أبوذر الغفاري
| أبو ذرّ الغِفاري | |
|---|---|
![]() | |
| الإسم | جُندب بن جَنادة الغِفاري |
| سائر الأسماء | أبو ذرّ، الغِفاري |
| التفاصيل الذاتية | |
| مكان الوفاة | رَبَذَة |
| الدين | الإسلام، الشيعة |
| النشاطات |
|
جُندب (برير) بن جَنادة بن كَعيب بن صُعَير من قبيلة بني غفار الملقب بأبي ذر الغفاري من كبار الصحابة لـ رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومن أصحاب الإمام علي (عليه السلام)، وأحد الأركان الأربعة للإسلام. يُعدّ أبو ذر الغفاري شخصية بارزة روحياً وأخلاقياً في الإسلام. وهو خامس من اعتنق الإسلام.
بعد وفاة النبي الكريم (صلى الله عليه وآله)، كان من القلائل الذين ثبتوا على إمامة علي (عليه السلام). وفي عهد خلافة عثمان، اعترض على نفوذ الأرستقراطية وتراكم الثروات في المجتمع الإسلامي، وعلى استيلاء بني أمية على بيت المال، مما أدى إلى نفيه إلى رَبَذَة. توفي في رَبَذَة ودُفن على يد ابن مسعود ومالك الأشتر ومرافقيهم. وقد وصف الإمام علي (عليه السلام) أبو ذر، نقلاً عن النبي (صلى الله عليه وآله)، بأنه أصدق الناس قولاً.
الميلاد والنسب والصفات الظاهرية
وُلد أبو ذر قبل بعثة الإسلام بعشرين عاماً في أسرة من قبيلة غِفار، التي تُعدّ من أصيل القبائل العربية[١]. واسم والده جنادة من ذرية غفار، واسم والدته رملة بنت الوقعة من قبيلة بني غفار بن مليل[٢]. ويقول المؤرخون إن هناك اختلافاً في اسم والد أبي ذر، حيث ذُكرت أسماء أخرى مثل يزيد، وجندب، وعشرقة، وعبد الله، وسكن[٣].
- يكتب ابن حجر العسقلاني: كان أبو ذر رجلاً طويل القامة، أسمر البشرة، نحيف الجسم[٤].
- ويصفه ابن سعد بأنه طويل القامة، أبيض الشعر واللحية[٥].
- ويقول الذهبي: كان أبو ذر رجلاً ضخماً قوي البنية، كثيف اللحية[٦].
الأسماء والألقاب
كُنّي بأبي ذر نسبةً إلى ابنه المسمى ذَرّ، وهو أشهر ألقابه لدى الجميع، غير أن اسمه الأصلي محل خلاف، فقد وردت في الكتب التاريخية أسماء مختلفة مثل: بدر بن جندب، وبرير بن عبد الله، وبرير بن جنادة، وبريرة بن عشرقة، وجندب بن عبد الله، وجندب بن سكن، ويزيد بن جنادة[٧]. لكن الأشهر والأصح فيما يبدو هو جندب بن يزيد[٨].
الزوجة والولد
وفقاً لما ورد في المصادر، كان له ابن اسمه ذَرّ، وقد روى الكليني رواية تتعلق بوفاة ذَرّ[٩]. كما سُميت زوجته أمّ ذَرّ[١٠].
توحيد أبي ذر
كان أبو ذر يعبد الله حتى في العصر الجاهلي، وكان يقول: لا إله إلا الله، ولم يكن يعبد الأصنام[١١]. ومن أقواله: "كنت أصلي قبل ثلاث سنوات من لقائي برسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكنت في صلاتي أعبد الله حيثما وجهني"[١٢].
وقد نُقل أن أخا أبي ذر المسمى أنيس كان يبحث عنه ذات يوم، فرأى منظراً مذهلاً: أخاه واقف بخشوع في حالة عبادة. وكان настолько منشغلاً بعبادته أنه لم ينتبه لأنيس. وبعد انتهائه من الصلاة، سأله أنيس: ماذا تفعل؟ فقال: أصلي. فسأله أنيس مرة أخرى: لله؟... فالصلاة لا تصح أمام مناة والأصنام الأخرى! فقال: "لقد وجدت في الطبيعة دليلاً قادني إلى إله غير إلهكم، إله عظيم قادر أحد"[١٣].
