انتقل إلى المحتوى

المذهب الوضعي

من ویکي‌وحدت


المذهب الوضعي هذا المذهب قائم على أساس الحقائق الخارجية ينقسم إلى قسمين: إجتماعية وحقوقية، أماّ المذهب الوضعي الاجتماعي، فإنّ مبنى القواعد الحقوقية في الإرادة العامّة والحوادث الاجتماعية، وطبقاً لهذه النظرية فإنّ الملاك الحقوقيّ لا ينشأ من إرادة الفرد ولا من الدولة، بل إنّ اعتبار كلّ قاعدة حقوقية يرتبط بميزان احترامها في واقع الحياة الاجتماعية، وعلى هذا الأساس، فلو تمّ وضع قانون من قِبل الدولة ولكنّه أصبح مهجوراً في الواقع العمليّ ولم يكن له أيّ أثر في الحياة الاجتماعية، فإنّه لا ينبغي عدّه من جملة الحقوق، والعكس صحيح، فالقواعد والتقاليد الصادرة من العرف والتي يتمّ رعايتها والالتزام بها من قِبل أفراد المجتمع، تعدّ من جملة القواعد الحقوقية حتّى لو لم تتدخّل الدولة في وضعها، وأماّ المذهب الوضعيّ الحقوقيّ ويسمّى هذا المذهب بالوضعية الحكومية أيضاً، وأهمّ قاسم مشترك بين هؤلاء الحقوقيين، أنّهم يعتقدون بأنّ الحقوق عبارة عن مجموعة من القواعد الصادرة من قِبل الدولة والتي تتكفّل بتنفيذها أيضاً، ويرى هؤلاء العلماء أنّ النظريات المذكورة في دائرة الحقوق إنّما تفيد المقنّن في تعيين القواعد التي تقوده في توضيح الرؤية، وإلّا فما هو مهمّ في نظر المقنّن والحقوقيّ هي قواعد الحقوق الوضعية، وهي التي تضعها الدولة وتثبت اعتبارها ومشروعيتها في هذا الوضع، فلا توجد قاعدة أخلاقية عليا تكون بمستوى أعلى من هذه الحقوق الوضعية.

المعرفة الإجمالية عن المذاهب الوضعية

المذهب الوضعي الذي يقوم على أساس الحقائق الخارجية بدوره ينقسم الى قسمين: إجتماعية وحقوقية: واما لمذهب الوضعي الاجتماعي، فإنّ مبنى القواعد الحقوقية في الإرادة العامّة والحوادث الاجتماعية، وطبقاً لهذه النظرية فإنّ الملاك الحقوقيّ لا ينشأ من إرادة الفرد ولا من الدولة، بل إنّ اعتبار كلّ قاعدة حقوقية يرتبط بميزان احترامها في واقع الحياة الاجتماعية، كما ذهب أحد علماء الحقوق في تعريفه للحقوق: إنّ حقوق كلّ دولة تمثّل مجموعة القواعد الصادرة في زمان معيّن من قِبل المحاكم وسائر الأشخاص الذين يعملون في دائرة الحقوق، حتّى لو تصوّر الناس صحّتها أو خطأها، مفيدة أو مضرّة [١]. وعلى هذا الأساس، فلو تمّ وضع قانون من قِبل الدولة ولكنّه أصبح مهجوراً في الواقع العمليّ ولم يكن له أيّ أثر في الحياة الاجتماعية، فإنّه لا ينبغي عدّه من جملة الحقوق، والعكس صحيح، فالقواعد والتقاليد الصادرة من العرف والتي يتمّ رعايتها والالتزام بها من قِبل أفراد المجتمع، تعدّ من جملة القواعد الحقوقية حتّى لو لم تتدخّل الدولة في وضعها. وأما المذهب الوضعي فإنّ منشأ الحقوق في المذهب الوضعيّ للحقوق هو إرادة من يتمتّعون بالصلاحية في جهاز الحكومة، وينبغي البحث عن القوى والعوامل المؤثّرة في ارادة الدولة في عملية صياغة تلك القوانين والقواعد الحقوقية.

