الفرق بين المراجعتين لصفحة: «جبرائيل»
| سطر ١٠٧: | سطر ١٠٧: | ||
== جبرئيل من منظور المسيحية == | == جبرئيل من منظور المسيحية == | ||
جبرئيل في [[المسيحية]] ليس حاملاً ورسولاً للوحي إلى [[عيسى]] (عليه السلام)، بل عيسى نفسه هو الوحي؛ لأنه وفقاً للمسيحية، عيسى (عليه السلام) هو الله المتجسد<ref>إن ما ذكر هو التصور المسيحي للسيد المسيح منذ البداية وكان له مسيرة تطورية، وقد أدى في النهاية وخاصة بناءً على قانوني الإيمان "النيقية" و"الآثاناسيوسي" في مجمع كنسي إلى تغليب القبول بألوهية السيد المسيح في المسيحية. لمعرفة مسيرة تطور التصور المسيحي للسيد المسيح(ع) راجع: أديب آل علي، السيد محمد، المسيحية، ص 15-18، قم، انتشارات مركز مديرية الحوزة العلمية بقم، الطبعة الأولى، 1385هـ ش.</ref>. | جبرئيل في [[المسيحية]] ليس حاملاً ورسولاً للوحي إلى [[عيسى المسيح|عيسى]] (عليه السلام)، بل عيسى نفسه هو الوحي؛ لأنه وفقاً للمسيحية، عيسى (عليه السلام) هو الله المتجسد<ref>إن ما ذكر هو التصور المسيحي للسيد المسيح منذ البداية وكان له مسيرة تطورية، وقد أدى في النهاية وخاصة بناءً على قانوني الإيمان "النيقية" و"الآثاناسيوسي" في مجمع كنسي إلى تغليب القبول بألوهية السيد المسيح في المسيحية. لمعرفة مسيرة تطور التصور المسيحي للسيد المسيح(ع) راجع: أديب آل علي، السيد محمد، المسيحية، ص 15-18، قم، انتشارات مركز مديرية الحوزة العلمية بقم، الطبعة الأولى، 1385هـ ش.</ref>. | ||
يقول توماس ميشيل: «من وجهة نظر المسلمين، القرآن المجيد لا يرتبط إلا بالوحي الإلهي ... [لكن] من وجهة نظر المسيحيين، فإن أكمل [[الوحي]] لا ينعكس في كتاب، بل في الإنسان. يعتقد المسيحيون أن [[المسيح]] في حياته وشخصه يكشف الله ... إن المسيحيين لا يكتفون بالقول بأن الله أوحى رسالته إلى البشر، بل بالإضافة إلى ذلك يقولون: إن الله يوحي بذاته في التاريخ البشري»<ref>ميشيل، توماس، اللاهوت المسيحي، ترجمة: توفيقي، حسين، ص 28، قم، انتشارات جامعة الأديان والمذاهب، الطبعة الثالثة، 1387هـ ش.</ref>. | يقول توماس ميشيل: «من وجهة نظر المسلمين، القرآن المجيد لا يرتبط إلا بالوحي الإلهي ... [لكن] من وجهة نظر المسيحيين، فإن أكمل [[الوحي]] لا ينعكس في كتاب، بل في الإنسان. يعتقد المسيحيون أن [[المسيح]] في حياته وشخصه يكشف الله ... إن المسيحيين لا يكتفون بالقول بأن الله أوحى رسالته إلى البشر، بل بالإضافة إلى ذلك يقولون: إن الله يوحي بذاته في التاريخ البشري»<ref>ميشيل، توماس، اللاهوت المسيحي، ترجمة: توفيقي، حسين، ص 28، قم، انتشارات جامعة الأديان والمذاهب، الطبعة الثالثة، 1387هـ ش.</ref>. | ||
مراجعة ٠٨:٥٧، ١٦ مايو ٢٠٢٦
جبرئیل في اللغة العبرية يعني "رجل الله". هو أحد الملائكة الأربعة المقربين وأعلى منهم مرتبة، وهو في الديانات الإبراهيمية الوسيط بين الله والأنبياء. لهذا الاسم تسميات أخرى مثل جبرائيل وجبريل. يُشار إلى جبرئيل أيضاً بأسماء مثل ملاك الوحي، أمين الوحي، العقل الأول، الناموس الأكبر، الروح الأعظم، وغيرها. في تاريخ اليهودية، المسيحية والإسلام، ورد ذكر دور جبرئيل كثيراً.
