الفرق بين المراجعتين لصفحة: «إبراهيم بن الأغلب»
| (٢ مراجعات متوسطة بواسطة نفس المستخدم غير معروضة) | |||
| سطر ٢١: | سطر ٢١: | ||
'''إبراهيم بن الأغلب''' (756 ميلادي، القيروان - 812 ميلادي، صقلية) قائد عسكري عباسي، وأول أمير أغلبي ومؤسس هذه السلالة. كان أصله من [[خراسان]]، وولد في القيروان بتونس. وقد منح [[العباسيون]] العديد من الخراسانيين رتبًا عالية بسبب دعمهم القادم من [[خراسان]]. أصبح ابن الأغلب واليًا على إفريقية بعد إخماده لتمرد في عام 799م. وقد وُصف بأنه حكيم، محسن، وثابت. <ref>دار العلم للملايين، بيروت، ص 28</ref> | '''إبراهيم بن الأغلب''' (756 ميلادي، القيروان - 812 ميلادي، صقلية) قائد عسكري عباسي، وأول أمير أغلبي ومؤسس هذه السلالة. كان أصله من [[خراسان]]، وولد في القيروان بتونس. وقد منح [[العباسيون]] العديد من الخراسانيين رتبًا عالية بسبب دعمهم القادم من [[خراسان]]. أصبح ابن الأغلب واليًا على إفريقية بعد إخماده لتمرد في عام 799م. وقد وُصف بأنه حكيم، محسن، وثابت. <ref>دار العلم للملايين، بيروت، ص 28</ref> | ||
== | ```wikitext | ||
== نسب، ولادت و کودکی إبراهيم بن الأغلب == | |||
إبراهيم بن الأغلب، أبو إسحاق إبراهيم بن الأغلب بن سالم بن عقال التميمي <ref>196 هـ/812 م</ref>، مؤسس سلالة الأغالبة، أول أسرة أسست دولة في شمال [[إفريقيا]]. وُلد عام 852 م / 237 هـ في القيروان بـ[[تونس]]. | إبراهيم بن الأغلب، أبو إسحاق إبراهيم بن الأغلب بن سالم بن عقال التميمي <ref>196 هـ/812 م</ref>، مؤسس سلالة الأغالبة، أول أسرة أسست دولة في شمال [[إفريقيا]]. وُلد عام 852 م / 237 هـ في القيروان بـ[[تونس]]. | ||
يبدو أن إبراهيم عاش في إفريقية حتى بلغ العاشرة من عمره، حين قُتل والده الأغلب بن سالم، أمير إفريقية، في معركة مع أحد الثوار <ref>150 هـ/767 م</ref>. <ref>ابن عذاري، 1/64؛ وبخصوص سن إبراهيم آنذاك، انظر: ابن الأثير، 6/157</ref> | يبدو أن إبراهيم عاش في إفريقية حتى بلغ العاشرة من عمره، حين قُتل والده الأغلب بن سالم، أمير إفريقية، في معركة مع أحد الثوار <ref>150 هـ/767 م</ref>. <ref>ابن عذاري، 1/64؛ وبخصوص سن إبراهيم آنذاك، انظر: ابن الأثير، 6/157</ref> | ||
== التحصيل العلمي والوجود في مصر == | |||
وبعد ذلك انتقل إلى مصر. وفي ذلك الوقت، كان بعض أفراد «آل مهلب»، الذين يُعدون منذ عهد [[أبو مسلم الخراساني]] المنافس الرئيسي للأغالبة، قد استولوا على إمارة تلك المنطقة. | وبعد ذلك انتقل إلى مصر. وفي ذلك الوقت، كان بعض أفراد «آل مهلب»، الذين يُعدون منذ عهد [[أبو مسلم الخراساني]] المنافس الرئيسي للأغالبة، قد استولوا على إمارة تلك المنطقة. | ||
وفي | وفي [[مصر]]، قبل أن يشرع إبراهيم في المطالبة بالإرث السياسي والعسكري لوالده، انكب على طلب العلم ولا سيما [[الفقه]]، حتى صار من تلاميذ «ليث بن سعد الفقيه» <ref>179 هـ/795 م</ref> المميزين، لدرجة أن الأخير وهبه جاريةً أنجبت له لاحقًا «زيادة الله بن إبراهيم». <ref>ابن الأبار، الحلة، 1/93؛ قارن: ابن عذاري، الذي حرّف الرواية بشكل غريب</ref> | ||
ولا يُعرف التاريخ الذي انضم فيه إبراهيم إلى «جند» مصر، غير أن «البلاذري» ينقل عن «أحمد بن ناقد مولى بني الأغلب» ذكرَ إبراهيم كأحد أعيان جند مصر الذين شاركوا في إحدى الفتن التي عصفت آنذاك. | ولا يُعرف التاريخ الذي انضم فيه إبراهيم إلى «جند» مصر، غير أن «البلاذري» ينقل عن «أحمد بن ناقد مولى بني الأغلب» ذكرَ إبراهيم كأحد أعيان جند مصر الذين شاركوا في إحدى الفتن التي عصفت آنذاك. | ||
== الصراعات الأولى والانتقال إلى الزاب == | |||
