الفرق بين المراجعتين لصفحة: «النذر»
لا ملخص تعديل |
لا ملخص تعديل |
||
| سطر ٢: | سطر ٢: | ||
[[ملف:النذر.jpg|بدون إطار|يسار]] | [[ملف:النذر.jpg|بدون إطار|يسار]] | ||
'''النذر''' هو عمل | '''النذر''' هو عمل خير يلزم المكلف نفسه به، وهذا الأمر يكون لله. كان هذا العمل شائعاً منذ القدم بين الأمم والشعوب السابقة، وكان يُمارس بأشكال مختلفة. في [[إيران القديمة]] وبين العرب الجاهليين، كان النذر و[[الذبح والتضحية|القربان]] للأصنام والمعابد النارية موجوداً، وكان له جذور خرافية كثيرة. كان معظم الناس في تلك الأيام، لتحقيق آمالهم وأمانيهم، يقدمون قرابين للأصنام والآلهة، وكانت هذه أحياناً مصحوبة بالنذر. | ||
== فلسفة وتاريخ النذر == | == فلسفة وتاريخ النذر == | ||
المراجعة الحالية بتاريخ ١١:٠٧، ٢٢ يونيو ٢٠٢٦

النذر هو عمل خير يلزم المكلف نفسه به، وهذا الأمر يكون لله. كان هذا العمل شائعاً منذ القدم بين الأمم والشعوب السابقة، وكان يُمارس بأشكال مختلفة. في إيران القديمة وبين العرب الجاهليين، كان النذر والقربان للأصنام والمعابد النارية موجوداً، وكان له جذور خرافية كثيرة. كان معظم الناس في تلك الأيام، لتحقيق آمالهم وأمانيهم، يقدمون قرابين للأصنام والآلهة، وكانت هذه أحياناً مصحوبة بالنذر.
فلسفة وتاريخ النذر
من المصطلحات الموجودة في ثقافة القرآن، مصطلح النذر. النذر لغة يعني إلزام النفس بأمر لم يكن ملزماً به من قبل[١].
وبالتالي، فإن الشخص بالنذر يلزم نفسه ويتعهد بعمل لم يكن مكلفاً ولا ملزماً به في الأصل؛ لكن بمجرد أن ينذر، يصبح ملزماً بالعمل وفقاً للالتزام والتعهد، ويظهر التزامه من خلال الوفاء بمضمون النذر.
قال العلامة النجفي، أحد كبار الفقهاء المعاصرين، في كتابه القيم جواهر الكلام، في بيان المصطلح الفقهي للنذر: إن النذر هو الالتزام بفعل أو ترك عمل بشكل مخصوص[٢].
بعبارة أخرى، النذر يشمل فعل أو ترك عمل ليس من الواجب الشرعي على الإنسان، لكن الشخص بإجراء صيغة النذر، يجعله واجباً على نفسه، وبالتالي يصبح فعل ذلك العمل أو تركه واجباً شرعياً عليه، وفي حالة المخالفة، يجب عليه دفع تبعات ذلك مثل كفارة النذر.
بالنظر إلى التقارير القرآنية، يتبين أن النذر له خلفية تاريخية وكان شائعاً بين الأمم قبل الإسلام أيضاً. من بين ذلك، يذكر الله في الآية 35 من سورة آل عمران أن امرأة عمران نذرت أن تجعل ابنها محرراً لخدمة الله، فقبل الله نذرها، وأرسلت تلك المرأة المؤمنة ابنتها مريم (سلام الله عليها) لخدمة بيت الله.
كان النذر من وجهة نظر مريم واليهود أمراً مرغوباً ومعروفاً، وكانت هي وسائر اليهود في عصرها تؤمن بالنذر وتعمل به. بالطبع، كان للنذر الشائع في ذلك العصر أشكال مختلفة، منها نذر الصمت[٣].
كان النذر شائعاً أيضاً بين أهل الجاهلية وقبل الإسلام في شبه الجزيرة العربية، وربما من هنا يمكن استنتاج أن النذر كان من طقوس الحنيفية الإبراهيمية (عليه السلام) التي بقيت في شبه الجزيرة العربية[٤].
