انتقل إلى المحتوى

الطاغوت

من ویکي‌وحدت
مراجعة ١١:٣١، ١٠ فبراير ٢٠٢٦ بواسطة Negahban (نقاش | مساهمات) (انظر أيضاً)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)

الطاغوت يُعدّ من المفاهيم المحوريّة في العقيدة الإسلامية والفكر القرآني، ويُطلق على كلّ ما تجاوز حدود التوحيد ونازع حاكمية الله تعالى، أو صُيّر مرجعاً في الطاعة والعبادة والتشريع من دون الله. وقد ورد هذا المصطلح في القرآن الكريم في سياق بيان الصراع بين الإيمان والكفر، وبين الحق والباطل، بوصفه رمزاً لكلّ سلطة أو منظومة تُناقض الهداية الإلهيّة وتُسهم في انحراف الإنسان عن الغاية التي خُلق من أجلها.

ويمثّل مفهوم الطاغوت أحد المفاتيح التفسيريّة لفهم السنن التاريخيّة في الصراع بين الرسالات الإلهيّة وقوى الاستكبار والطغيان، حيث يُبرز القرآن هذا المفهوم باعتباره نقيضاً للتوحيد وركناً في منظومة الانحراف العقدي والاجتماعي.

التعريف اللغوي والاصطلاحي

الطاغوت مشتقّ من مادّة «طغى»، وهي تدلّ في اللغة على مجاوزة الحدّ والتمرّد والخروج عن الاعتدال. وقد استُعملت هذه المادّة في القرآن الكريم للدلالة على تجاوز الحدود التي رسمها الله للكون والإنسان، قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ (الحاقة: 11)[١].

ويرى علماء اللغة أنّ صيغة «الطاغوت» تفيد المبالغة، ممّا يدلّ على شدّة الطغيان واتّساع دائرته[٢].

أمّا في الاصطلاح الشرعي، فيُطلق الطاغوت على كلّ ما عُبد من دون الله، أو أُطيع في معصية الله، أو اتُّخذ مصدراً للتشريع والحكم بغير ما أنزل الله. وقد عرّفه عدد من علماء علم الكلام والتفسير بأنّه: «كلّ من ادّعى مقام الربوبيّة أو رضي أن يُتّبع في مخالفة أمر الله»[٣].

ويُلاحظ أنّ التعريف الاصطلاحي يتجاوز المفهوم الضيّق المرتبط بعبادة الأصنام، ليشمل كلّ أشكال الهيمنة التي تصادر حقّ الإنسان في الارتباط بالله تعالى.

الطاغوت في القرآن الكريم

ورد لفظ الطاغوت في مواضع متعدّدة من القرآن الكريم، غالباً في سياق الدعوة إلى الكفر به والتحذير من اتّباعه، ممّا يعكس مركزيّة هذا المفهوم في البناء العقدي الإسلامي.

قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ (البقرة: 256)[٤].

وتدلّ هذه الآية على أنّ الإيمان الحقّ يقوم على ركنين متلازمين: رفض الطاغوت والإيمان بالله، ممّا يشير إلى أنّ التوحيد لا يكتمل إلا بإسقاط كلّ مرجعيّة بديلة عن المرجعيّة الإلهيّة.

كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل: 36)[٥].

وتكشف هذه الآية عن عالميّة رسالة الأنبياء ووحدة هدفها، حيث اجتمعت جميع الرسالات على الدعوة إلى عبادة الله ونبذ الطغيان.

وقال تعالى أيضاً: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ﴾ (النساء: 60)[٦].

وقد فسّر المفسّرون هذه الآية بأنّها تحذير من الاحتكام إلى أنظمة أو قوانين تُعارض الشريعة الإلهيّة[٧].

مصاديق الطاغوت

بيّن المفسّرون أنّ الطاغوت مفهوم واسع يشمل عدّة مصاديق، تختلف باختلاف السياقات التاريخيّة والاجتماعيّة، ومن أبرزها:

الأصنام والأوثان التي عُبدت من دون الله، وهي الصورة التقليديّة للطاغوت في المجتمعات الجاهليّة[٨].

