الفرق بين المراجعتين لصفحة: «أبو جهل»
| (٨ مراجعات متوسطة بواسطة نفس المستخدم غير معروضة) | |||
| سطر ٩: | سطر ٩: | ||
| مكان الولادة = [[مكة]] | | مكان الولادة = [[مكة]] | ||
| سنة الوفاة = السنة الثانية للهجرة | | سنة الوفاة = السنة الثانية للهجرة | ||
| تأريخ الوفاة = 17 [[رمضان]] | | تأريخ الوفاة = 17 [[شهر رمضان]] | ||
| مكان الوفاة = | | مكان الوفاة = | ||
| الأساتذة = | | الأساتذة = | ||
| سطر ٢٠: | سطر ٢٠: | ||
}} | }} | ||
'''أبو الحكم عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي''' المشهور بـ<big>أبو جهل</big> كان من أشراف [[قريش]] ومن أشهر [[ | '''أبو الحكم عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي''' المشهور بـ<big>أبو جهل</big> كان من أشراف [[قريش]] ومن أشهر [[الشرك|مشركوا]] [[مكة]]، وكان مثل باقي أشراف قريش يشتغل بالتجارة. نال في شبابه مكانة مميزة بين أشراف مكة، وقُبل عضواً في [[دار الندوة|دار الندوة]] قبل بلوغه الثلاثين من عمره بسبب كفاءته، في حين كان العرف السائد آنذاك يشترط أن يكون أعضاء دار الندوة (باستثناء بني قصي) فوق الأربعين من العمر. | ||
مع بزوغ شمس [[الإسلام]]، قام أبو جهل بالعديد من الإجراءات لمنع انتشار الإسلام. ويمكن اعتبار محاولته قطع العلاقات بين قريش و[[بنو هاشم|بني هاشم]]، ومنعه [[أبو لهب]] من دعم النبي، بالإضافة إلى تخطيطه الفاشل لاغتيال النبي (صلّى الله عليه وآله) بمشاركة قبائل مختلفة، من أهم إجراءاته ضد رسول الله. | مع بزوغ شمس [[الإسلام]]، قام أبو جهل بالعديد من الإجراءات لمنع انتشار الإسلام. ويمكن اعتبار محاولته قطع العلاقات بين قريش و[[بنو هاشم|بني هاشم]]، ومنعه [[أبو لهب]] من دعم النبي، بالإضافة إلى تخطيطه الفاشل لاغتيال النبي (صلّى الله عليه وآله) بمشاركة قبائل مختلفة، من أهم إجراءاته ضد رسول الله. | ||
لم يسلم [[مسلمون]] أيضاً من أحقاده وعداواته. وقد لقّبه النبي بـ[[أبو جهل]] وأمر المسلمين بخطابه بهذا الاسم. واستمرت عداوات أبو جهل حتى بعد [[هجرة]] النبي إلى [[المدينة]]، إلى أن لقي حتفه مع عدد من زعماء الشرك في [[غزوة بدر]]. | لم يسلم [[المسلم|مسلمون]] أيضاً من أحقاده وعداواته. وقد لقّبه النبي بـ[[أبو جهل]] وأمر المسلمين بخطابه بهذا الاسم. واستمرت عداوات أبو جهل حتى بعد [[هجرة]] النبي إلى [[المدينة المنورة|المدينة]]، إلى أن لقي حتفه مع عدد من زعماء الشرك في [[غزوة بدر]]. | ||
== سيرة أبو جهل == | == سيرة أبو جهل == | ||
أبو جهل: أبو الحكم، عمرو بن هشام بن المغيرة<ref>المحبّر، ص 139.</ref> من كبار [[ | أبو جهل: أبو الحكم، عمرو بن هشام بن المغيرة<ref>المحبّر، ص 139.</ref> من كبار [[مكة]]، ومن أشد أعداء النبي<ref>المغازي، ج2، ص491.</ref>. ينتمي إلى قبيلة بني مخزوم، واشتهر بأبي جهل، ونُسب إلى أمّه فدُعي بابن الحنظلية<ref>سيرة ابن هشام، ج2، ص623.