الاستصحاب

الاستصحاب: قاعدة أصوليّة عند المجتهدين تأتي فيما إذا كان لدينا يقين بحالة في زمنٍ سابق وشك بذات الحالة في زمن لاحق، ومقتضى القاعدة هنا الحكم ببقاء الحالة السابقة. و ذلك من قبيل يقيننا بطهارة الإناء سابقا وشكّنا بالطهارة لاحقاً، فنستصحب الحالة المتيقّنة سابقا ونحكم بطهارة الإناء.

تعريف الاستصحاب لغةً

استصحبه: دعاه إلى الصحبة ولازمه، وكلّ ما لازم شيئا فقد استصحبه. [١]. استصحبت الكتاب وغيره: حملته صحبتي، ومن هنا قيل: استصحبت الحال إذا تمسَّكت بما كان ثابتا، كأنَّك جعلت تلك الحالة مصاحبة غير مفارقة. [٢]

تعريف الاستصحاب اصطلاحاً

وردت عدّة تعاريف للاستصحاب:
منها: التمسّك بثبوت ما ثبت في وقت أو حال على بقائه فيما بعد ذلك الوقت وفي غير تلك الحال. [٣]
ومنها: الحكم باستمرار ما كان إلى أن يعلم زواله. [٤]
ومنها: الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذي حكم شك في بقائه. [٥]
ومنها: مرجعية الحالة السابقة بقاءً. [٦]
ومنها: أنَّ ما ثبت في الزمن الماضي فالأصل بقاؤه في الزمن المستقبل. [٧]
ومنها: بقاء الأمر والحال والاستقبال على ما كان عليه في الماضي. [٨]
ومنها: ثبوت أمر في الزمان الثاني بناءً على ثبوته في الزمان الأوّل[٩]، لعدم ما يصلح للتغيير. [١٠]

الاستصحاب لدى الفريقين

لم ينل الاستصحاب لدى أهل السنّة بحثا وافيا بالنحو الذي ناله لدى الشيعة، ورغم إفراد بحث مستقل له في مصادرهم الأصولية، إلاَّ أنَّه أدرج في مصادر القواعد الفقهية ضمن بحوث قاعدة (اليقين لا يُزال بالشك) أو (اليقين لايزول بالشك)، وقد ضمَّ هناك بحوثا تطبيقية تفتقر إلى التنظير والتحليل، لا كما نراه في بحوث الشيعة، رغم الأهميَّة التي أولوها للاستصحاب كأحد موارد قاعدة اليقين المزبورة. إنَّهم يفسِّرون الاستصحاب بثبوت الحالة السابقة دون السعي لتعريف أو تضييق هذه الحالات، فعلى سبيل المثال يعتمدون قواعد كثيرة لإثبات الحالة السابقة، من قبيل: أصالة الإباحة أو الحِلّ، وأنَّ كلَّ شيء حلال حتَّى يُعلم بحرمته، كما هو حال الأطعمة، وكذلك أصالة التحريم الواردة في اللحوم، أي كلّ لحم حرام حتَّى يُعلم تذكيته، وإذا شكّوا بأمر يحتمل تغييره للحكم المتقدِّم أجروا الاستصحاب لإثبات الحكم المتقدِّم ونفوا احتمال تغييره. أمَّا متأخري الشيعة فقد فصَّلوا في هذا المجال كثيرا وقسّموا ـ على سبيل المثال ـ الاحتمال الطارئ أو الشبهة إلى شبهة حكمية ـ كما هو مورد المثال ـ وإلى شبهة موضوعية. وفي باب الشروط والأركان، فقد فرض الشيعة شروطا وأركانا كثيرة للاستصحاب، ضيّقوا من مفهومه من جهة ومن دائرة انطباقه من جهة أخرى، ليميّزوا بينه وبين قواعد أخرى تدخل في باب اليقين، لكن لم نرَ هكذا تفاصيل عن أهل السنّة، وحتَّى المتأخّرين منهم لم يبدو رأيا ـ سلبا أو إيجابا ـ بهذه المستحدثات من البحوث، وظلَّت عندهم بحوث الاستصحاب بدائية. رغم أنّ بعضهم لايعدّونه دليلاً في ذاته ومصدرا مستقلاً للاستنباط بل إعمالاً لدليل[١١]، إلاَّ أنَّه يحظى بأهمية فائقة، تبرز هذه الأهمية من خلال اعتبارهم إيَّاه داخلاً في جُلِّ أبواب الفقه، بحيث عدَّ بعضهم المسائل المستخرجة على أساس الاستصحاب و قاعدة اليقين عموما بثلاثة أرباع الفقه أو أكثر، وسعة استخدام هذه القاعدة يؤيد ذلك. [١٢] وفي مجال الاستدلال على الاستصحاب بالسنّة يستشهد بروايات ربّما لايمكن الاستشهاد بها على الاستصحاب من منظار شيعي، وهي وإن استبطنت مفهوما من مفاهيم القواعد المدرجة تحت اليقين، إلاَّ أنَّ الشيعة باعتبارهم ضيّقوا معنى الاستصحاب وفرضوا شروطا وأركانا له جعلوا منه قاعدة لايمكن الاستدلال عليه بكلّ ما ورد من روايات في مجال اليقين، إلاَّ أنَّ هذا ممكنا من منظار اُصوليي أهل السنّة. [١٣] لايمكن القول هنا بأنَّ الفريقين يختلفان في هذه المجالات، بل الأصح القول بأنَّ اُصوليي أهل السنّة سكتوا أو تركوا دراسة ما استحدثه الشيعة من بحوث لاحقة في الاستصحاب، وهذا أعمّ من القبول أو الرفض، ولأجل هذا السكوت والإغماض تعدُّ معظم البحوث الواردة في الاستصحاب شيعيّة.

