الكلام
الكلام علم بقواعد وقضايا تنتج عنه القدرة على إثبات أصول الدين ودفع الشبهات بالدليل والبرهان وتطبيقها مع القواعد العقليَّة.[١]
علم الكلام هو علم العقائد الإسلامية، وكان يُسمَّى في الماضي بعلم «أصول الدين» أو علم «التوحيد والصفات».
يُطلَق على المختصّ والخبير بعلم الكلام اسم «المتكلم».
كانت مقاربة بعض المتكلمين القدماء للمسائل الكلاميَّة نظرية بحتة، ولم يولوا اهتمامًا كبيرًا للنتائج العملية للقضايا الدينية. أما اليوم، فإن بعض الشبهات والإشكالات التي تواجه المعتقدات والعقائد الدينية والأخلاقية والحقوقية، تتعلق بنتائجها العملية.
أدرك المتكلمون الجدد اليوم أن الصراع بين الأديان لا نهاية له. لذا، يجب البحث عن اكتشاف نقاط القوة والضعف لدى بعضهم البعض. من ناحية أخرى، أدركوا أن الدين نفسه بات اليوم تحت الهجوم، وأن الانتشار المتزايد للإلحاد واللادينية يقتضي أن يكون أتباع الأديان السماوية، بل وجميع من يؤمنون بنوع من الروحانية في العالم، على وفاق وتوافق.
تعريف علم الكلام
يقول الإيجي في كتابه «المواقف»: «علم الكلام علم يُستطاع به إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبهات، وإلزام الخصم بإقامة البراهين القاطعة البيّنة».[٢]
يعرّف ابن خلدون علم الكلام في كتابه «المقدمة» قائلاً: «الكلام علم يستدلّ به على العقائد الإيمانية والدينية بالأدلة العقلية، ويردّ على من خالفها من أهل الملل والنحل».[٣]
يقول علماء الإسلام: إن مجموع التعاليم الإسلامية ثلاثة أقسام: عقائد، وأخلاق، وأحكام؛ فالعلم المتصدّي للقسم الأول هو علم الكلام، والعلم العهدة على القسم الثاني هو علم الأخلاق، والعلم العهدة على القسم الثالث هو علم الفقه.
يكتب الفارابي في تعريف علم الكلام: «صناعة الكلام مَلَكةٌ بها يقدر الإنسان أن ينصر بالقول مذاهبَ وأفعالاً مخصوصة قد نَطق بها صاحب الشريعة نصّاً، ويدفع ما يعارضها».[٤]
من مجموع التعاريف يمكن استنتاج أن علم الكلام هو علم يختص باستنباط وترتيب وتبيين المعارف والمفاهيم الدينية، ويُثبِت ويُبرر القضايا الاعتقادية بناءً على طرق استدلالية مختلفة كالبرهان والجدل والخطابة...، ويجيب على الاعتراضات والشبهات التي يثيرها المخالفون الدينيون.
موضوع علم الكلام
موضوع علم الكلام هو المعلوم، أي ما يَتعلَّق به العلم، سواء أكان موجودًا أم معدومًا، ولكن من حيث إن إثبات العقائد الدينية يتوقف عليه.
هدف علم الكلام
هدف علم الكلام هو نقل المتعلِّم من مرحلة التقليد إلى مرتبة اليقين، وتقديم أدلة لهؤلاء الطالبين للحقيقة، وإقامة البراهين ضد المخالفين، وصون العقائد الإسلامية من التزلزل الذي قد يحدثه شبهات أعداء الدين، وكذلك لكي تُبنى عليه العلوم الشرعية وغيرها.
أدلة علم الكلام
أدلة علم الكلام هي أدلة يقينية يحكم بها العقل، والأدلة النقلية تؤيدها. وبالتالي، فإن شهادة العقل مع تأييد النقل توفر أقصى درجات الثقة والاطمئنان، ولا يبقى حينها شك في صحة الدليل. ونتيجة لذلك، يجب القول إن العلوم الأخرى تستمد العون من علم الكلام، وبالمطلق، يمكن وضع علم الكلام على رأس جميع العلوم الشرعية.
سبب تسمية علم الكلام
يلخص النسفي في كتابه «العقائد» أسباب تسمية هذا العلم بهذا الاسم على النحو التالي:
- لأن عنوان مباحثه كان "كلام العلماء" في مواضع مثل: "الكلام في إثبات الواجب" و"الكلام في إثبات النبوة" وغيرها.
- لأن مسألة الكلام كانت أشهر المسائل التي دار فيها الجدال والنزاع.
- لأنه يزيد قدرة التكلم في إلزام الخصم والتحقيق في الشرعيات.
- لأن أول وسيلة يتم بها التعليم والتعلم هو التكلم، لذلك أُطلق عليه هذا الاسم، واختص به للتمييز عن سائر العلوم.
- لأن علم الكلام يتحقق بالمناقشة والحوار بين طرفين، بينما تتحقق العلوم الأخرى بمطالعة الكتب.
