الترجيح

الترجيح: عندما وقع التعارض بين الدليلين نحتاج إلی علاجهما وأن نقدّم أحدهما علی الآخر، فما هو الترجيحات التي تسبّب تقديم أحدهما علی الآخر؟ الإجابة عن هذا السؤال هو الموضوع الأصلي في هذا المقال.

الترجيح

إنّ رأي المشهور في علاج الخبرين المتعارضين هو الترجيح لأحدهما وفق ما يمتلك من مزايا ترجّحه على الآخر، وفي هذا المجال عدّة بحوث ونقاشات:

البحث الأول: تعريف الترجيح

وردت عدّة تعاريف للترجيح:
منها: إظهار قوّة لأحد الدليلين المتعارضين لو انفردت عنه لا تكون حجّة معارضة[١].
منها: تقوية أحد الطرفين ليعلم الأقوى فيعمل به ويطرح الآخر[٢].
منها: تقديم أحد المتعارضين على الآخر في العمل لمزية له عليه[٣].
وهذه التعريفات تعدُّ الترجيح من الأعمال التي يمارسها المجتهد، وأصحابه يشيرون بذلك إلى النقاش الدائر بين بعض الأصوليين في كون الترجيح من شأن المجتهد أم أنّه صفة للدليل[٤].
وهناك تعريفات غير ناظرة إلى هذا النزاع:
منها: اقتران أحد الصالحين للدلالة على المطلوب مع تعارضهما بما يوجب العمل به وإهمال الآخر[٥].
منها: اقتران الأمارة بما يقوى به على معارضها[٦].
منها: فضل أحد المتساويين على الآخر وصفا[٧].
منها: اقتران الدليل الظنّي بأمر يقويه على معارضه بعد قيام التماثل[٨].

البحث الثاني: المرجّحات

وردت مرجّحات كثيرة لحالة التعارض، كما وردت تقسيمات عديدة للمرجّحات.
أمّا متقدّمو الأصوليين[٩] وكذا متأخّرو أهل السنّة[١٠] فقد ذكروا تقسيمات كثيرة التشعّب؛ وذلك بسبب أنّ طريقة بحثهم التعارض مبنيا على عدم التفريق بين التعارض المستقر وغير المستقرّ. ولذلك ورد عن الآمدي قوله ذيل المرجّحات التي ذكرها: «وقد يتشعّب من تقابل هذه الترجيحات ترجيحات اُخرى كثيرة خارجة عن الحصر»[١١] وكذا ورد عن النراقي[١٢].
أمّا متأخّرو أصوليي الشيعة، فقسّمها بعض منهم إلى ثلاثة : سندية ومتنيّة وخارجية ، كما فعل هذا مثل المحقّق القمّي[١٣]، وقسّمها آخر مثل نجل الشهيد الثاني إلى أربعة[١٤]، وقسمها بعض مثل المحقّق الغروي إلى خمسة[١٥].
وقسّمها الشيخ الأنصاري في موضع إلى داخلية وخارجية؛ وذلك باعتبار استقلالها عن الخبر أو عدم استقلالها عنه[١٦]، ثُمّ قسّم الداخلية إلى دلالية (أو في الدلالة) وصدورية وجهتية ومضمونية[١٧].
وشكّك السيّد اليزدي في اعتبار المرجّحات الخارجية قسما؛ باعتبار أنّه لا معنى للترجيح بما لا يوجب قوّة في أحد الخبرين لا صدورا ولا مضمونا، فهي مرجع لا مرجِّح فكانت التقسيمات إحدى مجالات النقاش بين بعض الأصوليين[١٨].
ومن جانب آخر، فإنّ التقسيمات قد تغيّرت على طول تاريخ هذه البحوث، ولذلك نجد اضطرابا في درج المرجّحات، فقد تدرج إحدى المرجّحات في صنف من قبل أصولي، ونفسها تدرج في صنف آخر من قبل أصولي آخر، كما يلحظ هذا بوضوح عند مقارنة المتأخّرين مع المتقدّمين.

أ ـ المرجّحات الداخلية

وهي كلّ مزيّة غير مستقلّة في نفسها، بل متقوّمة بما في الخبر[١٩]، وقد قسّمها الشيخ الأنصاري إلى دلالية وسندية ومتنية وجهتية.

المرجّحات الدلالية

وهي المرجّحات التي تعنى بدلالات المتن، وتعود إلى مبدأ ترجيح الأظهر على الظاهر، كما أنّها تعود عمدة إلى الجمع العرفي، من قبيل: تقديم التخصيص على النسخ. ولذلك يقال: بتقديم المرجّحات الدلالية على باقي المرجّحات[٢٠]. وتطرح تحت عنوان الجمع بين الدليلين.

