | القتلى | الأسرى | الخسائر الجوية |
|---|---|---|---|
| إسرائيل | حوالي 700 إلى 1000 شخص | حوالي 15 شخصاً | حوالي 40 إلى 50 طائرة |
| الدول العربية | حوالي 10 آلاف إلى 20 ألف قتيل ومفقود | عدة آلاف | أكثر من 400 طائرة |
كما تختلف الإحصاءات المتعلقة بالدبابات وغيرها من المعدات المدرعة في المصادر المختلفة. وقد دُمرت مئات الدبابات والمركبات المدرعة العربية في أثناء العمليات البرية أو استولت عليها القوات الإسرائيلية. ومن جهة أخرى، فقدت إسرائيل أيضاً عدداً من دباباتها وطائراتها ومعداتها العسكرية في أثناء المعارك البرية والجوية.
نتائج الحرب
النتائج الإقليمية
أهم نتيجة لحرب الأيام الستة كانت التغيير الواسع في السيطرة على أراضي الشرق الأوسط. فقد استولت إسرائيل على شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة من مصر، والضفة الغربية والقدس الشرقية من الأردن، ومرتفعات الجولان من سوريا. ونتيجة لذلك، وقع الجزء الأكبر من الأراضي الفلسطينية خارج حدود ما قبل حرب 1967 م تحت سيطرة إسرائيل. وقد أدخل الاستيلاء على هذه المناطق مسألة فلسطين مرحلة جديدة. وتهجّر عدد كبير من الفلسطينيين في أثناء الحرب أو في أعقاب التحولات اللاحقة، وتحول إدارة الأراضي المحتلة إلى أحد الموضوعات الرئيسية في النزاع الإسرائيلي الفلسطيني. كما اكتسب وضع القدس الشرقية، بسبب أهميته الدينية والسياسية، مكانة خاصة في النزاع الإقليمي.
قرار مجلس الأمن 242
في 22 نوفمبر 1967 م، أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة القرار 242 بالإجماع. وقد أكد هذا القرار على ضرورة إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط، وطرح مبادئ منها انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي المحتلة في أثناء الحرب، وإنهاء حالة الحرب بين دول المنطقة، واحترام سيادة الدول وسلامتها الإقليمية، وضمان حرية الملاحة في الممرات المائية الدولية. كما طالب القرار بالتوصل إلى حل عادل لمسألة اللاجئين. وقد تحول القرار 242 إلى أحد الوثائق الرئيسية لمفاوضات سلام الشرق الأوسط، لكن ظل هناك خلاف حول كيفية تنفيذه ونطاق الانسحاب والوضع النهائي للأراضي المحتلة.
النتائج بالنسبة لمصر
شكّل الهجوم العسكري المصري في حرب الأيام الستة ضربة كبيرة لاعتبار الجيش وقيادة جمال عبد الناصر. فقد كشف فقدان شبه جزيرة سيناء والخسائر الفادحة للقوة الجوية عن ضعف في بنية القيادة والجاهزية العسكرية لمصر. ومع ذلك، بقيت الحكومة المصرية بعد الحرب، وسعت في السنوات التالية لإعادة بناء قواتها المسلحة واستعادة سيناء. وقد اشتبكت مصر مع إسرائيل مرة أخرى في حرب 1973 م، وتمكنت في بداية الحرب من عبور قناة السويس واستهداف بعض المواقع الإسرائيلية شرق القناة. وقد أدت المفاوضات اللاحقة إلى معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل في عام 1979 م، وأكملت إسرائيل في عام 1982 م انسحابها من شبه جزيرة سيناء.
النتائج بالنسبة للأردن
فقد الأردن في أثناء الحرب السيطرة على الضفة الغربية والقدس الشرقية. وقد كان لهذا التحول نتائج مهمة من الناحية الإقليمية والسكانية بالنسبة لهذا البلد، وغيّر وضع الفلسطينيين المقيمين في الضفة الغربية. وظلت علاقات الأردن مع إسرائيل في السنوات التالية تحت تأثير مسألة فلسطين ووضع الأراضي المحتلة.