إسلام أبي ذر
لا تتوفر معلومات كثيرة عن حياة أبي ذر قبل الإسلام. ووفقاً لإحدى الروايات، كان في الجاهلية راعياً للغنم[١٤]، وكان يواجه القوافل بشجاعة منفرداً[١٥]. وقبل اعتناقه الإسلام بثلاث سنوات، كان يعبد الله الواحد ويؤدي الصلاة ويجتنب الأصنام[١٦]. ووفقاً لتقارير معينة، نزلت الآية 17 من سورة الزمر مدحاً له ولشخصين آخرين كانوا يجتنبون عبادة الأصنام حتى في الجاهلية[١٧]. وهو خامس من اعتنق الإسلام[١٨]. ويعتبره البعض رابع مسلم[١٩]. وبناءً على ذلك، يُعدّ من السابقين في الإسلام[٢٠]. وقد ذُكرت قصة إسلامه بطرق مختلفة[٢١]، وحتى بعد حدوث معجزة[٢٢]. والمشهور أنه لما سمع خبر بعثة النبي (صلى الله عليه وآله)، أرسل أخاه للاستخبار في مكة، ثم جاء هو بنفسه إلى مكة بعد سماع خبر أخيه، وبعد تحمل المشاق ومواجهة أعداء الإسلام، التقى بالنبي الكريم (صلى الله عليه وآله) وأسلم[٢٣]. وبايع النبي على أن يقول الحق في الله ولا يخاف لومة لائم، ولو كان الحق مراً[٢٤].
أبو ذر ودعوة الإسلام في قبيلته
كلّف النبي (صلى الله عليه وآله) أبا ذر بالدعوة إلى الدين في قبيلته حتى الهجرة إلى المدينة؛ غير أنه قبل عودته، وفي خضم كبت المشركين، رفع شعار التوحيد، فواجه ضرباً مبرحاً منهم[٢٥]. ثم عاد إلى دياره. وبجهوده، أسلم نصف بني غفار قبل الهجرة إلى المدينة، والنصف الآخر بعد الهجرة[٢٦]. ووفقاً لبعض التقارير، وخلال هذه الفترة، وربما تماشياً مع سياسة النبي في زعزعة أمن قوافل قريش التجارية، كان أبو ذر يهدد قوافل قريش التجارية في مكان يسمى "ثنية غزال"، ولا يعيد أموالهم إلا بعد نطقهم بـ الشهادتين[٢٧].
الإمام علي (عليه السلام) في وصية أبي ذر للناس
بما أن أبا ذر كان يعتبر دائمًا أمير المؤمنين عليًا (عليه السلام) أول المسلمين، ويفضّله على سائر الناس من كل وجه[٢٨]، فقد كان يوصي الناس بفضيلة ذلك الإمام (عليه السلام)، ويذكّر بهذه الحقيقة في كل فرصة تتاح له، حتى تتم الحجة على الجميع.
ينقل ابن أبي الحديد عن أبي رافع، صحابي النبي (صلّى الله عليه وآله)، قوله: ذهبت إلى صحراء ربذة لعيادة أبي ذر، ولما أردتُ توديعه والعودة، قال لي ولرفقائي: إن فتنةً ستقوم قريبًا؛ فاتقوا الله، وعليكم بهذا الشيخ الجليل علي بن أبي طالب، فلا تفارقوه ولا تنفكوا عن صحبته، واتبعوه؛ فإني سمعتُ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول له:
أنت أول من آمن بي، وأول من يصافحني يوم القيامة، وأنت الصديق الأكبر، وأنت الفاروق الذي يفرق بين الحق والباطل، وأنت يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الكافرين، وأنت أخي ووزيري، وخير من أترك بعدي، تُقضي ديني، وتنجز موعدي;
يا علي، أنت أول من آمن بي، وأول من سيصافحني يوم القيامة، أنت الصديق الأكبر والفاروق الأعظم الذي يفرّق بين الحق والباطل، أنت سيّد المؤمنين، وأموال الدنيا سيّد الكافرين، أنت أخي ووزيري، وأفضل من أخلفه بعدي، تُنجز ديني، وتُحقّق مواعيدي[٢٩].