المعنى اللغوي
أصل كلمة جبرئيل عبري؛ وهي مركبة من: جبر بمعنى قوة وقدرة وئيل بمعنى الله، والجملة تعني قوة الله؛ كما قال في سورة "النجم": «عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى». جبرئيل هو الذي ينزل بالوحي على نبينا: «فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ»[١][٢].
وقيل أيضاً: إن «جبرئيل» اسم أعجمي (غير عربي) دخل اللغة العربية، وجبر في اللغة السريانية تعني عبد، وإيل تعني الله؛[٣] وبناءً عليه يكون "جبرئيل" بمعنى عبد الله.
هذه الكلمة تلفظ بصيغتين: جبرئيل بالهمزة، وجِبرِيل بدون همزة، وقد ورد في كلام علي بن أبي طالب (عليه السلام) بصيغة «جبرائيل» أيضاً؛[٤] لكن في القرآن الكريم ورد اسم هذا «الملك» ثلاث مرات فقط بصيغة "جِبرِيل"[٥][٦]. على أنه ورد في آيات أخرى بألقاب وعناوين أخرى مثل «روح القدس»، «الروح الأمين»... وقد ورد ذكر هذا الملك المقرب أيضاً.
مهام جبرئيل
ذكر القرآن الكريم لجبرئيل مهام متعددة منها:
تبليغ الوحي
«الوحي» الذي هو السبيل الوحيد لارتباط البشر وتكلمهم مع الله، يتم وفق الآية الكريمة التالية بثلاث طرق:
«وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء...»؛ [٧] وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء...
في القسم الثالث، إرسال الوحي يكون بواسطة رسول، وذلك الرسول هو جبرئيل الأمين، الذي هو رسول الله إلى أنبيائه، والأنبياء هم رسل الله إلى سائر المخلوقات؛ أي أن رسالة الله تُعطى أولاً لملك الوحي، وهو بدوره يوصل إلى نبي الله كل ما أذن به الله سبحانه وتعالى[٨].
يرد القرآن على تذرع اليهود بإنكار جبرئيل كملاك الوحي قائلاً: «قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ...»؛ [٩] قل من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقاً لما بين يديه...
نصرة الأنبياء
دور آخر ورد في القرآن لجبرئيل، وهو دعم ونصرة الأنبياء:
«...وَآتَیْنَا عِیسَی ابْنَ مَرْیَمَ الْبَیِّنَاتِ وَأَیَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ»؛ [١٠] ...وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس.
في هذه الآية عبر عن جبرئيل بكلمة "روح القدس"؛ أي الروح المطهرة والمنزهة من الخطأ والأدناس المادية[١١].
جبرئيل نصر عيسى بن مريم (عليه السلام) في مراحل مختلفة من حياته؛ أولاً عندما ظهر لأمه وأعطى مريم البشرى بولادته، ثم خلال حياته حماه من خطر الأعداء حتى رفع الله عيسى المسيح إلى السماء. كما أشارت سورة التحريم إلى نصرة النبي الأكرم (صلى الله عليه و آله و سلم) بواسطة جبرئيل: «...وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ...»؛ [١٢] ...وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل...
الصفات
لقد وصف الله تعالى في القرآن الكريم جبرئيل الأمين بصفات ومقامات سامية، نذكرها فيما يلي:
الأمانة
القرآن الكريم هو رسالة الله التي نزل بها جبرئيل على قلب النبي الأكرم (صلى الله عليه و آله و سلم) المبارك. جبرئيل هو ملاك الله الأمين، ولا يُحدِث أي تغيير أو تبديل في الرسالة الإلهية. لذا شهد الله تعالى بمقام الصدق والأمانة لجبرئيل في تنفيذ رسالته وإيصال الوحي إلى رسله:[١٣]
«نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ»؛ [١٤] نزل به الروح الأمين.
إن ذاته منزّهة عن أي نوع من الغفلة والخطأ. فهو لا يغير أو يحرف شيئاً من الرسالة الإلهية عمداً أو سهواً، ولا يصيبه النسيان؛ بل يُلقي الآيات القرآنية كما هي وبالهيئة التي تلقاها من الذات الربوبية، دون زيادة أو نقصان، على قلب الرسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) الطاهر وروحه الزكية؛[١٥] ولهذا تفضل هذه الصفة الكريمة على سائر صفات جبرئيل الحميدة.
في كلام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) النوراني، ورد أنه وصف بـ «جبرئيل الأمين»، حيث كان أميناً على الوحي الإلهي، وأهل السماوات مطيعون له، وهو من المقربين لدى الله ويتمتع بمقام ومكانة خاصة وعالية[١٦].
