النفس الزكية
النَّفْسُ الزَّكِيَّة شخصية آخرالزمان في علم الأخبار الشيعية. وطبقًا للروايات الشيعية، هو شاب من آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن ذرية الحسين (عليه السلام). اسمه الحقيقي محمد بن الحسن. وقد ورد ذكر النفس الزكية بصفته وزيرًا للمهدي (عليه السلام)[١]. وبناءً على الروايات، فإنه يُقتل قبل ظهور المهدي بين الركن ومقام إبراهيم في المسجد الحرام. وقد قيل إن الفترة بين مقتله وقيام المهدي لن تزيد عن أربع عشرة أو خمس عشرة ليلة.
مقتل النفس الزكية
للنفس الزكية، مثل السفياني، وجودان. أحدهما يُقتل خلف الكوفة مع سبعين من أصحابه. والآخر، الذي يعد من العلامات الخمس الحتمية لظهور الإمام الثاني عشر لدى الشيعة، يُقتل عند دعوته الناس للمهدي الموعود بين الركن والمقام في المسجد الحرام. ويَخْرُج (أو يَظْهَر) إمام الشيعة بعد مقتله. والنفس الزكية من ذرية نبي المسلمين محمد بن عبدالله. ويعتقد البعض أن اسمه محمد أو محمد بن الحسن. وقتل النفس الزكية، بمعنى مقتل النفس الطاهرة، هو من علامات ظهور المهدي في روايات الشيعة. وقد صرحت بعض الروايات بحتمية وقوعه.
حتمية هذه العلامة
ورد في حديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) ذكر هذه الحادثة ضمن أربع علامات أخرى (الصيحة السماوية، وخروج السفياني، وخروج اليماني، وخسف البيداء) كعلامات حتمية للمنقذ: «مِنَ الْمَحْتُومِ الَّذِي لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ قِيَامِ الْقَائِمِ خُرُوجُ السُّفْيَانِيِّ وَ خَسْفٌ بِالْبَيْدَاءِ وَ قَتْلُ النَّفْسِ الزَّكِيَّةِ وَ الْمُنَادِي مِنَ السَّمَاءِ»[٢].
توقيت هذه الحادثة
في المعتقد الشيعي، بعد ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، يرسل شخصًا من أصحابه إلى أهل مكة ليدعوهم إلى قبول قيامه. وعندما يبدأ ذلك الشخص في الحديث، يهجم عليه أهل مكة ويقطعون رأسه: «يَقُولُ الْقَائِمُ لِأَصْحَابِهِ: يَا قَوْمِ، إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ لَا يُرِيدُونَنِي، وَلَكِنِّي مُرْسِلٌ إِلَيْهِمْ لِأُحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِمَا يَنْبَغِي لِمِثْلِي أَنْ يَحْتَجَّ عَلَيْهِمْ. فَيَدْعُو رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ فَيَقُولُ لَهُ: امْضِ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ فَقُلْ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ، إِنِّي رَسُولُ فُلَانٍ إِلَيْكُمْ، وَهُوَ يَقُولُ لَكُمْ: إِنَّا أَهْلُ بَيْتِ الرَّحْمَةِ وَمَعْدِنُ الرِّسَالَةِ وَالْخِلَافَةِ... فَإِذَا تَكَلَّمَ الْفَتَى بِهَذَا الْكَلَامِ أَتَوْا إِلَيْهِ فَذَبَحُوهُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، وَهِيَ النَّفْسُ الزَّكِيَّةُ»[٣]. يكون مقتل النفس الزكية بعد الظهور وقبل قيام الإمام المهدي بخمسة عشر يومًا. فقد روى الشيخ الصدوق بسنده عن الإمام الصادق (عليه السلام): «لَيْسَ بَيْنَ قِيَامِ قَائِمِ آلِ مُحَمَّدٍ وَبَيْنَ قَتْلِ النَّفْسِ الزَّكِيَّةِ إِلَّا خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً»[٤]. وفي حديث عن الإمام الباقر (عليه السلام)، حدد مكان هذا القتل في المسجد الحرام: «وَقُتِلَ غُلَامٌ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ النَّفْسُ الزَّكِيَّةُ...»[٥].