وقد هاجم هو وعدد من رفاقه بيت المال، وبعد أن أخذ منه قدر حصته (وربما متأخراتها)، فرّ إلى «زاب القيروان». <ref>وفقًا لرواية اليعقوبي، 2/414: نُفي من مصر؛ قارن: EI2, III/981: والي مصر المهلبي نفاه إلى الزاب</ref> وقيل إنه بسط سيطرته على جند تلك المنطقة. <ref>الفتوح، 233</ref> | وقد هاجم هو وعدد من رفاقه بيت المال، وبعد أن أخذ منه قدر حصته (وربما متأخراتها)، فرّ إلى «زاب القيروان». <ref>وفقًا لرواية اليعقوبي، 2/414: نُفي من مصر؛ قارن: EI2, III/981: والي مصر المهلبي نفاه إلى الزاب</ref> وقيل إنه بسط سيطرته على جند تلك المنطقة. <ref>الفتوح، 233</ref> | ||
| سطر ٣٩: | سطر ٤٥: | ||
وبالنظر إلى أن إبراهيم شارك في قتل «إدريس» سنة 175 هـ، فمن المرجح أنه وصل إلى الزاب قاصدًا بغداد سنة 174 هـ، بالتزامن مع خروج الفضل منها، واكتسب نفوذًا حظي ضمنًا بموافقة جهاز الخلافة؛ إذ ذُكر في واقعة قتل إدريس بوصفه عامل هارون على المنطقة، الذي هيأ مقدمات قتل إدريس بأمر الخليفة. | وبالنظر إلى أن إبراهيم شارك في قتل «إدريس» سنة 175 هـ، فمن المرجح أنه وصل إلى الزاب قاصدًا بغداد سنة 174 هـ، بالتزامن مع خروج الفضل منها، واكتسب نفوذًا حظي ضمنًا بموافقة جهاز الخلافة؛ إذ ذُكر في واقعة قتل إدريس بوصفه عامل هارون على المنطقة، الذي هيأ مقدمات قتل إدريس بأمر الخليفة. | ||
== الصراع على السلطة في المغرب والتمهيد للحكم == | |||
ورغم أنه قيل إن ظهور ابن الأغلب في أحداث إفريقية بدأ بخدمته في جند بني مهلب، وعلى الرغم من نحس الفضل بإبراهيم، فإنه شارك هناك في حملة «العلاء بن سعيد» لقمع «ابن جارود» الذي ثار على «الفضل المهلبي» <ref>عبد الرزاق، 21</ref>، غير أنه يبدو أنه بعد قدوم «هرثمة» إلى إفريقية برز بشكل جدي ورسمي في الساحتين السياسية والعسكرية. | ورغم أنه قيل إن ظهور ابن الأغلب في أحداث إفريقية بدأ بخدمته في جند بني مهلب، وعلى الرغم من نحس الفضل بإبراهيم، فإنه شارك هناك في حملة «العلاء بن سعيد» لقمع «ابن جارود» الذي ثار على «الفضل المهلبي» <ref>عبد الرزاق، 21</ref>، غير أنه يبدو أنه بعد قدوم «هرثمة» إلى إفريقية برز بشكل جدي ورسمي في الساحتين السياسية والعسكرية. | ||
| سطر ٦٣: | سطر ٧١: | ||
فهزم إبراهيم تمّامًا، ثم هاجم [[تونس]] سنة 184 هـ/800 م، غير أنه في النهاية أمن «تمّامًا» وأخذه إلى القيروان. <ref>ابن عذاري، 1/83</ref> | فهزم إبراهيم تمّامًا، ثم هاجم [[تونس]] سنة 184 هـ/800 م، غير أنه في النهاية أمن «تمّامًا» وأخذه إلى القيروان. <ref>ابن عذاري، 1/83</ref> | ||
``` | |||
== دوران الولاية == | == دوران الولاية == | ||
المراجعة الحالية بتاريخ ١٢:٤٨، ١٧ مايو ٢٠٢٦
| إبراهيم بن الأغلب | |
|---|---|
| الإسم | أبو إسحاق، إبراهيم بن الأغلب بن سالم بن عقال التميمي |
| التفاصيل الذاتية | |
| الدين | الإسلام، الشيعة |
| النشاطات | مؤسس سلالة الأغالبة وأول حاكم لهم |
إبراهيم بن الأغلب (756 ميلادي، القيروان - 812 ميلادي، صقلية) قائد عسكري عباسي، وأول أمير أغلبي ومؤسس هذه السلالة. كان أصله من خراسان، وولد في القيروان بتونس. وقد منح العباسيون العديد من الخراسانيين رتبًا عالية بسبب دعمهم القادم من خراسان. أصبح ابن الأغلب واليًا على إفريقية بعد إخماده لتمرد في عام 799م. وقد وُصف بأنه حكيم، محسن، وثابت. [١]
```wikitext
نسب، ولادت و کودکی إبراهيم بن الأغلب
إبراهيم بن الأغلب، أبو إسحاق إبراهيم بن الأغلب بن سالم بن عقال التميمي [٢]، مؤسس سلالة الأغالبة، أول أسرة أسست دولة في شمال إفريقيا. وُلد عام 852 م / 237 هـ في القيروان بـتونس.