</ref>. والمعلومات المتوفرة لدينا عن وقت ولادته وحياته قبل ظهور الإسلام ليست بالكثيرة. البعض اعتبره في سنّ [[محمد بن عبد الله (خاتم الأنبياء)|النبي (صلّى الله عليه وآله)]]<ref>دائرة المعارف الإسلامية، ج1، ص322. «أبو جهل».</ref>، والبعض الآخر اعتبره في الثلاثين من عمره عند دخوله دار الندوة (سنة 584 م)<ref>دائرة المعارف الإسلامية الكبرى، ج5، ص305. «أبو جهل».</ref>، وبهذا يكون سنّه أكبر من سنّ النبي. وكان والده هشام من الرجال المشهورين والكرماء في مكّة، لدرجة أن قريشاً اتخذت من وفاته تاريخاً لها<ref>المحبّر، ص139.</ref>. | ||
أدّت دهائه وعلمه وذكاءه في ذلك العصر إلى أن يصبح عضواً في ذلك المجلس في صباه، قبل أن ينبت الشعر على وجهه<ref>عيون الأخبار، ج1، ص230.</ref>، أو قرب الثلاثين من عمره<ref>الاشتقاق، ص155.</ref>، خلافاً للتقاليد العربية الجاهلية التي كانت تشترط بلوغ الأربعين للعضوية في دار الندوة لغير بني قصي<ref>أخبار مكّة، ج2، ص253.</ref>، ليصبح مستشاراً لكبار القوم في قراراتهم<ref>يعقوبي، ج2، ص37؛ الاشتقاق، ص155.</ref>. | أدّت دهائه وعلمه وذكاءه في ذلك العصر إلى أن يصبح عضواً في ذلك المجلس في صباه، قبل أن ينبت الشعر على وجهه<ref>عيون الأخبار، ج1، ص230.</ref>، أو قرب الثلاثين من عمره<ref>الاشتقاق، ص155.</ref>، خلافاً للتقاليد العربية الجاهلية التي كانت تشترط بلوغ الأربعين للعضوية في دار الندوة لغير بني قصي<ref>أخبار مكّة، ج2، ص253.</ref>، ليصبح مستشاراً لكبار القوم في قراراتهم<ref>يعقوبي، ج2، ص37؛ الاشتقاق، ص155.</ref>. | ||
| سطر ٣٤: | سطر ٣٤: | ||
كان أبو جهل من التجار الأثرياء وأشراف مكة<ref>جامع البيان، مج11، ج20، ص119</ref>، وكما كان حال نظرائه، كان ينازع بني هاشم على رئاسة [[الكعبة]]، وبالتالي رئاسة مكّة، وكان يفسّر النبوة على هذا الأساس. وكان يقول: نحن وبنو [[عبد مناف|عبدمناف]] تنازعنا في الشرف والعظمة؛ أطعموا فأطعمنا، أعطوا فأعطينا حتى تكافأنا. ثم قالوا: إن منا نبياً يُوحَى إليه! هذا ما لم نفهمه. والله لا نؤمن به أبداً ولن نصدّقه<ref>السير والمغازي، ص210.</ref>. | كان أبو جهل من التجار الأثرياء وأشراف مكة<ref>جامع البيان، مج11، ج20، ص119</ref>، وكما كان حال نظرائه، كان ينازع بني هاشم على رئاسة [[الكعبة]]، وبالتالي رئاسة مكّة، وكان يفسّر النبوة على هذا الأساس. وكان يقول: نحن وبنو [[عبد مناف|عبدمناف]] تنازعنا في الشرف والعظمة؛ أطعموا فأطعمنا، أعطوا فأعطينا حتى تكافأنا. ثم قالوا: إن منا نبياً يُوحَى إليه! هذا ما لم نفهمه. والله لا نؤمن به أبداً ولن نصدّقه<ref>السير والمغازي، ص210.</ref>. | ||