أبو ذر بعد رسول الله وفي عهد الخلفاء
كان دور أبو ذر في الدفاع عن ولاية أمير المؤمنين علي (عليه السلام) بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالغ الأهمية. فقد كان في عهد خلافة أبي بكر القصيرة أحد المدافعين عن الإمام. وفي عهد خلافة عمر، غادر أبو ذر المدينة متوجهاً إلى الشام، وشارك في بعض الفتوحات مثل الحملة على الإمبراطورية البيزنطية (الإمبراطورية الرومانية الشرقية) وفتح قبرص، وبقي هناك حتى عهد خلافة عثمان بن عفان. وفي عهد عثمان، اشتدت معارضته للحكم بسبب التصرفات غير اللائقة لمعاوية.
كان أبو ذر في الشام يُعرِّف الناس بولاية أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، حتى أن كثيراً من أهل الشام تعرفوا على الإمام، واعتنق بعضهم التشيع. وعندما علم عثمان بمعارضته للحكم ودعايته لتعريف الناس بالإسلام الحقيقي، أمر معاوية بإرسال أبو ذر إلى المدينة. فأرسله معاوية إلى المدينة في حالة مزرية ومؤلمة. ولما وصل إلى المدينة وقابل عثمان، بدأ ينتقده ويحذره من الإسراف في بيت المال. واستمر على هذا النهج حتى نفاه عثمان في النهاية إلى الربذة.
وقد تنبأ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بهذه الحادثة قبل وقوعها بثلاث وعشرين سنة، أي في [[غزوة تبوك**، وقد حان الآن وقت تحقق تلك النبوة. فبدأ أبو ذر، هذا الرجل الرباني الذي نُفي إلى الربذة لجهره بالحق ودعوته إلى العدل، يفقد قواه الجسدية تدريجياً حتى ألزم الفراش. وكان يقضي آخر دقائق حياته الحافلة بالأحداث، بينما كانت زوجته تنظر إلى وجهه النوراني الهزيل وتبكي مرارة، وتمسح قطرات العرق عن جبين زوجها. فسألها أبو ذر: لماذا تبكين؟
فأجابت المرأة: أبكي لأنك ستموت الآن، وليس لدي ثوب أكفن به جسدك! فابتسم أبو ذر ابتسامة حزينة وقال: اهدئي ولا تبكي، فإني جلست يوماً مع جماعة من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مجلسه، فالتفت إلينا النبي وقال: "إن واحداً منكم سيموت في إحدى الفيافي وحيداً بعيداً عن الناس، وسيواريه ثلة من المؤمنين التراب". وقد مات جميع من كانوا في ذلك المجلس بين أظهر الناس في العمران، ولم يبق منهم غيري الآن، وإني لأوقن أن الشخص الذي أخبر عنه النبي هو أنا! فإذا متُّ، فاجلسي على طريق حجاج العراق، ولن يمر وقت طويل حتى تأتي جماعة من المؤمنين، فأعلميهم بموتي. فقالت زوجته: لقد انقضى وقت مرور القوافل الآن، فقال أبو ذر: راقبي الطريق، فوالله ما كذبتُ ولا كُذبتُ. ثم قالها وطارت روحه الطاهرة نحو الفردوس الأعلى[٣٠].
وقد صدق أبو ذر، فقد أقبلت بسرعة قافلة من المسلمين كان средиهم شخصيات عظيمة مثل: عبد الله بن مسعود، وحجر بن عدي، ومالك الأشتر. فرأى عبد الله من بعيد منظراً غريباً: جثة هامدة على جانب الطريق، وبجوارها امرأة وصبي يبكيان. فوجه عبد الله لجام دابته نحوهما، وتبعه أفراد القافلة. ولما نظر عبد الله إلى تلك الجثة، وقعت عيناه على وجه صديقه وأخيه في الإسلام ـ أبي ذر ـ فامتلأت عيناه بالدموع. وقف فوق جسد أبي ذر الطاهر، وتذكّر نبوءة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في غزوة تبوك، فقال: صدق رسول الله حين قال: إنك ستعيش وحيداً، وتموت وحيداً، وتُبعث من قبرك وحيداً[٣١].