يبدو أن إبراهيم عاش في إفريقية حتى بلغ العاشرة من عمره، حين قُتل والده الأغلب بن سالم، أمير إفريقية، في معركة مع أحد الثوار [٣]. [٤]
التحصيل العلمي والوجود في مصر
وبعد ذلك انتقل إلى مصر. وفي ذلك الوقت، كان بعض أفراد «آل مهلب»، الذين يُعدون منذ عهد أبو مسلم الخراساني المنافس الرئيسي للأغالبة، قد استولوا على إمارة تلك المنطقة.
وفي مصر، قبل أن يشرع إبراهيم في المطالبة بالإرث السياسي والعسكري لوالده، انكب على طلب العلم ولا سيما الفقه، حتى صار من تلاميذ «ليث بن سعد الفقيه» [٥] المميزين، لدرجة أن الأخير وهبه جاريةً أنجبت له لاحقًا «زيادة الله بن إبراهيم». [٦]
ولا يُعرف التاريخ الذي انضم فيه إبراهيم إلى «جند» مصر، غير أن «البلاذري» ينقل عن «أحمد بن ناقد مولى بني الأغلب» ذكرَ إبراهيم كأحد أعيان جند مصر الذين شاركوا في إحدى الفتن التي عصفت آنذاك.
الصراعات الأولى والانتقال إلى الزاب
وقد هاجم هو وعدد من رفاقه بيت المال، وبعد أن أخذ منه قدر حصته (وربما متأخراتها)، فرّ إلى «زاب القيروان». [٧] وقيل إنه بسط سيطرته على جند تلك المنطقة. [٨]
إن التناقضات الواردة في المصادر بشأن تاريخ هذه الواقعة جعلت تحديد تاريخها الدقيق أمرًا عسيرًا. فـ«البلاذري» يذكر في موضع أن وصول إبراهيم إلى الزاب تزامن مع ولاية هرثمة بن أعين على المغرب (179 هـ)، [٩] غير أن هذا الرأي يبدو بعيدًا؛ لأنه أولًا: قيل إنه لما قدم هرثمة من قبل هارون الرشيد لقمع الأمراء المتمردین في المغرب، كان إبراهيم موجودًا في الزاب، فأرسل إليه هدايا كثيرة لكسب رضا ممثل الخليفة، فاعترف بولايته رسميًا. [١٠] وعلاوة على ذلك، فإن «البلاذري» في موضع آخر [١١] وتابعه الطبري [١٢] ذكرا تدخل الأمير إبراهيم الفعّال في قتل إدريس بن عبد الله (175 هـ/791 م).
ومن جهة أخرى، يرى «ابن الأبار» أن إبراهيم توجه إلى الزاب في عهد «الفضل بن روح بن حاتم المهلبي» على إفريقية. [١٣] ولعل مراد ابن الأبار هو ولاية «الفضل بن روح» على الزاب، حيث كان والده قد ولّاه عليها.
وبالنظر إلى أن إبراهيم شارك في قتل «إدريس» سنة 175 هـ، فمن المرجح أنه وصل إلى الزاب قاصدًا بغداد سنة 174 هـ، بالتزامن مع خروج الفضل منها، واكتسب نفوذًا حظي ضمنًا بموافقة جهاز الخلافة؛ إذ ذُكر في واقعة قتل إدريس بوصفه عامل هارون على المنطقة، الذي هيأ مقدمات قتل إدريس بأمر الخليفة.