كان التوسل لدفع البلاء، ورفع المصيبة، وجلب المنفعة موجوداً بين جميع الأمم، وكان كل فرد يسعى لجذب فضل ورحمة ومحبة الله بطريقة ما لنفسه ولمجتمعه. ربما يمكن القول إن بعض الأحكام التي كان النبي يعقوب (عليه السلام) يوجبها أو يحرمها على نفسه لتحقيق أهدافه، كانت من باب النذر. لذلك، يتعرض الله في حديثه عن المسيحيين للأحكام والقوانين الإلزامية التي وضعها المسيحيون لأنفسهم كالرهبانية، ليحاولوا من خلال التوسل بهذه الأحكام والقوانين جذب فضل الله وعنايته.
لقد ابتكروا في عملية ما رهبانية خارجة عن التعاليم الوحيانية المعتدلة، وفرضوا على أنفسهم رياضات وتشددات ليزيدوا من روحانيتهم وينفصلوا عن الدنيا وعلائقها. هذه الرهبانية، على الرغم من أنها ليست مبنية على التعاليم الوحيانية، لأنها تتعارض مع فطرة الإنسان وطبيعته الذاتية، إلا أنها بما أنها أمر اختياري يختاره الشخص بنفسه ويقوم به، فهي محل قبول، لكنها لا تُقر ولا تُصادق كقانون شرعي لتكون شاملة وإلزامية[٥].
بالطبع، لهذا العمل خلفية تاريخية في شريعة اليهود، حيث يذكر القرآن عن النبي يعقوب (عليه السلام) أنه وضع لنفسه قوانين متشددة، أكد عليها بني إسرائيل لاحقاً كقوانين إلهية؛ في حين أن الله لم يقر أو يصادق على تلك القوانين كقوانين إلهية ووحيانية. كان هذا الاتهام من بني إسرائيل واليهود لله بشأن هذه القوانين والأحكام المتشددة هو ما جعل الله يطلب من اليهود تقديم دليل من التوراة على أن الله قد وضع مثل هذه القوانين. يقول الله في الآية 93 من سورة آل عمران: «كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ ۗ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ».
في الحقيقة، القوانين واللوائح الشخصية التي وضعها النبي يعقوب (عليه السلام) لنفسه، طرحها اليهود لاحقاً كقوانين إلهية، وعاقبوا وعذّبوا المخالفين لها. هذا الأسلوب الخاطئ وغير الصحيح لليهود هو ما جعل الله، ببيان أن قوانين النبي يعقوب (عليه السلام) المتشددة لا علاقة لها بالوحي والتوراة، يطلب من اليهود تقديم أدلة من التوراة حول هذه القوانين ووضعها الإلهي؛ ولكن بما أن هذه القوانين لم تكن موجودة في التوراة، فإنهم يلجأون إلى التحريف ويضلون أنفسهم والآخرين ليعرضوا أسلوبهم الباطل كدين إلهي. هذه هي البدعة الباطلة التي اتبعوها، ونسبوا أمراً غير ديني إلى الدين والله.
لذلك، يمكن اعتبار هذه الأساليب جزءاً من ذلك الإلزام الذي يفرضه الشخص على نفسه في النذر، لكن هذا لا يعني أبداً أن هذا الإلزام يشمل الآخرين أيضاً. على أي حال، يمكن الاستنتاج أن البشر بطرق مختلفة ولأهداف متنوعة وبدوافع متباينة، كانوا يتوسلون بالنذر وما يشبهه.
من التقارير القرآنية حول سبب النذر، يتبين أن الناس كانوا ينذرون لتحقيق أهداف مختلفة، ودوافع عدة كانت تدفعهم لهذا العمل. من بين ذلك، من الآية 26 من سورة مريم يمكن استنتاج أن النذر كان يستخدم للخلاص والفرار من الضائقات الاجتماعية. كما من الآية 7 من سورة الإنسان يتبين أن الأشخاص كانوا يتوسلون بالنذر لشفاء المرضى ومعالجتهم.
في الروايات حول سبب نزول سورة الإنسان، ورد أن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وفاطمة (سلام الله عليها) وفضة، بناءً على اقتراح النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)، نذروا الصيام لشفاء الحسن (عليه السلام) والحسين (عليه السلام)[٦].
روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) في رواية عن سبب نزول هذه الآية «يوفون بالنذر»: عندما مرض الإمام الحسن (عليه السلام) والإمام الحسين (عليه السلام)، جاء النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) لزيارتهما وقال لعلي (عليه السلام): من الجيد أن تنذر لشفاء ولديك. فقال علي (عليه السلام): أنذر أن أصوم ثلاثة أيام شكراً لله إذا شفيا. ثم كررت فاطمة (سلام الله عليها) وكذلك فضة، جاريتهما، هذا النذر. فألبس الله تعالى ثوب العافية لجسدي那两个 الإمام، وصاموا[٧]. من هذه الرواية يمكن استنتاج أن الصيام كان بعد الشفاء، وأن الإمام الحسن (عليه السلام) والإمام الحسين (عليه السلام) صاما أيضاً، وقد وردت قصة إطعامهما للفقير والمسكين والأسير في سورة الإنسان.
تعريف النذر
النذر هو أن يتعهد الإنسان بأداء عمل خير لله، أو أن يترك عملاً يكون تركه حسناً[٨].
أنواع النذر
= النذر المشروط
النذر المشروط أو «نذر الشكر» مثل أن يقول الإنسان: «إن شفى الله مريضي، فعليَّ لله أن أفعل كذا».
أو «نذر الزجر» مثل أن يقول: «إن ارتكبتُ عملاً سيئاً، فعليَّ لله أن أفعل عملاً خيراً».
= النذر المطلق
هو أن يقول الإنسان دون أي شرط: «نذرت لله - أو لله عليَّ - أن أفعل عملاً خيراً أو أن أترك عملاً شراً»[٩].
أركان النذر
أركان النذر ثلاثة:
- الناذر؛
- صيغة النذر؛
- متعلق النذر (الملتزم به)[١٠].
أي لكي ينعقد النذر، يجب أن يكون هناك ناذر تتوفر فيه شروط النذر، كما يجب أن تجرى صيغة النذر، وأن يتعلق النذر بفعل أو ترك عمل تتوفر فيه شروطه التي سيتم بيانها.
شروط الناذر
- البلوغ؛
- العقل؛
- الاختيار؛
- القصد؛
- انتفاء الحجر في متعلق النذر[١١].
اعتبر بعض الفقهاء، الإسلام والحرية[١٢] من شروط الناذر أيضاً[١٣].
وبالتالي، فإن نذر الصبي ولو كان مميزاً وبلغ العاشرة من عمره، وكذلك نذر المجنون حتى لو كان مجنوناً أدوارياً في فترة جنونه، ونذر الشخص السكران أو الغضبان بحيث يزول قصده، وكذلك نذر السفيه والمحجور في الأمور المالية، لا ينعقد ولا يصح. بالطبع، نذر المحجور في المال الذي تعلق به حق الدائنين لا ينعقد، لكنه يصح في الأموال الأخرى[١٤].
كما أن نذر العبد والكافر لا ينعقد، إلا أنه في العبد، إذا أذن المولى قبل وقوع النذر، أو إذا أعتق العبد قبل فسخ المولى لعقد النذر، فإنه يصح. وكذلك إذا أسلم الكافر، يستحب له الوفاء بنذره[١٥].
صيغة النذر
صيغة النذر هي: «لله عليَّ كذا»، والمقصود بكذا هو: أن يقول ما يريد أن ينذره بعد «لله عليَّ»[١٦]. مثلاً يقول: «إن شفى الله مريضي، فلله عليَّ صوم يوم»؛ أي إن شفى الله مريضي، فعليَّ صوم يوم واحد[١٧].
يذكر أن صيغة النذر لا يجب أن تكون بالعربية، بل تكفي بالفارسية أيضاً، فإذا قيل: «إذا شفي مريضي، فعليَّ لله أن أدفع عشرة تومانات للفقير أو أصوم يوماً»، يكون النذر صحيحاً. بالطبع، يجب أن تقال «لله» باللسان، والنية في القلب غير كافية[١٨].
متعلق النذر أو «الملتزم به» وشروطه
المراد بـ «متعلق النذر» أو «المنذور به» أو «الملتزم به»، هو الشيء الذي يتعهد الناذر بفعله أو تركه لله.