ثم صلى عبد الله بن مسعود على جثته الصلاة، ثم واروه التراب. ولما فرغوا من دفنه، وقف مالك الأشتر بجانب قبره وقال: اللهم إن هذا أبو ذر، صاحب نبيك، الذي عبدك عمره، وجاهد في سبيلك المشركين، ولم يغير منهجه أو طريقه في اتباع دين الحق قط، غير أنه لما جاهد بلسانه وقلبه ضد الفساد والمنكر، وقع ظليماً مظلوماً محروماً مُهاناً، ونُفي منفياً، حتى لقي ربه وحيداً في أرض الغربة[٣٢].
عهد الأخوة لأبي ذر
اختلف في الشخص الذي آخاه أبو ذر في واقعة عهد المؤاخاة. فقد أنكر ابن سعد في كتابه «الطبقات» صحة ذلك بشأن أبي ذر، بحجة أن عهود المؤاخاة قد انقطعت قبل غزوة بدر بنزول آية الميراث، وأن أبا ذر لم يكن قد هاجر إلى المدينة المنورة حتى ذلك الحين. وبناءً على ذلك، يُردّ قول من زعم أنه آخى منذر بن عمر، الذي استشهد في غزوة بئر معونة في السنة الثالثة للهجرة. وقد ذكر البعض أنه آخى ابن مسعود، وذكر آخرون أنه آخى بلالاً، أو سلمان، أو أبا الدرداء. غير أن بعض العلماء، استناداً إلى حديث عن علي بن الحسين، ومع ذكر سببين، أثبتوا أن أخوته كانت مع سلمان الفارسي[٣٣].
أخوة أبي ذر مع سلمان
يرى أحد المعاصرين، استناداً إلى حديث عن الإمام السجاد (عليه السلام)، ومع ذكر سببين آخرين، أن أخوته كانت مع سلمان، ويذهب إلى أن أبا ذر كان في المدينة منذ بداية الهجرة[٣٤]. وبعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله)، تمسك أبو ذر بإمامة علي (عليه السلام)، وبحسب تعبير الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، كان واحداً من ثلاثة نفر ثبتوا على أمر رسول الله[٣٥]، وظل يوصي الآخرين بذلك حتى نهاية حياته[٣٦]؛ ولهذا السبب أنكر خلافة أبي بكر[٣٧]، وطلب مع كبار آخرين من الصحابة من علي (عليه السلام) أن ينهض لأخذ حقه، وفي موقف له مع عمر ألقى خطبة في أحقية علي (عليه السلام)[٣٨].
وقد افتخر هو بنفسه بهذا الثبات، فقال في جمع من الناس: «إني لأقربكم إلى النبي (صلى الله عليه وآله) يوم القيامة؛ لأني سمعته يقول: أقربكم إليّ يوم القيامة من خرج من الدنيا كما فارقته». ثم قال: «والله! ما منكم أحد إلا وقد أخذ من الدنيا شيئاً غيري»[٣٩].
وهذه العلاقة مع أهل البيت وعلي (عليهما السلام) هي التي جعلته ضمن المجموعة المحدودة والخاصة الذين شيّعوا السيدة فاطمة (عليها السلام)، والتي لم يحضرها حتى كثير من نساء النبي[٤٠].
أبو ذر والتشيع في لبنان
قيل إن أبا ذر، عندما كان في منطقة الشام -التي كانت تشمل كل或部分 لبنان الحالي-، كان يدعو إلى التشيع هناك ويحارب تراكم الثروات على يد معاوية، وأن تشيع شيعة لبنان كان بسبب جهود أبي ذر[٤١].