مقتل النفس الزكية من علامات ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) ويشير إلى مقتل أحد أصحاب الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) بجوار الكعبة. وبناءً على الروايات، فإن النفس الزكية من ذرية الإمام الحسين (عليه السلام) ويُقتل في المسجد الحرام قبل قيام الإمام المهدي (عجّل الله فرجه). وفي بعض الروايات، ذُكر مقتل النفس الزكية ضمن العلامات الحتمية للظهور. وقد احتمل الملا صالح المازندراني شارح الكافي أن السيد الحسني والنفس الزكية شخص واحد.
الشخصية
«النفس الزكية» (الإنسان الطاهر) شخص ورد في الروايات بأنه إنسان صالح تقي[٦]، وجُعل مقتله من علامات الظهور[٧]. وبناءً على الروايات، فهو من ذرية الإمام الحسين (عليه السلام)[٨] واسمه محمد بن الحسن[٩]. النفس الزكية من أصحاب الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) الذي يرسله لهداية أهل مكة. يقول الإمام المهدي لأصحابه: «أهل مكة لا يريدونني، ولكني أرسل إليهم من يحجّ عليهم». وعندما يعرّف النفس الزكية نفسه بأنه ممثل الإمام المهدي، يهجم عليه الناس ويقطعون رأسه بين الركن والمقام[١٠].
علامة حتمية للظهور
يقول الإمام الصادق (عليه السلام): «قَبْلَ قِيَامِ الْقَائِمِ خَمْسُ عَلَامَاتٍ مَحْتُومَاتٍ: الْيَمَانِيُّ وَالسُّفْيَانِيُّ وَالصَّيْحَةُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الزَّكِيَّةِ وَالْخَسْفُ بِالْبَيْدَاءِ»[١١]. وطبقًا لرواية عن الإمام الصادق (عليه السلام)، فإن مقتل النفس الزكية يعد -إلى جانب الصيحة السماوية وخروج السفياني وخروج اليماني وخسف البيداء- من العلامات الحتمية للظهور[١٢]. وروي في كمال الدين عن الإمام الصادق (عليه السلام) أن الفترة بين قيام قائم آل محمد ومقتل النفس الزكية هي خمس عشرة ليلة. وفي حديث عن الإمام الباقر (عليه السلام)، يكون مكان مقتله في المسجد الحرام بين الركن ومقام إبراهيم[١٣]. وقد احتمل الملا صالح المازندراني، شارح كتاب الكافي، في شرح حديث لعلامات الظهور، أن النفس الزكية هو نفسه السيد الحسني الذي يعد أيضًا من علامات الظهور[١٤]. ودليل هذا القول رواية تذكر مقتل الحسني على يد أهل مكة وإرسال رأسه للسفياني في أعقاب ظهور الإمام المهدي.
التطبيقات التاريخية
طبقًا للمصادر التاريخية، اعتقد بعض أنصار محمد بن عبدالله المحض (توفي سنة ۱٤۵ هـ) أنه هو النفس الزكية. وبعد استشهاد يحيى بن زيد، تمت المبايعة له -وقد لُقب بالنفس الزكية- على أنه المهدي. وقام سنة ۱٤۵ هـ ضد المنصور العباسي، وقُتل في منطقة أحجار الزيت قرب المدينة[١٥]. وفي بعض الروايات أيضًا ذكر مقتل نفسين زكيتين، واحدة في مكة والأخرى مع سبعين شخصًا خلف الكوفة (النجف)[١٦]. واحتمل الكوراني في كتابه "عصر الظهور" أن السيد محمد باقر الصدر (استشهد ۱۳۵۹ ش) هو النفس الزكية الذي -طبقًا للروايات- يستشهد خلف الكوفة[١٧].
