انتقل إلى المحتوى

سنن الترمذي (كتاب)

من ویکي‌وحدت

سنن الترمذي، المعروف أيضًا باسم جامع الترمذي أو الجامع الكبير، هو أحد كتب الحديث النبوي الستة المعتمدة لدى جمهور علماء أهل السنة والجماعة. ألّفه المحدّث والفقيه أبو عيسى الترمذي (209-279هـ)، وجمع فيه أحاديث النبي محمد (ص)، مرتبةً على أبواب الفقه والعقيدة والأخلاق والتفسير وغيرها من موضوعات العلوم الإسلامية. ويتميّز الكتاب بذكر درجات الأحاديث، وبيان عللها، والإشارة إلى اختلاف آراء الفقهاء والمحدّثين في المسائل التي تتناولها.[١]

المؤلف

هو محمد بن عيسى الترمذي، المعروف بأبي عيسى الترمذي، من أبرز محدّثي القرن الثالث الهجري. ولد سنة 209هـ، ونشأ في بيئة علمية، وارتحل في طلب الحديث إلى عدد من مراكز العلم في العالم الإسلامي، وتتلمذ على أيدي كبار المحدّثين، ومن أشهر شيوخه محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج وأبو داود السجستاني.

اهتم الترمذي بجمع الحديث النبوي ونقد أسانيده ورجاله، كما عُرف بعنايته بفقه الحديث ومذاهب العلماء. ومن أشهر مؤلفاته الأخرى كتاب الشمائل المحمدية. توفي سنة 279هـ في بلدة بوغ، من نواحي ترمذ.[٢]

تسمية الكتاب

اشتهر هذا المصنّف باسمين رئيسيين هما «جامع الترمذي» و«سنن الترمذي». ويُعرف كذلك باسم «الجامع الكبير». وتدل تسميته بالجامع على اشتماله على أبواب متعددة من موضوعات الدين، بخلاف بعض كتب السنن التي يتركز ترتيبها بصورة أساسية على أحاديث الأحكام الفقهية.

ويُذكر في بعض المصادر عنوانه المطوّل: «الجامع المختصر من السنن عن رسول الله (ص) ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل». ويعكس هذا العنوان اهتمام المؤلف بجمع الروايات، وبيان مراتبها الحديثية، والإشارة إلى ما استقر عليه عمل الفقهاء.[٣]

محتوى الكتاب وبنيته

يتناول الكتاب طيفًا واسعًا من الموضوعات الحديثية، وقد رتّب الترمذي أحاديثه في أبواب موضوعية، مبتدئًا بأبواب الطهارة والصلاة، ثم الزكاة والصوم والحج وسائر أبواب العبادات والمعاملات، وصولًا إلى موضوعات العقيدة والتفسير والفتن والزهد والرقائق والفضائل.

ومن أبرز موضوعاته:

  • أبواب الطهارة والصلاة والجمعة والعيدين.
  • أبواب الزكاة والصوم والحج والجنائز.
  • أبواب النكاح والطلاق والبيوع والأحكام.
  • أبواب الحدود والديات والجهاد والسير.
  • أبواب الأطعمة والأشربة واللباس والطب.
  • أبواب القدر والفتن والتفسير والدعوات.
  • أبواب المناقب والفضائل والزهد وصفة القيامة والجنة والنار.

ويضم الكتاب نحو 4400 حديث مع احتساب المكرّر، وفق تقسيم إحدى الطبعات الإلكترونية المتداولة، وقد يختلف عدد الأحاديث والأبواب باختلاف الطبعات وطرق الترقيم.[٤]

منهج المؤلف

يُعدّ منهج الترمذي في تصنيف كتابه من أبرز أسباب أهميته في الدراسات الحديثية والفقهية. فلم يقتصر على جمع الروايات وإيراد أسانيدها، بل اعتنى بالتعليق عليها ونقدها وبيان اختلاف العلماء في فهمها والعمل بها. ويمكن إبراز أهم ملامح منهجه فيما يأتي:

تصنيف الأحاديث وبيان درجاتها

كان الترمذي يذكر عقب كثير من الأحاديث أحكامًا حديثية تتعلق بدرجة الرواية، مستخدمًا مصطلحات مثل «صحيح» و«حسن» و«غريب» و«حسن صحيح». كما كان يوضح أحيانًا مواضع الضعف أو الاختلاف في الإسناد، ويشير إلى الروايات التي وقع فيها التفرد أو الاختلاف بين المحدّثين.

ويُعدّ إسهامه في استعمال مصطلح «الحسن» وتطبيقه في نقد الروايات من الجوانب المهمة في تاريخ علم مصطلح الحديث.

العناية بعلل الحديث

لم يكتفِ الترمذي بإيراد الأحاديث، بل أشار في مواضع متعددة إلى عللها واختلاف الرواة في أسانيدها وألفاظها، وبيّن بعض أوجه الاضطراب والتفرد والانقطاع. وتظهر هذه العناية بوضوح في تعليقاته النقدية وفي كتابه الملحق بالجامع المعروف بكتاب العلل.