أرکان وشروط الاستصحاب

1 ـ اليقين بالحدوث

ذهب المشهور إلى أنَّ اليقين بالحدوث ركن مقوِّم للاستصحاب[١٤]، إلاَّ أنّ الآخوند الخراساني ذهب إلى عدم كونه ركنا، ومفاد دليل الاستصحاب جعل الملازمة بين الحدوث والبقاء، أي أنَّ اليقين الوارد في أدلّة الاستصحاب أخذ كناية عن لزوم البناء والعمل بالتزام حكم مماثل للمتيقّن تعبُّدا إذا كان حكما، وبالتزام حكم مماثل لحكم المتيقّن حقيقةً إذا كان موضوعا. [١٥] والمراد من الحالة السابقة التي وقعت موردا لليقين، أعمّ من كونها حكما شرعيا أو موضوعا ذا حكم شرعي[١٦]، كما أنَّ المراد من اليقين أعمّ من كونه وجدانيا وهو العلم، أو تعبُّديا وهو المستفاد ممَّا اعتبره الشارع يقينا، كالظن الذي قام على اعتباره دليل قاطع. [١٧] وهذا الركن مستفاد من الروايات التي هي أدلّة الاستصحاب. [١٨]

2 ـ الشك في البقاء

أي الشك في بقاء الحالة السابقة أو بقاء المتيقّن. [١٩]، والمراد من الشك ما يقابل اليقين بمعنييه ـ الوجداني والتعبُّدي ـ سواء أكان شكا بالمعنى المنطقي ـ أي تساوي الطرفين ـ أم ظنّا غير معتبر، أم وهما. [٢٠] ودليله كونه مأخوذا في لسان الدليل[٢١]، إضافةً إلى أنَّه لا معنى لفرض القاعدة، بل لا حاجة لها على فرض بقاء اليقين وعدم طرو الشك في بقائه. [٢٢]

3 ـ وحدة المتعلّق أو وحدة القضية المتيقّنة والمشكوكة

من حيث الموضوع والمحمول والنسبة والحمل والرتبة وغيرها، إلاَّ الزمان؛ رفعا للتناقض. [٢٣] والوجه في ركنيته: أنَّه مع تغاير القضيتين (المتيقّن بها والمشكوك بها) لايكون الشك شكا في البقاء، بل في حدوث قضية جديدة. [٢٤]

4 ـ الأثر العملي

ذكره الشهيد الصدر واعتبره ركنا، وبيَّنه بأنحاء ثلاثة[٢٥] وهناك آخرون، كـ : السيد محمد سعيد الحكيم اعتبره في الاستصحاب لكن لم يطلق عليه ركنا، بل شرطا، مع تفريقه بين الشرط والركن. [٢٦]