قيام النفس الزكية
حدث قيام محمد النفس الزكية سنة ۱٤٥ هـ (۷٦۲–۷٦۳ م) ضد المنصور الدوانيقي الخليفة العباسي، وتم قمعه في نفس السنة وقُتل محمد بن عبدالله بن الحسن المثنى الملقب بالنفس الزكية.
تشكل هذا القيام على يد بني الحسن من آل علي (عليه السلام). قام محمد في المدينة وأخوه إبراهيم في البصرة. تم قمع محمد وقتله بعد أسبوعين فقط من قيامه على يد المنصور. وهُزم إبراهيم وقتل بعد ثلاثة أشهر في باخمرا. ساعد قمع هذا التمرد في تثبيت وضع العباسيين.
في أواخر الخلافة الأموية، اجتمع بنو هاشم ومنهم إبراهيم بن محمد بن علي بن عبدالله بن عباس، والمنصور الدوانيقي، وصالح بن علي، وعبدالله بن الحسن المثنى، وابناه محمد وإبراهيم، وكذلك محمد بن عبدالله بن عمرو بن عثمان؛ لتحديد قيادة تهدف للقيام ضد بني أمية. قدّم عبدالله بن الحسن المثنى ابنه محمد الملقب بالنفس الزكية -الذي اشتهر بالتقوى- وطلب من الحاضرين مبايعته بصفته المهدي. فبايعه الحاضرون ومنهم بنو عباس ومنهم المنصور الدوانيقي. وعارض الإمام جعفر بن محمد الصادق هذا الأمر وقال إنه ليس المهدي. وكتب البلاذري وآخرون أن الإمام الصادق تنبأ بأن الخلافة ستؤول لبني عباس، وطبقًا لبعض الروايات قال إن المنصور سيقتل ابني عبدالله بن الحسن. لكن عبدالله رفض ذلك وقال إن جعفر يقول هذا حسدًا لابنه. وفي زمن خلافة مروان الثاني، عندما أخذ دُعاة العباسيين في خراسان البيعة للناس من أجل إبراهيم الإمام، انفصل بنو عباس عن العلويين[١٨].
اشتهر محمد بكثرة زهده وعبادته وعلمه بالفقه والمعرفة. كان مرشحًا لدى مجموعة من بني هاشم لـ الخلافة بعد الأمويين، لكنه لم يصل إلى هذا المنصب بعد تفوّق بني عباس. لكن مع بداية حكم العباسيين، ظهرت دعم شعبي له بين الناس وحتى العلماء وأهل الحديث[١٩]. خرج محمد سنة ۱٤٥ هـ، ودخل المدينة مع مائتين وخمسين رجلاً، فبايعه الناس بناءً على فتوى مالك بن أنس. دعاه المنصور أولاً للصلح، لكن محمد رفض، وذهب مع قلّة من أصحابه الذين ثبتوا على بيعته لقتال جيش الخليفة، فهُزم وقُتل.
الهوامش
- ↑ تفسير العياشي: ج ۱ ص ۱۶۴؛ بحار الأنوار: ج ۵۲، ص ۲۲۳؛ البرهان في تفسير القرآن: ج ۱، ص ۳۵۰.
- ↑ الغيبة للنعماني، ص ۲٦٤.
- ↑ بحار الأنوار، ج ۵۲، ص ۳۰۷.
- ↑ كمال الدين وتمام النعمة، ج ۲، ص ٦٤۹.
- ↑ كمال الدين، ج ۱، ص ۳۳۱.
- ↑ محمدي ري شهري، دانشنامه الإمام المهدي، ۱۳۹۳ ش، ج ۷، ص ٤۳۸.
- ↑ النعماني، الغيبة، ۱۳۹۷ ق، ص ۲٦٤.