النفي إلى الربذة
عثمان الذي غضب كثيراً من احتجاجات أبي ذر المتكررة، أصدر حكم نفيه -وكان في ذلك الوقت شيخاً طاعناً في السن يبلغ تسعين عاماً-[٤٢] إلى «الربذة»، وأمر بأن لا يودّعه أحد، ولم يجرؤ أحد على ذلك؛ ولكن عندما وصل هذا الخبر إلى علي (عليه السلام)، خرج مع أخيه عقيل وابنيه الحسن والحسين (عليهما السلام)، والصحابي الجليل لرسول الله (صلى الله عليه وآله) عمار بن ياسر، وشيّعوا أبا ذر حتى باب المدينة، وبهذا الفعل طعنوا في حكم نفيه، ووقعوا بالموافقة على مواقف أبي ذر[٤٣].
وبعد فترة من العيش في صحراء الربذة القاحلة، بنى هناك مسجداً. وبعد هذه الحادثة، أخرج معاوية عائلة أبي ذر أيضاً من المدينة، فالتحقوا جميعاً به[٤٤]. وكان أبو ذر حتى في الربذة، منفاه المخيف وصحرائها المحرقة، ثابتاً على عقيدته ومثله العليا، يردد باستمرار أحقية إمامة علي (عليه السلام) والإسلام الأصيل[٤٥]. ولم يسكت أبو ذر في المدينة أيضاً، فقال مخاطباً عثمان بن عفان: لا تكتفوا من الناس بأن لا يؤذي بعضهم بعضاً، بل يجب إلزامهم ببذل المعروف، ولا ينبغي لمن يدفع الزكاة أن يكتفي بأدائها فحسب، بل يجب أن يُحسن إلى الجيران والإخوان، ويصل الأرحام. فقال كعب الأحبار الذي كان حاضراً في ذلك المجلس رداً على أبي ذر: من أدى الزكاة الواجبة فقد قضى ما عليه، وليس عليه شيء بعد ذلك. فضرب أبو ذر رأسه بعصاه وقال: يا ابن اليهودية! وما لك وإظهار مثل هذه الأمور...[٤٦]! فكلامه صريح أو قريب من الصراحة، إذ لم يكن يرى وجوب جميع أنواع الإنفاق. وقول بعضهم: إن أبا ذر كان يعمل باجتهاده، ويقول إن الأموال الزائدة عن الحاجة الواجبة يجب إنفاقها في سبيل الله، غير صحيح. فأبو ذر كان يقول: إن ما أقوله إنما سمعته من رسول الله أو من خليلي[٤٧].
وقد أدى اعتراضه على عثمان وإصراره على حقيقة التدين والورع إلى نفيه إلى الربذة؛ المكان الذي لم يكن يحبه البتة[٤٨]. وقد أثارت هذه القضية نقاشات كثيرة في التاريخ والكلام الإسلامي. وحاول البعض تصوير ذهابه إلى الربذة بأنه كان برغبته[٤٩]؛ بحجة أنه كان يحب العزلة، ولم يكن يتردد على المدينة إلا هرباً من التحضر الذي نهى عنه النبي (صلى الله عليه وآله)[٥٠]. ويذكر الألوسي أن أبا ذر في مواجهته لمعاوية تمسك بظاهر الآية وتوهم أنه يجب إنفاق كل مال زائد عن الحاجة، فيكتب: وقد تعرض هذا القول لاعتراضات كثيرة، واستُدل عليه بآية الميراث ضد أبي ذر، فاضطر إلى الاعتزال، وبمشورة من عثمان وُجّه إلى الربذة، وبقي هناك حتى آخر عمره[٥١]. وقد دفع تناقض هذا الرأي الذي يحاول تصوير الذهاب إلى الربذة بأنه كان اختيارياً، مع ما ورد في التاريخ من نفي任何形式的 الحرية والاختيار، بعضَ الناس إلى نقد فعل أبي ذر وتبرير فعل عثمان.
زهد أبي ذر وبساطة عيشه
إن أسلوب حياة أبي ذر بعد وفاة رسول الإسلام (صلى الله عليه وآله) حتى اليوم الذي فاضت فيه روحه في صحراء الربذة، شاهد حي على زهده وورعه الفريد. فقد كان أبو ذر رجلاً نقيّاً زاهداً، يقتدي في بساطة عيشه بالنبي (صلى الله عليه وآله)، ولم يكن قط تحت تأثير إغراءات المال والثروة، ولم يستطع أي عامل أن يخدعه أو يحيد به عن الطريق المستقيم.