5 ـ فعلية الشك واليقين

فلا عبرة بالشك التقديري؛ لعدم صدق النقض به، ولا اليقين كذلك؛ لعدم صدق نقضه بالشك. [٢٧] واعتبار هذا الشرط لا من أجل أنَّ الاستصحاب لايتحقَّق معناه إلاَّ بفرضه، بل لأنَّ ذلك مقتضى ظهور لفظ الشك واليقين في أخبار الاستصحاب، فإنَّهما ظاهران في كونهما فعليين، كسائر الألفاظ في ظهورها في فعلية عناوينها. [٢٨]

6 ـ اتصال زمان الشك بزمان اليقين

بمعنى أن لا يتخلَّل بينهما فاصل من يقين آخر، كما هو مفاد تسلُّط النقض بالشك على اليقين. [٢٩]

7 ـ اجتماع اليقين والشك في زمان واحد

والوجه في اعتبار هذا الركن كونه مقوّما لحقيقة الاستصحاب الذي هو إبقاء ما كان، إذ لو لم يجتمع اليقين مع الشك تبدَّل اليقين إلى شك، فلايكون موردا للاستصحاب، بل لـ : قاعدة اليقين. [٣٠]

8 ـ سبق زمان المتيقّن على زمان المشكوك

ولو انعكس ـ أي: سبق زمان المشكوك زمان المتيقّن ـ رجع الأمر إلى الاستصحاب القهقری الذي لا دليل عليه إلاّ في الأمور اللغوية. [٣١]

9 ـ تعدُّد زمان المتيقّن والمشكوك

أي مع اتحاد زمان اليقين والشك يفرض تعدُّد متعلّقهما، وإلاَّ تحوَّل المورد إلى قاعدة اليقين. يستلهم هذا الشرط من نفس الشرط السادس المتقدِّم؛ لأنَّه مع فرض وحدة زمان اليقين والشك يستحيل فرض اتحاد زمان المتيقّن والمشكوك، مع كون المتيقّن نفس المشكوك. [٣٢]

الاختلاف في الأركان والشروط

اختلفت عبارات الأصوليين في ما يعتبر في الاستصحاب، من حيث عدّه ركنا أو شرطا، فبعض استخدم اصطلاح «الركن»[٣٣]، وبعض آخر استخدم عنوان «الشرط» عوضا عن الركن[٣٤]، وبعض آخر استخدم اصطلاح «المقوّمات».[٣٥] الأكثر اختار الثلاثة الأولى كأركان للاستصحاب، وحصر الشيخ الأنصاري الأركان بها[٣٦]، وذكر الشهيد الصدر الركن الرابع، أي الأثر العملي[٣٧]، وبعض آخر حصر الأركان باثنين هما: اليقين السابق، والشك اللاحق المتعلّق بمتعلّق اليقين، وأرجع باقي الشروط إلى هذين الركنين. [٣٨] وأشار بعض بالشروط إلى مثل عدم وجود دليل آخر يوجب انتفاء الحكم الثابت أولاً. [٣٩] وفرَّق بعض بين أركان الاستصحاب وشروطه، وأشار بالأركان إلى بعض ما تقدَّم ذكره، وبالشروط إلى مثل أثر الاستصحاب وعدم معارضته مع حجج أخرى. كما أنّه ميّز بين الركن والشرط في: أنَّ الشرط ما كان خارجا عن ذات الاستصحاب، والركن ما كان يشكِّل جزءا من ذاتياته. [٤٠]

