الإباحة
الإباحة في اللغة: مصدر أباح يُبيح إباحة، أي أذِنَ فيه وأطلقَه وأزالَ الحرجَ عنه.[١] وفي الاصطلاح الفقهي: هي الحكم التكليفي الذي يخيِّر المكلفَ بين فعل الشيء وتركه، من غير مدحٍ على الفعل ولا ذمٍّ على الترك، ولا ثوابٍ ولا عقاب في الآخرة عليه.[٢] وتُعرف أيضاً بأنها: "خطاب الشارع المتعلق بفعل المكلف بالطلب تخييراً بين الفعل والترك".[٣]
حكم الإباحة وأدلتها
الإباحة حكم شرعي كسائر الأحكام التكليفية الخمسة (الواجب، المستحب، المباح، المكروه، الحرام). وقد دلّت عليها الأدلة العامة من الكتاب والسنة، ومنها:
- قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29]. فعموم خلق الأشياء للإنسان يدل على أصل الإباحة ما لم يرد دليل بالتحريم.[٤]
- قوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 32]. فالنص يفيد أن الأصل في الزينة والطيبات من الرزق هو الحِلُّ.
- القاعدة الأصولية الكبرى: "الأصل في الأشياء الإباحة"، وهي قاعدة مُجمعٌ عليها بين المذاهب الإسلامية، ويستثنى منها ما ورد النص بتحريمه.[٥]
أقسام الإباحة
تنقسم الإباحة باعتبارات مختلفة:
باعتبار متعلق الحكم
1. إباحة استعمال: مثل الأكل والشرب من الطيبات. 2. إباحة عقد: مثل جواز عقد البيع والإجارة. 3. إباحة ترك: مثل ترك أنواع من المأكولات المباحة.
باعتبار قوة الدليل ووضوحه
1. الإباحة الصريحة: ما دل الدليل صراحة على إباحته. 2. الإباحة السكوتية (الإباحة الأصلية): ما سكت عنه الشارع فلم يرد في حرمته أو وجوبه دليل، فيبقى على الأصل العام وهو الإباحة.
مواضع الخلاف بين المذاهب في تطبيقات الإباحة
على الرغم من الاتفاق على أصل القاعدة، فإن هناك اختلافاً بين المذاهب الإسلامية، لا سيما بين الفقه الإمامي (الجعفري) ومذاهب أهل السنة الأربعة، في تحديد حكم عدد من المسائل الفرعية، هل هي على الأصل (الإباحة) أم أنها انتقلت إلى حكم آخر؟ وفيما يلي أبرز هذه المواضع:
في المعاملات
1. بيع العينة (بيع التقسيط مع إعادة الشراء بثمن أقل نقداً):
- مذاهب أهل السنة (الحنفية، المالكية، الشافعية، الحنبلية): ذهب جمهورهم إلى تحريم بيع العينة، اعتباراً بأنه حيلة على الربا.[٦]
- الفقه الإمامي: ذهب أكثر فقهاء الإمامية إلى إباحة بيع العينة إذا توافرت شروط البيع الصحيح من تراضي وخلو من الغرر الفاحش، دون اعتبارها حيلة على الربا.[٧]
2. التأمين التجاري (التأمين على الحياة والممتلكات):
- مذاهب أهل السنة: فيه خلاف، فمنهم من منعه (جمهور المتقدمين) لوجود الغرر والجهالة، ومنهم من أباحه بشروط (بعض المعاصرين).[٨]
- الفقه الإمامي: يرى أكثر فقهاء الإمامية المعاصرين حرمة التأمين التجاري لاشتماله على الغرر والجهالة المحرمة، واستثنوا التأمين التعاوني (التكافلي).[٩]
في العبادات
1. الجمع بين الصلاتين (الظهر والعصر، المغرب والعشاء) في الحضر بلا عذر:
- مذاهب أهل السنة: ذهب الجمهور (عدا الحنفية في بعض الصور) إلى أن الجمع في الحضر جائز فقط لعذر كالمطر أو المرض أو السفر.[١٠]
- الفقه الإمامي: يرى فقهاء الإمامية أن الجمع بين الصلاتين مطلقاً (بلا عذر) جائز بل هو الأفضل، استناداً إلى روايات أهل البيت.[١١]
2. مسح الأقدام في الوضوء:
- مذاهب أهل السنة: ذهبوا إلى وجوب غسل الرجلين في الوضوء.[١٢]