الصراع على السلطة في المغرب والتمهيد للحكم
ورغم أنه قيل إن ظهور ابن الأغلب في أحداث إفريقية بدأ بخدمته في جند بني مهلب، وعلى الرغم من نحس الفضل بإبراهيم، فإنه شارك هناك في حملة «العلاء بن سعيد» لقمع «ابن جارود» الذي ثار على «الفضل المهلبي» [١٤]، غير أنه يبدو أنه بعد قدوم «هرثمة» إلى إفريقية برز بشكل جدي ورسمي في الساحتين السياسية والعسكرية.
وفي تلك الحقبة، بسبب الاضطرابات المستمرة في المغرب التي تحوّلت إلى مركز للأنشطة المعادية للعباسيين من قبل الخوارج، وكذلك بسبب مساعٍ قام بها عرب أمثال أبناء «عبيدة بن عقبة بن نافع»، و«تمام بن تميم»، و«سليمان بن حميد الغافقي»، وكثير غيرهم ممن وطئ أجدادهم أرض تلك الديار مع بداية فتح المغرب على يد المسلمين، وبالتالي رأوا أنفسهم أحق بالحكم من الولاة الذين يعينهم خليفة بغداد، وأيضًا بسبب توسع نفوذ الأدارسة في المغرب الذين سعوا إلى إقامة دولة العلويين، كادت هذه المنطقة الهامة أن تخرج من النفوذ السياسي لـبغداد. والولاة الذين كان الخلفاء العباسيون يبعثونهم تباعًا لترسيخ نفوذ الخلافة في تلك الأرض، لم يوفقوا فحسب، بل واجهوا ثورات كبرى أدت أحيانًا إلى مقتلهم؛ كما حدث مع «الفضل بن روح بن حاتم الأمير المهلبي» لإفريقية الذي فقد حياته في سبيل حكمه، فبادر هارون الرشيد فورًا إلى إرسال «هرثمة بن أعين» إلى المغرب لإخماد نار الفتنة (179 هـ/795 م).
مكث هرثمة في تلك الديار سنتين ونصفًا، ثم استأذن هارون سنة 181 هـ في العودة، فعيّن هارون أخاه من الرضاعة «محمد بن مقاتل العكي» واليًا على إفريقية. [١٥]
وابن مقاتل ارتكب في ولايته ظلمًا، مما أثار السخط العام وأدى إلى ثورة في إفريقية. ويبدو أنه في تلك الفترة بالذات، طمح «راشد مولى إدريس» ووليّ أمر «إدريس بن إدريس»، الذي اشتد شأنه، إلى الاستيلاء على إفريقية.
فأقدم إبراهيم بن الأغلب، الذي أظهر من قبل عداوته للأدارسة، هذه المرة على الحيلة، وخدع أنصار راشد حتى حملهم على قتله.
ورغم أن ابن مقاتل نسب الفعل إلى نفسه لدى الخليفة، فإن رئيس ديوان البريد في المغرب أبلغ الخليفة بحقيقة الأمر. [١٦]
وفي سنة 183 هـ/799 م، ثار «تمام بن تميم»، حاكم تونس، المنتمي إلى أسرة «ملك بن زيد مناة» الذين يُعدون أبناء عمومة للأغالبة [١٧]، على «ابن مقاتل»، وبعد أن هزمه استولى على القيروان. [١٨]
وفي خضم ذلك، كان بإمكان إبراهيم، بوصفه أحد الزعماء ذوي النفوذ في المنطقة، ولا سيما بالاعتماد على اسم والده الذي حكم إفريقية فترةً من الزمن، أن يستغل هذه الفوضى؛ غير أنه إذ لم يكن واثقًا من دوام نجاحه المحتمل، وقف إلى جانب «ابن مقاتل» دعمًا له، ليُظهر قوته للثوار، وليدرأ عن حكمه ما قد يهدده من أحداث، وليكسب أيضًا رضا الخليفة الذي كان لا يزال يؤيد «ابن مقاتل»، تمهيدًا لنيل شرعية من الخلافة للحكم الذي كان يطمح إليه.