الاستصحاب أمارة أو أصل؟

اختلف الأصوليون في عدّ الاستصحاب من الأمارات أو الأصول، وهناك أكثر من منهج لتحديد الفرق بين الأمارت والأصول[٤١]، لكن يبدو أنّ من لاحظ حيثية الكشف والإحراز عدَّه من الأمارات، ومن لاحظ حيثية كونه مرجعا للمكلَّف عند الشك والحيرة واعتبر حجّيته من جهة دلالة الأخبار عليه عدَّه من الأصول العملية. [٤٢]
الشيخ الأنصاري فصَّل في هذا الموضوع، وفرَّق بين الاستصحاب الذي يكون مبناه الأخبار فيكون أصلاً، وبين أن يكون مبناه حكم العقل فيكون أمارة، إذ قال: «إنَّ عدَّ الاستصحاب من الأحكام الظاهرية الثابتة للشيء بوصف كونه مشكوك الحكم ـ نظير أصل البراءة و قاعدة الاشتغال ـ مبني على استفادته من الأخبار، وأمَّا بناءً على كونه من أحكام العقل، فهو دليل ظنّي اجتهادي، نظير القياس والاستقراء، على القول بهما»[٤٣] وبناءً على هذا التفصيل لابدَّ أن كلاًّ من: السيد المرتضى[٤٤]، و الشيخ الطوسي[٤٥]، والسيد ابن زهرة[٤٦]، و المحقّق الحلّي[٤٧]، و العلاَّمة الحلّي [٤٨]، و الشهيد الأول [٤٩]، و الشهيد الثاني [٥٠]، والشيخ جمال الدين[٥١]، تلقوا الاستصحاب أمارة؛ لأنَّهم ذكروا له أدلّة ومناقشات عقلية. أمَّا المتأخّرون فجلّهم إن لم نقل كلّهم تمسَّكوا بالأخبار كأدلّة على الاستصحاب[٥٢]، وهذا يدلُّ على اعتبارهم إيَّاه أصلاً لا أمارة، وكما يصرّحون بذلك، حتَّى مثل الشهيد الصدر الذي يختلف بعض الشيء في تحديد مقياس الأصل والأمارة. [٥٣] ولو صدقت هذه الضابطة ينبغي لها أن تصدق على الأصوليين مطلقا، مهما كانت مذاهبهم وتوجّهاتهم، فإنَّ بعض من قال بالاستصحاب استدلَّ عليه بالروايات كما استدل بالأدلَّة العقلية. [٥٤] لكنَّ الشيخ المظفر يراه أصلاً حتَّى مع الاستدلال عليه بالعقل، إذ قال: «أمَّا الظن ببقاء المتيقّن ـ على تقدير حكم العقل وعلى تقدير حجّية مثل هذا الظن ـ لا يكون إلاَّ مستندا للقاعدة ودليلاً عليها، وشأنه في ذلك شأن الأخبار وبناء العقلاء، لا أنَّ الظن هو نفس القاعدة حتَّى تكون أمارة؛ لأ نّا نستنتج من هذا الظن أنَّ الشارع جعل هذه القاعدة الاستصحابية لأجل العمل بها عند الشكِّ والحيرة».[٥٥] ويبدو من بعض الذين عدَّوه من الأصول أنّهم اعتبروه من الأصول المحرزة، كما هو الظاهر من كلمات الشيخ النائيني[٥٦] و السيد الخوئي[٥٧] وآخرون. [٥٨]

الألفاظ ذات الصلة

1 ـ قاعدة اليقين

وهي قاعدة تشترك مع الاستصحاب في جملة من الأركان، من قبيل افتراض اليقين، وتختلف في ما يتعلَّق بفعلية اليقين والشكِّ، فاليقين في هذه القاعدة غير فعلي، والشكّ سارٍ في نفس اليقين وفي ذات الزمان الذي تعلَّق به المتيقّن، بمعنى أنّه مع اختلاف زمان الوصفين (اليقين والشكّ) يتَّحد زمان متعلّقيهما (المشكوك والمتيقّن) [٥٩]، أي ما تيقَّنا به نشكّ به كذلك. وتختلف عن الاستصحاب في أنَّا نشكّ في بقاء المتيقّن به لا بذاته، وذلك من قبيل اليقين بحياة زيد يوم الجمعة، فإذا شككنا بحياته يوم السبت كان موردا للاستصحاب، وإذا طرأ ما يزيل اليقين وشككنا بحياته يوم الجمعة كان موردا لقاعدة اليقين. [٦٠] كما أنَّ حيثية الكشف التي تعتمدها قاعدة اليقين هي: (غلبة أنَّ اليقين لايخطئ)، وحيثية الكشف في الاستصحاب هي: (غلبة أنَّ الحادث يبقى). [٦١]