وكفى في بيان زهده ونزاهته قول النبي (صلى الله عليه وآله): «من أراد أن ينظر إلى زهد عيسى بن مريم فلينظر إلى زهد أبي ذر»[٥٢]. ولا شك أن أقوال النبي (صلى الله عليه وآله) وأسلوب حياته كان لهما دور مؤثر في تكامل زهد أبي ذر ونزاهته. ويروي أبو ذر نفسه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: «أقربكم مني يوم القيامة من لم تلوثه دنياه بعدي، ومات على مثل ما كان عليه في زماني»[٥٣].
وفاة أبي ذر
توفي أبو ذر أخيراً في الربذة، إحدى محطات قوافل الحج عبر التاريخ[٥٤]، في عزلة وشدة كما أخبر النبي (صلى الله عليه وآله)[٥٥]، بجانب زوجته أو ابنته الوحيدة، سنة 32 هـ[٥٦]. وقد قام بتغسيله وتكفينه والصلاة عليه وفد من قافلة قادمة من العراق كان يرافقها ابن مسعود وعدد من الصحابة[٥٧]. وصلى عليه مالك الأشتر صلاة الجنازة[٥٨]، ودُفن في نفس المكان[٥٩]. وليس هناك الآن أي أثر لقبره[٦٠]. وكان هناك سابقاً مسجد يُنسب إلى أبي ذر، ويُعتقد أن قبره كان فيه[٦١]. وقد عُدّت زيارته في الربذة من المستحبات[٦٢]. ولم يبقَ له نسل[٦٣].
انظر أيضاً
الهوامش
- ↑ أعيان الشيعة، ج 4، ص 225.
- ↑ الاستيعاب، ج 1، ص 252.
- ↑ مشاهير علماء الأمصار، ص 30. الثقات، ج 3، ص 55. تقريب التهذيب، ج 2، ص 395.
- ↑ الإصابة، ج 7، ص 107.
- ↑ الطبقات الكبرى، ح 4، ص 23.
- ↑ الاستيعاب، ج 4، ص 1652.
- ↑ أسد الغابة، ج 5، ص 186. تهذيب الكمال، ج 33، ص 294. سير أعلام النبلاء، ج 2، ص 49. أعيان الشيعة، ح 4، ص 225.
- ↑ الاستيعاب، ج 4، ص 1652.
- ↑ الكافي، ج 3، ص 25.
- ↑ شرح نهج البلاغة، ج 15، ص 99.
- ↑ ابن سعد، محمد بن سعد، الطبقات الكبرى، ترجمة د. محمود مهدي دامغاني، دار الثقافة والفكر، 1374 هـ ش (1995 م)، ج 4، ص 201.
- ↑ ابن سعد، محمد بن سعد، الطبقات الكبرى، دار الثقافة والفكر، 1374 هـ ش (1995 م)، ج 4، ص 166.
- ↑ جودة السحار، عبد الحميد، أبو ذر الغفاري الموحد الاشتراكي، ترجمة د. علي شريعتي، مشهد، مطبعة طوس، ص 36.
- ↑ الكافي، ج 8، ص 297.
- ↑ الطبقات، ج 4، ص 167.
- ↑ صحيح مسلم، ج 8، ص 360؛ الكافي، ج 8، ص 168.
- ↑ تفسير ابن أبي حاتم، ج 10، ص 3249؛ الدر المنثور، ج 5، ص 324.
- ↑ الطبقات، ج 4، ص 169؛ أسد الغابة، ج 1، ص 357.
- ↑ تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 23؛ الاستيعاب، ج 1، ص 252.
- ↑ شواهد التنزيل، ج 1، ص 335.
- ↑ شواهد التنزيل، ج 1، ص 335.
- ↑ المستدرك، ج 3، ص 339؛ مجمع الزوائد، ج 9، ص 327.
- ↑ الطبقات، ج 4، ص 169؛ صحيح مسلم، ج 7، ص 155.