المذهب الوضعي الاجتماعي‌

هذا المذهب هو حصيلة جهود علماء الاجتماع الذين يرون أنّ المجتمع بمثابة كائن حيّ يفترق عن العناصر المكوّنة له، وأنّ الأصول والقواعد الحاكمة عليه مثل الأصول والقواعد الحاكمة على سائر الموجودات الحية.

مؤسس االمذهب الوضعي الاجتماعي‌

وبالنسبة للمبتكر والمؤسّس لهذا النمط من علم الاجتماع الذي يقوم على أساس المذهب الوضعيّ الاجتماعيّ من هو؟ فهناك اختلاف في ذلك، فبعض المفكّرين يعتقد بأنّ مؤسّس علم الاجتماع العلمي هو الإشتراكي الفرنسي المعروف سان سيمون (1760- 1825) لأنّه أعلن بصراحة أنّ المجتمع البشريّ بمثابة كائن حيّ وله وجود وضعيّ. وذهب آخرون إلى أنّ عالم الحقوق الفرنسي (مونتسكيو) هو المؤسس لعلم الاجتماع الحديث، لأنّه تحرّك في جميع فصول كتابه «روح القوانين» على مستوى البحث في القوانين الحاكمة على المجتمعات البشرية. ولكن بعض علماء الحقوق المعاصرين يرون أنّ العالم والمؤرّخ التونسي ابن خلدون، الذي كان يعيش في القرن الرابع عشر الميلادي قد سبق سان سيمون ومونتسكيو في عملية تأسيس علم الاجتماع بعدّة قرون، وقد بحث ابن خلدون الظواهر الاجتماعية من خلال التحقيق الدقيق في حركة التاريخ والطبيعة الاجتماعية للإنسان، وملامح المجتمع البدويّ والمدنيّ ودور الدولة، والمعادلات الاقتصادية في عملية التفاعل الاجتماعي، كلّ ذلك على أساس المنهجية العقلية التجريبية [٢]. لكن مع الأسف فإنّ كتابات ابن خلدون قد تراكم عليها غبار النسيان والإهمال لعدّة قرون، وعندما تمّ اكتشاف هذه الآراء لابن خلدون، كان علم الاجتماع قد خطا خطوات كبيرة، ودخلت مناهج أخرى في هذا النمط من الدراسات، فالمبنى العلميّ لعلم الاجتماع في العصر الحاضر يقوم على أساس آراء اجوست كونت‌واميل دوركايم،

بعض آراء اجوست كونت‌

وهنا نستعرض جملة من هذه الآراء والمقولات: يرى اجوست كونت وأتباعه أنّ الأخلاق والدين لا يؤثّران في إيجاد الحقوق، والمبنى الأصليّ في تشكيل القواعد الحقوقية هو الوجدان العام في واقع المجتمع البشريّ، وتقوم فلسفة اجوست كونت على أساس عنصر المشاهدة والتجربة واجتناب كلّ ما يدخل في المفاهيم المجرّدة الماورائية. والبشرية في نظر اجوست كونت قد مرّت في مسيرتها التاريخية بثلاث مراحل:

  • 1. مرحلة الدين، حيث كان الإنسان القديم يتصوّر أنّ جميع القوى المؤثّرة في الطبيعة عبارة عن اللَّه المتجسّد في هذه الظواهر. وفي هذه المرحلة كانت‌ الحكومات العسكرية هي المسيطرة على المجتمعات البشرية.
  • 2. مرحلة الفلسفة الأولى أو ما وراء الطبيعة، حيث إنّ الإنسان كان في هذا العصر يتصوّر مجرّدات خيالية في ذهنه لغرض تبرير القوانين الطبيعية، وفي هذه المرحلة سادت حكومة علماء الحقوق والفلسفة على الناس.
  • 3. المرحلة العلمية أوالوضعية، حيث تحرّك الإنسان في دراسة الأمور من موقع مشاهدة الحقائق الخارجية والابتعاد عن الأمور التجريدية والخيالية، وفي هذه المرحلة أدرك الإنسان هذه الحقيقة، وهي أنّ الطريق الوحيد للتوصّل إلى الحقائق العلمية هو الاعتماد على منهج الاستقراء وأدوات الحسّ.وقد سار الإنسان في هذا العصر نحو بناء المجتمع الصناعيّ والحضاريّ في واقع حياته‌[٣].