2 ـ قاعدة المقتضي والمانع

هذه القاعدة كالاستصحاب تستبطن اليقين والشكّ، لكنَّها تختلف عن الاستصحاب في انخرام ركن وحدة المتعلَّق فيها، فإنَّ المتعلَّق في القاعدة غير متَّحد في اليقين والشكّ، فمتعلَّق الأوَّل فيها هو وجود المقتضي للشيء ، و متعلَّق الثاني هو حصول المانع من تأثير المقتضي. ومثالها: صبّ الماء على البشرة لتحصيل الطهارة، والشكّ في وجود مانع على البشرة لا تحصل الطهارة معه، فالطهارة لا تتوقَّف على وجود المقتضي فحسب، بل على عدم المانع كذلك. [٦٢] كما أنَّ القاعدة تختلف عن الاستصحاب في الأركان تختلف كذلك في حيثيات الكشف المستبطنة في كلٍّ منهما، فإنَّ حيثية الكشف في الاستصحاب تعتمد قضية (غلبة أنَّ الحادث يبقى) بينما حيثية الكشف في المقتضي والمانع تعتمد قضية (غلبة أنَّ المقتضيات نافذة ومؤثرة في معلولاتها). [٦٣]

3 ـ الاستصحاب القهقری (المقلوب)

ويُدعى في اللغة بأصالة الثبات[٦٤] وهو استصحاب الحاضر في الماضي. [٦٥] هذا الاستصحاب يحوي جميع أركان الاستصحاب إلاَّ اليقين السابق والشكّ اللاحق، فإنَّ اليقين فيه لاحق والشكّ سابق، ومثاله: أن نتيقَّن حاليا بظهور اللفظ في معنى معيَّن، ونشكُّ بثبوت هذا الظهور عهد صدوره من المعصوم، وكذلك إذا تيقَّنا بأنَّ الأمر حقيقة في الوجوب في عرفنا الحاضر، وشككنا في هذه الحقيقة في العرف الماضي، فمقتضى هذا الاستصحاب كونها كذلك في ذلك الزمان أيضا. ويبدو حجّية هذه القاعدة في الأصول اللفظية لدى الشيعة[٦٦] بدليل سيرة العقلاء والعلماء، بل لولاه لانسدَّ باب الاجتهاد والاستنباط، ولاحتملنا في كلّ رواية أنَّها ظاهرة عرفا في معنى عهد الصدور قد تغيَّر هذا المعنى حاليا. [٦٧] وهذا ممّا يبدو من أصوليي أهل السنّة في الأصول اللفظية ـ أيضا ـ بدليل أنَّ الأصل عدم تغيُّر الوضع[٦٨]، أمَّا في غيرها فقد قال الشيخ تقي الدين السبكي: «ولم يقل به الأصحاب إلاَّ في مسألة واحدة، وهو ما إذا اشترى شيئا فادَّعاه مدَّع وانتزعه منه بحجَّة مطلقة، فإنَّهم أطبقوا على ثبوت الرجوع للمشتري على البائع من باب الاستصحاب المقلوب، فإنَّ الحجّة تثبت عدم الانتقال[٦٩]، وأضيف إلى ذلك أمثلة أخرى من قبيل: لو أحرم بالحج وشكَّ هل أحرم قبل أشهره أو بعدها كان محرما بالحج، قالوا: لأنَّه على يقين منه هذا الزمن، وفي شكٍّ ممَّا تقدَّمه، فيجري الاستصحاب القهقری».[٧٠]

4 ـ الأصل المثبت

وهو الأصل الذي يُراد به إثبات الآثار الشرعية المترتبة على اللوازم العقلية لمؤدّاه، وفي مجال الاستصحاب يطلق هذا الاصطلاح على الأصل الذي تقع فيه الواسطة غير الشرعية ـ عقلية أو عادية ـ بين المستصحب والأثر الشرعي الذي يراد إثباته على أن تكون الملازمة بينهما ـ أي بين المستصحب والواسطة ـ في البقاء فقط. [٧١] وبتعبير آخر: الأصل الذي يراد من خلاله إثبات الآثار واللوازم العقلية التي يكون ارتباطها بالمستصحب تكوينيا وليس بالجعل والتشريع، كنبات اللحية اللازم تكوينا لبقاء زيد حيّا، وموته اللازم تكوينا من بقائه إلى جانب الجدار إلى حين انهدامه. [٧٢] وسُمِّي مثبتا؛ لأنَّه يثبت لازما غير شرعي لملزوم شرعي يراد إثبات الحكم الشرعي له. [٧٣] وحقيقة هذا الأصل كونه يضمُّ بعض أركان الاستصحاب ويفقد بعضا آخر، مثل اليقين السابق، فإنّا نفتقد اليقين في مثل نبات اللحية بالنسبة إلى الشخص الذي تركناه منذ عشرين عاما[٧٤]. هذا مع أنَّه يثبت لازما غير شرعي، سواءا كان عقليا أو عاديا، فالأثر الشرعي في الاستصحاب يترتب على نفس المستصحب، بينما في الأصل المثبت يترتب على اللازم العقلي أو العادي للمستصحب لا على نفسه. وقد قيل: بعدم شمول أدلة الاستصحاب له؛ باعتبار أنَّ من غير المعقول أن يؤثر التعبُّد في اللوازم العقلية إن أريد إثبات هذه اللوازم بذاتها، وإن أريد إثبات ما لهذه اللوازم من آثار وأحكام شرعية، فإنَّ أدلَّة الاستصحاب قاصرة عن شمولها له.[٧٥]