شروط متعلق النذر
- يجب أن يكون متعلق النذر من الأمور التي تحتاج إلى قصد القربة؛ أي أن تكون واجبة أو مستحبة. أو أن تكون أمراً مباحاً[١٩] له رجحان وفضل في الدين أو الدنيا. وبالتالي، لا يمكن أن يكون الأمر الحرام أو حتى المكروه متعلقاً للنذر[٢٠].
- أن يكون مقصوداً مراداً.
- أن يكون تحت قدرة الناذر؛ أي أن يكون متعلق النذر بحيث يستطيع الناذر عادةً أن يؤديه عند حلول وقته، حتى لو لم يكن قادراً على أدائه وقت انعقاد النذر[٢١].
وبناءً على ذلك، يجب القول: «النذر قبل البلوغ لا ينعقد ولا يصح؛ لأن البلوغ هو أحد شروط صحة وانعقاد النذر».
انظر أيضاً
الهوامش
- ↑ لسان العرب، ابن منظور، ج14، ذيل كلمة نذر؛ ومفردات ألفاظ القرآن الكريم، ص797.
- ↑ جواهر الكلام، ج35، ص356.
- ↑ مريم، آية26.
- ↑ البقرة، آية270.
- ↑ الحديد، آية27.
- ↑ تفسير كبير، فخر الرازي، ج 10، ص 746؛ مجمع البيان، ج 9 و 10، ص 611؛ أنوار التنزيل، البيضاوي، ج 4، ص 674؛ الكشاف، الزمخشري، ج 4، ص 670.
- ↑ ميزان الحكمة، ج 10، ص 48.
- ↑ مكارم الشيرازي، ناصر، رسالة توضيح المسائل، ص 445، منشورات مدرسة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، قم، الطبعة الثانية، 1424 هـ.
- ↑ نفسه.
- ↑ الحلّي، العلامة، حسن بن يوسف بن مطهر الأسدي، إرشاد الأذهان إلى أحكام الإيمان، محقق ومصحح: فارس حسون، ج 2، ص 90، مكتب انتشارات إسلامي، قم، الطبعة الأولى، 1410 هـ.
- ↑ الإمام الخميني، تحرير الوسيلة، ج 2، ص 117، مؤسسة مطبوعات دار العلم، قم، الطبعة الأولى، بدون تاريخ؛ الكلبايكاني، الصافي، لطف الله، هداية العباد، ج 2، ص 247، دار القرآن الكريم، قم، الطبعة الأولى، 1416 هـ؛ الخراساني، الوحيد، حسين، منهاج الصالحين، ج 3، ص 361، مدرسة الإمام الباقر (عليه السلام)، قم، الطبعة الخامسة، 1428 هـ.
- ↑ أي ألا يكون عبداً أو أمة.
- ↑ العاملي، الشهيد الثاني، زين الدين بن علي، الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، شارح: كلانتر، السيد محمد، ج 3، ص 35، مكتبة داوری، قم، الطبعة الأولى، 1410 هـ.
- ↑ تحرير الوسيلة، نفسه؛ هداية العباد، نفسه؛ الخراساني، الوحيد، حسين، منهاج الصالحين، نفسه.
- ↑ الروضة البهية، ج 3، ص 35-36.
- ↑ البهبهاني الكرمانشاهي، آقا محمد علي، مقامع الفضل، ج 1، ص 346، مؤسسة العلامة المجدد وحيد البهبهاني، قم، الطبعة الأولى، 1421 هـ.
- ↑ الأصفهاني (المجلسي الأول)، محمد تقي، دورة فقه فارسي كامل، ص 172، مؤسسة ومنشورات فراهاني، طهران، الطبعة الأولى، 1400 هـ.
- ↑ فاضل اللنكراني، محمد، رسالة توضيح المسائل، ص 483، قم، الطبعة الرابعة عشرة، 1426 هـ.
- ↑ بالطبع، بعض هذه المباحات تُعد مستحبة بسبب فضلها لكنها لا تحتاج إلى قصد القربة؛ مثل شرب الماء لرفع العطش لأداء الصلاة.
- ↑ الروضة البهية، ج 3، ص 41-43.
- ↑ إرشاد الأذهان إلى أحكام الإيمان، ج 2، ص 90.