انتقل إلى المحتوى

صدر الإسلام

من ویکي‌وحدت

صدر الإسلام مصطلح رائج الاستخدام في كتب التاريخ والتراجم والرجال وحتى في علمي الفقه والكلام.

المقصود بهذه المصطلحات غالباً هو الفترة الزمنية الممتدة من عصر البعثة إلى عصر التابعين (=زمن النبي إلى العصر الأموي) أو عصر البعثة إلى فترة أتباع التابعين (=زمن البعثة إلى العصر الأول للخلافة العباسية). تظهر الدراسات أنه في الماضي، لم يُستخدم هذا المصطلح إلا في حالة أو اثنتين في «عنوان» أي كتاب أو رسالة، ولا يعود تداوله في تسمية الكتب والرسائل والمقالات الإنجليزية والفارسية والعربية إلى أكثر من قرن ونصف. هذا المصطلح على الرغم من شيوعه في الأعمال الجديدة، فإنه يحمل غموضاً وتعارضاً أحياناً، ولم يتم تقديم أي شرح لمعناه في أي عمل بحثي.

الاشتراك اللفظي

كلمة «صدر الإسلام» من الألفاظ المشتركة لفظياً. والمقصود بالاشتراك اللفظي هو صلاحية اللفظ للدلالة على أكثر من معنى. معظم أخطاء الناس والمغالطات والخلافات بينهم، منذ أقدم العصور، نابعة من هذا الوجه اللفظي؛ حتى أن أفلاطون ألف كتاباً في صناعة المغالطة، ولم يتحدث في ذلك الكتاب إلا عن هذا النوع من المغالطات اللفظية (الطوسي، 1361: 518؛ الفارابي، 1408: 1/198).

وهذا في حين أن الاستخدام الواسع لهذا المصطلح أو المصطلحات المشابهة له في كتب التاريخ والتراجم والرجال وحتى في المصادر الفقهية والحديثية، كما سنشير، له سابقة طويلة تزيد على ألف سنة؛ وبالتالي يمكن أن يساعد في فهمنا الصحيح لهذا المصطلح.

«صدر الإسلام هو فترة من أوائل التاريخ الإسلامي ليس لها حدود محددة تماماً؛ لكن الغالبية تعده زمن النبي والخلفاء الأربعة». يبدو أن مصاحب هو الوحيد الذي وضع مقابلاً إنجليزياً لكلمة (sadre eslam) ولم يظهر هذا المكافئ في أي عمل آخر. [١]

مفهوم شناسی

قال اللغويون: إن صدر كل شيء أوله؛ ولذلك يُسمى سنان الرمح صدر الرمح؛ وكما يُسمى مقدمة السهم صدر السهم، ويسمى صدر الإنسان وغيره من الأشياء صدرها. ولهذا السبب أيضاً يُسمى مقدمة الكتاب التصدير. [٢]

وعليه فإن مصطلح «صدر الإسلام» يمكن أن يعني المفهوم الأول والأعلى أو بداية ومنشأ النشأة والجزء الأعلى من تاريخ الإسلام؛ لذلك، يمكن القول على الأرجح أن معنى ومفهوم «صدر الإسلام» ليس إلا نقطة البداية والجزء الأعلى من تاريخ الإسلام؛ لكن يبدو أن معظم كتاب القرون الأولى كانوا يعتبرون «صدر الإسلام» أو «الصدر الأول»5 امتداداً وانتشاراً للإسلام في سياق فترة تاريخية مهمة.

وهي الفترة التي حدثت فيها أحداث كبرى مثل النظام السياسي، وجغرافية دار الإسلام الكبيرة، والفكر والاجتهاد الديني، وحركة الترجمة والحركة العلمية الكبرى، وإنتاج الكتب وتصنيفها، وكذلك إنشاء المدارس والمذاهب الفكرية؛ على سبيل المثال، يصرح ابن النديم عندما يذكر أنواع خطوط المصحف، أن خالد بن أبي الهياج كان أول من اشتهر بجمال الخط في «الصدر الأول» وأقبل على كتابة المصحف، وكتب للمصحف والشعر والأخبار لوليد بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز. [٣]

أنسنة «صدر الإسلام» في التأريخ المعاصر

سيتضح فيما يلي أن هذا المصطلح له جذور قديمة في النصوص الأدبية الإسلامية، وأن كثرة استخدامه تصل إلى القرن الهجري الأول أيضاً؛ ولكن حتى قبل مائة وخمسين عاماً، قلما نجد عملاً يظهر فيه مثل هذا المصطلح في عنوانه.

لا يزال من غير الممكن الحكم بدقة على أسباب هذا القبض والضيق في تسمية الكتب والرسائل القديمة، وذلك البسط والانفتاح في الكتابات الجديدة. كما أن أوائل الكتاب المعاصرين الذين استخدموا هذه التسمية، لم يشيروا إلى الأسباب أو الدوافع وراء هذه التسمية.