- ↑ العياشي، تفسير العياشي، ۱۳۸۰ ق، ج ۱، ص٦۵.
- ↑ الشيخ الصدوق، كمال الدين، ۱۳۹۵ ق، ج ۱، ص ۳۳۱، ح ۱٦.
- ↑ العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ۱٤۰۳ ق، ج ۵۲، ص ۳۰۷.
- ↑ الصدوق، كمال الدين، ۱۳۹۵ ق، ج ۲، ص ٦۵۰، ح ۷.
- ↑ النعماني، الغيبة، ۱۳۹۷ ق، ص ۲٦٤، ح ۲٦؛ الشيخ الصدوق، كمال الدين، ۱۳۹۵ ق، ج ۲، ص ٦٤۹، ح ۱.
- ↑ الشيخ الصدوق، كمال الدين، ۱۳۹۵ ق، ج ۱، ص ۳۳۱، ح ۱٦.
- ↑ المازندراني، شرح الكافي، ۱۳۸۲ ق، ج ۱۲، ص ٤۱٤.
- ↑ أبو الفرج الأصفهاني، مقاتل الطالبيين، دار المعرفة، ص ۲۰۷.
- ↑ العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ۱٤۰۳ ق، ج ۵۲، ص ۲۷۳.
- ↑ الكوراني، عصر الظهور، ۱٤۰۸ ق، ص ۱۲٦.
- ↑ موقع حوزة
- ↑ جعفريان، رسول (۱۳۸۷). تاريخ التشيع في إيران من البدء حتى القرن العاشر الهجري طهران، ج 1، ص۷۰.
المصادر
- الكوراني العاملي، الشيخ علي؛ معجم أحاديث الإمام المهدي (ع)، قم، مؤسسة المعارف الإسلامية، ۱٤۱۱ ق.
- كمال الدين وتمام النعمة، محمد بن علي الصدوق، الأول، بيروت، الأعلمي، ۱٤۱۲ ق.
- بحار الأنوار، العلامة المجلسي، مؤسسة الوفاء، بيروت، الطبعة الثانية، ۱٤۰۳ ق.
- كتاب الغيبة، محمد بن إبراهيم النعماني، تحقيق علي أكبر غفاري، طهران، مكتبة الصدوق، [د.ت].
- تفسير العياشي، محمد بن مسعود العياشي، تحقيق رسولي محلاتي، طهران، المكتبة العلمية الإسلامية [د.ت].
- أبو الفرج الأصفهاني، علي بن الحسين، مقاتل الطالبيين، تحقيق السيد أحمد صقر، بيروت، دار المعرفة، [د.ت].
- سليميان، خدامراد، فرهنگنامه المهدوية، قم، المؤسسة الثقافية للحجة بن الحسن الموعود، الطبعة الثانية، ۱۳۸۸ ش.
- الشيخ الصدوق، محمد بن علي، كمال الدين وتمام النعمة، تصحيح علي أكبر غفاري، طهران، الإسلامية، الطبعة الثانية، ۱۳۹۵ ق.
- العلامة المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثانية، ۱٤۰۳ ق.
- العياشي، محمد بن مسعود، تفسير العياشي، تصحيح رسولي محلّاتي، طهران، المطبعة العلمية الإسلامية، ۱۳۹۰ ق.
- الكوراني، علي، عصر الظهور، مركز نشر مكتب الإعلام الإسلامي، الطبعة الأولى، ۱٤۰۸ ق.
- المازندراني، الملا محمد صالح بن أحمد، شرح الكافي - الأصول والروضة، تصحيح أبو الحسن الشعراني، طهران، المكتبة الإسلامية، ۱۳۸۲ ق.
- محمدي ري شهري، محمد، دانشنامه الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، قم، دار الحديث، ۱۳۹۳ ش.
- النعماني، محمد بن إبراهيم، الغيبة، تصحيح علي أكبر غفاري، طهران، نشر الصدوق، ۱۳۹۷ ق.

