الخطاب التاريخي للإمام الخميني في المدرسة الفيضية
الخطاب التاريخي للإمام الخميني في المدرسة الفيضية عصر عاشوراء ١٣ خرداد ١٣٤٢ ش وكان هذا الخطاب التاريخي للإمام الخميني مقدمة لانتفاضة ١٥ خرداد. وجه الإمام في هذا الخطاب الناري انتقادات حادة لنظام الشاه وأمريكا وإسرائيل، مقارناً بين حكم بني أمية ونظام الشاه ووصف كليهما بأنه معادٍ للإسلام. كما أشار إلى علاقات الشاه بإسرائيل والبهائيين، محذراً إياه ومذكراً إياه بمصير والده رضا خان.
خلفية انتفاضة ١٥ خرداد
مع بداية محرم ١٣٨٣ هـ (خرداد ١٣٤٢ ش)، تحولت قم إلى معقل للمعارضة ضد النظام، وشهدت أجواءً ثورية استثنائية. في عصر عاشوراء ذلك العام (١٣ خرداد)، ألقى الإمام الخميني خطاباً مفصلاً في مدرسة الفيضية كشف فيه عن جرائم النظام البهلوي وانتقد بشدة أمريكا وإسرائيل. كان الحضور الجماهيري كثيفاً لدرجة امتلأت بها ساحات الفيضية ودار الشفاء وحرم السيدة المعصومة والميادين المحيطة، في أعقاب هذا الخطاب الثوري، اقتحمت قوات النظام منزل الإمام البسيط في قم فجر ١٥ خرداد واعتقلته ونقلته سرياً إلى سجن في طهران.
تفجر الانتفاضة
ما إن انتشر خبر الاعتقال حتى خرجت الجماهير الغاضبة في مظاهرات عارمة تطالب بإسقاط النظام الديكتاتوري وإقامة الحكم الإسلامي. وواجه النظام المتظاهرين بوحشية، فأطلق النار عليهم وسالت الدماء في شوارع إيران، لتولد بذلك انتفاضة ١٥ خرداد الخالدة.
نص الخطاب التاريخي
يلي النص الكامل لخطاب الإمام الخميني في ١٣ خرداد ١٣٤٢ ش:
معارضة النظام لأصول الإسلام
"بسم الله الرحمن الرحيم... الآن نحن في عصر عاشوراء... حين أتأمل أحداث عاشوراء، يتبادر إلى ذهني سؤال: إذا كان بنو أمية ونظام يزيد بن معاوية يخوضون صراعاً مع الحسين فقط، فما تفسير تلك الوحشية غير الإنسانية التي ارتكبوها مع النساء والأطفال الأبرياء؟ ما ذنب ذلك الطفل الرضيع؟ وما جرم النساء؟" "أستنتج أنهم كانوا يعادون الأساس ذاته، لم يكونوا ضد الطفل فقط. بنو أمية كانوا يرفضون وجود بني هاشم، لم يريدوا للشجرة الطيبة أن تثبت. نفس هذه الفكرة موجودة في إيران اليوم. ما شأنهم بأطفالنا في السادسة عشرة أو السابعة عشرة من العمر؟ ما ذنب ذلك السيد الشاب للنظام؟ ما فعله للحكومة؟ ما فعله لأجهزة القمع؟ لكن يبدو أنهم يعادون الأساس نفسه، لا الطفل فقط. هم لا يريدون بقاء هذا الأساس، لا يريدون وجود صغارنا ولا كبارنا."
عداء إسرائيل للإسلام وإيران
"إسرائيل لا تريد وجود علماء في هذه البلاد، إسرائيل لا تريد وجود القرآن في هذه البلاد، إسرائيل لا تريد وجود علماء الدين في هذه البلاد، إسرائيل لا تريد تطبيق أحكام الإسلام في هذه البلاد. إسرائيل - بأيدي عملائها السود - دمرت المدارس الدينية. هم يضربوننا ويضربونكم أيها الشعب. يريدون السيطرة على اقتصادكم، يريدون تدمير الزراعة والتجارة، يريدون أن لا يبقى ثروة في هذا البلد، وأن يستولوا على الثروات عبر عملائهم. كل المعوقات يجب إزالتها: القرآن عائق فيجب تحطيمه، العلماء عائق فيجب سحقهم، مدرسة الفيضية عائق فيجب هدمها، طلاب العلوم الدينية قد يصبحون عائقاً في المستقبل فيجب إسقاطهم من السطوح وكسر أيديهم وأرجلهم! كل هذا لكي تحقق إسرائيل مصالحها. وحكومتنا تتبع إسرائيل في إهانتنا!"