ولكن ربما يمكن الإشارة إلى عدة نقاط: النقطة الأولى: اهتمام وتركيز كتاب القرون الأولى على المحتوى والنص بدلاً من التسمية، وكذلك قلة اهتمامهم أو عدم اهتمامهم بعنصر الزمن في أعمالهم.

النقطة الثانية: يمكن اعتبار تطور وتوسع وتفرع التخصصات وتخصص الاتجاهات العلمية في القرن الأخير من الأسباب الأخرى لهذا التغيير في تسمية الكتب والمقالات. [٤]

لقد ألفت وطبعت أعمال مكتوبة كثيرة، يمكن من حيث وفرة وتنوع معاني «صدر الإسلام» تقسيمها إلى سبع فئات مختلفة:

1. عصر النبي (ص) (13 ق. هـ إلى 11 هـ/610 إلى 622 م)

2. عصر النبي (ص) والخلفاء الراشدين (13 إلى 40 هـ/610 إلى 660 م)

3. صدر الإسلام من عصر النبي (ص) إلى نهاية خلافة الإمام علي (ع)

4. عصر النبي (ص) إلى نهاية العصر الأموي (13 إلى 132 هـ/610 إلى 750 م)

5. عصر النبي (ص) حتى سقوط الأمويين

6. عصر النبي (ص) إلى أواخر العصر الأول للعباسيين (13 إلى 232 هـ/610 إلى 847 م)

7. عصر النبي (ص) إلى نهاية آل بويه (13 إلى 447 هـ/610 إلى 1055 م)

8. فترة غير معروفة؛

9. اضطراب في استخدام المصطلح.

من المحتمل أن هذا الاختلاف والاضطراب في استخدام مصطلح صدر الإسلام ينبع من عدة عوامل أساسية:

أولاً: خطأ وضوح أو إيضاح المصطلح؛

ثانياً: عدم وجود أي صورة وتفسير واضح لهذا المصطلح في القواميس والمعاجم الاصطلاحية؛

ثالثاً: قلة اهتمام الكتاب المعاصرين بتعريفات وحدود الألفاظ والكلمات؛

رابعاً: عدم المعرفة الكافية أو عدم البحث بالقدر اللازم في الأدب والتراث المكتوب للعالم الإسلامي.

هذا في حين أن تاريخ نشأة وانتشار هذا المصطلح الخاص، يتضح تماماً وبشكل ملحوظ في الأدبيات والنصوص الماضية مثل الفقه والتاريخ والحديث وما شابه ذلك؛ حيث سنشير، أنه من خلال دراستها يمكن التوصل إلى استنتاج تاريخي موثوق في أنسنة واستخدام «صدر الإسلام» أو «الصدر الأول» عند الكتاب القدامى.

أنسنة «صدر الإسلام» في المصادر والتأريخ القديم

في هذه المصادر التي تشمل طيفاً من الكتب التاريخية والفقهية والتفسيرية والحديثية والكلامية والأدبية والتراجم، ورد هذا المصطلح بعدة أشكال مختلفة:

من أكثرها شيوعاً مصطلح «الصدر الأول من الإسلام»، «الصدر الأول في الإسلام»، «صدر الإسلام»، «الصدر الأول» وحتى مصطلح «سلف» كثير التردد؛ بالطبع مفهومها جميعاً متقارب ومترادف إلى حد ما.7

يوضح استخدام هذه المصطلحات أن تركيبات «الصدر الأول من الإسلام» و«الصدر الأول في الإسلام» قد اختصرت إلى التركيبات القصيرة «صدر الإسلام» و«الصدر الأول»؛ كما أن مصطلح «صدر الإسلام» أصبح في الاستخدامات الفارسية «صدر إسلام» بدون ألف ولام. في رواية ابن حزم الأندلسي، أطلق «الصدر الأول» على الصحابة أنفسهم، وليس على عصرهم (ابن حزم، بلا تاريخ: 9/418).

على أي حال، يبدو أنه في هذه المصادر قصد بهذا المصطلح خمسة مفاهيم أو استخدامات مختلفة:

1. صدر الإسلام بمعنى عصر النبي (ص) (11 إلى 13 هـ/608 إلى 610 م)

2. صدر الإسلام بمعنى عصر النبي (ص) والصحابة الأولين مقابل العصر الأموي (13 إلى 41 هـ/610 إلى 661 م)

3. صدر الإسلام بمعنى عصر النبي (ص) وعامة الصحابة (13 إلى حوالي 100 هـ/610 إلى 719 م)

4. صدر الإسلام بمفهوم عصر النبي (ص) إلى عصر تابعي الصحابة وبني أمية (13 إلى 150 هـ/610 إلى 767 م)