بل لعلّه من غير البعيد أن يكون قد قصد من هذا الدعم إلى تأجيج سخط الناس على «ابن مقاتل» وتوجيه الأنظار العامة نحوه. وعليه، فقد سارع إبراهيم إلى الزحف على القيروان. فلما رأى «تمّام» أنه لا طاقة له بالمقاومة، تراجع ودخل إبراهيم المدينة. [١٩]
وفي خطبة ألقاها في جامع المدينة، طالب بعودة ابن مقاتل واستمرار حكمه. [٢٠] غير أن الناس أبدوا استياءهم، وفرّ كثيرون منهم إلى «تمّام». [٢١]
وحاول «تمّام» مرة أخرى الاستيلاء على القيروان، ولإثارة الخلاف بين ابن مقاتل وإبراهيم، كتب إلى ابن مقاتل يتهم فيه إبراهيم بالسعي إلى الاستيلاء على حكم إفريقية واتخاذه ابنَ مقاتل وسيلةً لذلك، غير أن ابن مقاتل لم يلتفت إلى ذلك، وأرسل إبراهيم لقتاله. [٢٢]
فهزم إبراهيم تمّامًا، ثم هاجم تونس سنة 184 هـ/800 م، غير أنه في النهاية أمن «تمّامًا» وأخذه إلى القيروان. [٢٣] ```
دوران الولاية
أدى الفشل التام وهيمنة ابن مقاتل إلى زيادة سخط الشعب، لدرجة أنهم دفعوا إبراهيم، الذي اكتسب نفوذًا وقوة كبيرين، إلى إخبار الخليفة بهذا الأمر، وترشيح نفسه لحكم إفريقية. [٢٤] بالإضافة إلى ذلك، اقترح إبراهيم على الخليفة ألا يُرسل أكثر من 40,000 دينار سنويًا لحكم إفريقية، بدلًا من 100,000 دينار التي كانت تصل سنويًا من مصر. [٢٥]
أظهر هارون الرشيد بعد التشاور مع "هرثمة بن أعين"، الذي وصف إبراهيم بأنه رجل كفؤ وحكيم ومتدين، وربما وفقًا لرأي "الإصطخري" لمواجهة النفوذ المتزايد للأدارسة [٢٦]، قبول هذا الاقتراح، وعيّن إبراهيم واليًا على إفريقية في محرم 184 هـ/فبراير 800 م. [٢٧]
كتب الخليفة بعد ذلك إلى ابن مقاتل بأن يسلم زمام الأمور لإبراهيم. [٢٨] وحسب رواية أخرى، فإن أهل إفريقية أخرجوا ابن مقاتل، ونصبوا إبراهيم واليًا عليهم. [٢٩] وهكذا، استلم إبراهيم حكم إفريقية، بينما غادر ابن مقاتل إلى طرابلس.
هناك، قام كاتبه "داود القيرواني" بتزوير رسالة باسم هارون الرشيد. [٣٠] مفادها أن الخليفة أعاده مرة أخرى إلى حكم إفريقية، وأمر إبراهيم بالعودة إلى الزاب، وطلب عبر رسالة من "سهل بن حاجب التميمي" أن يتولى إدارة الأمور نيابة عنه. غادر إبراهيم المدينة متجهًا إلى الزاب في منتصف ربيع الأول 184 هـ/أبريل 800 م، لكن هذا الخبر أغضب هارون، فأرسل رسولًا يؤكد ولاية إبراهيم على إفريقية. [٣١]
سعى إبراهيم في منصبه كوالٍ على إفريقية إلى إخماد نار الثورات الداخلية وتوسيع سلطة الخلافة ونفوذها في إقليمه، وذلك من خلال اعتقال العديد من المعارضين وإرسالهم إلى الخليفة. [٣٢]
في بداية حكمه، بنى بلدة خارج القيروان، وأقام فيها قصره، وسماها "العباسية"، وجند فيها العديد من العبيد السودانيين كجيش خاص له. [٣٣] ومع ذلك، لم تسلم دولته من ثورات المعارضين. ففي عام 186 هـ/802 م، ثار "حمديس [٣٤] بن عبد الرحمن الكندي" على إبراهيم في تونس.
أرسل إبراهيم قائده "عمران بن مخلد" أو "مجالد" [٣٥] لقمع هذه الثورة. وتمكن "ابن مخلد" من هزيمة "حمديس" والدخول إلى تونس.