المتطفلون
"أيها السادة في قم! لقد شاهدتم يوم الاستفتاء المزيف المخزي الذي لم يحظ إلا بدعم بضعة آلاف، ذلك الاستفتاء المناقض لإرادة الشعب الإيراني. حينها أرسلوا في شوارع قم - مركز الحوزة العلمية وجوار فاطمة المعصومة - مجموعة من السفلة والأوباش في السيارات يهتفون: "انتهى زمن العيش على حساب الآخرين! انتهى زمن أكلة الأرز!" "أيها السادة! انظروا إلى أوضاع مدرسة الفيضية، انظروا إلى هذه الغرف، انظروا إلى هؤلاء الذين يقضون زهرة عمرهم في هذه الغرف، هؤلاء الذين لا يتجاوز دخلهم الشهري ٣٠-٤٠ أو مئة تومان، هل هؤلاء متطفلون؟ أولئك الذين تبلغ ثرواتهم المليارات، الذين يملكون القصور الفاخرة، أليس هؤلاء هم المتطفلون الحقيقيون؟" "هل نحن متطفلون؟ نحن الذين حين توفي المرحوم آية الله الحاج الشيخ عبد الكريم لم يكن لدى أبنائه ما يفطرون عليه في تلك الليلة! (بكاء شديد من الحاضرين). نحن متطفلون؟ نحن الذين ترك المرحوم آية الله البروجردي عند وفاته ديوناً تبلغ ٦٠٠ ألف تومان؟ هل كان متطفلاً؟ بينما أولئك الذين ملأوا البنوك العالمية وشيدوا القصور الفخمة، والذين لا يزالون ينهبون ثروات الشعب لصالحهم ولصالح إسرائيل، أليسوا هم المتطفلون الحقيقيين؟ ليحكم العالم، ليحكم الشعب: من هو المتطفل؟"
النصيحة والتحذير للشاه
أيها االملك!( أنصحك، أيها الشاه، أيها السيد الشاه! أنصحك: كف عن هذه الأعمال. إنهم يخدعونك. لا أريد أن يأتي يومٌ إذا ما رحلت فيه يفرح الجميع. سأروي لك قصة يتذكرها كبار السن: ثلاث دول - الاتحاد السوفيتي وبريطانيا وأمريكا - احتلت إيران، نهبوا ثروات الشعب وانتهكوا أعراضه، لكن الله يشهد أن الناس فرحوا لرحيل الشاه السابق (رضا خان). لا أريد لك أن تنتهي بهذه الطريقة!" "لا تعبث بالشعب إلى هذا الحد! لا تعاد العلماء إلى هذا الحد! إذا كنت حقاً معارضاً فأنت تفكر بشكل خاطئ. إذا كانوا يمليون عليك ما تقول، ففكر قبل أن تتحدث. هل علماء الإسلام حيوانات نجسة؟ هل هم في نظر الشعب حيوانات نجسة كما تزعم؟ إذا كانوا كذلك فلماذا يقبل الشعب أيديهم؟ لماذا يتبركون بالماء الذي يشربونه؟ أيها الملك! هل نحن حيوانات نجسة؟ (بكاء شديد من الحاضرين). أرجو أن لا يكون هذا ما تعنيه!" أنت في الخامسة والأربعين من عمرك، كف عن سماع كلام هؤلاء وأولئك! فكر قليلاً، تأمل قليلاً، اعتبر بعواقب الأمور! خذ العبرة من مصير والدك! اسمع مني، اسمع من العلماء، إنهم يريدون مصلحة الشعب والوطن. هل نحن رجعيون؟ هل أحكام الإسلام رجعية؟ وهل هي 'رجعية سوداء'؟ أما أنت فقمت بـ'ثورة بيضاء'؟ أي ثورة بيضاء هذه؟ لماذا تخدع الناس إلى هذا الحد؟"
"والله! إسرائيل لا تنفعك=
"والله! إسرائيل لا تنفعك، القرآن هو ما ينفعك. بلغني أنهم استدعوا بعض الخطباء إلى جهاز الأمن وقالوا لهم: 'لا تتطرقوا إلى ثلاثة مواضيع: لا تنتقدوا الشاه، لا تنتقدوا إسرائيل، ولا تقولوا إن الدين في خطر'. إذا استثنينا هذه المواضيع الثلاثة فبماذا نتحدث؟ كل مشاكلنا من هذه الثلاثة!" "هم أنفسهم يقولون: الشاه أمر بهدم مدرسة الفيضية، الشاه أمر بقتل هؤلاء... ذلك الرجل الذي جاء إلى الفيضية - سأذكر اسمه عندما آمر بقطع أذنيه - جاء وأصدر الأوامر: 'لماذا تنتظرون؟ انهالوا على الغرف ودمروها كلها!' وإذا سألته: لماذا فعلت هذا؟ يقول: 'صاحب الجلالة أمر بذلك'. هل العلماء أعداء صاحب الجلالة؟ أما إسرائيل فهي صديقة صاحب الجلالة؟ إسرائيل التي تدمر البلاد وتنهب الملك بمساعدة عملائها!"