كان أبو جهل من أشد أعداء النبي و[[مسلمون]]. ويتجلّى جهده وسلوكه الغاضب والحاقد تجاههم في تعذيبه للمسلمين الجدد مثل ياسر وسمية<ref>التعريف، ص172.</ref> مما أدّى إلى مقتل هذا الزوج، و[[تهمته]]<ref>يعقوبي، ج2، ص28.</ref> وافتراءه عليهم<ref>التعريف، ص172.</ref>، ومنعه من سماع القرآن<ref>قرطبي، ج15، ص236.</ref>، ومنع الآخرين من التواصل مع النبي<ref>أسباب النزول، ص381؛ مجمع البيان، ج10، ص584.</ref>، وسعيه لإبرام | كان أبو جهل من أشد أعداء النبي و[[المسلم|مسلمون]]. ويتجلّى جهده وسلوكه الغاضب والحاقد تجاههم في تعذيبه للمسلمين الجدد مثل ياسر وسمية<ref>التعريف، ص172.</ref> مما أدّى إلى مقتل هذا الزوج، و[[تهمته]]<ref>يعقوبي، ج2، ص28.</ref> وافتراءه عليهم<ref>التعريف، ص172.</ref>، ومنعه من سماع القرآن<ref>قرطبي، ج15، ص236.</ref>، ومنع الآخرين من التواصل مع النبي<ref>أسباب النزول، ص381؛ مجمع البيان، ج10، ص584.</ref>، وسعيه لإبرام صحيفة المقاطعة بعدم نصرة النبي (صلّى الله عليه وآله) والسعي لعدم نقضها<ref>السير والمغازي، ص161 و166.</ref>، وتخطيطه لاغتيال النبي<ref>سيرة ابن هشام، ج2، ص480؛ مجمع البيان، ج4، ص826.</ref>، وإشعاله لـ[[غزوة بدر]]<ref>الطبقات، ج2، ص9؛ يعقوبي، ج2، ص45.</ref> وغير ذلك. | ||
عندما سمع أبو جهل أن عياش بن أبي ربيعة (أخيه من أمّه) قد اعتنق [[الإسلام]]، بذل كل جهد لإعادة ردّته<ref>سيرة ابن هشام، ج2، ص474.</ref>، وعندما لاحظ بعض اللين من الوليد بن المغيرة تجاه النبي، احتال عليه حتى جعله يصف كلام الله بأنه [[سحر]]<ref>مجمع البيان، ج10، ص584.</ref>. وقوله تعالى: ''' | عندما سمع أبو جهل أن عياش بن أبي ربيعة (أخيه من أمّه) قد اعتنق [[الإسلام]]، بذل كل جهد لإعادة ردّته<ref>سيرة ابن هشام، ج2، ص474.</ref>، وعندما لاحظ بعض اللين من الوليد بن المغيرة تجاه النبي، احتال عليه حتى جعله يصف كلام الله بأنه [[سحر]]<ref>مجمع البيان، ج10، ص584.</ref>. وقوله تعالى: '''إن هـذا إلاّ سِحرٌ یُؤثَر إن هـذا إلاّ قَولُ البَشرِ (مدثر/24 و 25 )''' يعبر عن هذه الواقعة<ref>أسباب النزول، ص381 و382.</ref>. | ||
كان يستخدم كل السبل لإضعاف النبي والإسلام. فعندما سمع الآيات: ''' | كان يستخدم كل السبل لإضعاف النبي والإسلام. فعندما سمع الآيات: '''«وما أدرکَ ما سَقَرُ لاتُبقی وَ لاتَذَرُ لوّاحةٌ لِلبَشرِ عَلَیها تِسعَةَ عَشَرُ (مدثر/74، 27 ـ 30)'''، قال لقريش: أيعجز كل عشرة منكم عن التغلب على واحد من خزانة جهنم، وأنتم أكثر عدداً؟ إن صاحبكم [النبي] يخبركم أن [[جهنم]] عليها تسعة عشر خازناً<ref>جامع البيان، مج14، ج29، ص199؛ مجمع البيان، ج10، ص586.</ref>. | ||
أدّى إصراره المفرط والجاهل على معارضة النبي والإسلام إلى غضب حتى بعض زعماء مكة الآخرين<ref>السير والمغازي، ص166.</ref>، ولقّبه النبي بـ(أبو جهل)<ref>الاشتقاق، ص147؛ أنساب الأشراف ج1، ص141.</ref>. وقد قُتل في السنة الثانية للهجرة في غزوة بدر التي قاد فيها جيش الشرك بنفسه، ودُفن مع باقي القتلى في بئر قلِّيب بدر<ref>جامع البيان، مج5، ج7، ص240.</ref>. كان له ابن وابنة، لكن نسله لم يستمر أبداً<ref>جمهرة أنساب العرب، ص145.</ref> وانقطع. وقد أسلم ابنه عكرمة بعد فتح مكّة، ومنع النبي المسلمين من سبّ أبي جهل حتى لا يتأذى المسلمون (المقصود عكرمة)<ref>العقد الفريد، ج2، ص386.