في الوقت نفسه، قرر إبراهيم، الذي كان يخشى من القوة المتنامية لإدريس بن إدريس، التوجه لمواجهته، لكنه عدل عن ذلك بناءً على نصيحة أصحابه. وربما كان دعم القبائل البربرية الكبرى مثل أوربة وزناتة وزراعة ومكناسة لـ"إدريس" هو السبب في تجنب إبراهيم للمواجهة المباشرة معه. [٣٦]
لذلك، لجأ إلى الحيلة، وأغرى "بهلول بن عبد الواحد المدغري"، أحد مقربي إدريس وعماله، بالمال لينفصل عن إدريس وينضم إلى إبراهيم. أدى هذا الأمر إلى تشتت أنصار إدريس من حوله. [٣٧]
إدريس، الذي رأى نفسه مهددًا بشدة، كتب إلى إبراهيم، وبعد أن ذكره بقرابته من النبي محمد (ص)، طلب منه إما الخضوع لطاعته أو الكف عنه. [٣٨]
وبهذا، تم الصلح بين إبراهيم وإدريس، ومنذ ذلك الحين، امتنع الأغالبة، رغم إلحاح الخلفاء، عن المواجهة المباشرة مع الأدارسة، واكتفوا بالمماطلة. [٣٩] في تلك الفترة، كانت طرابلس واحدة من أكثر مناطق إقليم إبراهيم اضطرابًا، ولم يوفق الولاة المتعاقبون الذين أُرسِلوا لحكم تلك الديار في إخماد نار هذه الاضطرابات، التي يبدو أنها ناتجة في الغالب عن الخلافات القديمة بين "القيسية" و"اليمنية" وبُعد المنطقة عن مركز الحكم. وفي عام 188 أو 189 هـ/804 أو 805 م، أخرج أهل طرابلس "سفيان بن المضاء" [٤٠]، الذي عُيّن واليًا عليها للمرة الرابعة، ونصبوا "إبراهيم بن سفيان التميمي" أميرًا عليهم. ومع ذلك، وقع الخلاف بين عرب المنطقة، وتحول الأمر إلى قتال.
استغل إبراهيم بن الأغلب الموقف، وطلب المساعدة من "أحمد بن إسماعيل" أمير مصر، وقام الجيش الذي أرسله الأخير في النهاية بقمع الثورة، لكنه عفا عن قادتها. [٤١]
كانت أكبر ثورة اندلعت ضد إبراهيم هي تلك التي قادها قائده "عمران بن مخلد". ففي عام 194 أو 195 هـ/810 أو 811 م، وبسبب تزايد قوته ونفوذه، ونتيجة لإهمال إبراهيم له، وجد ذريعة للثورة، ونزل مع "قريش بن تونسي" في معسكر بين القيروان والعباسية.
اتخذ إبراهيم من العباسية مقرًا له، وخاض عدة معارك دون تحقيق تقدم يذكر، خاصةً أن بعض الجنود الذين طالبوا بمستحقاتهم انضموا إلى عمران. [٤٢]
استمرت هذه المناوشات حوالي عام، حتى أرسل الخليفة أموالًا إلى إبراهيم، الذي قام بتوزيعها بين جيش العدو، مما أدى إلى تشتتهم عن عمران، واستعاد السيطرة على القيروان مرة أخرى. [٤٣] وبينما كان إبراهيم لا يزال منخرطًا في تداعيات هذه الثورة، عادت الاضطرابات إلى طرابلس مرة أخرى.
عيّن ابنه عبد الله أميرًا عليها (196 هـ)، لكن جيش طرابلس حاصره في منزله وأجبره على مغادرة المدينة. غادر عبد الله طرابلس، واستطاع بتوزيع الأموال جمع الناس حوله، وهزم المتمردين وسيطر على المدينة، لكنه لم يبقَ فيها طويلاً؛ حيث عزله والده وعاد وعيّن "سفيان بن المضاء" واليًا عليها مرة أخرى.
في هذه المرة، ثار البربر، وهزموا الجيش الحكومي، وهدموا أسوار المدينة. فأرسل إبراهيم بن الأغلب ابنه عبد الله مرة أخرى إلى طرابلس على رأس جيش، وذلك على ما يبدو بناءً على نصيحة وتشجيع "أبي سليمان داود الكاتب"، الذي التحق بإبراهيم بعد ابن مقاتل. [٤٤]
تمكن عبد الله من هزيمة البربر والدخول إلى المدينة. ومن جهة أخرى، قام "عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم" بجمع البربر لمحاربة الأغالبة، وحاصر طرابلس. تصدى عبد الله بن إبراهيم له، لكن لم يمضِ وقت طويل حتى توفي إبراهيم بن الأغلب في مدينة صقلية عام 812 م، فقبل عبد الله الصلح. نُقل جثمان إبراهيم إلى القيروان. [٤٥]
الثقافة والحضارة
أثنى بعض المؤرخين على إبراهيم بن الأغلب لعلمه وشعره وحسن سيرته وشجاعته. [٤٦] وقيل: لم يكن لإفريقية حتى ذلك الحين أميرٌ أعدل ولا أكثر حنكةً سياسية ولا أرحم من إبراهيم. [٤٧] وكان المغاربة يحبونه. [٤٨]
ومع ذلك، فمن الغريب ما قيل: إنه أثناء تمرد ابن مخلد، عارض سكان القيروان والعديد من مدن إفريقية إبراهيم. [٤٩]
وربما لا يخلو هذا الأمر من إشارات إلى العنف الذي يظهر في أحداث حياته؛ فحين ثار التونسيون عليه، أمر ابنَ مخلد ألا يُبقي أحدًا على قيد الحياة، وقيل إنه قتل عشرة آلاف من المتمردين بالسيف. [٥٠] ويبدو أن هذا العنف كان نابعًا في الغالب من عدم ثقته في ولاء المغاربة، ولا سيما الجنود المحليين الذين كانوا بين الحين والآخر ينتفضون ضد الولاة الذين تعينهم بغداد.
