الإسلام في أوروبا
الإسلام في أوروبا هو ثاني أكبر ديانة في القارة بعد المسيحية، ويشهد نمواً سريعاً بفعل الهجرة ومعدلات المواليد المرتفعة.[١] وفقاً لتقديرات مركز بيو للأبحاث الصادرة في يونيو 2025، بلغ عدد المسلمين في الاتحاد الأوروبي حوالي 25.8 مليون نسمة، ليشكلوا نحو 7.5% من إجمالي سكان الاتحاد، وذلك ارتفاعاً من 19.5 مليون نسمة (4.9%) عام 2010.[١] وتشير المصادر نفسها إلى أن نسبة المسلمين في أوروبا (بما في ذلك الدول غير الأعضاء في الاتحاد) تبلغ حوالي 6% من إجمالي السكان، مسجلة ارتفاعاً من 5.3% في العقد السابق.[١]
توزيع المسلمين في أوروبا
تتفاوت نسب المسلمين بين الدول الأوروبية، حيث تتركز أعلى النسب في كل من فرنسا (9.1%)، والسويد (8.4%)، وبلجيكا (7.6%)، وألمانيا (7%)، والمملكة المتحدة.[١] وتشير الدراسات إلى أن المسلمين يشكلون فئة عمرية شابة نسبياً، مع معدلات خصوبة أعلى من المتوسط الأوروبي، مما يساهم في استمرار نمو نسبتهم السكانية.[١]
التاريخ
يرتبط تاريخ دخول الإسلام إلى أوروبا بعدة مراحل رئيسية:
- الأندلس (إسبانيا والبرتغال حالياً): كانت أولى مناطق أوروبا التي دخلها الإسلام مع الفتح الإسلامي لشبه الجزيرة الإيبيرية عام 711م، واستمر الوجود الإسلامي فيها حتى سقوط مملكة غرناطة عام 1492م، تاركاً إرثاً حضارياً وفكرياً عميقاً.[٢]
- البلقان: بدأ دخول الإسلام إلى منطقة البلقان مع توسع الدولة العثمانية في القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين، ولا تزال أقليات مسلمة كبيرة موجودة حتى اليوم في دول مثل ألبانيا، البوسنة والهرسك، كوسوفو، بلغاريا، اليونان، ومقدونيا الشمالية.[٣]
- الهجرة المعاصرة: شهدت أوروبا الغربية منذ منتصف القرن العشرين موجات هجرة كبيرة من الدول ذات الأغلبية المسلمة، خاصة من شمال أفريقيا، تركيا، وجنوب آسيا، للعمل وإعادة الإعمار بعد الحرب العالمية الثانية، ثم لاحقاً للجوء والدراسة.[٤]
المؤسسات والمراجع الدينية
ساهم توطن المسلمين في أوروبا في ظهور هيئات ومؤسسات دينية تهدف إلى تنظيم الفتوى وتلبية احتياجات الأقليات المسلمة وفق مقاصد الشريعة الإسلامية مع مراعاة السياق الأوروبي. من أبرز هذه المؤسسات:
- المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث (ECFR): تأسس في لندن عام 1997 بمبادرة من اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا، ثم انتقل مقره إلى دبلن عاصمة أيرلندا. يضم المجلس علماء مسلمين من مختلف التوجهات، ويرأسه حالياً الدكتور عبد الله الجدي، ويعنى بتأصيل "فقه الأقليات" وإصدار فتاوى جماعية تيسر اندماج المسلمين مع الحفاظ على هويتهم الإسلامية.[٥]
- اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا (FIOE): منظمة جامعة للمجالس والاتحادات الإسلامية في القارة، تأسست عام 1989، وتسعى إلى تمثيل المسلمين وتنسيق أنشطتهم في أوروبا.[٦]
التحديات والموضوعات المعاصرة
الإسلاموفوبيا
تشير التقارير السنوية إلى تصاعد ملحوظ في ظاهرة العداء للإسلام (الإسلاموفوبيا) في العديد من الدول الأوروبية. وفقاً للتقارير التي نوقشت في البرلمان البريطاني، ارتفعت الاعتداءات ضد المسلمين في المملكة المتحدة بنسبة 73% خلال عام 2024، وشكلت الجرائم المعادية للمسلمين نحو نصف جميع جرائم الكراهية الدينية في البلاد على مدى السنوات الخمس الماضية.[٧] كما زادت جرائم الكراهية ضد المسلمين في ألمانيا بنسبة 140% منذ بدء الحرب على غزة في أكتوبر 2023.[٨]