الطهارة
صفة أخرى من صفات جبرئيل في القرآن الكريم هي الطهارة والنقاء، والتي عبر عنها بـ "روح القدس":
«قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ...»؛ [١٧] قل نزله روح القدس من ربك بالحق...
المراد بـ "روح القدس" هو جبرئيل الأمين؛ الروح المطهر من الدنس المادي وصاحب مقام الطهارة. الروح المنزهة عن كل عيب ونقص ومعصية وخطأ؛[١٨] فجميع الملائكة منزهون، لكن درجاتهم متفاوتة، وجبرئيل هو سيد الملائكة والوسيط بين الله وأنبيائه[١٩].
الرسالة والكرامة والمكانة
فسر بعض المفسرين الآيات 19-21 من سورة التكوير بجبرئيل. في هذه الآيات التي هي جواب لأقسام متعددة، يقول الله تعالى: «إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ × ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ × مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ»؛ [٢٠] إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين!
المراد بالرسول هو جبرئيل؛ بمعنى أن القرآن نزل من عند الله على لسانه، والنبي العظيم الشأن قد سمع ذلك الكلام من جبرئيل. إن إضافة كلمة "قول" إلى جبرئيل بوصفه رسولاً، تفيد أن الكلام في حقيقته هو كلام الله، وإضافته إلى جبرئيل هي إضافة الرسالة إلى الرسول، وفي هذا المقام وصف الله جبرئيل بست صفات:[٢١]
* رسول: هو من يوحي القرآن إلى النبي الأعظم (صلى الله عليه و آله و سلم).
* كريم: لما له من كرامة واحترام وعز عند الله تعالى.
* ذو قوة: هو من يتحلى بقوة بالغة في تكليفه ومهمته العلمية والعملية وتبليغ رسالته. "ذو قوة" بالمعنى الحقيقي تعني امتلاك القدرة الذاتية على القيام بالأعمال العظيمة، وبالمعنى المجازي تعني المثابرة في اتخاذ القرارات، والشجاعة، والثقة بالنفس، ووصف جبرئيل بهذه الصفة قد يشير إلى كلا المعنيين الحقيقي والمجازي.
* مكين: المكانة تعني القرب والمنزلة؛ أي أن جبرئيل ذو مكانة سامية وعظيمة لدى خالق العرش، وهذه المكانة، لما اقترنت بقيد "عِندَ ذِي الْعَرْش"، تشير إلى عظمتها.
* مطاع ثم: "ثم" كلمة تستخدم للإشارة إلى المكان البعيد، و"مطاع" هو من يُطاع ويُنفذ أمره. يدل الكلام على أن جبرئيل في حضرة الله هو آمر تطيعه مرؤوسوه من الملائكة وتنفذ أمره؛ أي أن لجبرئيل أعواناً في السماوات في مهمته، وهم ملائكة السماوات يطيعونه.
* أمين: كما سبق، جبرئيل أمين في إيصال الوحي ورسالة الله إلى الأنبياء، ولا يخون أو يتصرف في الأوامر الإلهية.
مُعَلِّم، ذو قوة وفطنة
ثاني المواضع التي اختلف فيها المفسرون وفسرها بعضهم بجبرئيل الأمين، هي الآيات الأولى من سورة النجم. بعد أن أقسم الله تعالى بـ«النجم» في وصف نبيه الأكرم يقول: «عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى؛ ذُو مِرَّةٍ...»؛ [٢٢] علمه شديد القوى * ذو مرة...
"شديد القوى" إحدى صفات الملائكة، وهي في هذه الآية صفة لجبرئيل، وتعني قوته وتمكنه من القيام بالأعمال العظيمة الجسمانية والروحانية؛ بمعنى أن جبرئيل هو الذي علم رسول الله الوحي الإلهي الذي هو القرآن[٢٣].
"ذو مرة" وصف لمن يمتلك كمال العقل والفطنة[٢٤]. وإن كان بعض المفسرين قد فسر هذه الصفة بمعنى صاحب القوة والقدرة، إلا أنه بالنظر إلى أن الصفة السابقة "شديد القوى" أشارت إلى هذه الخاصية لدى جبرئيل، فإن "ذو مرة" تشير إلى صلابة فكره وبصيرته. إذن، من فضائل وصفات جبرئيل الأخرى قوته العقلانية وعلو فهمه وإدراكه.