إنّ الوجدان العامّ الذي هو الأساس للقواعد الحقوقية في نظر اجوست كونت، عبارة عن أمر مستقلّ عن التصوّرات وأشكال التقييم الفردية، ولا ينبغي أن نتصوّر أنّه أمر وهميّ وخارج عن إطار الطبيعة، لأنّه يمكن التوصّل إلى‌ المبادى‌ء والأصول التي تعدّ روح وأساس الحقوق من خلال تحليل الظواهر الاجتماعية وتفسيرها، وهذه الأصول وبسبب شموليتها، لابدّ أن تكون ملزمة.

مناقشة هذا المذهب

  • 1. إنّ أهمّ النقود والإشكالات الواردة على هذا المذهب الوضعيّ الاجتماعيّ، هو إنكاره لتأثير الأخلاق والدّين في إيجاد الحقوق، لأنّ أتباع هذه المدرسة يتصوّرون أن المبنى الأصلي للقواعد الحقوقية هو الوجدان العام، في حين أنّ تشكيل الوجدان العام يخضع لمؤثّرات وعوامل مختلفة، ومن أهمّها الأخلاق والدين. والشاهد الحيّ على هذا المعنى، تطابق الكثير من أشكال الحكم للوجدان العام في المجتمعات الدينية على تعاليم الدين السائد في أجواء هذه المجتمعات، من قبيل قبح الربا وكراهية الاختلاط بين الجنسين في هذه المجتمعات.
  • 2. إنّ الهدف من القواعد الحقوقية طبقاً لهذا المذهب يتلخّص في تثبيت وتكريس الوضع الموجود وتبيين وتدوين الوجدان العام، في حين أنّ أحد أهداف‌ المقنّنين هو العمل على هداية المجتمع من خلال وضع القوانين المناسبة في خطّ التكامل والتقدّم والفضيلة.
  • وبالطبع فهناك اختلاف في آراء العقلاء على مستوى معرفة مصداق الكمال والتقدّم، إلّاأنّه لا يوجد اختلاف بينهم في أصل ضرورة تحقيق التكامل والتقدّم في أجواء المجتمع. وأساساً فإنّ الإنسان يتحرّك دائماً، لا في وضع القوانين فحسب، بل في جميع أعماله وسلوكيّاته، في سبيل تحقيق السعادة و الكمال الأخلاقيّ والمعنويّ وإلّا فإنّ حياته ستكون فارغة وعديمة المعنى. إنّ صياغة الوجدان العام لابدّ أن تقوم على هذا الأساس أيضاً، ومن هنا نرى أنّ جميع المقنّنين، حتّى أتباع هذه المدرسة، يتحرّكون في وعيهم وسلوكيّاتهم على أساس هذا الفهم الفطريّ وبدون الالتفات إلى‌ عدم مطابقته للأصول المقرّرة في مذهبهم ويصرّحون بأنّه «إذا تقرّر منع السرقة والعدوان على الآخرين فهو من أجل أنّ هذه الجرائم تتقاطع مع ظروف الحياة الاجتماعية وحركتها في طريق الكمال والرقيّ والفضيلة» [٤].
  • وبديهيّ أنّ الحركة في خطّ التقدّم والكمال لا معنى لها بدون لحاظ الغاية العليا للكمال البشريّ. ومن هنا نشاهد أنّ المفكّرين في المجتمع البشريّ يعيشون دائماً هذا الهاجس، وينطلقون في عملية صياغة الوجدان العام من خلال رفع المستوى الثقافي لأفراد المجتمع والقيام بإصلاحات أساسية للأخطاء وأشكال الخلل المحتملة في عملية التقنين للوصول إلى وضع قوانين أكمل وأفضل.[٥].