المرجّحات السندية

وهي المرجّحات التي تُعنى بسند الدليل، ولذلك تخصُّ الدليلين الظنّيين صدورا، ولا تشمل القطعيين صدورا؛ لعدم وجود إشكال في سندهما، وقد عدّها البعض بأربعين وجها[٢١]. وتدعى المرجّحات الصدورية كذلك[٢٢].
وهي عبارة عن اُمور:
منها: كون أحد الراويين عدلاً والآخر غير عدل، مع كونه مقبول الرواية من حيث كونه متحرّزا عن الكذب.
منها: كونه أعدل.
منها: كونه أصدق مع عدالة كلّيهما، ويدخل في ذلك كونه أضبط.
منها: علوّ الإسناد؛ لأنّه كلّما قلّت الواسطة قلّ احتمال الكذب.
منها: أن يكون أحدهما مرسلاً والآخر مسندا فيرجّح المسند؛ لأنّ من المحتمل كون المحذوف مجروحا به.
لكن خالف الشيخ الطوسي في ذلك واعتبر المسند والمرسل المقبول متكافئين[٢٣].
منها: تعدّد الراوي أو كثرة الرواة في أحدهما ووحدة الراوي أو قلّة الرواة في الآخر، فيقدّم متعدد أو كثير الرواة؛ لأنّ رواية الأكثر أقرب إلى الصحّة وأبعد عن السهو[٢٤].
لكن يذهب البعض إلى عدم كون ذلك مرجّحا، وقد نسب هذا القول إلى الكرخي[٢٥].
لكن يردّه الشيخ الأنصاري بأنّ عدم الترجيح بهذا المرجّح يستلزم عدم الأخذ بباقي المرجّحات كذلك.
منها: أن يكون طريق تحمّل أحد الراويين أعلى من طريق تحمّل الآخر، كأن يكون أحدهما بقراءته على الشيخ والآخر بقراءة الشيخ عليه، وهكذا غيرهما من أنحاء التحمّل.[٢٦]
والكثير من المرجّحات الاُخرى التي ذكرت للسند، من قبيل: الترجيح بكبر سنّ الراوي أو قربه من الرسول[٢٧]، والتي قلّ اهتمام المتأخّرين بها، لرفض بعضهم لها أو لوضوحها عند البعض، ومن المحتمل كونها نظرية قد لا نجد موردا لكثير منها.
وقد ناقش البعض في مجمل هذه المرجّحات، فذهب مثل السيّد الخوئي إلى انعدام الدليل على الترجيح بصفات الراوي، كالأعدلية والأفقهية والأصدقية، فالمرفوعة غير حجّة، والمقبولة كان الترجيح بالصفات فيها بين الحكمين لا بين الروايتين، فقد ورد فيها: «الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما...» ولذلك لم يذكر الكليني هذه الصفات في جملة المرجّحات[٢٨].
لكن يرد عليه: بأنّه رغم عدم التصريح بالترجيح بصفات الراوي في الرواية إلاّ أنّ المنشأ في اختلاف الحكمين هو اختلاف الروايتين، فالمناط سارٍ في الروايتين كذلك. ويؤيّد ذلك أنّ الأصدقية صفة تناسب كونها مرجّحة للرواية لا لنفس الحكم[٢٩].
وهناك نقاشات وردود أكثر وردت في هذا المجال[٣٠].

المرجّحات المتنية

وهي التي تعود إلى المتن والنصّ الوارد عن الشارع. وهي في عدّة اُمور:
منها: الفصاحة، فيقدّم الفصيح على غيره؛ لأنّ الركيك بعيد عن كلام المعصوم، إلاّ أن يكون منقولاً بالمعنى.
منها: الأفصحية، ذهب إليه العلاّمة الحلّي ونجل الشهيد الثاني، لكن تأمّل فيه الشيخ الأنصاري، باعتبار أنّ كلام المعصوم الفصيح غير بعيد عن كلام المعصوم، كما أنّ الأفصح ليس أقرب إلى كلامه في مقام بيان الأحكام الشرعية.
منها: استقامة المتن، فإنّ الحديث مستقيم المتن يرجّح على الحديث مضطرب المتن[٣١].
منها: الخبر المنسوب إلى المعصوم قولاً أرجح من المنسوب إليه اجتهادا؛ لقلّة احتمال الخطأ فيه، مع عدم وجود خلاف في قبوله.
منها: المقترن بسبب الحكم أرجح من المجرّد عنه؛ لشدّة اهتمام الأوّل بمعرفة ذلك الحكم بخلاف الثاني.
منها: الخبر المنقول بلفظه أرجح من المنقول بمعناه؛ للإجماع على قبول الأوّل والخلاف في قبول الثاني؛ ولأنّ تطرّق الغلط إلى الثاني أكثر من الأوّل، فالظنّ بصحّته أضعف.
منها: المعتضد بحديث سابق أرجح من غيره.
منها: الدالّ بالمنطوق أرجح من الدالّ بالمفهوم؛ لأنّ المنطوق متّفق عليه والمفهوم مختلف فيه.
منها: ترجيح الأقوى دلالة[٣٢].
وغيرها من المرجّحات[٣٣].

المرجّحات الجهتية

وهي المرجّحات ذات الصلة بوجه الصدور، من التقية وغيرها، فقد يكون الخبر صادرا لمصلحة مقتضية لبيان خلاف حكم اللّه الواقعي، بأن كانت هناك ظروف تدعو إلى التقية أو قد تكون هناك مصالح تدعو إلى هذا الأمر، وهي غير محصورة.
وهذا الأمر مشهود في الروايات المنقولة عن أئمة أهل البيت عليهم‏السلام الذين كانوا يعانون من ظروف تستدعي التقية، فقد يحكمون بما يوافق المذهب السائد والمؤيّد من قبل السلطة لتجنّب ما قد يحصل لأتباعهم من مضايقات[٣٤].
وهذا المرجّح ليس تعبّديا، أي ليس كلّ ما وافق المذهب السائد كان صادرا عن تقيّة ولا يعبّر عن وجهة نظر أهل البيت، بل الأمر يعود إلى ما يمكن استفادته من قرائن تفيد كون الصدور عن تقية أم لا.
وناقش أصوليو الشيعة هذا المرجّح، ووردت عنهم آراء مختلفة في تبريره[٣٥]. ويأتي المزيد حوله؛ باعتباره من المرجّحات الخارجية.

