انتقل إلى المحتوى

الاستكبار

من ویکي‌وحدت
مراجعة ١١:٠٤، ١٠ فبراير ٢٠٢٦ بواسطة Negahban (نقاش | مساهمات) (البعد العقدي والفلسفي)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)

الاستكبار من المفاهيم المركزيّة في الفكر القرآني والعقيدة الإسلامية، ويُطلق على حالة التعالي والتمرّد على الحقّ بدافع الغرور أو الشعور بالتفوّق، سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات أو الأنظمة السياسيّة. ويُعدّ هذا المفهوم من أبرز الصفات التي ذمّها القرآن الكريم وربطها بالانحراف العقدي والأخلاقي والاجتماعي، حيث يظهر الاستكبار بوصفه مانعاً من قبول التوحيد والخضوع لأوامر الله تعالى.

ويمثّل الاستكبار في المنظور الإسلامي أحد الجذور الأساسيّة للصراع بين الحق والباطل، كما يُعدّ أساساً للظلم والطغيان عبر التاريخ، وهو ما يتجلّى في قصص الأنبياء مع أقوامهم.

التعريف اللغوي والاصطلاحي

الاستكبار مشتقّ من مادّة «كبر»، وهي تدلّ على العظمة والارتفاع. ويُراد بالاستكبار طلب الكِبر وإظهاره على وجه التعالي ورفض الانقياد للحقّ[١].

أمّا في الاصطلاح الشرعي، فيُطلق الاستكبار على الامتناع عن قبول الحقّ مع العلم به، بدافع العناد أو الشعور بالعلوّ. وقد ورد في الحديث النبوي تعريف الاستكبار بقوله صلى الله عليه وسلم: «الكِبر بَطَرُ الحقّ وغَمْطُ الناس»[٢].

ويُشير هذا التعريف إلى أنّ الاستكبار يقوم على عنصرين أساسيين: رفض الحقّ واحتقار الآخرين، وهو ما يجعله سلوكاً مدمّراً للفرد والمجتمع.

الاستكبار في القرآن الكريم

ورد مفهوم الاستكبار في القرآن الكريم في سياقات متعدّدة، غالباً في إطار الحديث عن رفض المشركين والظالمين دعوة الأنبياء.

قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (غافر: 60)[٣].

وتدلّ هذه الآية على أنّ الاستكبار يتعارض مع حقيقة العبوديّة لله، ويُعدّ سبباً للانحراف عن الطريق المستقيم.

كما قال تعالى في وصف موقف إبليس: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: 34)[٤].

وتُظهر هذه الآية أنّ الاستكبار كان السبب الرئيس في سقوط إبليس، ممّا يجعل هذه الصفة نموذجاً أوّلياً للتمرّد على الأمر الإلهي.

وقال تعالى أيضاً: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ (الأعراف: 36)[٥].

وقد فسّر المفسّرون هذه الآية بأنّ الاستكبار يتجلّى في استغلال السلطة أو القوّة لفرض الهيمنة على الآخرين[٦].

الاستكبار في قصص الأنبياء

يُبرز القرآن الكريم الاستكبار باعتباره السمة المشتركة لأعداء الأنبياء عبر التاريخ. فقد كان الاستكبار الدافع الرئيس لرفض دعوة النبي نوح عليه السلام، كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾[٧].

كما تجلّى الاستكبار في موقف فرعون الذي ادّعى الألوهيّة واستعبد بني إسرائيل، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾[٨].

وتكشف هذه النماذج القرآنية أنّ الاستكبار يمثّل سنّة تاريخيّة تتكرّر في مواجهة الرسالات السماوية.

الاستكبار في الروايات الإسلامية

وردت نصوص عديدة في السنة النبوية وروايات أهل البيت عليهم السلام تحذّر من الاستكبار وتبيّن آثاره الخطيرة.

قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كِبر»[٩].

كما ورد عن الإمام علي عليه السلام: «رأسُ الطغيان الكِبر»[١٠].

وتُظهر هذه الروايات أنّ الاستكبار يُعدّ من أخطر الأمراض الأخلاقية التي تؤدّي إلى الانحراف عن الحقّ.

العلاقة بين الاستكبار والطاغوت

يرتبط مفهوم الاستكبار ارتباطاً وثيقاً بمفهوم الطاغوت، إذ يُعدّ الاستكبار أحد الدوافع الرئيسة للطغيان. فالطاغوت يمثّل البنية السلطوية للطغيان، بينما يمثّل الاستكبار البعد النفسي والفكري الذي يُغذّي هذه البنية.

وقد أشار القرآن إلى هذا الترابط في سياق الحديث عن تحالف قوى الطغيان عبر التاريخ، حيث يجتمع الاستكبار مع الظلم والاستعباد لإبعاد الإنسان عن الهداية الإلهيّة.

البعد العقدي والفلسفي

يرتبط الاستكبار بمسألة الحرية الإنسانية، إذ يرى الفكر الإسلامي أنّ الإنسان لا يمكن أن يحقّق عبوديته لله إلا إذا تحرّر من نزعة التعالي والأنانية. ويُعدّ الاستكبار في هذا السياق أحد مظاهر الانفصال عن الفطرة التي فطر الله الناس عليها.

كما يؤكّد علماء علم الكلام أنّ الاستكبار يمثّل رفضاً للحقّ بعد ظهوره، وهو ما يجعله أكثر خطورة من الجهل، لأنّه يقوم على العناد الواعي.

البعد الاجتماعي والحضاري

يحمل الاستكبار آثاراً اجتماعية عميقة، إذ يؤدّي إلى نشوء الظلم والاستبداد الطبقي والسياسي. وقد ربط القرآن بين الاستكبار والفساد في الأرض، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾[١١].

ومن هذا المنطلق، يُعدّ محاربة الاستكبار أساساً لتحقيق العدالة الاجتماعية وترسيخ قيم المساواة بين البشر.

الاستكبار ووحدة الأمة الإسلامية

يمثّل رفض الاستكبار قيمة مشتركة بين المذاهب الإسلامية مختلفة، إذ يجتمع المسلمون على أنّ التعالي والهيمنة الظالمة يتعارضان مع مبادئ الإسلام. وقد ساهم هذا المفهوم في تعزيز الوعي الجمعي بضرورة مقاومة الظلم والاستبداد.

ومن هنا يمكن أن يشكّل مفهوم الاستكبار أرضية فكرية مشتركة لتعزيز وحدة الأمة الإسلامية، من خلال التركيز على القيم القرآنية التي تدعو إلى التواضع والعدل والتكافل.

انظر أيضاً

المصادر

  • القرآن الكريم.
  • مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم.
  • ابن منظور، لسان العرب.
  • الشريف الرضي، نهج البلاغة.
  • الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن.
  1. ابن منظور، لسان العرب، مادة «كبر».
  2. مسلم، صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر.
  3. القرآن الكريم، سورة غافر، الآية 60.
  4. القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 34.
  5. القرآن الكريم، سورة الأعراف، الآية 36.
  6. الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج8، ص188.
  7. القرآن الكريم، سورة الأعراف، الآية 133.
  8. القرآن الكريم، سورة القصص، الآية 4.
  9. مسلم، صحيح مسلم، كتاب الإيمان.
  10. نهج البلاغة، الحكم، رقم 126.
  11. القرآن الكريم، سورة النحل، الآية 23.