- ↑ تاريخ دمشق، ج 66، ص 176؛ أسد الغابة، ج 1، ص 357.
- ↑ الطبقات، ج 4، ص 170؛ الاستيعاب، ج 4، ص 217.
- ↑ الطبقات، ج 4، ص 167؛ تاريخ الإسلام، ج 1، ص 169.
- ↑ الطبقات، ج 4، ص 167-168؛ أنساب الأشراف، ج 11، ص 125.
- ↑ تهذيب التهذيب، ج 10، ص 101؛ المستدرك للحاكم، ج 3، ص 384؛ معرفة الصحابة، ج 1، ص 457. وذكر ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، ج 13، ص 224، أن أبا ذر هو رابع المسلمين، وكتب قائلاً: قال جميع المحدّثين إن أبا بكر أسلم بعد جماعة من الرجال، ثم ذكر سبعة أشخاص حسب ترتيب إيمانهم وهم: علي بن أبي طالب؛ جعفر بن أبي طالب؛ زيد بن حارثة؛ أبو ذر الغفاري؛ عمرو بن عبسة السلمي؛ خالد بن سعيد بن العاص؛ خباب بن الأرت، وقال: إن أبا بكر أسلم بعد هذه الجماعة.
- ↑ شرح ابن أبي الحديد، ج 4، ص 116.
- ↑ ابن الأثير، أسد الغابة، ج1، ص302
- ↑ ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج4، ص232-234
- ↑ سيد علي خان المدني، الدرجات الرفيعة، ص252
- ↑ ناصر غفاري (21 يونيو 2020). أبو ذر الغفاري. مركز دائرة المعارف الإسلامية الكبرى.
- ↑ العاملی، جعفر مرتضی، الصحيح من سيرة النبي، ج4، ص244.
- ↑ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج8، ص245
- ↑ الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج، ج1، ص225.
- ↑ اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب، تاريخ اليعقوبي، ج2، ص124.
- ↑ الشيخ الصدوق، محمد بن علي، الخصال، ج2، ص461-463.
- ↑ ابن سعد، محمد بن سعد، الطبقات، ج4، ص173.
- ↑ اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب، تاريخ اليعقوبي، ج2، ص115.
- ↑ الخدمات المتبادلة بين الإسلام وإيران، المؤلف: مرتضى مطهري، المجلد: 1، الصفحة: 503.
- ↑ المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1403 هـ، ج22، ص436.
- ↑ ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1965م، ج8، ص252.
- ↑ الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري، ج3، ص336.
- ↑ آل الفقيه، الشيخ محمد جواد، أبو ذر الغفاري (ضمير الإنسانية اليقظ)، ترجمة هوشنگ اجاقي، نشر آفاق، ص97.
- ↑ الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري، ج3، ص336.
- ↑ الطباطبائي، محمد حسين، الميزان، ج9، ص258-261.
- ↑ المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسين، مروج الذهب، ج2، ص375-377.
- ↑ ابن الأثير، عز الدين علي، الكامل، ج3، ص115.
- ↑ الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري، ج3، ص336.
- ↑ الألوسي، محمود بن عبد الله، روح المعاني، مج6، ج10، ص127.
- ↑ ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج4، ص228.
- ↑ حلية الأولياء، ج1، ص162.
- ↑ الأخبار الطوال، ص385؛ معجم البلدان، ج3، ص24؛ المنتظم، ج11، ص320.
- ↑ المغازي، ج3، ص1001.
- ↑ تاريخ الطبري، ج3، ص354.
- ↑ تاريخ الطبري، ج3، ص354.
- ↑ رجال الكشي، ج1، ص282.
- ↑ المعجم الكبير، ج6، ص126؛ تفسير القمي، ج1، ص296؛ معجم البلدان، ج3، ص24.
- ↑ مجمع البحرين، ج2، ص131، «ربذ»؛ أعيان الشيعة، ج4، ص225.
- ↑ المناسك، ص327.
- ↑ بحار الأنوار، ج97، ص222؛ ج99، ص279؛ جواهر الكلام، ج20، ص103.
- ↑ جمهرة أنساب العرب، ص186.