ب ـ المرجّحات الخارجية

وهي اُمور مستقلّة بنفسها حتّى لو لم يكن هناك خبر، أي غير متقوّمة بالخبر، كما هو شأن المرجّحات الداخلية[٣٦].
منها: اعتضاد أحد الخبرين بقرينة من الكتاب[٣٧].
منها: اشتهار أحد الخبرين، سواء كان الاشتهار بمعنى اشتهار روايته بين الرواة، بناءً على كشفها عن شهرة العمل به. أو كان بمعنى اشتهار الفتوى به ولو مع العلم بعدم استناد المفتين إليه.
منها: كون رواية الفقيه أرجح من رواية غيره؛ لأنّه يميّز ما يحتاج إلى قرينة وما لا يحتاج، وقد يكتفي بالعبارة وقد يشير إلى الملابسات، بينما غيره يكتفي بالعبارة دون ذكر القرائن ممّا يسبّب الضلال.
منها: رواية الأفقه أرجح من رواية الفقيه؛ لأنّ احترازه عن الغلط أكثر، فالظنّ الحاصل بخبره أقوى.
منها: كون رواية العالم بالعربية أرجح من رواية غيره؛ لتمكّنه من احتراز الوقوع في الخطأ. وقيل: رواية غير العالم أرجح؛ لأنّه يبالغ في الحفظ بينما العالم بالعربية يعتمد على معرفته.
منها: رواية الأعلم بالعربية أرجح من رواية العالم بها؛ لأنّ ظنّ احترازه أقوى.
منها: مخالفة أحد الخبرين مذهب العامّة، أي المذهب السائد والمؤيّد من قبل السلطة عهد صدور الرواية[٣٨].
وباعتبار اقتران المرجّح الأخير، الوارد في الرواية ذات الصلة، مع مرجّح آخر، وهو موافقة الكتاب، يقرن أحيانا هذان المرجّحان في كلمات أصوليي الشيعة[٣٩].
منها: الترجيح بكثرة الأدلّة؛ باعتبار أنّ كلّ دليل يفيد مقدارا من الظنّ ومجموعها يزيد نسبة الظنّ. نسب هذا الرأي إلى الشافعي[٤٠] وجمهور الأصوليين[٤١].
لكنّ الحنفية رفضوا جواز الترجيح بهذا المرجّح؛ لأنّ الأدلّة إذا كثرت تماثلت وسقط الزائد منها[٤٢].
وهناك مرجّحات أخرى وردت في هذا الباب[٤٣].
والدليل على هذا الصنف من المرجّحات هو ما يستفاد من الأخبار من الترجيح بكلّ ما يوجب أقربية أحدهما إلى الواقع وإن كان خارجا عن الخبرين[٤٤].
واستدلّ العلاّمة الحلّي على هذا الصنف من المرجّحات بإجماع ادّعاه حول وجوب العمل بأقوى الدليلين[٤٥]، وحكى الإجماع غيره كذلك مثل السيّد المجاهد[٤٦].
لكن شكّك البعض في هكذا اجماعات، مع أنّها منقولة غير محصّلة؛ وأنّها إن صحّت فتشمل القوي بنفسه لا بدليل خارجي، وهذا هو الظاهر من هذه القاعدة[٤٧].
الكثير من هذه المرجّحات غير خالية عن النقاش نعرض لموردين منها:
الأوّل: النقاش في أصل اعتبار موافقة الكتاب ومخالفة العامّة من المرجّحات؛ لأنّ الخبر المخالف للكتاب فاقد للحجّية منذ البداية، فهما واردان لتمييز الحجّة عن اللاحجّة من الأخبار لا للترجيح[٤٨].
كما أنّ هناك نقاشا في اتّحاد كلٍّ منهما أو استقلالهما، فيذهب السيّد الخوئي إلى استقلال كلٍّ منهما، والأمر يعود إلى ما يستظهر من كلام المعصوم في المقبولة، حيث قال في موضع: «ينظر ما وافق حكمه حكم الكتاب والسنّة، وخالف العامّة فيؤخذ به، ويترك ما خالف الكتاب والسنّة ووافق العامّة». وقال في موضع آخر: «ما خالف العامة ففيه الرشاد»... فاستظهر استقلالهما، لكن استظهر البعض الآخر اتّحادهما استظهارا لذات العبارة[٤٩].
وهناك نقاشات كذلك في تفسير ووجه الترجيح بمخالفة آراء العامّة، وكذا في المراد من العامّة واُمور من هذا القبيل[٥٠]، وكذلك في كونها من صنف المرجّحات الداخلية أو الخارجية[٥١].
الثاني: ذهب الكرخي إلى كون الشهرة ليست من المرجّحات[٥٢]، وناقش فيها بعض المتأخّرين مثل السيّد الخوئي، وذهب في النهاية إلى أنّها ليست من المرجّحات؛ باعتبار أنّ ما ورد في المقبولة هو الأخذ بالمجمع عليه. وهذا لا ينافي فرض الشهرة في روايتين متعارضتين بعد أمره بالأخذ بالمجمع عليه، فإنّ الشهرة ـ لغة ـ تعني الوضوح، وما في المرفوعة: «خذ بما اشتهر بين أصحابك» محمول على الشهرة بمعناها اللغوي لا الاصطلاحي؛ لأنّ فرض الشهرة بمعناها الاصطلاحي يوجب دخولها تحت عنوان السنّة القطعية، فتكون الرواية الأخرى خارجة عن دليل الحجّية طبعا، بمقتضى ما دلّ على طرح الخبر المخالف للكتاب والسنّة.
هذا مضافا إلى كون المرفوعة غير حجّة لضعف سندها[٥٣].
و الشهيد الصدر بعد ما يستدلّ على الشهرة كمرجّح برواية أخرى لا يستبعد ظهور رواية الطبرسي «خذ بما اجتمعت عليه شيعتنا؛ فإنّه لا ريب فيه»[٥٤] في كون المراد من الاجتماع هو الاجتماع في العمل والفتوى، أي الشهرة الفتوائية؛ باعتبار أنّ الاجتماع فيها يعود إلى الشيعة لا الرواة بالخصوص، وهو يتناسب مع كون المراد الاجتماع في الرأي والعمل[٥٥].
كما لا يستبعد حمل الشهرة في المرفوعة على الشهرة في الفتوى كذلك، وذلك بقرينتين:
الاُولى: افترض السائل إمكان اشتهار روايتين متعارضتين معا، وهذا لا يناسب الشهرة في الرواية المساوق مع قطعية صدورها وإلاّ فلا يبقى مجال للترجيح بالأعدلية والأوثقية عقلائيا.
الثانية: سياق الترجيح بالصفات في المرفوعة يأبى عن إرادة الشهرة الروائية، إذ لو كان المراد ذلك لكان المناسب أن يرجّح ما كان مجموع رواته أعدل وأصدق، بينما الظاهر ممّا ورد في الرواية هو ملاحظة الراويين المباشرين.
وفي النهاية حمل الشهرة في المقبولة على الشهرة في الرواية، وذهب إلى أنّ ظاهر التعبير: «فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم» يثبت هذا المعنى[٥٦].
كما أنّ هناك نقاشات اُخرى في هذا المجال[٥٧].