النتائج بالنسبة لسوريا
فقدت سوريا في الحرب مرتفعات الجولان. وقد تحولت هذه المنطقة بعد الحرب إلى أحد المحاور الرئيسية للنزاع بين دمشق وتل أبيب. وفي عام 1981 م، وسّعت إسرائيل قوانينها وإدارتها على الجولان؛ وهو إجراء لم يُعترف به دولياً على نطاق واسع. وظل الخلاف على السيادة ومستقبل الجولان أحد المسائل الأساسية في علاقات البلدين.
النتائج بالنسبة لإسرائيل
عزز الانتصار العسكري لإسرائيل في حرب الأيام الستة الموقع العسكري والسياسي لهذا البلد في المنطقة، وزاد العمق الإقليمي الخاضع لسيطرته. ومع ذلك، فقد خلق الاستيلاء على المناطق الفلسطينية المكتظة بالسكان والاحتفاظ بالأراضي العربية المحتلة مسائل أمنية وسياسية وقانونية جديدة. وقد تحولت السيطرة العسكرية على الأراضي الفلسطينية في العقود التالية إلى أحد محاور الصراع الرئيسية مع الفلسطينيين.
النتائج الإقليمية والدولية
غيّرت حرب الأيام الستة التوازن السياسي والعسكري في الشرق الأوسط وأثرت على علاقات الدول العربية بالقوى الكبرى. فقد ساعد الاتحاد السوفيتي بعد الحرب في إعادة بناء القدرة العسكرية لمصر وسوريا، وتحولت الولايات المتحدة أيضاً إلى أحد أهم الداعمين العسكريين لإسرائيل. وقد عززت هذه التحولات تنافس القوتين العظميين في إطار الحرب الباردة في الشرق الأوسط. كما دفعت هزيمة العرب إلى مراجعة الاستراتيجيات العسكرية والسياسية للدول العربية. وفي المقابل، أضاف الانتصار السريع لإسرائيل إلى سمعة قوتها الجوية وبنية قيادتها. ورغم ذلك، لم تؤد الحرب إلى حل النزاع العربي الإسرائيلي، ومهدت لصراعات لاحقة، منها حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر 1973 م.
الأهمية التاريخية
تُعدّ حرب الأيام الستة من أهم أحداث تاريخ الشرق الأوسط المعاصر. فقد غيّرت هذه الحرب في ستة أيام الحدود العملية ووضع السيطرة على الأراضي بشكل واسع، وحوّلت مسألة احتلال الأراضي الفلسطينية إلى إحدى المسائل المحورية في السياسة الدولية. وقد كانت التفوق الجوي لإسرائيل وسرعة تنفيذ العمليات وضعف التنسيق بين الجيوش العربية من الموضوعات المهمة التي دُرست في الدراسات العسكرية بعد الحرب. وفي الأدبيات السياسية العربية، تُعرف هذه الحرب غالباً باسم «النكسة» بمعنى الهزيمة أو التراجع. وقد أثرت النتائج النفسية والسياسية للهزيمة على مكانة القادة العرب، وخاصة جمال عبد الناصر، وعلى التصور العام للقدرة العسكرية للدول العربية. وفي الوقت نفسه، لم تكن الحرب تعني نهاية النزاع؛ بل أدخلت النزاع على الأراضي المحتلة ومسألة فلسطين وأمن المنطقة مرحلة جديدة.
انظر أيضاً
- الولايات المتحدة الأمريكية
- منظمة الأمم المتحدة
- الدولة العثمانية
- الكيان الصهيوني
- الحرب العالمية الأولى
- فلسطين
- بريطانيا
المصادر
- حرب عام 1967 بين العرب وإسرائيل (حرب الأيام الستة)، موقع جنگاوران، تاریخ النشر: 22 أکتوبر 2023 م، تاریخ الاطلاع: 6 أکتوبر 2026 م.