الشمائل المحمدية (كتاب)
الشمائل المحمدية، المعروف أيضًا باسم الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية، كتاب حديثي ألّفه المحدّث أبو عيسى الترمذي (209-279هـ)، ويتناول الصفات الخَلقية والخُلقية للنبي محمد (ص)، وأحوال حياته الشخصية والاجتماعية والعبادية. ويُعدّ الكتاب من أشهر المصنفات المستقلة في علم شمائل النبي، ومن المصادر المهمة التي اعتمد عليها الباحثون في دراسة السيرة النبوية والتعرّف على صفات الرسول وسيرته اليومية.
جمع الترمذي في هذا الكتاب روايات تتعلق بمظهر النبي (ص)، وهيئته ولباسه ومأكله ومشربه ومشيته وكلامه وعبادته وأخلاقه وتعامله مع الناس، مع إيراد أسانيد الأحاديث والتعليق على بعضها من حيث الرواية والدلالة.[١]
المؤلف
هو محمد بن عيسى بن سَوْرة الترمذي، المعروف بأبي عيسى الترمذي، أحد كبار محدّثي القرن الثالث الهجري. ولد سنة 209هـ، ونشأ في بيئة علمية، وارتحل في طلب الحديث، وأخذ العلم عن عدد من أئمة الحديث، منهم محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج وغيرهما.
اشتهر الترمذي بكتابيه سنن الترمذي والشمائل المحمدية، كما عُرف بعنايته بنقد الأسانيد وبيان درجات الأحاديث واختلاف الفقهاء. توفي سنة 279هـ.
تسمية الكتاب ونسبته
اشتهر الكتاب باسم «الشمائل المحمدية»، كما طُبع وعُرف في بعض المصادر باسم «شمائل النبي» و«الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية». ونُسب إلى الإمام الترمذي، واشتهرت نسبته إليه في كتب الحديث والتراجم، ونقل عنه عدد من المحدّثين والعلماء.
ويُقصد بمصطلح الشمائل مجموع الصفات والخصائص المتعلقة بالنبي (ص)، سواء أكانت صفات خَلقية، كهيئته ومظهره، أم صفات خُلقية، كالتواضع والحلم والكرم والحياء والرحمة.
محتوى الكتاب وبنيته
قسّم الترمذي كتابه إلى 56 بابًا، وجعل لكل باب عنوانًا يشير إلى موضوع الأحاديث الواردة فيه. وتتناول هذه الأبواب جوانب متعددة من حياة النبي (ص)، بدءًا من صفاته الجسدية ومظهره الخارجي، وصولًا إلى أخلاقه وعبادته ومعاملاته وسيرته في الحياة اليومية.
ومن أبرز الموضوعات التي تناولها الكتاب:
الصفات الخَلقية والمظهر الخارجي
يتناول هذا القسم الروايات المتعلقة بخلقة النبي (ص)، ووصف وجهه ولونه وطوله وبنيته، وشعره وشَيْبه، وخاتم النبوة، وكيفية ترجيل شعره واكتحاله.
اللباس والهيئة الشخصية
يشتمل الكتاب على أحاديث تتعلق بلباس النبي (ص)، وخفّه ونعليه وخاتمه وعمامته وإزاره ودرعه وسيفه ومغفره، كما يورد روايات عن مشيته وجلسته وطريقة اتكائه.
الطعام والشراب والحياة اليومية
يعرض الترمذي أحاديث تصف طعام النبي (ص) وشرابه، وطريقة أكله، وما كان يتناوله من الأطعمة والفاكهة، وكيفية تعامله مع الطعام والشراب، إلى جانب ما يتعلق بأثاثه وفراشه ونمط معيشته.
الأخلاق والصفات السلوكية
يتناول الكتاب مجموعة من الصفات الأخلاقية للنبي (ص)، مثل التواضع والحياء والكرم والحلم والرفق والرحمة، كما يورد روايات عن كلامه وضحكه ومزاحه وطريقة تعامله مع أصحابه والناس.
العبادة والحياة الروحية
يتضمن الكتاب أحاديث عن صلاة النبي (ص)، وعبادته وصيامه وقراءته للقرآن الكريم وبكائه من خشية الله، وتهجده وتطوعه، وما كان عليه من الاجتهاد في العبادة.
أحوال النبي وسيرته
يشتمل القسم الأخير من الكتاب على روايات تتعلق بسنّه ووفاته وما تركه من ميراث، إلى جانب موضوعات أخرى مرتبطة بحياته وخصائصه.
منهج المؤلف
اعتمد الترمذي في تأليف الشمائل على جمع الروايات المسندة التي تصف حياة النبي (ص) وصفاته، مع ترتيبها في أبواب موضوعية تسهّل على القارئ الرجوع إلى الموضوع المطلوب.
ويمكن إبراز أهم ملامح منهجه فيما يأتي:
1. الترتيب الموضوعي: رتّب المؤلف الأحاديث في أبواب متتابعة، بحيث يتناول كل باب جانبًا محددًا من جوانب حياة النبي (ص)، الأمر الذي أضفى على الكتاب طابعًا موضوعيًا واضحًا.
2. إيراد الأسانيد: أورد الترمذي أسانيد الروايات، وذكر أسماء الرواة الذين نقلوا الأحاديث، مما يتيح دراسة طرق نقل الأخبار المتعلقة بشمائل النبي.