المرجّحات المنصوصة وغير المنصوصة

المرجّحات التي وردت في كتب الأصوليين، وبخاصّة المتقدّمين منهم، خليط من المرجّحات التي ورد نصٌّ فيها والتي تدعى المنصوصة، والتي لم يرد نصٍّ فيها والتي تدعى غير المنصوصة. وقد اختلف الأصوليون في المرجّحات التي ينبغي إعمالها ما إذا كانت مقتصرة على المنصوصة منها أو تشمل غيرها كذلك، وفي المجال آراء:
الأوّل: الاقتصار على المنصوصة منها، وهو ظاهر كلام الكليني[٥٨]، كما أنّه رأي الأخباريين[٥٩]، وهو مبني على مبدئهم في الاعتماد على ظاهر النصوص والجمود عليها[٦٠]، مضافا إلى اعتبارهم أخبار مثل (الكافي) كلّها صحيحة، ممّا دعاهم إلى إهمال النظر في المرجّحات غير المنصوصة[٦١].
كما هو رأي بعض الأصوليين ممّن تقدّم على الشيخ الأنصاري مثل الفاضل التوني، حيث قال: «وأنا لم أبسط القول فيها؛ لأنّ الملاك في بعضها غير ظاهر، والأولى الرجوع في الترجيح إلى ما ورد به، وهو روايات»[٦٢].
كما أنّه رأي أكثر الذين تأخّروا عن الشيخ الأنصاري مثل المحقّق الخراساني[٦٣]، والسيّد الخوئي[٦٤]، والسيّد الكلبايكاني[٦٥]، والسيّد الروحاني[٦٦]، وبعض آخر[٦٧].
استدلّ المحقّق العراقي على هذا الرأي بأنّ الأصل وإن كان يقتضي وجوب الأخذ بكلّ ما يحتمل أن يكون مرجّحا لأحد المتعارضين، للشكّ في حجّية الآخر والأصل عدمها، إلاّ أنّه يجب الخروج عمّا يقتضيه الأصل بإطلاقات أدلّة التخيير، فإنّ المتيقّن من تقييدها ما إذا كان في أحد المتعارضين أحد المزايا المنصوصة، ولا يستفاد من أدلّة الترجيح وجوب الأخذ بكلّ مزية توجب أرجحية أحدهما سندا أو مضمونا، فالقول بوجوب التعدّي عن المرجّحات المنصوصة خالٍ عن الدليل»[٦٨].
الثاني: وجوب التعدّي إلى كلّ ما يوجب الأقربية إلى الواقع. يظهر هذا الرأي من المحقّق القمّي؛ باعتبار قوله بأنّ المدار في المرجحات هو حصول الظنّ مهما كان صنفها[٦٩]، ومال إليه الشيخ الأنصاري ونسبه إلى جمهور المجتهدين[٧٠]، كما نُسب إلى المشهور[٧١]. ويبدو أنّ الشهرة المدّعاة وعبارة جمهور المجتهدين ناظرة عمدة إلى عهد الشيخ الأنصاري وما قبله؛ لأنّ أكثر المتأخّرين عن الشيخ ذهب إلى القول بعدم التعدّي.
وقد استدلّ الشيخ الأنصاري على هذا الرأي بوجوه، نورد بعضها:
الأوّل: كون المختار بعد التكافؤ والتعادل هو التخيير، والأصل فيه هو العمل بالراجح، بينما الأصل لو كان المختار هو التوقّف والاحتياط هو عدم الترجيح إلاّ بما علم كونه مرجّحا[٧٢].
لكن ردّ هذا بعدّة ردود:
منها: كون الأدلّة لا تنهض على الدلالة على التخيير، ومع عدم وجود مزية منصوصة لا يكون الأخذ بذي المزية متيقّنا، مع أنّ الأصل عدم اعتبار شيء من المتعارضين.
منها: على فرض دلالة الأخبار على التخيير وعلى فرض اعتبار أسانيدها، فإنّها مطلقة من حيث وجود مزية في أحد الخبرين أو عدمه، فقد ورد في بعضها: «يجيئنا الرجلان بحديثين مختلفين، فلا نعلم أيّهما الحقّ؟ فقال: إذا تعلم فموسّع عليك بأيّهما أخذت»[٧٣]. وهذا الكلام صادق مع وجود مزية ومع عدمها، وكذلك غير هذا من الأخبار[٧٤].
الثاني: الأخبار التي تضمّنت المرجّحات المنصوصة احتوت على قرائن تقتضي التعدّي منها إلى غيرها، فإنّ ميزة الأصدقية والأوثقية اعتبرتا لكونهما موجبين لقوّة احتمال صدق الخبر، فلتسري هذه الخصوصية إلى الأضبطية وإلى النقل باللفظ في قبال النقل بالمعنى، أي تلغى خصوصية المنصوصات لتعمّ غيرها كذلك[٧٥].
وردّ هذا باُمور:
منها: إنّ صفات من قبيل الأصدقية وردت في المقبولة، مع أنّها واردة في مجال الحاكم، فموردها الحاكم لا الراوي، ولا دليل على السريان إلى الرواية، مضافا إلى اشتمالها على صفات اُخرى لا ربط لها في تقريب نصّ الراوي إلى الواقع صدورا أو جهة[٧٦].
منها: لم يعلّل الترجيح بالصفات المزبورة بالأقربية للواقع، ولعلّ في الأصدقية والأوثقية خصوصية، كما هو الحال في حجّية خبر الواحد، فإنّا لا نتعدّى به إلى مطلق الظنّ[٧٧].
الثالث: المرجّحات تشمل كلّ ما يوجب الظنّ. يظهر هذا الرأي من السيّد المجاهد.
واستدلّ عليه بأنّها تفيد الظنّ بالصدور، والظنّ حجّة وفق أصالة حجّيه الظنّ، هذا مضافا إلى أنّ الاقتصار على المزايا المنصوصة لو كان واجبا لزم القول بتحريم غير المنصوصة، مع أنّا لم نجد روايات تحرّمها كما حرّمت القياس مثلاً[٧٨].
الرابع: يجوز التعدّي في صفات الراوي دون غيرها. احتمله السيّد اليزدي، بل يظهر ذهابه إليه[٧٩]. وذكره الشيخ المظفر كأحد الأقوال دون التفصيل فيه[٨٠].
استدلّ عليه السيّد اليزدي بالأدلّة التي وردت تحت القول الذاهب إلى الترجيح كأصل ثانوي في التعارض، وهي: الإجماع الذي ادّعاه البعض، وبناء العقلاء، وأضاف إليهما سياق أخبار الترجيح والعلاج، التي تضمّنت فقرات من قبيل الترجيح بالأصدقية في المقبولة والأوثقية في المرفوعة، فيفهم منهما التعدّي في الصفات، من حيث رجوع جميع الصفات التي عُدّت مزايا إلى الأصدقية والأوثقية، فيقال في العدل: كونه أصدق من الفاسق، ويقال في الأضبط: كونه أصدق من غيره، وهكذا... ولذلك اقتصرت الروايتان على ذكرهما دون غيرهما، وبذلك تكون جميع الصفات من المرجّحات المنصوصة[٨١].