المصادر

  1. تاج العروس 2 : 140، مادة صحب وانظر : تهذيب اللغة 4 : 154، معجم مقاييس اللغة 3 : 335، لسان العرب 1 : 520 المادة نفسها.
  2. المصباح المنير : 333، مجمع البحرين 2 : 99 مادة صحب.
  3. الوافية : 200.
  4. كشف الغطاء 1 : 200.
  5. كفاية الأصول : 384.
  6. دروس في علم الأصول 1 : 406، بحوث في علم الأصول الهاشمي 6 : 14.
  7. البحر المحيط 6 : 17، إرشاد الفحول 2 : 255، الجامع لأحكام وأصول الفقه : 349.
  8. تقريب الوصول : 146.
  9. شرح المنهاج الأصفهاني 2 : 756، نهاية السُّول 4 : 358، الوجيز في أصول التشريع الإسلامي : 445.
  10. أصول الفقه محمد أبو النور 3 ـ 4 : 392، أصول الفقه الإسلامي (الشرنباصي) : 93، وانظر : أصول الفقه الإسلامي (الزحيلي) 2 : 859 ، الجامع لمسائل أصول الفقه : 375.
  11. انظر : البرهان في أصول الفقه 2 : 171، المستصفى 1 : 238، أصول الفقه أبو زهرة: 283، أصول الفقه الإسلامي (الشرنباصي): 97 ـ 98.
  12. انظر : الأشباه والنظائر السبكي 1 : 13 ـ 40، الأشباه والنظائر (السيوطي): 7 ـ 12، 50 ـ 76، الأشباه والنظائر (ابن نجيم): 60 ـ 83 ، شرح القواعد الفقهية : 81 ، القواعد الفقهية (الندوي) : 318.
  13. انظر : الروايات الواردة عن أهل السنّة والتي استدلَّ بها على الاستصحاب. منها : ما روي عن النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أنّه قال : «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأُشكل عليه، أخَرَج منه شيء أم لا، فلا يخرجنّ من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا» صحيح مسلم 1 : 276 كتاب الحيض، باب 26 الدليل على أنّ من تيقَّن الطهارة ثمّ شكّ في الحدث، فله أن يصلّي بطهارته تلك ح99، السنن الكبرى (البيهقي) 1 : 117 كتاب الطهارة، باب الوضوء من الريح يخرج من أحد السبيلين، من حديث أبي هريرة. ومنها : ما رواه سعيد بن المسيّب وعبّاد بن تميم عن عمّه [عبداللّه‏ بن زيد الأنصاري] أنّه قال : شُكي إلى النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الرجل يجد الشيء في الصلاة حتى يُخيّل إليه، فقال : «لاينفتل حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا». سنن أبي داود 1 : 45 كتاب الطهارة، باب إذا شكّ في الحدث ح176.
  14. دروس في علم الأصول 2 : 471، بحوث في علم الأصول الهاشمي 6 : 111.
  15. كفاية الأصول : 391 ـ 392، 404 ـ 405.
  16. أصول الفقه المظفر : 3 ـ 4 : 278 ـ 279.
  17. كفاية الأصول : 391 ـ 392، 404 ـ 405.
  18. أصول الفقه المظفر 3 ـ 4 : 279.
  19. المصدر السابق.
  20. الأصول العامة للفقه المقارن : 440.
  21. دروس في علم الأصول 1 : 417، و2 : 477.
  22. أصول الفقه المظفر 3 ـ 4 : 279.
  23. الأصول العامة للفقه المقارن : 440.
  24. دروس في علم الأصول 2 : 481، بحوث في علم الأصول الهاشمي 6 : 114.
  25. دروس في علم الأصول 2 : 486 ـ 489، بحوث في علم الأصول الهاشمي 6 : 122 ـ 124.
