انتقل إلى المحتوى

التبري

من ویکي‌وحدت

التَّبَرِّي هو مصطلح كلامي، ومن التعاليم الاعتقادية والسلوكية الدينية، خاصة لدى الشيعة وبعض الفرق الإسلامية، ويعني التباعد عن أعداء الله. تَبَرِّي هو مصدر عربي على وزن تفعّل، من جذر بَرَأَ، وأصله تَبَرُّؤ، ويُستخدم في اللغة الفارسية غالباً بصيغة "تبرا".

التبرّي في اللغة

التبرّي في اللغة بمعنى الابتعاد عن شيء تكره مجاورته، والتباعد، والتنصل، وما شابه ذلك.

في الفارسية أيضاً، "تبرّي جستن" بمعنى التباعد والتنصل[١].

في الاصطلاح

لمصطلح التبرّي وتعاليمه جذور في القرآن الكريم. ففي القرآن، بالإضافة إلى أن سورة كاملة تبدأ ببراءة الله ورسوله من المشركين، ولهذا سُميت "براءة"، فإن مادة "برء" ومشتقاتها وردت في عشرين سورة، في سبع وعشرين آية، ثلاثين مرة[٢]. ومن ذلك: تبرّي أئمة الضلال والغي من أتباعهم يوم القيامة[٣]، وتمني أتباعهم العودة إلى الدنيا للتبرّي من أولئك الأئمة[٤]، وتبرّي سيدنا إبراهيم من آزر وقومه الذين كانوا أعداء لله ومن معبوداتهم[٥]، والتبرّي من الشرك[٦]، وكذلك إعلان النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) البراءة من مخالفيه، وبراءة المخالفين منه[٧].

جذور التبرّي

عبر تاريخ الإسلام، كان للتبرّي جذور إما في مسائل كلامية واعتقادية، منها مسألة الإمامة والخلافة، أو ناتجة عن أغراض وصراعات سياسية، وأحياناً دوافع شخصية[٨]. وفي هذا السياق، يحتل التبرّي، إلى جانب التولي، مكانة خاصة ودلالة مميزة في المذهب الشيعي، ويعتبر من التعاليم الأساسية لأتباع هذا المذهب، ولذلك تخصص هذه المقالة أساساً لبيان هذا التعليم.

التبرّي في القرآن

استخدم القرآن البراءة والتبرّي بمعناهما اللغوي تقريباً، والمبدأ المشترك فيهما هو المفارقة عن أعداء الله، والانفصال عن عهد وميثاق المشركين والكفار، والانقطاع عن أتباع الباطل[٩].

التبرّي في الروايات

في الأحاديث الواردة عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، تم التأكيد على أهمية التبرّي، وذكر أن "براءة البغض في الله" هي من أوثق عرى الإيمان وأهمها[١٠].

كما أكد الإمام الصادق (عليه السلام) على وجوب البراءة من مخالفي دين الله، وأصدقاء أعداء الله، وأعداء أولياء الله[١١].

التبرّي عند الفرق الإسلامية

تؤمن معظم الفرق والمذاهب الإسلامية، انطلاقاً من تأكيد القرآن الكريم والأحاديث النبوية، بالتبرّي، ولا خلاف بينها في المفهوم القرآني العام وضرورته وأهميته. لكنها اختلفت في تحديد مصداق عدو الله، وكذلك في معيار الخروج عن الدين؛ فقد اعتبر بعضهم، استناداً إلى حقانيتهم في التدين، أنفسهم مصداقاً لأولياء الله، وعدّوا مخالفيهم خارجين عن الدين، وأهل باطل، وأعداء لله، وأوجبوا التبرّي منهم[١٢].

ووفقاً للبغدادي[١٣]، كان عدد كبير من المسلمين يعتقدون، مع انتساب الروافض (الذين يشملون الزيدية، الإمامية، الكيسانية، الغلاة، وعدة فرق أخرى) إلى الإسلام، أنهم ضالون وكفار، ويتبرّؤون منهم. ولم يؤيد هذا الرأي جميع متكلمي وعلماء الإسلام[١٤]، وإن كان بعض العلماء المتأخرين من أهل السنة، ومنهم علي بن علي بن أبي العز الحنفي (ت 792) في شرحه "الطحاوية في العقيدة السلفية"[١٥]، قد أيدوا رأيه[١٦].