</ref>. | أدّى إصراره المفرط والجاهل على معارضة النبي والإسلام إلى غضب حتى بعض زعماء مكة الآخرين<ref>السير والمغازي، ص166.</ref>، ولقّبه النبي بـ(أبو جهل)<ref>الاشتقاق، ص147؛ أنساب الأشراف ج1، ص141.</ref>. وقد قُتل في السنة الثانية للهجرة في غزوة بدر التي قاد فيها جيش الشرك بنفسه، ودُفن مع باقي القتلى في بئر قلِّيب بدر<ref>جامع البيان، مج5، ج7، ص240.</ref>. كان له ابن وابنة، لكن نسله لم يستمر أبداً<ref>جمهرة أنساب العرب، ص145.</ref> وانقطع. وقد أسلم ابنه عكرمة بعد فتح مكّة، ومنع النبي المسلمين من سبّ أبي جهل حتى لا يتأذى المسلمون (المقصود عكرمة)<ref>العقد الفريد، ج2، ص386.</ref>. | ||
| سطر ٨٧: | سطر ٨٧: | ||
== تحريض المشركين على معاداة الإسلام == | == تحريض المشركين على معاداة الإسلام == | ||
كان أبو جهل يحرض المشركين ضد النبي (صلّى الله عليه وآله)، قائلًا: «إن محمدًا قد نزل بـ[[يثرب|يثرب]]، وأرسل طلائعه، ويريد أخذ أموالكم؛ فاحذروا من اتباعه أو الاقتراب منه. والله! إن معه سحرةً لم أرَ مثلهم قط، وما رأيت أحدًا من [[صحابته]] إلا وهو مصحوب بالشياطين»<ref>ابن كثير، ج 3، ص 211.</ref>! | كان أبو جهل يحرض المشركين ضد النبي (صلّى الله عليه وآله)، قائلًا: «إن محمدًا قد نزل بـ[[يثرب|يثرب]]، وأرسل طلائعه، ويريد أخذ أموالكم؛ فاحذروا من اتباعه أو الاقتراب منه. والله! إن معه سحرةً لم أرَ مثلهم قط، وما رأيت أحدًا من [[الصحابي|صحابته]] إلا وهو مصحوب بالشياطين»<ref>ابن كثير، ج 3، ص 211.</ref>! | ||
وبهذه الكلمات أشعل نار معركة بدر، وتحمل جزءًا من نفقاتها. وفي هذا الصدد يقول [[الله|الله تعالى]]: '''إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (الأنفال/36)''' «إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرةً ثم يُغلبون، والذين كفروا إلى جهنم يُحشرون». وينقل الواحدي عن الكلبي أن هذه الآية نزلت في اثني عشر رجلًا من الذين أنفقوا يوم بدر، وكان أبو جهل أحدهم<ref>أسباب النزول، ص 195.</ref>، وهو الذي نحر عشرًا من إبله في تلك الواقعة<ref>اليعقوبي، ج 2، ص 45.</ref>. | |||
وقُتل أبو جهل في هذه المعركة نفسها، ونزلت فيه وفي قتلى بدر الآية: '''وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (الأنفال/50)''' «ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ويقولون: ذوقوا عذاب الحريق»<ref>جامع البيان، مج 6، ج 10، ص 30؛ مجمع البيان، ج 4، ص 846.</ref>. | |||
== الوفاة == | == الوفاة == | ||
انتهت هذه المعركة بهزيمة المكيين<ref>المغازي، ج 1، ص 53؛ السيرة النبوية، ج 1، ص 617.</ref>. وفيها قُتل أبو جهل، الذي كان قائدًا لجيش المشركين، على يد شابين أنصاريين صغيري السن هما: معاذ بن عمرو ومعاذ بن عفراء (أو عوف ومعوذ بن عفراء). وعندما كان لا يزال في رمق، فصل [[عبد الله بن مسعود]] رأسه عن جسده<ref>المغازي، ج 1، ص 91؛ أنساب الأشراف، ج 1، ص 147، 281.</ref>. | انتهت هذه المعركة بهزيمة المكيين<ref>المغازي، ج 1، ص 53؛ السيرة النبوية، ج 1، ص 617.</ref>. وفيها قُتل أبو جهل، الذي كان قائدًا لجيش المشركين، على يد شابين أنصاريين صغيري السن هما: معاذ بن عمرو ومعاذ بن عفراء (أو عوف ومعوذ بن عفراء). وعندما كان لا يزال في رمق، فصل [[عبد الله بن مسعود]] رأسه عن جسده<ref>المغازي، ج 1، ص 91؛ أنساب الأشراف، ج 1، ص 147، 281.</ref>. | ||