- الفقه الإمامي: ذهبوا إلى وجوب مسح الأقدام (أو جزء منها) في الوضوء.[١٣]
في الأطعمة والأشربة
1. أكل الربيض (بيض السمك) والكافيار:
- مذاهب أهل السنة (الشافعية والحنابلة خاصة): يُحرِّمون أكل ما يستخرج من بطن السمكة الميتة (كالكافيار) لأن الميتة نجسة.[١٤]
- الفقه الإمامي: يُبيحون أكل الكافيار وبيض السمك المستخرج من السمكة الميتة، لأن السمك الميت طاهر عندهم إذا كان له فلس.[١٥]
2. شرب الشاي والقهوة عند ورودها:
- مذاهب أهل السنة: حدث خلاف عند ورودها، فمنهم من أباحها ومنهم من كرهها، ثم استقر الرأي على إباحتها لانتفاء دليل التحريم.[١٦]
- الفقه الإمامي: ذهبوا إلى إباحتها من الأصل لعدم وجود دليل على التحريم، وإن وردت روايات في كراهة شرب القهوة في بعض كتبهم دون حرمتها.[١٧]
منهج التعامل مع الخلاف في المباحات
يؤكد علماء المذاهب على أن الاختلاف في هذه الفروع لا يخرجها عن كونها من دائرة المباح أو المكروه، ولا يؤدي إلى التكفير أو التفسيق. وقد وضعوا ضوابط للتعامل مع هذا الخلاف، منها:
- اعتبار الدليل: كل مذهب يستند إلى أدلته الخاصة من الكتاب والسنة وفق منهجه الأصولي.
- احترام الاجتهاد: الاجتهاد في المسائل الفرعية مما يسع فيه الخلاف.
- تغير الأحكام بتغير القرائن: فقد يكون الفعل مباحاً في حالة، مكروهاً أو محرماً في أخرى، وفقاً للقواعد الفقهية كسد الذرائع أو جلب المصلحة ودرء المفسدة.
الخلاصة
تُظهِر مباحث الإباحة غنى الشريعة الإسلامية ومرونتها، كما تُبرز تنوع الاجتهادات الفقهية ضمن الأصول المتفق عليها. والخلاف في تحديد بعض المفردات هل هي على الأصل (الإباحة) أم لا، هو خلاف في التطبيق والاستنباط، وليس في أصل المبدأ التشريعي القاضي بأن الأصل في الأشياء الإباحة. وهذا التنوع يعكس سعة الشريعة وقدرتها على استيعاب مختلف الظروف والاجتهادات.
الهوامش
- ↑ ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، ج 2، ص 405.
- ↑ الجرجاني، علي بن محمد، كتاب التعريفات، ص 25.
- ↑ الآمدي، علي بن محمد، الإحكام في أصول الأحكام، ج 1، ص 115.
- ↑ القرطبي، محمد، الجامع لأحكام القرآن، ج 1، ص 255.
- ↑ الغزالي، محمد، المستصفى من علم الأصول، ج 1، ص 145.
- ↑ ابن قدامة، عبد الله بن أحمد، المغني، ج 4، ص 134.
- ↑ النجفي، محمد حسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، ج 23، ص 50.
- ↑ الزحيلي، وهبة، الفقه الإسلامي وأدلته، ج 5، ص 3432.
- ↑ الخميني، روح الله، تحرير الوسيلة، ج 1، ص 488.
- ↑ النووي، يحيى بن شرف، المجموع شرح المهذب، ج 4، ص 255.
- ↑ الطوسي، محمد بن الحسن، المبسوط في فقه الإمامية، ج 1، ص 109.
- ↑ ابن رشد، محمد بن أحمد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ج 1، ص 17.
- ↑ الحلي، جعفر بن الحسن، شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام، ج 1، ص 31.
- ↑ الرملي، شمس الدين، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، ج 8، ص 152.
- ↑ الخوئي، أبو القاسم، منهاج الصالحين، ج 2، ص 230.
- ↑ ابن عابدين، محمد أمين، رد المحتار على الدر المختار، ج 5، ص 248.
- ↑ النراقي، أحمد بن محمد مهدي، مستند الشيعة في أحكام الشريعة، ج 17، ص 195.