تأثير البهائيين على الشاه
"أيها الملك! هناك حقائق مؤلمة - وأنا أشعر بالصداع الآن - هناك حقائق خطيرة. لو رجعتم أيها السادة إلى تقويم البهائيين قبل سنتين أو ثلاث، لوجدتم أنهم كتبوا: 'مساواة الرجل والمرأة هي رأي عبد البهاء، والسادة يتبعونه'. ثم يأتي السيد الشاه دون أن يفهم، فيكرر نفس العبارة: 'مساواة الرجل والمرأة'. أيها الملك! لقد لقنوك بهذا الكلام ليتهموك بالبهائية، ولأقول أنت كافر فيطردوك. لا تفعل هذا أيها التعيس!" "التعليم الإجباري العام، وتجنيد النساء، هو رأي عبد البهاء. التقويم موجود، ابحثوا عنه! ألم يطلع الشاه عليه؟ إن لم يطلع فليحاسب الذين اطلعوا وحقنوا هذا المسكين بهذه الأفكار. والله، سمعت أن جهاز الأمن ينوي الإطاحة بالشاه في نظر الشعب، ولذلك لا يبلغونه الحقائق. الأمور أخطر مما تتصورون. بلدنا وديننا في خطر، وأنتم تقولون: 'لا تقولوا إن الدين في خطر'! أليس الدين في خطر؟! وإن لم نتحدث عن الشاه، فمن سيتحدث؟" "كل شيء يُحمّلونه لك. أيها المسكين! لا تدري أن اليوم الذي سيُرفع فيه صوت، لن يكون من بين هؤلاء الذين يدّعون صداقتك. كلهم أصدقاء الدولار، لا دين لهم، لا وفاء عندهم."
العلاقة بين الشاه وإسرائيل
"حزننا كبير، ليس فقط لأن اليوم عاشوراء، ولكن لما يحدث لهذا الشعب، لما يتشكل الآن، هذا ما يحزننا ويخيفنا، ما العلاقة بين الشاه وإسرائيل حتى يقول جهاز الأمن: 'لا تتحدثوا عن إسرائيل، ولا عن الشاه'؟ ما العلاقة بينهما؟ هل الشاه إسرائيلي؟" "بحسب جهاز الأمن، هل الشاه يهودي؟ ليس الأمر كذلك. هو يدعي الإسلام، وهو ملتزم بالإسلام ظاهرياً حسب الشرع. قد يكون هناك سر في هذه العلاقة مع إسرائيل... ربما ما يقال عن أن الأجهزة تريد القضاء على شيء ما يكون صحيحاً. ألا تضع هذا الاحتمال؟ افعل شيئاً إن كنت تضع هذا الاحتمال." "بلغوا هذه الحقائق لهذا الملك، لعلّه يستيقظ، لعلّه يبصر قليلاً. ربما أحاطوا به ومنعوه من سماع هذه الحقائق. نحن حزينون، حزينون جداً على وضع إيران، على وضع هذا البلد المدمر، على وضع هذه الحكومة، على كل هذه الأوضاع. ليدعو السيد الشيرازي، لقد تعبت." [١].
الهوامش
- ↑ الإمام الخميني، صحيفة الإمام، ج١، ص٢٤٣-٢٤٨
المصدر
- [البوابة الشاملة للإمام الخميني (ره)، مأخوذ من مقال "خطاب الإمام الخميني في عصر عاشوراء ١٣ خرداد ١٣٤٢"، تاريخ الاطلاع ١٤٠١/٠٢/٣١].