ودُفن مع القتلى في بئر بدر<ref>البداية والنهاية، ج 3، ص 292-293.</ref>. وقد فسّر المفسرون الآية 50 من | ودُفن مع القتلى في بئر بدر<ref>البداية والنهاية، ج 3، ص 292-293.</ref>. وقد فسّر المفسرون الآية 50 من سورة الأنفال بأنها نزلت في شأن أبي جهل و قتلى بدر: '''وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (الأنفال/50)''' «ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ويقولون: ذوقوا عذاب الحريق»<ref>جامع البيان، ج 10، ص 31؛ مجمع البيان، ج 4، ص 846.</ref>! | ||
كان النبي (صلّى الله عليه وآله) ينتظر خبر هلاك أبي جهل، إذ كان يعتبره رأسًا لزعماء الكفر | كان النبي (صلّى الله عليه وآله) ينتظر خبر هلاك أبي جهل، إذ كان يعتبره رأسًا لزعماء الكفر وفرعون هذه الأمة<ref>أنساب الأشراف، ج 1، ص 141.</ref>، فلما بلغه الخبر حمد الله على تحقق وعده<ref>المغازي، ج 1، ص 91.</ref>. وكان عمر أبي جهل عند مقتله 70 سنة<ref>أنساب الأشراف، ج 1، ص 130.</ref>. وقد ذكر المفسرون اسمه في تفسير الآية 55 من سورة الفرقان والآية 15 من سورة الليل، وعدّوه من مصاديق الكافرين<ref>جامع البيان، ج 19، ص 18؛ الدر المنثور، ج 5، ص 74.</ref> وأهل الشقاوة<ref>الكشاف، ج 4، ص 764.</ref>. | ||
== انظر أيضًا == | == انظر أيضًا == | ||
المراجعة الحالية بتاريخ ١٣:١٩، ١٧ مايو ٢٠٢٦
| أبو جهل | |
|---|---|
![]() | |
| الإسم | أبو الحكم عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي |
| التفاصيل الذاتية | |
| الولادة | 554 م، -٧٠ ق، -٦٨ ش |
| مكان الولادة | مكة |
| یوم الوفاة | 17 شهر رمضان |
| النشاطات | |
أبو الحكم عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي المشهور بـأبو جهل كان من أشراف قريش ومن أشهر مشركوا مكة، وكان مثل باقي أشراف قريش يشتغل بالتجارة. نال في شبابه مكانة مميزة بين أشراف مكة، وقُبل عضواً في دار الندوة قبل بلوغه الثلاثين من عمره بسبب كفاءته، في حين كان العرف السائد آنذاك يشترط أن يكون أعضاء دار الندوة (باستثناء بني قصي) فوق الأربعين من العمر. مع بزوغ شمس الإسلام، قام أبو جهل بالعديد من الإجراءات لمنع انتشار الإسلام. ويمكن اعتبار محاولته قطع العلاقات بين قريش وبني هاشم، ومنعه أبو لهب من دعم النبي، بالإضافة إلى تخطيطه الفاشل لاغتيال النبي (صلّى الله عليه وآله) بمشاركة قبائل مختلفة، من أهم إجراءاته ضد رسول الله.
لم يسلم مسلمون أيضاً من أحقاده وعداواته. وقد لقّبه النبي بـأبو جهل وأمر المسلمين بخطابه بهذا الاسم. واستمرت عداوات أبو جهل حتى بعد هجرة النبي إلى المدينة، إلى أن لقي حتفه مع عدد من زعماء الشرك في غزوة بدر.