بيان مذاهب الفقهاء

من الخصائص البارزة للكتاب أن مؤلفه كان يذكر، بعد إيراد الحديث في كثير من الأبواب، آراء عدد من الصحابة والتابعين والفقهاء، ويشير إلى مواضع الاتفاق والاختلاف بينهم. وقد يذكر مذاهب أهل العلم في المسألة، ثم يبيّن ما ورد فيها من روايات وأوجه الاستدلال.

ولهذا لا تقتصر أهمية الكتاب على الجانب الروائي، بل يُعدّ مصدرًا مهمًا لدراسة العلاقة بين الحديث النبوي والفقه الإسلامي، وتاريخ الاختلاف الفقهي بين المدارس العلمية.

الإشارة إلى العمل بالحديث

كان الترمذي يهتم ببيان ما جرى عليه عمل أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ويشير إلى اختلافهم في العمل ببعض الروايات. وقد أورد في كتاب العلل الملحق بجامعه كلامًا يوضح فيه عنايته بالأحاديث التي استند إليها الفقهاء في أحكامهم، مع استثناء روايتين أشار إليهما في ذلك السياق.

الاختصار والتعليق على الأسانيد

اعتمد الترمذي أسلوبًا يجمع بين إيراد الإسناد والمتن والتعليق النقدي، مع تجنب الإطالة غير الضرورية في كثير من المواضع. كما اعتنى بذكر أسماء بعض الرواة وكنَاهم وبيان أحوالهم، والإشارة إلى الاختلاف في الرواية عنهم.

مكانة الكتاب العلمية

احتل جامع الترمذي مكانة بارزة في التراث الحديثي الإسلامي، وأُدرج ضمن الكتب الستة، وهي المجموعات الحديثية التي حظيت بمكانة خاصة لدى علماء أهل السنة. ويُعدّ من أهم المراجع في دراسة الحديث النبوي وأحكام الفقه واختلاف العلماء.

وتنبع أهميته من الجمع بين الرواية والدراية؛ إذ يتيح للباحث الاطلاع على الحديث وإسناده، ومعرفة حكم المؤلف عليه، والوقوف على بعض علله، إلى جانب التعرف على آراء الفقهاء في المسائل المرتبطة به.

ومع ذلك، لا تقتضي مكانة الكتاب ضمن الكتب الستة الحكم بصحة جميع أحاديثه؛ فقد اشتمل على أحاديث صحيحة وحسنة وضعيفة، وكان الترمذي يبيّن مراتب كثير منها ويناقش أحوال عدد من رواياته. ولذلك اهتم علماء الحديث بشرح الكتاب ودراسة أحاديثه ونقد أسانيده.

شروح الكتاب واهتمام العلماء به

حظي جامع الترمذي بعناية واسعة من المحدّثين والفقهاء، فظهرت له شروح ومختصرات وكتب تتناول أحاديثه ورجاله وعلله. ومن أبرز الأعمال المرتبطة به:

  • عارضة الأحوذي في شرح صحيح الترمذي: ألّفه ابن العربي المالكي (ت 543هـ)، وهو من الشروح المعروفة للكتاب.
  • تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: ألّفه عبد الرحمن المباركفوري (ت 1353هـ)، ويُعدّ من أشهر شروح جامع الترمذي المتداولة في العصر الحديث.
  • العلل الكبير: من المصنفات المرتبطة بمنهج الترمذي في نقد الحديث وبيان علله.
  • العلل الصغير: وهو ملحق بجامع الترمذي، ويتضمن مباحث تتصل بمصطلح الحديث ومنهج المؤلف في التصنيف والنقد.

الطبعات

طُبع جامع الترمذي في طبعات متعددة، وتفاوتت هذه الطبعات في التحقيق والترقيم والتعليق والفهارس. ومن الطبعات المتداولة:

  • طبعة دار الغرب الإسلامي، بتحقيق بشار عواد معروف، بيروت، 1996م.
  • طبعة وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد السعودية، 1421هـ.
  • طبعة دار التأصيل، القاهرة، 1437هـ.

وقد أسهمت الطبعات المحققة في تسهيل الرجوع إلى أحاديث الكتاب ومقارنة الروايات وضبط النصوص وتوثيقها.

انظر أيضًا

المصادر والمراجع

  • الترمذي، محمد بن عيسى، الجامع الكبير (سنن الترمذي)، تحقيق بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1996م.
  • الترمذي، محمد بن عيسى، العلل الصغير، الملحق بجامع الترمذي.
  • الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء، ترجمة أبي عيسى الترمذي.
  • ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، تهذيب التهذيب، ترجمة محمد بن عيسى الترمذي.
  • حاجي خليفة، مصطفى بن عبد الله، كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون.
  • المباركفوري، عبد الرحمن، تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي.

وصلات خارجية

  1. ↑ الترمذي، محمد بن عيسى، الجامع الكبير (سنن الترمذي)، وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، 1421هـ.
  2. ↑ الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء، ترجمة الإمام الترمذي.
  3. ↑ حاجي خليفة، مصطفى بن عبد الله، كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، مادة جامع الترمذي.
  4. ↑ جامع الترمذي، فهرس الأبواب، موقع السنة (Sunnah.com).