المذهب الوضعيّ الحقوقيّ أو الحقوق الوضعية

ويسمّى هذا المذهب بالوضعية الحكومية أيضاً [٦].ولابدّ من الالتفات إلى أنّ هذا العنوان ونظائره غير ناظر إلى‌ مذهب واحد بالخصوص، بل يشير إلى مذاهب متعدّدة أفرزتها عقول جماعة كبيرة من علماء الحقوق من خلال اطروحاتهم وقرائحهم المتنوّعة.وأهمّ قاسم مشترك بين هؤلاء الحقوقيين، أنّهم يعتقدون بأنّ الحقوق عبارة عن مجموعة من القواعد الصادرة من قِبل الدولة والتي تتكفّل بتنفيذها أيضاً. ويرى هؤلاء العلماء أنّ النظريات المذكورة في دائرة الحقوق إنّما تفيد المقنّن في تعيين القواعد التي تقوده في توضيح الرؤية، وإلّا فما هو مهمّ في نظر المقنّن والحقوقيّ هي قواعد الحقوق الوضعية، وهي التي تضعها الدولة وتثبت اعتبارها ومشروعيتها في هذا الوضع، فلا توجد قاعدة أخلاقية عليا تكون بمستوى أعلى من هذه الحقوق الوضعية. يعني أنّ القانون السيّ‌ء يكون ملزماً أيضاً بنفس المقدار الذي يكون فيه القانون الأكمل والأفضل‌ القوى [٧]. وفي نظر هذه المدرسة الحقوقية فإنّ القواعد الحقوقية المطلوبة والمثالية، سواء كانت ناشئة من طبيعة الأشياء أو من العادات والتقاليد الاجتماعية، لا تتمكّن بأيّة حالٍ من معارضة الحقوق الموضوعة، وبالطبع لابدّ من فهم العوامل المؤثّرة في وضع القانون والقوى التي تتدخّل في طبيعة الحركة التقنينية للدولة. وبعبارة أخرى أنّ أتباع المذهب الوضعيّ الحقوقيّ يقبلون بتأثير أمور مختلفة في إرادة الحكومة بالنسبة لوضع القانون من قبيل القواعد المطلوبة والمثالية الناشئة من طبيعة الأشياء أو من الوجدان العام والعادات والتقاليد الاجتماعية، ولكنّ هذه الأمور بحدّ ذاتها تدخل ضمن القواعد الأخلاقية غير الملزمة، وما يبعث على ظهور القواعد الأخلاقية وإيجاد حالة الإلزام لها ليس سوى إرادة الدولة. ويرى عالم الحقوق الفرنسي ريبر وهو من أنصار المدرسة الوضعية، أنّ الحقوق الموضوعة ناشئة من قدرة الدولة، ولكنّ المقنّن ليس حرّاً ومختاراً في وضع هذه القواعد، لأنّه يخضع بدوره للضرورات الاجتماعية والأخلاقية والدينية والحضارية التي يعيشها الناس. ففي الحكومات الليبرالية يكون وضع القانون بعهدة الوكلاء المنتخبين من قِبل الشعب، فالشعب مؤثّر بشكل غير مباشر في إيجاد هذه الحقوق.

أتباع المذهب الوضعي في الحقوق

يمكن تقسيم أتباع هذا المذهب إلى ثلاثة فئات أو مذاهب فرعية:

مذهب الحقوق الدستورية أو التحليلية

ففي نظر أتباع هذا المذهب، أنّ العنصر الأصليّ للحقوق هو اعتمادها على القوّة السياسية للدولة، وهذه الخصوصية هي التي تميّز هذه القواعد عن سائر القواعد الاجتماعية، وطبقاً لهذه النظرية يجب أن تتميّز الحقوق عن القواعد الدستورية التي ليست ذات بعد سياسي كالأخلاق والعادات والتقاليد الاجتماعية، فلو كانت القاعدة فاقدة للضمانة التنفيذيّة من قِبل الحكومة والنظام السياسي، فلا تكون جزءً من الحقوق، لذلك فإنّ هذا المذهب لا يعتبر الحقوق العالمية العامّة فرعاً حقوقياً كاملًا وشاملًا. وعلى هذا الأساس فإنّ كلّ قاعدة حقوقية تمتاز بثلاث خصال تميّزها عن غيرها من القواعد الأخرى:

  • أ) كيفية الأمر أو الدستور.
  • ب) إنّ هذا الأمر صادر من قِبل القدرة السياسية العليا.
  • ج) إنّ أمر القدرة السياسية أو الدولة يتزامن مع وجود إجراءات على مستوى التطبيق.ومن هنا فإنّ أتباع هذا المذهب يريدون حصر علم الحقوق بما هو موجود فعلًا، وتطهيره من الملاحظات الاجتماعية والمثل الفلسفية، وبالتالي تفسير جوهر الحقوق بدون اللوازم الخارجية [٨].