أسطورة خانه الأمين
يتهم بعض أهل السنة الشيعة بأنهم يعتقدون أن جبرئيل خان الأمانة في الوحي، وأنه بدلاً من أن يبلغ الرسالة إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) بلغها إلى النبي محمد (صلى الله عليه و آله و سلم). ولهذا فهم يرفعون أيديهم ثلاث مرات بعد السلام في صلاتهم ويقولون: خانه الأمين: أي خان أمين الوحي. ابن تيمية، أحد علماء الوهابية يقول: "إن اليهود حاولوا أن يدخلوا النقص والعيب على جبرئيل واعتبروه عدواً لهم من بين الملائكة، كما يقول الشيعة: إن جبرئيل أخطأ وأنزل الوحي على محمد" [٢٥].
يعتبر علماء الشيعة هذه التهمة افتراءً، ويرون أن الدافع وراءها هو تشبيه المذهب الشيعي بالدين اليهودي من قبل المتعصبين من أهل السنة[٢٦]. إن الإيمان بخيانة جبرئيل يتعارض مع عقائد الشيعة؛[٢٧] لأن الشيعة يعتقدون أن جبرئيل معصوم وأن الإمام علي (عليه السلام) ليس نبياً[٢٨].
نزول الوحي
استناداً إلى الروايات الواردة في المصادر الإسلامية، فإن جبرئيل هو الذي أوحى بأول آيات القرآن[٢٩] إلى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في غار حراء. ثم عاد النبي إلى خديجة عليها السلام وأعلمها بهذا الأمر المهم[٣٠].
منهج أهل السنة
وفقاً لروايات متعددة في مصادر أهل السنة، فإن النبي الأكرم (صلى الله عليه و آله و سلم) بعد تلقيه الوحي، أصابه الشك في أنه هل رأى ملك الوحي أم أنه التقى بالشيطان، ونصحته زوجته فذهب إلى ورقة بن نوفل، وهو شخص نصراني كان مطلعاً على الكتب السابقة، فطمأنه بأن ذلك الملك هو الناموس الأكبر الذي كان ينزل على موسى (عليه السلام) من قبل[٣١].
هذه القصة رواها عموم كتاب السير والمحدثين والمفسرين من أهل السنة لاحقاً[٣٢]. بل إن هذه الأحاديث تسربت إلى مصادر الحديث والتفسير الشيعية أيضاً[٣٣].
وجهة نظر الشيعة
ناقش العلماء الشيعة سند هذه الروايات ومضمونها بالتفصيل؛ منها أن سلسلة سند أي من هذه الروايات لا تصل بشكل متصل إلى شاهد القصة؛ كما أن اختلاف الروايات في القصة نفسها دليل على أنها ملفقة، وأن شك النبي الأكرم (صلى الله عليه و آله و سلم) في حقيقة الوحي ولقائه جبرئيل أو الشيطان لا يتناسب مع مقام العصمة للنبي (صلى الله عليه و آله و سلم)[٣٤]. والجدير بالذكر أن الروايات الشيعية التي تقدم رواية عن بداية الوحي خلت من الإشكالات المذكورة وهي متسقة مع مقام النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) ومكانته[٣٥].
جبرئيل من منظور المسيحية
جبرئيل في المسيحية ليس حاملاً ورسولاً للوحي إلى عيسى (عليه السلام)، بل عيسى نفسه هو الوحي؛ لأنه وفقاً للمسيحية، عيسى (عليه السلام) هو الله المتجسد[٣٦].
يقول توماس ميشيل: «من وجهة نظر المسلمين، القرآن المجيد لا يرتبط إلا بالوحي الإلهي ... [لكن] من وجهة نظر المسيحيين، فإن أكمل الوحي لا ينعكس في كتاب، بل في الإنسان. يعتقد المسيحيون أن المسيح في حياته وشخصه يكشف الله ... إن المسيحيين لا يكتفون بالقول بأن الله أوحى رسالته إلى البشر، بل بالإضافة إلى ذلك يقولون: إن الله يوحي بذاته في التاريخ البشري»[٣٧].
وبناءً على هذا المعتقد المسيحي، فإن جبرئيل كوسيط في تبليغ الرسالة وحامل الوحي الإلهي لا معنى له، وعيسى (عليه السلام) هو الله المتجسد ولا يحتاج إلى وسيط[٣٨].