طالبت تقارير مراقبة الإسلاموفوبيا الأوروبية الحكومات الأوروبية باتخاذ خطوات عملية لمواجهة هذه الظاهرة، تشمل سن قوانين فعالة، وإطلاق حملات توعية، ومحاسبة وسائل الإعلام التي تبث خطاباً معادياً للمسلمين، وتوفير الدعم للمنظمات الشعبية.[٩]
النقاش حول الهوية والاندماج
يدور نقاش عام في المجتمعات الأوروبية حول قضايا تخص المسلمين تتعلق بالحرية الدينية والممارسات الثقافية، مثل قوانين الرموز الدينية في الأماكن العامة، وبناء المساجد والمآذن، وتعليم الدين الإسلامي في المدارس الحكومية، وتوفير الأغذية الحلال والملابس المحتشمة.[١٠] تختلف السياسات والمواقف تجاه هذه القضايا بشكل كبير بين الدول الأوروبية، وتتأثر بالاتجاهات السياسية اليمينية واليسارية داخل كل بلد.[١١]
الإرهاب والتطرف العنيف
شهدت أوروبا هجمات إرهابية نفذها متطرفون يستلهمون أيديولوجيات جماعات متشددة. وقد أدى ذلك إلى تعزيز السياسات الأمنية والاستخباراتية الأوروبية، وتطوير برامج مكافحة التطرف وإعادة التأهيل، مصحوباً بنقاش مجتمعي حول التمييز بين الإسلام كدين والتطرف العنيف.[١٢]
مراكز الأبحاث والدراسات
تُعد الأوساط الأكاديمية الأوروبية مصدراً رئيسياً للدراسات حول أوضاع المسلمين. من أبرز المراجع السنوية "Yearbook of Muslims in Europe" الذي يصدر سنوياً ويغطي التطورات والمؤشرات الديموغرافية والقانونية والاجتماعية والسياسية للمسلمين في أكثر من 40 دولة أوروبية.[١٣] كما أن مؤسسات بحثية مثل مركز بيو للأبحاث (Pew Research Center) تُصدر تقارير دورية حول النمو السكاني والاتجاهات الدينية للمسلمين في أوروبا والعالم.[١]
انظر أيضاً
- فقه الأقليات
- اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا
- مسلمو اليونان
- الإسلام في ألبانيا
- الإسلام في البوسنة والهرسك
الهوامش
- ↑ ١٫٠ ١٫١ ١٫٢ ١٫٣ ١٫٤ ١٫٥ مركز بيو للأبحاث (Pew Research Center)، "تقرير السكان المسلمين في أوروبا"، يونيو 2025.
- ↑ عبد الواحد ذنون طه، "المسلمون في أوروبا: التاريخ والحاضر"، مركز الدراسات الإسلامية، لندن، 1999، ص 45-78.
- ↑ إحسان أوغلو، "التاريخ الثقافي للمسلمين في البلقان"، منظمة المؤتمر الإسلامي، إسطنبول، 2005، ص 112-150.
- ↑ جوكهان باجيك، "مسلمو أوروبا الغربية: من الهجرة إلى الاندماج"، مطبعة جامعة أكسفورد، 2015، ص 23-45.
- ↑ "المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث: نشأته وأهدافه"، الموقع الرسمي، اطلع عليه بتاريخ 16 مايو 2026.
- ↑ الموقع الرسمي لاتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا، "نبذة عن الاتحاد"، اطلع عليه بتاريخ 16 مايو 2026.
- ↑ تقرير مراقبة الإسلاموفوبيا الأوروبية، "ظاهرة العداء للإسلام في أوروبا 2024"، بروكسل، يناير 2025، ص 8-12.
- ↑ وزارة الداخلية الألمانية، "تقرير جرائم الكراهية 2024"، برلين، فبراير 2025.
- ↑ تقرير مراقبة الإسلاموفوبيا الأوروبية، "توصيات لمواجهة الإسلاموفوبيا"، بروكسل، 2025، ص 15-18.
- ↑ نيلز فريتس، "الإسلام في أوروبا: الاندماج والقيم المشتركة"، مركز الدراسات الأوروبية، جامعة برينستون، 2020، ص 67-89.
- ↑ سارة لوكوود، "النقاش حول المسلمين في أوروبا الغربية"، مطبعة جامعة كامبريدج، 2018، ص 134-156.
- ↑ بيتر نيومان، "الجهاد في أوروبا: التطرف العنيف بين المسلمين الشباب"، مطبعة جامعة كولومبيا، 2019، ص 45-72.
- ↑ جوسلين سيزاري، "Yearbook of Muslims in Europe"، دار بريل للنشر، لايدن، تصدر سنوياً منذ 2009.