النتيجة

إن الاستخدام الواسع لمصطلح «صدر الإسلام» أو «الصدر الأول» في لغة المحدثين والفقهاء من القرن الأول، وكذلك في المصادر الفقهية والكلامية والتاريخية والأدبية للقرون الثالث إلى الخامس الهجري، يوفر للكتاب أربعة أقوال أو مفاهيم مختلفة ومشهورة لهذا المصطلح:

1. عصر النبي (ص) (13 ق. هـ إلى 11 هـ/610 إلى 632 م)؛

2. عصر النبي (ص) والصحابة الأولين (13 إلى 41 هـ/610 إلى 661 م)؛

3. عصر النبي (ص) وعامة الصحابة حتى نهاية القرن الهجري الأول (13 إلى 100 هـ/610 إلى 719 م)؛

4. عصر النبي (ص) حتى نهاية عصر التابعين، بما في ذلك فترة الخلافة الأموية والنصف الأول من القرن الثاني الهجري (13 إلى 150 هـ/610 إلى 767 م).

كل من هذه المفاهيم الأربعة، بسبب قبولها وانتشارها الأكبر مقارنة بالمفهوم التالي، ستكون مرجعاً للكتاب على التوالي، ويجدر بجميع الباحثين إيلاؤها اهتماماً تاماً. ومع ذلك، فمن الأفضل وربما من الضروري أن يتجنب الكتاب إطلاق مصطلح «صدر الإسلام» تجنباً لمغالطة الاشتراك اللفظي ومراعاة لحقوق القراء، وأن يوضحوا ما يقصدونه بطريقة ما في اسم العمل أو في مقدمته.[٥]

المصادر

  • ابن أبي يعلى، محمد بن أبي يعلى (بدون تاريخ)، طبقات الحنابلة، بيروت، دار المعرفة.
  • ابن خلكان، أحمد بن محمد، (بدون تاريخ)، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق إحسان عباس، بيروت: دار الفكر.
  • ابن عربي، أبو بكر محمد بن عبد الله، (بدون تاريخ)، أحكام القرآن، تحقيق محمد عبد القادر عطا، بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر.
  • ابن النديم، محمد بن إسحاق، (بدون تاريخ)، الفهرست، بيروت: دار المعرفة.
  • الأحسائي، ابن أبي جمهور محمد بن علي، (1405 هـ)، عوالي اللئالي العزيزية، قم: دار سيد الشهداء للنشر.
  • أمين، حسن، (1423 هـ)، دائرة المعارف الإسلامية الشيعية، بيروت: دار التعارف للمطبوعات.
  • الآلوسي، محمود بن عبد الله، (1415 هـ)، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، محقق عبد الباري عطية علي، بيروت: دار الكتب العلمية ومنشورات محمد علي بيضون.
  • الباقلاني، أبو بكر محمد بن الطيب، (1414 هـ)، تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل، تحقيق الشيخ عماد الدين أحمد حيدر، بيروت: مؤسسة الكتب الثقافية.
  • البحراني، يوسف بن أحمد، (1405 هـ)، الحدائق الناضرة، محقق ومصحح: محمد تقي الإيرواني، السيد عبد الرزاق المقرم، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
  • الثعالبي، أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل، (1421 هـ)، تحفة الوزراء، محقق ومصحح حبيب علي الراوي وإبتسام مرهون الضار، بيروت: الدار العربية للموسوعات.
  • الجصاص، أحمد، (1415 هـ)، أحكام القرآن، تحقيق عبد السلام محمد علي شاهين، بيروت: دار الكتب العلمية.
  • الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد، (1413 هـ)، تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، تحقيق عمر عبد السلام تدمري، بيروت: دار الكتاب العربي.
  • الرازي، محمد بن عمر، (1420 هـ)، التفسير الكبير؛ مفاتيح الغيب، تحقيق دار إحياء التراث العربي، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
  • زرين كوب، عبد الحسين، (1369 هـ.ش)، بامداد إسلام (فجر الإسلام)، طهران: أمير كبير.
  • شرف الدين، عبد الحسين، (1385 هـ)، المؤلف والشيعة في صدر الإسلام، تقديم وإشراف أحمد الحسيني الأشكوري، بغداد: مكتبة الأندلس، النجف: مكتبة النعمان.

الهوامش

  1. دائرة المعارف الفارسية لمصاحب، ذيل كلمة
  2. الجوهري، 1407:2/مدخل صدر؛ ابن فارس، بلا تاريخ، 3/مدخل صدر
  3. ابن النديم، بلا تاريخ: 9
  4. ابن خلكان، بلا تاريخ: 7/237 إلى 239؛ الذهبي، 1413 هـ: 48/158
  5. أنسنة مفهوم «صدر الإسلام» في التأريخ الإسلامي