وقد أدى هذا انعدام الثقة، الذي اشتد لاحقًا، إلى أن يستدعي إبراهيم أربعة آلاف من الحرس الزنجي السوداني ليعهد إليهم بحراسته الخاصة، وأن ينزلهم في العباسية. [٥١]
وإلى جانب ذلك، كان إبراهيم خلال فترة حكمه يولي العرب في إفريقية اهتمامًا أكبر من البربر، الذين تحولوا تدريجيًا إلى خطر دائم وجدي على سلطة ولاة العباسيين، وقد خص العرب بامتيازات عديدة مثل الإقطاع والمنح المالية. [٥٢]
ورغم أن إبراهيم حكم بشكل شبه مستقل، فإنه كان يخطب باسم خليفة بغداد، ويضرب على النقود بالإضافة إلى اسم الخليفة اسمه واسم رئيس دار الضرب، ويرسل المال سنويًا إلى بغداد؛ بل إن هارون الرشيد كان قد عيّن قاضي القيروان «أبا عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن غانم بن شرحبيل» (190 هـ/806 م)، الذي كان من أصحاب مالك بن أنس وتلاميذه. [٥٣]
وأسس إبراهيم في عهد حكمه العديد من المساجد والمدارس والدواوين، فازدهرت حضارة إفريقية في عهده، ونمت العلوم والآداب. [٥٤]
ويبدو أنه بعد بناء العباسية، استقبل بصفته أميرًا مستقلًا ممثل شارلمان ملك فرنسا بكل أبهة، واستجاب لطلبه باستعادة رفات أحد القديسين المسيحيين المسمى سان سيبريان، الذي كان في إفريقية. [٥٥]
ونُقِل عن إبراهيم بن الأغلب بعض الأشعار. [٥٦]
ومن آثار ابن الأغلب مدينة رقادة وقصر الفتح. وقد استمرت ولايته ثمانٍ وعشرين سنة وستة أشهر.[٥٧]
الهوامش
- ↑ دار العلم للملايين، بيروت، ص 28
- ↑ 196 هـ/812 م
- ↑ 150 هـ/767 م
- ↑ ابن عذاري، 1/64؛ وبخصوص سن إبراهيم آنذاك، انظر: ابن الأثير، 6/157
- ↑ 179 هـ/795 م
- ↑ ابن الأبار، الحلة، 1/93؛ قارن: ابن عذاري، الذي حرّف الرواية بشكل غريب
- ↑ وفقًا لرواية اليعقوبي، 2/414: نُفي من مصر؛ قارن: EI2, III/981: والي مصر المهلبي نفاه إلى الزاب
- ↑ الفتوح، 233
- ↑ المصدر نفسه
- ↑ ابن الأثير، 6/139؛ ابن تغري بردي، 2/89، 90
- ↑ الأنساب، 3/137
- ↑ 8/199
- ↑ الحلة، 1/93
- ↑ عبد الرزاق، 21
- ↑ ابن الأثير، 6/154، ابن عذاري، 1/80
- ↑ ابن الأبار، الحلة، 1/100؛ قارن: ابن الأثير، 6/174؛ الناصري، 1/161، بخصوص تاريخ وفاة أو مقتل راشد
- ↑ ابن الأبار، الحلة، 1/91؛ EI2, III/982
- ↑ ابن الأثير، 6/154، 155
- ↑ المصدر نفسه، 6/155؛ الصفدي، 5/328
- ↑ ابن عذاري، 1/81
- ↑ المصدر نفسه، 1/82
- ↑ ابن الأبار، الحلة، 1/89، 90
- ↑ ابن عذاري، 1/83
- ↑ ابن الأثير، 6/155؛ ابن خلدون، 4/419
- ↑ ابن الأثير، 6/155؛ قارن: اليعقوبي، 2/412
- ↑ المصدر نفسه، ص 47
- ↑ البلاذري، فتوح البلدان، ص 234؛ الطبري، 8/282؛ ابن الأثير، 6/155، وقيل إنه جعل الحكم وراثيًا في عائلته؛ عبد الوهاب، ص 64
- ↑ العيون، 3/302؛ ابن تغري بردي، 2/110
- ↑ خليفة بن خياط، 2/748
- ↑ ابن الأبار، الحلة السيراء، 1/94
- ↑ العيون، 3/302، 303
- ↑ ابن الأثير، 6/156
- ↑ البلاذري، المصدر نفسه؛ عبد الرزاق، ص 32
- ↑ أو خريش: ابن الأبار، الحلة السيراء، 1/104