- لأن الخلافات والمناظرات التي تقع في معظم العلوم تحتاج إلى كلام.[٥]
الاعتماد على العقل
يعتمد المتكلمون، شأنهم شأن فلاسفة المشاء، على الاستدلال العقلي فحسب، مع فارق أن أصولهم ومبادئهم العقلية تختلف اختلافًا جوهريًا عن أصول الفلاسفة. غالبًا ما يُؤسِّس المتكلمون استدلالهم على قاعدة «الحسن والقبح» العقليَّين، أي أنهم يذكرون في استدلالهم قضايا تدل على أن شيئًا ما قبيح أو قبيح، وشيئًا آخر حسن أو جميل. أما الحكماء فيرون أن «الحسن والقبح» مرتبطان بحياة الإنسان، ولا يحكمون بالله والعالم بناءً على هذه المعايير. لذلك يسمي الحكماء علم الكلام بالحكمة الجدلية، والفلسفة بالحكمة البرهانية.
مبادئ علم الكلام
علم الكلام، رغم كونه علمًا استدلاليًّا قياسيًّا، إلا أنه من حيث المقدمات والمبادئ التي يستخدمها في استدلالاته، يتكون من قسمين: عقلي ونقلي. في **الكلام العقلي** تُعالج مسائل مقدماتها مأخوذة من العقل فحسب، وإذا استند إلى النقل فهو للإرشاد وتأييد حكم العقل، كمسائل التوحيد والنبوة وبعض مسائل المعاد. في **الكلام النقلي** تُعالج مسائل، وإن كانت من أصول الدين ويجب الإيمان والاعتقاد بها، إلا أنها نظرًا لأنها فرع على النبوة وليست مقدمة عليها ولا عينها، يكفي إثباتها عن طريق الوحي الإلهي أو القول القطعي للنبي، كمسائل الإمامة ومعظم مسائل المعاد.[٦]
عوامل نشأة علم الكلام
من وجهة نظر الشهيد المطهري، هناك ستة عوامل رئيسية في نشأة علم الكلام وظهور متكلمين بارزين، جميعها عوامل خارجية عن الدين، وهي:
- انضمام أقوام وشعوب مختلفة إلى الإسلام مع مجموعة من الأفكار والتصورات.
- تعايش المسلمين مع أصحاب ديانات أخرى كاليهود والنصارى والمجوس والصابئة.
- المجادلات المذهبية التي كانت تقع بين المسلمين وتلك الفرق.
- خصوصًا ظهور جماعة تسمى «الزنادقة» في العالم الإسلامي، وكانوا معادين للدين بشكل عام.
- الحرية التي منحها الخلفاء العباسيون.
- ظهور الفلسفة في العالم الإسلامي، مما كان يثير بدوره شكوكًا وشبهات.
هذه العوامل جعلت ضرورة البحث في أسس الإيمان الإسلامي والدفاع عنها تشتد أكثر من أي وقت مضى لدى المسلمين، وأدت إلى ظهور متكلمين بارزين في القرنين الثاني والثالث والرابع الهجريين.[٧]
الفرق بين الكلام الجديد والكلام القديم
لا يوجد فرق بين الكلام القديم والجديد يصل إلى حد اعتبارهما علمين منفصلين، ولكن مع ذلك توجد بينهما فروق أخرى تستحق الاهتمام، ومن أهمها:
أ) تبرير القضايا الدينية في ضوء الإشكالات العلمية
كانت مقاربة المتكلمين القدماء للمسائل الكلامية نظرية بحتة، ولم يولوا اهتمامًا كبيرًا للنتائج العملية للقضايا الدينية. أما اليوم، فإن بعض الشبهات والإشكالات التي تواجه المعتقدات والعقائد الدينية والأخلاقية والحقوقية، تتعلق بنتائجها العملية.
ب) كيفية التعامل مع متكلمي الأديان الأخرى
كان المتكلمون القدماء يهدفون فقط إلى إثارة الإشكالات ضد خصومهم، وكان حوارهم ومناظراتهم مع متكلمي الأديان الأخرى فقط من أجل نقد ورفض موقف الطرف الآخر وإثبات تفوق دينهم. أما اليوم، فإن المتكلمين يقتربون من الأديان الأخرى أيضًا ليتعلموا ويحصلوا على نقاط القوة، ويقومون بالتعرف على تلك الأديان. لأن المتكلمين الجدد أدركوا أن الصراع بين الأديان لا نهاية له، لذا يجب البحث عن اكتشاف نقاط القوة والضعف لدى بعضهم البعض.
مصادر
الهوامش
- ↑ علم الكلام، الجزء الأول والثاني، السيد أحمد الصفائي، منشورات جامعة طهران، الطبعة السادسة، شهر دي 1374 هـ.ش، ص 7.
- ↑ الإيجي، المواقف، ج1، ص 34-35.
- ↑ ابن خلدون، المقدمة، ص 458-467.
- ↑ أبو نصر محمد بن محمد الفارابي، إحصاء العلوم (منشورات علمي وفرهنكي)، ص 114.
- ↑ بحث في المسائل الكلامية من وجهة نظر المتكلمين الأشاعرة والمعتزلة، د. أسعد شيخ الإسلامي، منشورات أمير كبير، 1363 هـ.ش، ص 7-8.
- ↑ التعرف على العلوم الإسلامية، (الجزء الثاني)، الشهيد المطهري، منشورات صدرا، الطبعة التاسعة عشرة، مرداد 1376 هـ.ش، ص 21.
- ↑ التعرف على العلوم الإسلامية، (الجزء الثاني)، ص 145.