البحث الثالث: الترتيب بين المرجّحات

اختلف القائلون بإعمال المرجّحات في مسألة الترتيب بينها، وما إذا كان هناك ترتيب محدّد أم لم يكن، وانقسموا على أقوال:
الأوّل: رعاية الترتيب بالنحو التالي: إذا تعارض حديثان يقدّم الموافق للقرآن والسنّة المقطوعة على المخالف لهما، وإن لم تعلم الموافقة أو المخالفة فالترجيح باعتبار صفات الراوي، ومع التساوي فالترجيح بكثرة الراوي وشهرة الرواية، ومع التساوي فبالعرض على روايات العامّة أو مذاهبهم أو عمل حكّامهم، فيقدَّم المخالف لهم، وإن لم تعلم الموافقة أو المخالفة فيعمل بالأحوط منهما، فإن لم يتيسَّر العمل بالاحتياط يتوقّف إن أمكن التوقّف وإن لم يمكن فالتخيير بينهما.
استظهر هذا الرأي الفاضل التوني من مجموع الروايات الواردة في هذا الباب، ثُمّ نقل قولاً آخر في هذا المجال، وهو أنّ التخيير يختصُّ بالعبادات المحضة والتوقّف بغيرها، واعتبر القول الأخير ممّا تأباه الروايات[٨٢].
الثاني: تقديم المرجّحات السندية أو الصدورية على غيرها.
استدلّ على هذا الرأي بعض من ذهب إليه بأنّ المرجّحات السندية مثل: الشهرة توجب أقربية الرواية المشهورة من الواقع قياسا بالمعارضة لها التي تحظى بمرجّح جهتي أو مضموني[٨٣].
واستدلّ عليه المحقّق النائيني: بأنّ مرجّح الصدور فرع اعتبار صدور المتعارضين، ومع عدم إحراز الصدور لا يصل الدور إلى ملاحظة جهة الصدور[٨٤].
وردّ رأي النائيني واستدلاله: بأنّه مجرّد استحسان لا يصلح لرفع اليد عن ظهور النصوص في تقديم الترجيح بموافقة الكتاب التي هي من المرجّحات المضمونية على الترجيح بمخالفة العامّة، التي هي من المرجّحات الجهتية[٨٥].
الثالث: تقديم المرجّح الجهتي (مخالفة العامّة) على المرجّح السندي.
نسبه أكثر من واحد إلى الوحيد البهبهاني دون إيراد التفاصيل والأدلّة[٨٦].
وردّ السيد الخوئي هذا الرأي: بأنّ مجرّد المخالفة للعامّة لا توجب الترجيح والقطع بالصدور؛ لكثرة المشتركات بين الشيعة والسنّة[٨٧].
الرابع: لزوم رعاية الترتيب حتّى مع القول بالتعدّي وتقدّم المرجّحات الدلالية التي تعنى بالمتن على مرجّحات الصدور والسند، وتقدّم مرجّحات الصدور والسند على مرجّحات جهة الصدور.
ذهب إلى هذا الشيخ الأنصاري واستدلّ عليه: بأنّ المرجّحات الدلالية تدخل في الجمع المقبول الذي يقدّم على الطرح. ويقدّم مرجّح الصدور على مرجّح الجهة؛ لأنّ مورد المرجّح الأخير هو تساوي الخبرين من حيث الصدور، وجهة الصدور متفرّعة على أصل الصدور[٨٨].
وردّ هذا: بأنّه بناءً على التعدية تكون المرجّحات في عرض واحد ويلزم عندئذٍ وقوع التزاحم بينها، فلو كان لأحد الخبرين مزية الشهرة في الرواية وللآخر مزية مخالفة العامّة قدّم عندئذٍ الأقوى مناطا في القرب إلى الصدور. أمّا بناءً على الاقتصار على المنصوصات، فإنّ التعبُّد كما اقتضى الاقتصار على أصل المرجّحات يقتضي التعبُّد في الترتيب بينها وفق ما جاء في الروايات[٨٩].
الخامس: عدم الترتيب بينها.
ذهب إليه البعض مثل المحقّق الخراساني[٩٠] والسيّد محمّد سعيد الحكيم[٩١] والسيّد الروحاني[٩٢].
واستدلّ عليه المحقّق الخراساني: بأنّ الروايات غير واردة لبيان الترتيب، بل لبيان المرجّحات فقط، فلا يستفاد منها الترتيب[٩٣].

البحث الرابع: مرجّحات التعارض بين الدليل العقلي والنقلي

إذا كان الخبر موضع قبول كالمتواتر وأمكن تخصيص القياس كدليل عقلي به أو بالعكس، فيعمل بكلاهما جمعا بين الدليلين[٩٤].
وإذا كان الدليل النقلي خاصّا ودالاًّ على الحكم بمنظومه قدِّم على القياس؛ لكونه أصلاً بالنسبة إلى الرأي، ولقلّة تطرّق الخلل إليه.
أمّا إذا دلّ الخاصّ لا بمفهومه على الحكم فهناك مجال للنظر والموازنة بينه وبين القياس حسب قوّته وضعفه[٩٥].
أمّا بالنسبة لخبر الواحد، فأهل السنّة مختلفون فيه، فجمهورهم يقدّم خبر الواحد على القياس، وقد ذهب إليه الشافعي[٩٦]، ونسب إلى أحمد بن حنبل كذلك.
واستدلّ عليه: بأنّ الخبر قول المعصوم والقياس اجتهاد شخصي، وكذلك كون الخبر يقلّ الخطأ فيه عكس القياس؛ باعتبار كونه اجتهادا.
والمخالفون لرأي الجمهور مختلفون كثيرا، فبعضهم يقدّم القياس على الخبر مطلقا، والبعض الآخر يفصّل، مستدلّين على رأيهم باعتبارات عقلية وكذلك موارد منقولة يبدو منها ترك الصحابة لبعض الأخبار أخذا بالقياس.
كما أنّ أصحاب التفصيل منقسمون من حيث الشروط التي يقدَّم وفقها القياس على الخبر أو بالعكس، تبعا لمستوى اعتبار أو حجّية أو ضعف الخبر، لأجل أنّ ذلك خاضع لسند الحديث تارة ولمتنه اخرى أو لاُمور اُخرى يمكن ترجيح الخبر على القياس أو بالعكس وفقها[٩٧].