التبرّي عند الخوارج

بعد واقعة التحكيم، أوجب الخوارج التبرّي من علي (عليه السلام) وعثمان وبعض آخرين. كما اعتبر الشيعة التبرّي، إلى جانب التولّي الذي هو مفهومه المقابل والمضاد، من فروع الدين ومن الواجبات، وفسّروه بأنه عداوة أعداء أهل بيت النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) والتباعد عنهم[١٧].

التبرّي عند الشيعة

يعتبر الشيعة الإيمان بالإمامة المنصوصة من أصول الدين، ويعتقدون أن الإمامة بهذا القيد (النص على الإمام)، هي امتداد للرسالة، والضامن لحفظ الإسلام وبقائه. والأئمة الاثنا عشر بعد النبي، معصومون ومنصوص عليهم من الله، وقد عرّفهم رسول الله، وكل إمام عرّف الإمام من بعده.

الأئمة هم حفظة الدين من أي تحريف أو نقصان أو تغيير في المعتقدات والأعمال.

بناءً على هذا الاعتقاد، فإن أعداء الأئمة، أي الذين حالوا دون تحقق الإمامة، وبالتالي حالوا دون تحقق الصورة النقية والحقيقية للإسلام، أو كانوا يحملون الضغينة لأهل بيت النبي، فهم أعداء الله، والتبرّي منهم واجب[١٨].

بالإضافة إلى ذلك، اعتبر عدد من علماء ومفسري الشيعة بعض الآيات – منها الآيات 18 و19 من سورة هود، والآية 25 من سورة الأنفال، والآية 22 من سورة المجادلة –، مستندين إلى بعض الروايات المعتبرة في المجاميع الحديثية لأهل السنة، نازلة في شأن علي (عليه السلام)، واعتبروا أعداءه أعداء الله ورسوله، وأوجبوا التبرّي منهم[١٩].

كما وردت أحاديث كثيرة عن النبي الأكرم وأئمة الشيعة (عليهم السلام) تحمل معنى التبرّي؛ ففي حديث عن النبي (صلى الله عليه وآله) مخاطباً علياً (عليه السلام): «أنا سِلْمٌ لِمَنْ سالَمْتَ وَحَرْبٌ لِمَنْ حارَبْتَ»، أي: أنا في سلم مع من سالمته، وفي حرب مع من حاربته. أو قوله: «الأئمة بعدي اثنا عشر، منكر كل واحد منهم منكر لي»، وقوله في علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام): «أنا حَرْبٌ لِمَنْ حارَبَكُمْ وَسِلْمٌ لِمَنْ سالَمَكُمْ»[٢٠].

وتجدر الإشارة إلى أنه من وجهة نظر الشيعة، ليس كل مسلم غير شيعي يعد مصداقاً لوجوب التبرّي، بل فقط أولئك الذين، حسب تعبير الروايات والمصادر الفقهية، "نَصَبُوا العداوة" للعترة النبوية مع علمهم بحقانيتهم، أي أعلنوا العداوة، أو كالغلاة الذين آمنوا بألوهية علي أو إنسان آخر، أو كالمفوضة الذين قالوا إن أمر الخلق والرزق والإحياء والإماتة قد فُوِّض إلى النبي الأكرم وعلي[٢١].

التبرّي من أهل البيت (عليهم السلام)

تاريخياً، كان الخوارج أول فرقة أعلنت أن التبرّي من عثمان وعلي مقدم على أي طاعة، واشترطوا لصحة عقد الزواج التبرّي منهما[٢٢].

كما كان الخوارج يتبرّؤون من الحكمين (أبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص)، ومعاوية، وأصحابهم ومحبيهم[٢٣]، بالإضافة إلى ذلك، كان التبرّي بين مختلف شعب الخوارج شائعاً جداً[٢٤].

كما بذل معاوية جهوداً كبيرة لنشر سب علي (عليه السلام) والبراءة منه في المدن الخاضعة له. ففي بعض الأحيان، كان شرط عمال معاوية للعفو عن دماء أهل منطقة ما، هو أن يتبرأوا من علي ويلعنوه[٢٥].