مناقشة هذا المسلك

هناك إشكالات متعدّدة واردة على هذا المذهب ومن أهمّها عدم اهتمامه بأمر العدالة، بل وتبرير مظاهر الظلم والاستبداد، لأنّ هذا المذهب الحقوقيّ يرى أنّ القاعدة الحقوقية إنّما تكون ملزمة إذا كانت مقترنة بضمانة اجتماعية من قِبل القدرة السياسية العليا، فحينئذٍ تكون قاعدة حقوقية يلزم اتّباعها والعمل بها حتّى لو كانت تمثّل الظلم المحض، وعليه فإنّ هذا المذهب يخالف على مستوى النظر حكم العقل والعقلاء في قبولهم للعدالة وضرورة التوصّل إليها وتحقيقها في أجواء المجتمع، ومن جهة عملية أيضاً فإنّه يفتح الطريق لظهور حكومات استبدادية ودكتاتورية، والنتيجة أنّ هذه الرؤية ليست مقبولة لا من الناحية النظرية ولا العملية، ولذلك لا نحتاج هنا لطرح إشكالات أخرى واردة على هذا المذهب.

مذهب علم النفس الحقوقي

هذا المذهب في حين أنّه يرى أنّ الحقوق ناشئة من قدرة الحكومة والدولة، فإنّه يرى اعتبار وتأثير الضرورات الاجتماعية والأخلاقية على مستوى كونها مرتكزات واقعية للقواعد الحقوقية. ويعتقد أصحاب هذا المذهب أنّ الأخلاق حاكمة على الحقوق، وتعدّ معياراً لتقييمها، فالأخلاق تجري في تفاصيل القضايا الحقوقية كجريان الدم في البدن، والحقوق تمثّل الرواسب التاريخية للأخلاق الاجتماعية [٩]. إنّ مهارة الحكّام تتجلّى في عملية استفادتهم من العناصر الأخلاقية لصالحهم، لأنّ القانون الذي يتوافق وينسجم مع طبيعة القيم الأخلاقية السائدة بين الناس يسهل أمر تطبيقه، والأخلاق مضافاً إلى تدخّلها في وضع القاعدة الحقوقية، فإنّها تؤثّر أيضاً في كيفية تفسيرها وتطبيقها على واقع الحياة، بل إنّها تتمتّع بالصلاحية لإلغاء تأثير القاعدة الحقوقية، وعلى هذا الأساس فإنّ الأخلاق هي العامل الأساس لإيجاد الحقوق، ولا ينبغي أن نتصوّر أنّها أحد المباني التي يقرّر الحقوقيون معالم الحقوق على أساسها في عملية التقنين وفي المباني الحقوقية [١٠].

المذهب الواقعيّ للحقوق (رئاليسم) في‌أمريكا

طبقاً لرؤية هذا المذهب، فإنّ الحقوق تنشأ من آراء المحاكم، ومن هنا يعتمد هذا المذهب بشكل خاصّ على علم النفس القضائيّ والعوامل الأخرى التي تساهم في عملية التحقيق في القواعد الحقوقية. والقاضي في نظر أتباع هذا المذهب كالمقنّن، وأنّ الحقوق هي منهج بإمكانه تعيين حكم المحكمة في كلّ قضية في مرتبة سابقة. ومن أجل أن تكون لنا رؤية أفضل لتفاصيل هذا المذهب، لابدّ من الالتفات إلى كيفية دخوله في نظام «كامن لو» الذي يعتبر أحد الأنظمة الحقوقية الثلاثة الكبيرة في العالم (أي النظام الحقوقي الإسلامي، نظام الحقوق المدوّنة وعلى أساس النظام «كامن لو» السائد في بلدان كبريطانيا، وأمريكا، وكندا واستراليا، فإنّ الحقوق تظهر بالتدريج، ومن خلال تصميمات المحاكم في الدعاوى‌ الخاصّة، وتدخّل مجالس التقنين في تدوين الحقوق، لها جهة استثنائية، وبعبارة أخرى، فإنّ المنبع الأصلي للحقوق هو الذوق أو المسلك القضائي الذي يتشكّل بواسطة آراء المحاكم، وأمّا القانون الصادر من مجالس التقنين والتشريع، فيعتبر مصدراً من الدرجة الثانية للحقوق، حيث يحدّ من دائرة «كامن لو» في بعض الموارد، وهذا في مضمونه الدقيق مخالف للنظام الحقوقي الإسلامي والحقوق المدوّنة (الرومية والألمانية).