البحث الخامس: مرجّحات التعارض بين القياس والاستحسان

هناك اختلاف في المراد من الاستحسان وتعريفه، وبناءً على القول بأنّ الاستحسان ليس تشهيا، بل عدولاً عن الحكم في مسألة بمثل ما حكم به في نظائرها إلى خلافه لوجه أقوى اقتضى ذلك، فالاستحسان عندئذٍ قياس خفي، وهو مرجَّح على القياس الجلي للوجه الأقوى المزبور، وقد يكون استثناءً لمسألة جزئية عن حكم الكلّي. وبذلك يبرّر القائلون به تقديمه على القياس عند التعارض[٩٨].

البحث السادس: مرجّحات التعارض بين الأقيسة

يعالج تعارض الأقيسة كتعارض باقي الأدلّة، ففيها يحصل التعارض كما يحصل في باقي الأدلّة، بل أكثر باعتبار خضوع هذا الدليل للاجتهاد والفكر الإنساني[٩٩].
ويقال في علاجه: إذا كان لأحدهما مزية على الآخر فيعمل وفقها، وإذا لم يكن لأحدهما مزية على الآخر، ففي المجال رأيان على أقلّ تقدير:
الأوّل: التخيير بأيّهما شاء ولا يسقطان، وهو للشافعية.
الثاني: يعمل بأحدهما بعد التحرّي.
أمّا مرجّحات الأقيسة بعضها على بعض فاُمور:
1 ـ المرجّحات بحسب الأصل، من قبيل الموارد التالية:
أ ـ قطعية حكم الأصل، فيرجّح على غير القطعي.
ب ـ قوّة دليل المثبت لأحد القياسين، فإنّه يرجّح على ضعيفه.
ج ـ موافقة أحد القياسين للقواعد الكلّية ومخالفة الآخر لها.
د ـ كون حكم الأصل في أحدهما اتّفق على عدم نسخه، بينما اختلف في الآخر على نسخه، وكثير من المرجّحات الاُخرى.
2 ـ المرجّحات بحسب الفرع، وهي اُمور:
منها: الترجيح بقطعية العلّة في الأصل في أحدهما وعدم قطعية العلّة في الآخر.
منها: كون طريق إثبات العلة في أحدهما أقوى، كما في حالة النصّ القطعي، من طريق الآخر، كما في حالة النصّ الظنّي.
منها: ترجيح قياس الشبه على قياس المعنى.
منها: ترجيح العلّة المتعدّية على القاصرة.
وكثير من المرجّحات الاُخرى.
3 ـ الترجيح بحسب الفرع والأمر الخارجي، وذلك من قبيل:
أ ـ الترجيح بالقطع بوجود العلّة بأن يقطع بوجود العلّة في الفرع في أحدهما ويشتبه بثبوتها في الآخر.
ب ـ الترجيح بالعلم بثبوت أصل أحد القياسين في أحدهما واشتراك الفرع بالنصّ جمله دون الآخر.
ج ـ موافقة أحد القياسين لعمل أهل المدينة دون الآخر.
د ـ موافقة أحد القياسين لعمل الخلفاء الراشدين الأربعة دون الآخر.
هـ ـ موافقه أحد القياسين لظاهر الكتاب أو السنّة دون الآخر.
و ـ موافقة أحد القياسين لقياس آخر دون الآخر.
4 ـ الترجيح بحسب العلّة، وذلك من قبيل الموارد التالية:
أ ـ ترجيح القياس الذي تكون علّته حكمة على الذي علّته وصفا عدميا؛ لأنّ الوصف العدمي لا يكون علّة إلاّ إذا علمنا باشتماله على حكمة قصدها الشارع.
ب ـ ترجيح القياس الذي تكون علّته وصفا عدميا على الذي تكون علّته حكما شرعيا؛ لأنّ الحكم الشرعي لا يكون علّة بمعنى أمارة.
ج ـ ترجيح القياس المعلّل فيه الحكم بعلّة بسيطة على المعلّل الحكم فيه بعلّة مركّبة؛ لأنّ التعليل بالوصف البسيط متّفق عليه، وبالوصف المركّب مختلف فيه؛ ولأنّ البسيط يقلّ فيه الخطأ بعكس المركّب الذي يكثر فيه الاجتهاد.
ووجوه اُخرى كثيرة[١٠٠].
وقد تناول بعض أصوليي الشيعة موضوع التراجيح بين الأقيسة لا من باب القول به، بل من باب التفريع على القول به من قبل أهل السنّة، كما يصرّح بذلك[١٠١].