مع ذلك وعلى الرغم من أن وساطة جبرئيل (عليه السلام) فيما يخص عيسى (عليه السلام) غير مقبولة، إلا أنه وفقاً للعهد القديم والعهد الجديد اللذين يُعتبران من كتبهم المقدسة، ورد جبرئيل في عدة مواضع رسولاً إلى أنبياء ومقربين آخرين إلى الله؛ مثل: ظهور جبرئيل زكريا (عليه السلام) وإعطائه البشرى بولادة ولد[٣٩]، وتكليف جبرئيل بتفسير حلم دانيال (عليه السلام) وظهوره له لهذا الغرض[٤٠]، وأيضاً ظهوره لدانيال (عليه السلام) ليمنحه علماً وفهماً[٤١]، ظهور جبرئيل لمريم (عليها السلام) وإعطائه البشرى بحملها بعيسى (عليه السلام) بواسطة روح القدس[٤٢].
في الختام، يجب القول أنه على الرغم من أن الكتاب المقدس المسيحي لم يذكر شيئاً عن صفات جبرئيل كما في القرآن، إلا أنه من صفات وأعمال ومهام الملائكة الواردة في هذا الكتاب، يمكن التوصل إلى التصور المسيحي العام لجميع الملائكة بمن فيهم جبرئيل (عليه السلام): من صفاتهم: هم خدام الله السماويون[٤٣]، وذوو أجنحة[٤٤]، ليسوا معصومين بل قد يدخلون النار للمساءلة[٤٥]، لا يُحصى عددهم[٤٦]، ولا يتزوجون[٤٧].
ومن أعمالهم ومهامهم: مراقبة الإنسان وحمايته[٤٨]، وخدام عيسى (عليه السلام) وحمايته[٤٩]، جلب الشريعة للأنبياء الآخرين[٥٠]، وإنزال العذاب[٥١].
التوسل بجبرئيل
جاء في كتاب أصول الكافي[٥٢] أنه إذا نزل بك الغم، فقل في آخر سجدة مكرراً: «يا جبرئيل يا محمد يا جبرئيل يا محمد... اكفياني ما أنا فيه فإنكما كافيان واحفظاني بإذن الله فإنكما حافظان»، أي اكفياني شر ما أنا فيه فإنما أنتما الكافيان، واحفظاني بإذن الله فإنما أنتما الحافظان[٥٣].
موت جبرئيل
روى الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) قصة موت جبرئيل في آخر الزمان قال: «إن الله إذا أمات أهل الأرض، يمكث بقدر ما خلقوا وقدر ما أماتهم وأضعاف ذلك، ثم يميت أهل السماء الأولى، ثم يمكث مثل ما خلق الخلق ومثل ما أمات أهل الأرض وأهل السماء الأولى وأضعاف ذلك، ثم يميت أهل السماء الثانية، وهكذا... حتى أهل السماء السابعة، ثم يمكث مثل مدة خلقهم ومدة إماتة أهل الأرض وأهل السماوات السبع وأضعاف ذلك. ثم يميت ميكائيل، ثم يمكث مثل زمان الخلق ومثل جميع ذلك وأضعافه. ثم يميت جبرئيل، ثم بعد مكث كل هذه المدة وأضعافها، يميت إسرافيل، ثم بعد مكث كل تلك المدة وأضعافها، يميت عزرائيل...»[٥٤].
الهوامش
- ↑ سورة البقرة/الآية 92
- ↑ نثر طوبى، ج1، ص 122
- ↑ فضل بن حسن الطبرسي، مجمع البيان، ج1، ص324.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة 180.
- ↑ سورة البقرة/الآيتان 97 و98
- ↑ سورة التحريم/الآية 4
- ↑ سورة الشورى/الآية 51
- ↑ العلامة الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج18، ص73 و74.
- ↑ سورة البقرة/الآية 97
- ↑ سورة البقرة/الآية 87
- ↑ الميزان في تفسير القرآن، ج12، ص346.
- ↑ سورة التحريم/الآية 4
- ↑ الحسيني الهمداني، أنوار درخشان، ج18، ص16.
- ↑ سورة الشعراء/الآية 193
- ↑ أنوار درخشان، ج12، ص84 والميزان في تفسير القرآن، ج15، ص316.
- ↑ الصحيفة السجادية، الدعاء الثالث.
- ↑ سورة النحل/الآية 102
- ↑ [36]. الميزان في تفسير القرآن، ج12، ص346.
- ↑ السيد عبد الحسين الطيب، أطيب البيان في تفسير القرآن، ج2، ص95.