مروان بن الحكم، في فترة حكمه على المدينة، ورغم نص صلح الإمام الحسن (عليه السلام) مع معاوية، كان يسب علياً ويتبرأ منه حتى بحضور الإمام الحسن، وكان يسعى لنشر سبّه والبراءة منه. واستمر على هذا النهج في فترة حكمه على مصر أيضاً. واستمر هذا الوضع في معظم البلاد الإسلامية حتى خلافة عمر بن عبد العزيز (99-101 هـ)، الذي أصدر أمراً بمنع البراءة من أمير المؤمنين (عليه السلام) وسبه[٢٦].

ومع ذلك، استمرت هذه السنة الأموية حتى زمن قوة العباسيين[٢٧]. ومن بين الخلفاء العباسيين، اشتهر المتوكل (حكم: 232-247 هـ) بعدائه لعلي وآل بيته. ففي عام 236 هـ، أمر بإيذاء واضطهاد الشيعة وإخراجهم من مصر[٢٨]. ووردت تقارير أخرى عن مثل هذه التضييقات والتبري من قبل أتباع بعض المذاهب تجاه شيعة علي (عليه السلام)، مما أدى أحياناً إلى تدخل الخلفاء والحكام لإنهاء تلك الأذى[٢٩].

إظهار التبرّي

على الرغم من أن التبرّي من أعداء أهل البيت يعتبر مصداقاً للتبرّي من أعداء الله وركناً من أركان العقيدة الشيعية، إلا أن الشيعة لم يتفقوا دائماً على مصاديق العداوة؛ فقد أشار أبو الحسن الأشعري[٣٠] إلى وجود وجهات نظر مختلفة لدى الشيعة الزيدية في هذا الشأن.

كما يشكل الشيعة والسنة طيفاً واسعاً فيما يتعلق بكيفية إظهار التبرّي، وكان للحكومات الشيعية والسنية تأثير جدي في تكثيف أو تخفيف التظاهر بالتبرّي.

التبرّي ونهج الوحدة

تجدر الإشارة أيضاً إلى أن السيرة الغالبة لعلماء الشيعة، على الأقل في التظاهر بالتبرّي من الأعداء، تأسياً بعلي (عليه السلام)، كانت تراعي مبدأ تعزيز الوحدة وتوثيق العلاقات بين المسلمين والسعي لتقريب المذاهب الإسلامية.

هناك شواهد كثيرة على ذلك في سير العلماء السلف كـالشيخ المفيد، والسيد المرتضى، والشيخ الطوسي، وعلماء العصر المتأخر والمعاصرين كالميرزا حسن الشيرازي، والميرزا محمد حسين النائيني، وآية الله الحاج آقا السيد حسين البروجردي، والإمام الخميني. ولا شك أن وجود روايات توصي بالابتعاد عن أي تحريض عاطفي وإثارة الأجواء المشحونة بالشك، كان له دور في اتخاذ هذه السيرة[٣١].

التبرّي ونهج الخلاف

ومع ذلك، تم الإبلاغ عن حالات من التبرّي في فترة استقرار بعض الحكومات الشيعية مثل آل بويه، الفاطميون، الصفويون، عادلشاهيون، نظامشاهيون، وقطبشاهيون[٣٢].

ومن جهة أخرى، قام أتباع المذهب السلفي الوهابي بأعمال تقوم على التبرّي، منها الهجوم على مدينتي النجف وكربلاء، ومزارات أئمة الشيعة، وتخريب قبور الصحابة وكبار المذاهب الإسلامية، ومولد النبي الأكرم في مكة[٣٣].