البحث السابع: المرجّحات وفق صنف الحكم

ناقش بعض الأصوليين مسألة ما إذا كانت هناك أولوية بين الأحكام، لأجل ترجيح بعضها على بعض عند تعارض دليلين دالّين على حكمين مختلفين، وفي هذا المضمار وردت النقاشات التالية:
1 ـ التعارض بين ما تضمّن الحرمة وما تضمّن الإباحة، وهنا ثلاثة آراء:
الرأي الأوّل: ترجيح الذي حكمه الحرمة على الإباحة، وهو ما نسب إلى جمهور الأصوليين، واستدلّ عليه باُمور:
أ ـ العمل وفق الحرمة أحوط، فإنّ مخالفة الحرمة عصيان، ومخالفة الإباحة ليس كذلك.
ب ـ تقديم الإباحة على الحرمة إيضاح واضح، فإنّ الأصل في جميع الأشياء هو الإباحة، وهذا الدليل لم يفد شيئا جديدا، بل يؤكّد الأصل، بينما الحرمة تؤسّس حكما جديدا، ويقدّم التأسيس على التأكيد وفقا لقاعدة واردة في هذا المجال.
ج ـ قوله(ص): «ما اجتمع الحلال والحرام إلاّ وغلب الحرامُ الحلالَ»[١٠٢]. وقوله: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»[١٠٣].
الرأي الثاني: تقديم الذي يفيد الإباحة، واستدلّ عليه بأنّ الذي يفيد الإباحة يفيد التخيير، وفي التخيير مصلحة للمكلّف تمنعه من الوقوع في الحرج الذي رفع بنصٍ قطعي.
الرأي الثالث: التساوي بينهما؛ باعتبارهما حكمين شرعيين، فلا مرجّح بينهما.
2 ـ التعارض بين ما تضمّن الحرمة وما تضمّن الندب.
ويبدو أنّ الآراء الواردة في المورد الأوّل واردة هنا كذلك.
3 ـ التعارض بين ما تضمّن الحرمة وما تضمّن الوجوب.
وفي هذا المجال رأيان:
الرأي الأوّل: ترجيح الحرمة على الوجوب.
واستدلّ عليه باُمور:
أ ـ كون الغالب أنّ التحريم لدفع المفسدة، واهتمام الشارع بدفع المفسدة أكثر من جلب المصلحة.
ب ـ امتثال الموجب للتحريم أيسر؛ لأنّه يتمّ بمجرّد الترك، بينما ينبغي القصد في الواجب.
ج ـ الترك أسهل في طبع الإنسان.
الرأي الثاني: كونهما متساويين، ولا ترجيح لأحدهما على الآخر؛ باعتبار أنّ كلّيهما حكمان شرعيان بمستوى واحد، ولا مزية لأحدهما على الآخر.
4 ـ التعارض بين ما تضمّن الحرمة وما تضمّن الكراهة.
الرأي الوارد هنا هو ترجيح الحرمة على الكراهة؛ لأنّ التزام الحرمة أحوط، ومفسدة الحرمة أكبر من الكراهة.
5 ـ التعارض بين ما تضمّن الوجوب على ما سوى الحرمة.
وهنا يرجّح ما تضمّن الوجوب على ما تضمّن الحرمة؛ باعتبار أنّ الوجوب أحوط من غيره.
6 ـ التعارض بين ما تضمّن حكما تكليفيا وما تضمّن حكما وضعيا.
يوجد هنا رأيان:
الرأي الأوّل: ترجيح الحكم التكليفي على الحکم الوضعي؛ لما تضمّنه التكليفي من ثواب مع أنّه مقصود من قبل الشارع بالذات، بعكس الوضعي.
الرأي الثاني: ترجيح الوضعي على التكليفي؛ لأنّ الوضعي لا يتوقّف على أهلية المخاطب وفهمه وقدرته على الفعل، بخلاف التكليفي[١٠٤].