- ↑ سورة التكوير/الآيات 19-21
- ↑ الميزان في تفسير القرآن، ج20، ص218.
- ↑ سورة النجم/الآيات 5-7
- ↑ التحرير والتنوير، ج27، ص102.
- ↑ الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، ج4، ص419.
- ↑ منهاج السنة النبوية، ج1، ص6-8.
- ↑ على سبيل المثال، راجع: السبحاني، الفكر الخالد في بيان العقائد، 1425هـ، ج2، ص26.
- ↑ سروش، «شبهة خانه الأمين»، ص148.
- ↑ على سبيل المثال، راجع: السيد المرتضى، الشافي في الإمامة، ج3، ص5.
- ↑ العلق: 1-5.
- ↑ راجع: العاملي، ج1، ص233.
- ↑ راجع: ابن هشام، ج1، ص155-157؛ ابن سعد، ج1، ص194-195؛ الطبري، التاريخ، ج2، ص298-303؛ همو، الجامع، ذيل سورة العلق؛ لهذه الرواية مع اختلاف يسير راجع: ابن حنبل، ج1، ص312، ج6، ص223؛ البخاري، ج1، ص3، ج4، ص124، ج6، ص88.
- ↑ على سبيل المثال راجع: القرطبي، ج1، ص115-116؛ ابن كثير، ج3، ص5-6، 13؛ ابن حجر العسقلاني، ج8، ص549-554.
- ↑ على سبيل المثال راجع: أبو الفتوح الرازي؛ الفضل بن الحسن الطبرسي، ذيل آيات أول سورة العلق؛ ابن شهر آشوب، ج1، ص42.
- ↑ راجع: العاملي، ج1، ص220-223؛ السبحاني، ج1، ص188-190؛ الدواني، ص157-206؛ شرف الدين، ص421؛ معرفت، ج1، ص80-82.
- ↑ راجع: ابن شهر آشوب، ج1، ص43؛ نهج البلاغة، الخطبة 192؛ البحراني، ذيل سورة العلق؛ المجلسي، ج17، ص309-310.
- ↑ إن ما ذكر هو التصور المسيحي للسيد المسيح منذ البداية وكان له مسيرة تطورية، وقد أدى في النهاية وخاصة بناءً على قانوني الإيمان "النيقية" و"الآثاناسيوسي" في مجمع كنسي إلى تغليب القبول بألوهية السيد المسيح في المسيحية. لمعرفة مسيرة تطور التصور المسيحي للسيد المسيح(ع) راجع: أديب آل علي، السيد محمد، المسيحية، ص 15-18، قم، انتشارات مركز مديرية الحوزة العلمية بقم، الطبعة الأولى، 1385هـ ش.
- ↑ ميشيل، توماس، اللاهوت المسيحي، ترجمة: توفيقي، حسين، ص 28، قم، انتشارات جامعة الأديان والمذاهب، الطبعة الثالثة، 1387هـ ش.
- ↑ حتى في الكتاب المقدس، ورد أن عيسى هو إله له ملائكة أيضاً؛ رسالة تسالونيكي الثانية، 1: 7؛ رؤيا يوحنا، 22: 16.
- ↑ لوقا، 1: 11-20.
- ↑ دانيال، 8: 16-26.
- ↑ دانيال، 9: 20-27.
- ↑ لوقا، 1: 26-37.
- ↑ أيوب، 4: 18؛ صموئيل الأول، 22: 19؛ أخبار الأيام الثاني، 18: 18؛ الرسالة إلى العبرانيين، 1: 14.
- ↑ أخبار الأيام الثاني، 3: 11؛ أخبار الأيام الثاني، 5: 7.
- ↑ أيوب، 4: 18 و15:15؛ رسالة بطرس الثانية، 2:4.
- ↑ أيوب، 25: 3.
- ↑ متى، 22: 30؛ مرقس، 12: 25.
- ↑ المزامير، 91: 11؛ الخروج، 23: 20.
- ↑ مرقس، 1: 13؛ لوقا، 4: 10.
- ↑ أعمال الرسل، 7: 53؛ الرسالة إلى غلاطية، 3: 19.
- ↑ صموئيل الثاني، 24: 16؛ أخبار الأيام الأول، 21: 12؛ أخبار الأيام الثاني، 32: 21؛ رؤيا يوحنا، 12: 7.
- ↑ الحديث التاسع، باب 135، كتاب الدعاء.
- ↑ نقلاً عن نثر طوبى
- ↑ معجم أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام)، ج1، ص366.