سيرة أبو جهل
أبو جهل: أبو الحكم، عمرو بن هشام بن المغيرة[١] من كبار مكة، ومن أشد أعداء النبي[٢]. ينتمي إلى قبيلة بني مخزوم، واشتهر بأبي جهل، ونُسب إلى أمّه فدُعي بابن الحنظلية[٣]. والمعلومات المتوفرة لدينا عن وقت ولادته وحياته قبل ظهور الإسلام ليست بالكثيرة. البعض اعتبره في سنّ النبي (صلّى الله عليه وآله)[٤]، والبعض الآخر اعتبره في الثلاثين من عمره عند دخوله دار الندوة (سنة 584 م)[٥]، وبهذا يكون سنّه أكبر من سنّ النبي. وكان والده هشام من الرجال المشهورين والكرماء في مكّة، لدرجة أن قريشاً اتخذت من وفاته تاريخاً لها[٦].
أدّت دهائه وعلمه وذكاءه في ذلك العصر إلى أن يصبح عضواً في ذلك المجلس في صباه، قبل أن ينبت الشعر على وجهه[٧]، أو قرب الثلاثين من عمره[٨]، خلافاً للتقاليد العربية الجاهلية التي كانت تشترط بلوغ الأربعين للعضوية في دار الندوة لغير بني قصي[٩]، ليصبح مستشاراً لكبار القوم في قراراتهم[١٠].
كان أبو جهل من التجار الأثرياء وأشراف مكة[١١]، وكما كان حال نظرائه، كان ينازع بني هاشم على رئاسة الكعبة، وبالتالي رئاسة مكّة، وكان يفسّر النبوة على هذا الأساس. وكان يقول: نحن وبنو عبدمناف تنازعنا في الشرف والعظمة؛ أطعموا فأطعمنا، أعطوا فأعطينا حتى تكافأنا. ثم قالوا: إن منا نبياً يُوحَى إليه! هذا ما لم نفهمه. والله لا نؤمن به أبداً ولن نصدّقه[١٢].
كان أبو جهل من أشد أعداء النبي ومسلمون. ويتجلّى جهده وسلوكه الغاضب والحاقد تجاههم في تعذيبه للمسلمين الجدد مثل ياسر وسمية[١٣] مما أدّى إلى مقتل هذا الزوج، وتهمته[١٤] وافتراءه عليهم[١٥]، ومنعه من سماع القرآن[١٦]، ومنع الآخرين من التواصل مع النبي[١٧]، وسعيه لإبرام صحيفة المقاطعة بعدم نصرة النبي (صلّى الله عليه وآله) والسعي لعدم نقضها[١٨]، وتخطيطه لاغتيال النبي[١٩]، وإشعاله لـغزوة بدر[٢٠] وغير ذلك.
عندما سمع أبو جهل أن عياش بن أبي ربيعة (أخيه من أمّه) قد اعتنق الإسلام، بذل كل جهد لإعادة ردّته[٢١]، وعندما لاحظ بعض اللين من الوليد بن المغيرة تجاه النبي، احتال عليه حتى جعله يصف كلام الله بأنه سحر[٢٢]. وقوله تعالى: إن هـذا إلاّ سِحرٌ یُؤثَر إن هـذا إلاّ قَولُ البَشرِ (مدثر/24 و 25 ) يعبر عن هذه الواقعة[٢٣].
كان يستخدم كل السبل لإضعاف النبي والإسلام. فعندما سمع الآيات: «وما أدرکَ ما سَقَرُ لاتُبقی وَ لاتَذَرُ لوّاحةٌ لِلبَشرِ عَلَیها تِسعَةَ عَشَرُ (مدثر/74، 27 ـ 30)، قال لقريش: أيعجز كل عشرة منكم عن التغلب على واحد من خزانة جهنم، وأنتم أكثر عدداً؟ إن صاحبكم [النبي] يخبركم أن جهنم عليها تسعة عشر خازناً[٢٤].
أدّى إصراره المفرط والجاهل على معارضة النبي والإسلام إلى غضب حتى بعض زعماء مكة الآخرين[٢٥]، ولقّبه النبي بـ(أبو جهل)[٢٦]. وقد قُتل في السنة الثانية للهجرة في غزوة بدر التي قاد فيها جيش الشرك بنفسه، ودُفن مع باقي القتلى في بئر قلِّيب بدر[٢٧]. كان له ابن وابنة، لكن نسله لم يستمر أبداً[٢٨] وانقطع. وقد أسلم ابنه عكرمة بعد فتح مكّة، ومنع النبي المسلمين من سبّ أبي جهل حتى لا يتأذى المسلمون (المقصود عكرمة)[٢٩].