- ↑ ابن الأثير، 6/156، 235؛ البلاذري، المصدر نفسه؛ ابن خلدون، 4/419
- ↑ المصدر نفسه، 4/26، 27
- ↑ ابن الأثير، 6/156
- ↑ المصدر نفسه؛ ابن الأبار، الحلة السيراء، 1/55
- ↑ ابن خلدون، 4/27
- ↑ ابن خلدون، 4/420
- ↑ المصدر نفسه؛ ابن تغري بردي، 2/125
- ↑ البلاذري، المصدر نفسه
- ↑ ابن الأثير، 6/156، 157، 235، 236؛ ابن خلدون، 4/420؛ ابن الأبار، الحلة السيراء، 1/105
- ↑ المصدر نفسه، العتاب، ص 107
- ↑ ابن الأثير، 6/270؛ ابن خلدون، 4/421
- ↑ ابن عذاري، 1/83؛ ابن الأبار، الحلة، 1/93
- ↑ الصفدي، 5/327
- ↑ الذهبي، 9/129
- ↑ ابن الأثير، 6/156
- ↑ المصدر نفسه
- ↑ عبد الوهاب، 3/291
- ↑ عبد الوهاب، 3/252، نقلاً عن ابن ناجي
- ↑ ابن عياض، 1/10؛ ابن دواداري، 6/24
- ↑ المدني، 51
- ↑ ابن عامر، 119؛ المدني، 51؛ بروكلمان، 160
- ↑ ابن الأبار، الحلة، 1/94، 96، 97
- ↑ الزركلي، خير الدين (2002)، «ابن الأغلب»
المصادر
- ابن الأبار، محمد بن عبد الله، اعتاب الكتاب، بتحقيق صالح الأشتر، دمشق، 1961 م؛
- نفسه، الحلة السيراء، بتحقيق حسين مؤنس، القاهرة، 1963 م؛
- ابن الأثير، علي بن محمد، الكامل، بيروت، 1402 هـ؛
- ابن تغري بردي، يوسف، النجوم الزاهرة، القاهرة، 1348-1358 هـ؛
- ابن خلدون، العبر؛ ابن دواداري، عبد الله بن أيبك، كنز الدرر، بتحقيق صلاح الدين المنجد، القاهرة، 1961 م؛
- ابن عامر، أحمد، تونس عبر التاريخ، تونس، 1373 هـ؛
- ابن عذاري المراكشي، محمد، البيان المغرب، بتحقيق راينهارت دوزي، ليدن، 1848-1851 م؛
- ابن عياض، عباض بن موسى، ترتيب المدارك وتقريب المسالك، بيروت، 1967 م؛
- الاصطخري، إبراهيم بن محمد، مسالك وممالك، بتحقيق إيرج أفشار، طهران، 1968 م؛
- بروكلمان، كارل، تاريخ دول الإسلام وشعوبه، ترجمة هادي الجزائري، طهران، 1968 م؛
- البلاذري، أحمد بن يحيى، أنساب الأشراف، بتحقيق محمد باقر البهبودي، بيروت، 1977 م؛
- نفسه، فتوح البلدان، بتحقيق يان دخويه، ليدن، 1863 م؛
- خليفة بن خياط، التاريخ، بتحقيق سهيل زكار، دمشق، 1968 م؛
- الذهبي، شمس الدين محمد، سير أعلام النبلاء، بتحقيق شعيب الأرنؤوط، بيروت، 1401 هـ/1981 م؛
- الصفدي، خليل بن أيبك، الوافي بالوفيات، بتحقيق س. ديديرينغ، فيسبادن، 1970 م؛
- الطبري، محمد بن جرير، التاريخ، بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، بيروت، 1960-1968 م؛
- عبد الرزاق، محمود إسماعيل، الأغالبة، مصر، 1972 م؛ عبد الوهاب، حسن حسني، ورقات عن الحضارة العربية بإفريقية، تونس، 1972 م؛
- العيون والحدائق، بتحقيق يان دخويه، ليدن، 1869 م؛
- المالكي، عبد الله بن محمد، رياض النفوس، القاهرة، 1951 م؛
- المدني، أحمد توفيق، المسلمون في جزيرة صقلية وجنوب إيطاليا، الجزائر، 1365 هـ؛
- الناصري، أحمد بن خالد، الاستقصاء، بتحقيق جعفر الناصري ومحمد الناصري، الدار البيضاء، 1954 م؛
- اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب، التاريخ، بيروت، دار صادر.