3. التعليق على الروايات: لم يقتصر المؤلف على نقل الأحاديث، بل علّق على بعض الروايات بالشرح والبيان، وأشار في مواضع متعددة إلى أحوال الأسانيد واختلاف الرواة، وبيّن بعض وجوه التصحيح والتضعيف والترجيح.
4. الجمع بين الصفات الخَلقية والخُلقية: لم يحصر الترمذي موضوع الكتاب في وصف الهيئة الجسدية للنبي (ص)، بل جمع إلى ذلك أخبار أخلاقه وعبادته ومعاملاته وسلوكه اليومي، ولذلك يقدم الكتاب صورة متعددة الجوانب عن شخصيته وسيرته.
5. تنوع المرويات: يضم الكتاب أحاديث مرفوعة إلى النبي (ص)، إلى جانب بعض الآثار الموقوفة على الصحابة والتابعين.
وقد بلغ عدد النصوص المسندة في الكتاب، مع احتساب المكرر، نحو 415 نصًا وفق إحدى الطبعات المعتمدة، مع اختلاف الأعداد بحسب طريقة التحقيق والترقيم.[٢]
مكانة الكتاب العلمية
احتل كتاب الشمائل المحمدية مكانة بارزة في التراث الإسلامي، وأصبح من المراجع الأساسية في دراسة الصفات الشخصية والأخلاقية للنبي محمد (ص). وتنبع أهميته من جمعه عددًا كبيرًا من الروايات التي تتناول جوانب الحياة النبوية، مما يجعله مصدرًا مهمًا للمحدّثين والفقهاء والباحثين في السيرة النبوية والأخلاق الإسلامية.
كما أسهم الكتاب في نشوء تقليد علمي مستقل في التصنيف حول شمائل الرسول (ص)، حيث ألّف علماء مسلمون بعد الترمذي كتبًا ومصنفات تناولت أوصاف النبي وخصائصه وفضائله، واستفادوا من الروايات الواردة في هذا الكتاب وغيره من المصادر الحديثية.
ولا يعني اشتمال الكتاب على الروايات المسندة الحكم بصحة جميع أحاديثه؛ إذ تتفاوت الروايات الواردة فيه من حيث القوة والضعف، ولذلك اعتنى المحدّثون بدراسة أسانيده وتخريج أحاديثه وبيان درجاتها.
شروح الكتاب والعناية به
حظي كتاب الشمائل المحمدية باهتمام واسع من العلماء، فظهرت له شروح وتعليقات ومختصرات وترجمات إلى لغات مختلفة. ومن أبرز الأعمال المرتبطة به:
- المواهب اللدنية على الشمائل المحمدية: شرح ألّفه إبراهيم الباجوري (ت 1277هـ)، وتناول فيه أحاديث الكتاب بالشرح والتوضيح.
- جمع الوسائل في شرح الشمائل: من الشروح المعروفة للكتاب، ألّفه علي بن سلطان القاري (ت 1014هـ).
- أشرف الوسائل إلى فهم الشمائل: من الأعمال التي اعتنت بشرح روايات الكتاب وبيان معانيها.
- شرح الشمائل المحمدية: ظهرت دروس وشروح حديثة متعددة تناولت أبواب الكتاب وأحاديثه، مع بيان معاني الألفاظ وتخريج الروايات.
كما اعتنى المحققون المعاصرون بضبط نص الكتاب ومقابلة نسخه وتخريج أحاديثه وبيان اختلاف الروايات.
طبعات الكتاب
طُبع الكتاب مرات عديدة، وتنوعت طبعاته من حيث التحقيق والتعليق والتخريج. ومن أبرز الطبعات:
- طبعة تحقيق عزت عبيد الدعاس، صدرت سنة 1968م.
- طبعة تحقيق ماهر ياسين الفحل، بإشراف بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 2000م.
- طبعة تحقيق عصام موسى هادي، دار الصديق، الجبيل، الطبعة الثالثة، 1434هـ/2013م.
- طبعة تحقيق سيد بن عباس الجليمي، المكتبة التجارية، مكة المكرمة، 1413هـ/1993م.
الفرق بين الشمائل المحمدية وجامع الترمذي
يختلف كتاب الشمائل المحمدية عن كتاب سنن الترمذي من حيث الموضوع والغاية. فالأول مصنّف مستقل يتناول صفات النبي (ص) وأخلاقه وهيئته وأحوال حياته اليومية، بينما يضم جامع الترمذي أحاديث متنوعة في أبواب العبادات والمعاملات والعقيدة والتفسير والفضائل وغيرها من موضوعات الحديث والفقه.
وعلى الرغم من اختلاف موضوع الكتابين، فإنهما يشتركان في اعتماد الرواية المسندة، وفي عناية مؤلفهما ببيان بعض أحوال الأحاديث وأسانيدها.
انظر أيضًا
المصادر والمراجع
- الترمذي، محمد بن عيسى، الشمائل المحمدية، تحقيق ماهر ياسين الفحل، بإشراف بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 2000م.
- الترمذي، محمد بن عيسى، الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية، تحقيق سيد بن عباس الجليمي، المكتبة التجارية، مكة المكرمة، 1413هـ/1993م.
- الترمذي، محمد بن عيسى، الشمائل المحمدية، تحقيق عصام موسى هادي، دار الصديق، الجبيل، 1434هـ/2013م.
- الباجوري، إبراهيم، المواهب اللدنية على الشمائل المحمدية.
- القاري، علي بن سلطان، جمع الوسائل في شرح الشمائل.