نسبة أبي جهل إلى النبي
كانت قريش واحدة من أشهر وأهم القبائل العربية في الحجاز. وقد ذكر المسعودي، المؤرخ الإسلامي الشهير، أن بطون قبيلة قريش الكبرى عند ظهور الإسلام بلغت 25 بطنًا على النحو التالي:
| نص العنوان | نص العنوان |
|---|---|
| بنو هاشم | بنو مطلب |
| بنو حارث | بنو أمية |
| بنو نوفل | بنو حارث بن فهر |
| بنو أسد | بنو عبد الدار |
| بنو زهرة | بنو تيم بن مرة |
| بنو مخزوم | بنو يقظة |
| بنو مرة | بنو عدي بن كعب |
| بنو سهم | بنو جمح |
| بنو مالك | بنو معيط |
| بنو نزار | بنو سامه |
| بنو أدرم | بنو محارب |
| بنو حارث بن عبد الله | بنو خزيمة |
| بنو بنانة |
[٣٠].
أبو الحكم عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي، المشهور بـ«أبي جهل»، كان من أشراف قريش ومن مشركي مكة المعروفين الذين اشتغلوا بالتجارة. ورغم أنه من قريش، إلا أنه ليس عمًّا للنبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله)؛ لأن والد النبي الكريم رسول الله الإسلامي (صلّى الله عليه وآله) هو عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم. وعليه، فإن نبي الإسلام (صلّى الله عليه وآله) من فرع بني هاشم، بينما أبو جهل من فرع بني مخزوم[٣١]، وهما فرعان وأصلان مختلفان، لذا لا يمكن لأبي جهل أن يكون عمًّا لنبي الإسلام (صلّى الله عليه وآله).
التكنية بأبي جهل
أدت دهائه وذكاءه في ذلك العصر إلى أن يصبح عضوًا في دار الندوة في صباه[٣٢] أو في حدود الثلاثين من عمره[٣٣]، خلافًا للعرف العربي الجاهلي الذي اشترط بلوغ الأربعين عامًا لعضوية دار الندوة لغير بني قصي[٣٤][٣٥]. وربما لهذا السبب كانت قريش تكنيه بأبي الحكم. لاحقًا، لقبه النبي (صلّى الله عليه وآله) بأبي جهل[٣٦].
تحريض المشركين على معاداة الإسلام
كان أبو جهل يحرض المشركين ضد النبي (صلّى الله عليه وآله)، قائلًا: «إن محمدًا قد نزل بـيثرب، وأرسل طلائعه، ويريد أخذ أموالكم؛ فاحذروا من اتباعه أو الاقتراب منه. والله! إن معه سحرةً لم أرَ مثلهم قط، وما رأيت أحدًا من صحابته إلا وهو مصحوب بالشياطين»[٣٧]!
وبهذه الكلمات أشعل نار معركة بدر، وتحمل جزءًا من نفقاتها. وفي هذا الصدد يقول الله تعالى: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (الأنفال/36) «إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرةً ثم يُغلبون، والذين كفروا إلى جهنم يُحشرون». وينقل الواحدي عن الكلبي أن هذه الآية نزلت في اثني عشر رجلًا من الذين أنفقوا يوم بدر، وكان أبو جهل أحدهم[٣٨]، وهو الذي نحر عشرًا من إبله في تلك الواقعة[٣٩].
وقُتل أبو جهل في هذه المعركة نفسها، ونزلت فيه وفي قتلى بدر الآية: وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (الأنفال/50) «ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ويقولون: ذوقوا عذاب الحريق»[٤٠].
الوفاة
انتهت هذه المعركة بهزيمة المكيين[٤١]. وفيها قُتل أبو جهل، الذي كان قائدًا لجيش المشركين، على يد شابين أنصاريين صغيري السن هما: معاذ بن عمرو ومعاذ بن عفراء (أو عوف ومعوذ بن عفراء). وعندما كان لا يزال في رمق، فصل عبد الله بن مسعود رأسه عن جسده[٤٢].