الهوامش

  1. راجع: راغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن؛ ابن منظور؛ صفي پوري، منتهى الأرب في لغة العرب، مادة «برء»؛ نفیسي، فرهنگ نفیسي؛ داعي الإسلام، فرهنگ نظام، مادة «تبرا».
  2. مصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم؛ عبد الباقي، المعجم المفهرس، مادة «برء».
  3. سورة القصص: 41-42، 63؛ وراجع أيضاً سورة البقرة: 166.
  4. سورة البقرة: 167.
  5. سورة التوبة: 114؛ سورة الممتحنة: 4.
  6. سورة الأنعام: 19، 78.
  7. سورة يونس: 41؛ سورة الشعراء: 216.
  8. ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج4، ص54، 56-58.
  9. الطبرسي، ج5، ص3-4؛ عبد الباقي، المعجم المفهرس، مادة «برء».
  10. المتقي، كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، ج1، ص257؛ المجلسي، ج66، ص242.
  11. ابن بابويه، الاعتقادات في دين الإمامية، 1412، ص86.
  12. قس: د. إسلام، الطبعة الثانية، مادة "ف" Tabarru؛ وراجع أيضاً إيرانيكا، مادة "ف" Bara.
  13. البغدادي، الفرق بين الفرق، ص16، 278، 281.
  14. على سبيل المثال: عضد الدين الإيجي، المواقف في علم الكلام، ص394-395.
  15. الحنفي، شرح الطحاوية، ص398-403.
  16. وراجع أيضاً: الأمين، كشف الارتياب، ص148؛ الآلوسي، تاريخ نجد، ص80؛ آل الشيخ، فتح المجيد، ص501-505.
  17. ابن بابويه، الاعتقادات في دين الإمامية، 1412، ص78-81؛ اللاهيجي، سرمایه ایمان، ص154-155.
  18. اللاهيجي، سرمایه ایمان، ص154-155؛ ابن بابويه، الاعتقادات في دين الإمامية، 1412، ص81.
  19. ابن بابويه، الاعتقادات في دين الإمامية، 1412، ص77-78؛ الحسكاني، شواهد التنزيل لقواعد التفضيل، ج2، ص329.
  20. ابن بابويه، الاعتقادات في دين الإمامية، 1412، ص78-81؛ ابن بابويه، الاعتقادات في دين الإمامية، همو، 1410، ص125؛ أخطب الخوارزم، المناقب، ص61؛ الحر العاملي، ج16، ص177-183.
  21. راجع: ابن بابويه، الاعتقادات في دين الإمامية، 1412، ص71-76؛ الطباطبائي اليزدي، العروة الوثقى، ج1، ص67-68؛ النراقي، مستند الشيعة في أحكام الشريعة، ج1، ص204.
  22. راجع: الأشعري، مقالات الإسلاميين، ص86، 88؛ الشهرستاني، الملل والنحل، ج1، ص106؛ الطبري، تاريخ، ج5، ص72.
  23. المسعودي، مروج الذهب، ج3، ص153؛ الدينوري، الأخبار الطوال، ص206.
  24. راجع: الأشعري، مقالات الإسلاميين، ص86-131؛ الشهرستاني، الملل والنحل، ج1، ص105-124.
  25. الطبري، تاريخ، ج5، ص168، 253، 275؛ ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج4، ص58.
  26. راجع: المسعودي، مروج الذهب، ج4، ص17؛ ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج4، ص58-59.
  27. ابن سعد، ترجمة الحسين ومقتله، ص143-144؛ المقريزي، اتعاظ الحنفاء، 1270، ج2، ص338.
  28. ابن الأثير، ج7، ص55-56؛ المقريزي، اتعاظ الحنفاء، 1270، ج2، ص339.
  29. راجع: التنوخي، نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، ج2، ص44، 231-233؛ الصولي، أخبار الراضي بالله والمتقي بالله، ص135-136؛ المسكويه، ج1، ص322؛ ابن الأثير، ج8، ص307-308؛ ياقوت الحموي، معجم الأدباء، ج18، ص57-58.
  30. أبو الحسن الأشعري، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، ص65، 68-69.
  31. على سبيل المثال: ابن بابويه، الاعتقادات في دين الإمامية، 1412، ص82.
  32. راجع: الهمداني، تكملة تاريخ الطبري، ج1، ص183، 187؛ ابن الجوزي، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، ج14، ص150-151؛ ابن الأثير، ج8، ص542-543؛ ابن خلكان، ج1، ص407؛ الذهبي، حوادث ووفيات 351-380 هـ، ص8، 248؛ المقريزي، اتعاظ الحنفاء، 1387، ج1، ص142، 145-146؛ المقريزي، اتعاظ الحنفاء، 1270، ج2، ص286-287، 341-342؛ الفريشته، تاريخ فريشته، ج2، ص11، 109-113؛ العزاوي، تاريخ العراق بين احتلالين، ج3، ص341-343؛ فلسفي، زندگاني شاه عباس اول، ج3، ص889، 894، 895.
  33. راجع: آل محبوبة، ماضي النجف وحاضرها، ج1، ص324-326؛ الأمين، كشف الارتياب، ص13-14، 22-23؛ الكركوكلي، دوحة الوزراء في تاريخ وقائع بغداد الزوراء، ص212.

المصادر