الشياطين الذين يضلّون الإنسان عن طريق الهداية، قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ حيث فسّر بعض المفسّرين الطاغوت بالشيطان[٩].

الحكّام الجائرون الذين يحكمون بغير ما أنزل الله ويفرضون الطاعة المطلقة لأنفسهم.

المنظومات الفكرية والاجتماعية التي تُقصي القيم الإلهيّة وتستبدلها بمعايير ماديّة أو سلطويّة.

الطاغوت في الروايات الإسلامية

ورد مفهوم الطاغوت في العديد من الأحاديث النبوية وروايات أهل البيت عليهم السلام، مؤكّداً على خطورته في حياة الفرد والمجتمع.

فعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام في تفسير قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ قال: «الطاغوت هو من يتحاكم إليه في الحكم بغير حقّ»[١٠].

كما ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر»[١١].

ويُستفاد من هذا الحديث أنّ مقاومة الطغيان تُعدّ من أبرز صور الجهاد في الإسلام.

البعد العقدي والفلسفي

يرتبط مفهوم الطاغوت ارتباطاً وثيقاً بمبدأ التوحيد، إذ يمثّل رفض الطاغوت الوجه العملي للإيمان بالله. ويرى عدد من المفكّرين المسلمين أنّ الطاغوت لا يقتصر على السلطة السياسية، بل يشمل كلّ بنية معرفيّة أو ثقافيّة تُنتج الاغتراب عن القيم الإلهيّة.

ومن هذا المنطلق، يُعدّ مفهوم الطاغوت أساساً في بناء نظرية التحرّر في الفكر الإسلامي، حيث يسعى الإسلام إلى تحرير الإنسان من العبوديّة لغير الله، وإقامة مجتمع يقوم على العدل والكرامة الإنسانية.

البعد الاجتماعي والحضاري

يحمل مفهوم الطاغوت أبعاداً اجتماعيّة عميقة، إذ يُمثّل إطاراً نقدياً لمواجهة الظلم والاستبداد. وقد أكّد القرآن على أنّ الطغيان يُفضي إلى الفساد الاجتماعي والاقتصادي، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾[١٢].

ومن هنا، يُعدّ رفض الطاغوت مدخلاً لتحقيق العدالة الاجتماعية وترسيخ مبادئ الحرية والمساواة.

الطاغوت ووحدة الأمة الإسلامية

يُعدّ رفض الطاغوت من القيم المشتركة بين المذاهب الإسلامية مختلفة، إذ يجتمع المسلمون على رفض عبادة غير الله ورفض الظلم والطغيان. وقد ساهم هذا المفهوم تاريخياً في تشكيل الوعي الجماعي للأمة الإسلامية في مواجهة التحدّيات السياسية والفكرية.

ويمثّل هذا المفهوم أرضيّة مشتركة لتعزيز وحدة الأمة الإسلامية، لأنّه يجمع المسلمين حول منظومة قيمية تقوم على التوحيد والعدالة ورفض الهيمنة غير المشروعة.

انظر أيضاً

المصادر

  • القرآن الكريم.
  • ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب.
  • الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي.
  • الطبرسي، الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن.
  • الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن.

الهوامش

  1. القرآن الكريم، سورة الحاقة، الآية 11.
  2. ابن منظور، لسان العرب، مادة «طغى».
  3. الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، ج2، ص343.
  4. القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 256.
  5. القرآن الكريم، سورة النحل، الآية 36.
  6. القرآن الكريم، سورة النساء، الآية 60.
  7. الطبرسي، مجمع البيان، ج3، ص123.
  8. الطباطبائي، الميزان، ج4، ص389.
  9. الطبرسي، مجمع البيان، ج3، ص124.
  10. الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج1، كتاب الحجة.
  11. أبو داود، السنن، كتاب الملاحم؛ الترمذي، السنن، كتاب الفتن.
  12. القرآن الكريم، سورة القصص، الآية 4.