ودُفن مع القتلى في بئر بدر[٤٣]. وقد فسّر المفسرون الآية 50 من سورة الأنفال بأنها نزلت في شأن أبي جهل و قتلى بدر: وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (الأنفال/50) «ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ويقولون: ذوقوا عذاب الحريق»[٤٤]!
كان النبي (صلّى الله عليه وآله) ينتظر خبر هلاك أبي جهل، إذ كان يعتبره رأسًا لزعماء الكفر وفرعون هذه الأمة[٤٥]، فلما بلغه الخبر حمد الله على تحقق وعده[٤٦]. وكان عمر أبي جهل عند مقتله 70 سنة[٤٧]. وقد ذكر المفسرون اسمه في تفسير الآية 55 من سورة الفرقان والآية 15 من سورة الليل، وعدّوه من مصاديق الكافرين[٤٨] وأهل الشقاوة[٤٩].
انظر أيضًا
الهوامش
- ↑ المحبّر، ص 139.
- ↑ المغازي، ج2، ص491.
- ↑ سيرة ابن هشام، ج2، ص623.
- ↑ دائرة المعارف الإسلامية، ج1، ص322. «أبو جهل».
- ↑ دائرة المعارف الإسلامية الكبرى، ج5، ص305. «أبو جهل».
- ↑ المحبّر، ص139.
- ↑ عيون الأخبار، ج1، ص230.
- ↑ الاشتقاق، ص155.
- ↑ أخبار مكّة، ج2، ص253.
- ↑ يعقوبي، ج2، ص37؛ الاشتقاق، ص155.
- ↑ جامع البيان، مج11، ج20، ص119
- ↑ السير والمغازي، ص210.
- ↑ التعريف، ص172.
- ↑ يعقوبي، ج2، ص28.
- ↑ التعريف، ص172.
- ↑ قرطبي، ج15، ص236.
- ↑ أسباب النزول، ص381؛ مجمع البيان، ج10، ص584.
- ↑ السير والمغازي، ص161 و166.
- ↑ سيرة ابن هشام، ج2، ص480؛ مجمع البيان، ج4، ص826.
- ↑ الطبقات، ج2، ص9؛ يعقوبي، ج2، ص45.
- ↑ سيرة ابن هشام، ج2، ص474.
- ↑ مجمع البيان، ج10، ص584.
- ↑ أسباب النزول، ص381 و382.
- ↑ جامع البيان، مج14، ج29، ص199؛ مجمع البيان، ج10، ص586.
- ↑ السير والمغازي، ص166.
- ↑ الاشتقاق، ص147؛ أنساب الأشراف ج1، ص141.
- ↑ جامع البيان، مج5، ج7، ص240.
- ↑ جمهرة أنساب العرب، ص145.
- ↑ العقد الفريد، ج2، ص386.
- ↑ المسعودي، مروج الذهب، ج 1، ص 277، بطون قريش.
- ↑ ابن سعد، الطبقات الكبرى، ترجمة، ج 7، ص 413.
- ↑ عيون الأخبار، ج 1، ص 333.
- ↑ الاشتقاق، ص 155.
- ↑ أخبار مكة، ج 2، ص 253.
- ↑ عيون الأخبار، ج 1، ص 333؛ الاشتقاق، ص 155.
- ↑ أنساب الأشراف، ج 1، ص 141.
- ↑ ابن كثير، ج 3، ص 211.
- ↑ أسباب النزول، ص 195.
- ↑ اليعقوبي، ج 2، ص 45.
- ↑ جامع البيان، مج 6، ج 10، ص 30؛ مجمع البيان، ج 4، ص 846.
- ↑ المغازي، ج 1، ص 53؛ السيرة النبوية، ج 1، ص 617.
- ↑ المغازي، ج 1، ص 91؛ أنساب الأشراف، ج 1، ص 147، 281.
- ↑ البداية والنهاية، ج 3، ص 292-293.
- ↑ جامع البيان، ج 10، ص 31؛ مجمع البيان، ج 4، ص 846.
- ↑ أنساب الأشراف، ج 1، ص 141.
- ↑ المغازي، ج 1، ص 91.
- ↑ أنساب الأشراف، ج 1، ص 130.
- ↑ جامع البيان، ج 19، ص 18؛ الدر المنثور، ج 5، ص 74.
- ↑ الكشاف، ج 4، ص 764.
