تقدم الأمارات على الأصول العملية

تقدم الأمارات على الأصول العملية: هذا من المباحث التي يبحث عنه في أصول الفقه ولاخلاف بينهم في أنّ الأمارات تتقدم علی الأصول العملية ولکن لماذا تتقدم وما هو توجيه ذلک؟ هذا هو السؤال الذي يتّضح الجواب عنه للقارئ الکريم في هذا المقال.

تبرير تقدّم الأمارات والطرق على الأصول الشرعية العملية

يبدو اتّفاق الأصوليين على تقديم الأمارات والطرق على الأصول العقلية من باب الورود؛ لأنّها بمثابة البيان الذي يرفع موضوع الأصول العقلية[١]، لكنّهم اختلفوا في تبرير تقدُّم الأمارات والطرق على الأصول الشرعية، وتوجد مبرّرات في هذا المجال:

التبرير الأول

كون أدلّة الطرق والأمارات واردة على أدلّة الأصول باعتبارين:
أ ـ كون المراد من الشكّ والجهل في موضوع الأصول هو عدم قيام الحجّة على الحكم الشرعي، ومع قيام الطرق و الأمارات يرتفع الموضوع.
ب ـ المراد من الشكّ والجهل بالحكم هو ما يقابل العلم الأعم من الوجداني والتعبّدي ولو بالوظيفة الظاهرية، فيرتفع موضوع الأصول بمجيء الأمارات.
لكن اعتبر هذا مخالفا للظاهر؛ لأنّ الظاهر من الجهل والشكّ في موضوع أدلّة الأصول الشرعية هو الأمر النفسي أو الصفة النفسانية القائمة في نفس الشاكّ المقابل للعلم بالواقع، لا ما ذكر في الوجهين الماضيين[٢].

التبرير الثاني

ما ذهب إليه الشيخ الأنصاري[٣] و المجدّد الشيرازي[٤] من كونه من باب حكومة أدلّة الطرق و الأمارات على أدلّة الأصول؛ لرفعها لموضوع الأصول الشرعية تعبّدا أو تنزيلاً، بسبب تقيُّد موضوع الأصول شرعا بالشك والجهل، مع أنَّ أدلة الطرق و الأمارات مطلقة غير مقيّدة.
وبذلك تكون أدلّة الطرق والأمارات رافعة لموضوع الأصول (وهو الجهل) تعبُّدا أو تنزيلاً وإن كان باقيا حقيقة.
وردّه البعض بعدّة ردود، منها: مبنى أصحاب هذا الرأي هو تنزيل الطرق والأمارات منزلة العلم، بينما هناك رأي آخر، وهو أنّ حجّيتها تعني اعتبارها بحيث يصلح الاعتماد عليها عمليا كما يعتمد على العلم، لا تنزيلها منزلة العلم[٥].

التبرير الثالث

التوفيق العرفي، وهو ما ذهب إليه المحقّق الخراساني، حيث يقول: بأنّ العرف لا يتحيّر في مثل هكذا تعارض، ويقدِّم الأمارات على الأصول بعد ملاحظتهما، ولا يلزم منه محذور تخصيص الأكثر، بينما إذا قدّمنا الأصول على الأمارات لزم منه محذور التخصيص بدون مبرّر[٦].

التبرير الرابع

إنَّ الأمارات تخصّص الأصول، فالأصول عامّة، وهي من قبيل: (المشكوك حلال) بينما الأمارات من قبيل: (التتن حرام) فهي (الأمارات) أخصّ من الأصول، فتخصّصها[٧].
لكن أشكل على التبرير الثالث والرابع بأنّ المراد من الجمع العرفي إمّا كون الأمارات خاصّة بالنسبة إلى الأصول مطلقا، والحال أنّ الواقع ليس كذلك، إذ بينهما عموم وخصوص من وجه أو أنّ المراد كون أدلّتها أظهر من أدلّة الأصول، وهذا لا دليل عليه[٨].

المصادر

  1. . فرائد الأصول 4: 12 ـ 13، كتاب التعارض: 77.
  2. . كتاب التعارض: 89 ـ 90، المحكم في أصول الفقه 6: 111 ـ 112.
  3. . فرائد الأصول 4: 13.
  4. . تقريرات المجدّد الشيرازي 4: 183 و 188.
  5. . كتاب التعارض: 84 ـ 85، المحكم في أصول الفقه 6: 111 ـ 118، نهاية الدراية الغروي 5 ـ 6: 277 ـ 281.
  6. . كفاية الأصول: 348.
  7. . كتاب التعارض: 90 ـ 92.
  8. . أنوار الأصول 3: 450.