  26. المحكم في أصول الفقه 5 : 117 ـ 178.
  27. الأصول العامة للفقه المقارن : 440.
  28. أصول الفقه المظفر 3 ـ 4 : 282.
  29. الأصول العامة للفقه المقارن : 440.
  30. أصول الفقه المظفر 3 ـ 4 : 279 ـ 280.
  31. المصدر السابق : 281 ـ 282.
  32. المصدر نفسه : 280.
  33. الاستصحاب كوثراني : 37، أنوار الأصول 3 : 275 ـ 276
  34. فرائد الأصول 3 : 289.
  35. أصول الفقه المظفر 3 ـ 4 : 278.
  36. فرائد الأصول 3 : 289 ـ 319.
  37. دروس في علم الأصول 2 : 486 ـ 489، بحوث في علم الأصول الهاشمي 6 : 122 ـ 124.
  38. أنوار الأصول 3 : 275 ـ 276.
  39. الوافية : 208 ـ 211.
  40. المحكم في أصول الفقه 5 : 77، 117 ـ 118.
  41. بحوث في علم الأصول الهاشمي 6 : 175 ـ 181.
  42. فوائد الأصول 4 : 481 ـ 486.
  43. فرائد الأصول 3 : 13.
  44. الذريعة 2 : 829 ـ 832 .
  45. العدّة في أصول الفقه 2 : 758.
  46. غنية النزوع 2  : 420 ـ 421 .
  47. معارج الأصول : 206 ـ 208.
  48. مبادئ الوصول : 250 ـ 251، تهذيب الوصول : 293 ـ 294.
  49. القواعد والفوائد 1 : 132.
  50. تمهيد القواعد : 271.
  51. معالم الدين : 233 ـ 234.
  52. انظر : فوائد الأصول 4 : 334 ـ 365، أجود التقريرات 4 : 31 ـ 66، نهاية الأفكار 4 ق 1 : 37 ـ 74، الأصول في علم الأصول الإيرواني : 363 ـ 379، الأصول (النجم آبادي) 3 : 48 ـ 96، المحكم في أصول الفقه 5 : 21 ـ 66.
  53. دروس في علم الأصول 2 : 468 ـ 469، بحوث في علم الأصول الهاشمي 6 : 175 ـ 181.
  54. انظر : الأشباه والنظائر السيوطي : 7، 50 ـ 60.
  55. أصول الفقه 3 ـ 4 : 286.
  56. فوائد الأصول 4 : 486.
  57. مصباح الأصول 2: 38 و3: 154. انظر: دروس في علم الأصول 2: 324.
  58. منتهى الأصول 2 : 375، الأصول العامّة للفقه المقارن : 435، الاستصحاب كوثراني : 33 ـ 34.
  59. نهاية الأفكار 4 ق1 : 8 ـ 9.
  60. الأصول العامة للفقه المقارن : 441.
  61. دروس في علم الأصول 1 : 408، بحوث في علم الأصول الهاشمي 6 : 15 ـ 16.
  62. الأصول العامة للفقه المقارن : 441 ـ 442.
  63. دروس في علم الأصول 1 : 408، بحوث في علم الأصول الهاشمي 6 : 16.
  64. بحوث في علم الأصول الهاشمي 6 : 14.
  65. الأشباه والنظائر السبكي 1 : 39، البحر المحيط 6 : 25، الأشباه والنظائر (السيوطي) : 76، وانظر : الإبهاج في شرح المنهاج 3 : 170.
  66. فرائد الأصول 3 : 254.
  67. مصباح الأصول 3 : 9، مصباح الفقاهة 2 : 15، مباني الاستنباط 4 : 9، الاستصحاب كوثراني : 63، فقه الصادق 15 : 197.
  68. البحر المحيط 6 : 25.
  69. الأشباه والنظائر السبكي 1 : 40، ونقله عنه السيوطي في الأشباه والنظائر : 76.
  70. البحر المحيط 6 : 26.
  71. الأصول العامة للفقه المقارن : 450، الاستصحاب كوثراني : 63.
  72. دروس في علم الأصول 2 : 490.
  73. الاستصحاب كوثراني : 63.
  74. انظر : المصدر السابق : 63 ـ 66.
  75. دروس في علم الأصول 2 : 492.