الهوامش

  1. . كشف الأسرار البخاري 4: 134.
  2. . المحصول الرازي 2: 443 ـ 444.
  3. . نهاية الأفكار ج4، ق2: 185.
  4. . الفائق 2: 343، التعارض والترجيح بين الأدلّة الشرعية 1: 119 ـ 121.
  5. . الإحكام الآمدي 3 ـ 4: 460.
  6. . شرح مختصر المنتهى الأصولي 3: 645، إرشاد الفحول 2: 350.
  7. . كشف الأسرار البخاري 4: 133.
  8. . أصول الفقه مطلوب: 446.
  9. . الإحكام الآمدي 3 ـ 4: 463 فما بعدها، نهاية الوصول (الحلّي) 5: 300 ـ 319، البحر المحيط 6: 149 ـ 193.
  10. . بحوث في التعارض والترجيح: 27 ـ 96، التعارض والترجيح بين الأدلّة الشرعية 2: 229 فما بعدها.
  11. . الإحكام الآمدي 3 ـ 4: 502.
  12. . أنيس المجتهدين 2: 989.
  13. . القوانين المحكمة: 415.
  14. . معالم الدين: 253 ـ 255 الخاتمة.
  15. . الفصول الغروية: 442.
  16. . فرائد الأصول 4: 79.
  17. . المصدر السابق: 80.
  18. . كتاب التعارض: 455.
  19. . فرائد الأصول 4: 79، مقالات الأصول 2: 475، عناية الأصول 6: 130، المحكم في أصول الفقه 6: 216.
  20. . أجود التقريرات 4: 291 ـ 294، بداية الوصول في شرح كفاية الأصول 3: 179، أصول الفقه الإسلامي شلبي: 529 ـ 533.
  21. . بحوث في التعارض والترجيح: 38.
  22. . فرائد الأصول 4: 119 ـ 127، فوائد الأصول 4: 778 ـ 779، مصباح الأصول 3: 413، المحكم في أصول الفقه 6: 213 ـ 214.
  23. . العدّة (الطوسي) 1: 154، فرائد الأصول 4: 114.
  24. . البحر المحيط 6: 150 ـ 152، بحوث في التعارض والترجيح: 39 ـ 45.
  25. . نهاية الوصول الحلّي 5: 301، الإحكام (الآمدي) 3 ـ 4: 463.
  26. . نهاية الوصول الحلّي 5: 301، فرائد الأصول 4: 114 ـ 116.
  27. . البحر المحيط 6: 150 ـ 164، نهاية الوصول 5: 300 ـ 305، التعارض والترجيح في الأدلّة الشرعية 2: 234 ـ 268، المختصر الوافي في أصول الفقه: 255 ـ 257.
  28. . مصباح الأصول 3: 414، المحكم في أصول الفقه 6: 174 ـ 177.
  29. . فوائد الأصول 4: 784 ـ 785.
  30. . بحوث في علم الأصول الهاشمي 7: 372 ـ 374.
  31. . فرائد الأصول 4: 117 ـ 118،
  32. . اللمع: 173 ـ 178، التعارض والترجيح بين الأدلّة الشرعية 2: 287 ـ 311، بحوث في التعارض والترجيح: 75 ـ 76.
  33. . اللمع: 174 ـ 178، المستصفى 2: 246 ـ 249، كتاب التحبير والتقرير 3: 36 ـ 46، نهاية الوصول الحلّي 5: 307 ـ 318، المختصر الوافي: 257 ـ 260، بحوث في التعارض والترجيح: 75 ـ 93.
  34. . فرائد الأصول 4: 119 ـ 127، فوائد الأصول 4: 778 ـ 779، مصباح الأصول 3 : 417 ـ 418 ، المحكم في أصول الفقه 6 : 213 ـ 214.
  35. . فرائد الأصول 4: 119 ـ 138.
  36. . فرائد الأصول 4: 79، عناية الأصول 6: 130، المحكم في أصول الفقه 6: 216.
  37. . اللمع: 176، البحر المحيط 6: 175 ـ 177.
  38. . نهاية الوصول 5: 300 ـ 305، فرائد الأصول 4: 139 ـ 143.
  39. . فرائد الأصول 4: 61، كفاية الأصول: 444، درر الفوائد 2: 665 و 670، مقالات الأصول 2: 478.
  40. . المحصول الرازي 2: 446.
  41. . بحوث في التعارض: 27 ـ 31.
  42. . المحصول 2: 446 ـ 451، كشف الأسرار البخاري 4: 136، بحوث في التعارض: 27 ـ 31.
  43. . البحر المحيط 6: 175 ـ 179.
  44. . فرائد الأصول 4: 140.
  45. . نهاية الوصول الحلّي 5: 286 ـ 287، مبادئ الوصول: 232.
  46. . مفاتيح الأصول: 686.
  47. . فرائد الأصول 4: 141، زبدة الأصول 4: 407.
  48. . كفاية الأصول: 444، أصول الفقه المظفر 3 ـ 4: 254، نهاية الدراية في شرح الكفاية 5 ـ 6: 391.
  49. . مصباح الأصول 3: 414 ـ 415، المحكم في أصول الفقه 6: 184 ـ 185، زبدة الأصول 4: 355.
  50. . فرائد الأصول 4: 121 ـ 137، فوائد الأصول 4: 789، كتاب التعارض: 496 ـ 528.
  51. . عناية الأصول 6: 132، الأصول العامة للفقه المقارن: 355.
  52. . نهاية الوصول الحلي 5: 301.
  53. . مصباح الأصول 3: 412 ـ 413.
  54. . الاحتجاج الطبرسي 1 ـ 2: 358.
  55. . بحوث في علم الأصول الهاشمي 7: 361.
  56. . بحوث في علم الأصول الهاشمي 7: 371 ـ 372.
  57. . المحكم في أصول الفقه 6: 178 ـ 180.
  58. . الكافي 1: 8.
  59. . الحدائق الناضرة 1: 90، الدرر النجفية 1: 313 ـ 314.
  60. . أنظر: أصول الفقه المظفر 3 ـ 4: 261.
  61. . الحدائق الناضرة 1: 97.
  62. . الوافية: 323 ـ 324.
  63. . كفاية الأصول 446 ـ 447.
  64. . مصباح الأصول 3: 411 و 420 ـ 422.
  65. . إفاضة العوائد 2: 383.
  66. . زبدة الأصول الروحاني 4: 377 ـ 382.
  67. . منتهى الأصول 2: 602.
  68. . فوائد الأصول 4: 774 ـ 775، أنظر: نهاية الأفكار 5: 194 ـ 196.
  69. . القوانين المحكمة: 425.
  70. . فرائد الأصول 4: 73 ـ 75.
  71. . كتاب التعارض: 439، أصول الفقه المظفر 3 ـ 4: 261 ـ 262.
  72. . فرائد الأصول 4: 75.
  73. . الاحتجاج الطبرسي 1 ـ 2: 357.
  74. . نهاية الأفكار العراقي ج4، ق2: 193 ـ 194، منتقى الأصول 7: 418 ـ 422، تسديد الأصول 2: 483.
  75. . فرائد الأصول 4: 76.
  76. . تسديد الأصول 2: 484.
  77. . نهاية الأفكار العراقي ج4، ق2: 193 ـ 194، منتقى الأصول 7: 418 ـ 422، زبدة الأصول (الروحاني) 4: 378، تسديد الأصول 2: 483.
  78. . مفاتيح الأصول: 688.
  79. . كتاب التعارض: 439.
  80. . أصول الفقه المظفر 3 ـ 4: 261.
  81. . كتاب التعارض: 439 ـ 453.
  82. . الوافية: 333 ـ 335.
  83. . منتهى الأصول 2: 607.
  84. . فوائد الأصول 4: 781.
  85. . مصباح الأصول 3: 420.
  86. . كفاية الأصول: 454، منتهى الأصول البجنوردي 2: 607، أصول الفقه (المظفر) 3 ـ 4: 257.
  87. . مصباح الأصول 3: 419.
  88. . فرائد الأصول 4: 136 ـ 138.
  89. . نهاية الأفكار العراقي ج4، ق2: 201، أنظر: حقائق الأصول 2: 589 ـ 590.
  90. . كفاية الأصول: 453 ـ 454.
  91. . المحكم في أصول الفقه 6: 219 ـ 220.
  92. . زبدة الأصول 4: 404.
  93. . كفاية الأصول: 456.
  94. . بحوث في التعارض والترجيح: 145.
  95. . الإحكام الآمدي 4: 248 ـ 299.
  96. . الرسالة: 599 ـ 600.
  97. . التعارض والترجيح بين الأدلّة الشرعية 2: 447 ـ 479، بحوث في التعارض والترجيح: 145 ـ 156.
  98. . كشف الأسرار البخاري 4: 19 ـ 20، التعارض والتعادل بين الأدلّة الشرعية 2: 480 ـ 486.
  99. . التعارض والترجيح بين الأدلّة الشرعية 2: 380 ـ 381.
  100. . روضة الناظر: 208، البرهان 2: 205 ـ 246، ميزان الأصول 2: 1028 ـ 1031، البحر المحيط 6: 181 ـ 194، المختصر الوافي في أصول الفقه: 263 ـ 266، أصول الفقه أبو زهرة: 292 ـ 293، أصول الفقه (شلبي): 533 ـ 534، التعارض والترجيح بين الأدلّة الشرعية 2: 383 ـ 394، بحوث في التعارض والترجيح: 118 ـ 139.
  101. . نهاية الوصول الحلّي 5: 338 ـ 364.
  102. . السنن الكبرى البيهقي 7: 169، عوالي اللئالئ 3: 466، ح17.
  103. . مسند أحمد بن حنبل 3: 623 ح 1214، عوالي اللئالئ 3: 330 ح214.
  104. . الإحكام الآمدي 3 ـ 4: 482، روضة الناظر: 209 ـ 210، كتاب التقرير والتحبير 3: 27 ـ 32، ميزان الأصول 2: 1029، البحر المحيط 6: 169 ـ 174، التعارض والترجيح بين الأدلّة 2: 329 ـ 356.