مناقشة هذا المسلك

  • 1. إنّ مبالغة هذا المذهب بالنسبة لدور آراء القضاة في صياغة الحقوق، لا تخفى على أحد، وبالتالي فإنّ هذ الرأي يتنافى مع أصل تفكيك السلطات‌ وفصل السلطة المقنّنة عن السلطة القضائية، وهو من الأصول الأساسية المقبولة في واقع المجتمعات البشرية والحكومات المعاصرة، وبالتالي فإنّه يؤدّي إلى تفوّق وتعالي إرادة القضاة على إرادة نوّاب الشعب في مجالس التشريع والبرلمان.
  • 2. إنّ قبول المسلك القضائي كمنبع أصلي للحقوق والذي يقوم أساساً على استنتاج القضاة السابقين ورؤيتهم الخاصّة لمقولة العدل والإنصاف، يؤدّي إلى أن‌
  • 3. الإشكال المهمّ الآخر الوارد على المذهب الواقعي للحقوق، أنّه لا يأخذ بعين الاعتبار في جميع تحقيقاته، جميع المسائل الحقوقية المبحوثة في المحاكم كيما تكون آراء القضاة منبعاً أصلياً للحقوق، بل يتمّ الرجوع للدعاوى‌ الخاصّة التي تقع بين الأفراد وتقدّم للمحكمة، في حين أنّ الكثير من المسائل الحقوقية تجري بين أفراد المجتمع في دائرة الأمور الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وأمثال ذلك بدون أن تقع خصومة أو دعوى في موردها، يقول الحقوقيّ الفرنسي (كاربونيه): «إنّ واقع الحقوق لا يتّسق دائماً مع المسلك القضائي، بل حتّى أنّه يتعرّض للتحريف من هذه الجهة، لأنّ المسلك القضائي عبارة عن ترافع، والترافع يختصّ ب (حقوق معرفة الخسائر) لا الحقوق العادية» [١١].

مواضيع ذات صلة

الهوامش

  1. المراد من هذه العبارة هو أنّه أحياناً يلتزم الناس بأمور معينة وفي ذات الوقت يعترضون عليها من قبيل تعيين صداق باهض في مسألة الزواج في المجتمع الإيراني المعاصر، فالناس وإن كانوا لا يقبلون بذلك، فإنّهم مع ذلك يلتزمون به على مستوى العمل
  2. فلسفة الحقوق، ج 1، ص 242 (بالفارسيّة)
  3. فلسفة الحقوق، ج 1، ص 244 و 245 وكليّات الحقوق، ص 80 و 81 (بالفارسيّة)
  4. الصفحة السابقة من هذه المقولة نفسها
  5. مقدّمة علم الحقوق، ص 15، الطبعة التاسعة، 1367 ه. ش
  6. فلسفة الحقوق، ج 1، ص 380 (بالفارسيّة)
  7. البناءة للحقوق، العدد 26، تأليف ريبر، نقلًا عن كليّات الحقوق، ص 108 (بالفارسيّة)
  8. فلسفة الحقوق، ج 1، ص 396 و 397 (بالفارسيّة)
  9. الحقوق المدنية، تأليف ريبر وبولانجه، ج 1، العدد 53؛
  10. فلسفة الحقوق، ج 1، ص 396 و 397 (بالفارسيّة)
  11. الحقوق القابلة للانعطاف، تأليف كاربوينه، ص 18، نقلًا عن فلسفة الحقوق، ج 1، ص 416 (بالفارسيّة)

المصدر