إسماعيل راجي الفاروقي
إسماعيل راجي الفاروقي (1921-1986م) عالم ومفكر فلسطيني متخصص في الأديان المقارنة، يُعدّ من أوائل من اهتموا بمشروع المعرفة الإسلامية، وقد انتُخب كأول رئيس لـالمعهد العالمي للفكر الإسلامي. استُشهد هو وزوجته لمية الفاروقي طعنًا بالسكين في الولايات المتحدة المتحدة الأمريكية في ليلة شهر رمضان 1406هـ الموافق 27 مايو 1986م.
المولد والنشأة
وُلد عام 1921م في مدينة يافا بـفلسطين ضمن عائلة ثرية ذات أصول فلسطينية. كان والده يعمل قاضيًا في الطب الشرعي، وقد عزم على تربية ابنه وفق منهج التعليم المدني الحديث، كما جرت عادة بعض العائلات الفلسطينية الثرية؛ لذا أرسله إلى مدرسة الدومينيكان الفرنسية (سانت جوزيف).
التحصيل العلمي
حصل عام 1936م على شهادة الثانوية من مدرسة الدومينيكان الفرنسية (سانت جوزيف)، ثم التحق بكلية الآداب والعلوم في الجامعة الأمريكية في بيروت، حيث نال درجة البكالوريوس في الفلسفة عام 1941م. وبعد تخرجه، عمل في بعض الوظائف الحكومية تحت الانتداب البريطاني. ومع اندلاع الحرب في فلسطين عام 1948م، شارك في بعض العمليات الجهادية، غير أنه ومع انتهاء الحرب وإقامة الدولة اليهودية[١] غادر إلى الولايات المتحدة الأمريكية لمواصلة دراسته. فحصل بين عامي 1949 و1951م على درجة الماجستير في الفلسفة، ثم نال درجة الدكتوراه من جامعة إنديانا عام 1952م عن أطروحته المعنونة: «الجوانب الميتافيزيقية والمعرفية للقيم».
السفر إلى مصر
رغم حصول الفاروقي على أعلى الشهادات الأكاديمية، إلا أنه شعر بنقص في المعرفة والإدراك، لذا توجه إلى القاهرة وأمضى نحو أربع سنوات في دراسة العلوم الإسلامية من مصادرها الأصلية في جامعة الأزهر، مما عزز فهمه العميق وتمثله للتراث المعرفي الإسلامي. وقد اختار ابن تيمية (توفي 728هـ) مرجعًا له في القضايا الفكرية.[٢]
وإلى جانب التأثيرات الإسلامية خلال إقامته في القاهرة، تأثر لفترة ببعض الأفكار الناصرية، وآمن بفكرة القومية العربية، إذ اعتقد –بناءً على رؤيته الإسلامية واستعراضه التاريخي لدور العرب في نشر الإسلام– أن للعرب تفوقًا على غيرهم. غير أن هذا التفوق –برأيه– يختلف عن القومية بمفهومها الغربي، فهو لا يهدف إلا إلى خدمة نشر الدين.
غير أن فشل المشروع القومي لجمال عبد الناصر والهزيمة السياسية في حرب يونيو (1967م) دفعت الفاروقي إلى العودة الجذرية إلى الإسلام، فلم يعد يذكر القومية العربية في كتاباته اللاحقة.
المؤلفات
بعد انتهاء فترة دراسته، عاد إلى الولايات المتحدة، ومنذ أواخر خمسينيات القرن العشرين عمل أستاذًا لفلسفة الأديان في عدد من الجامعات الأمريكية والغربية، وألف فيها مؤلفات بارزة. صدر له كتاب بالعربية بعنوان «الملل اليهودية المعاصرة»، كما أصدر كتبًا بالإنجليزية لم تُترجم إلى العربية، منها:
- الأطلس التاريخي لأديان العالم (Historical Atlas of the Religions of the World)؛
- الأديان الآسيوية الكبرى (The Great Asian Religions)؛
- الأخلاق المسيحية (Christian Ethics)؛
- أصول الصهيونية في الدين اليهودي؛
- الإسلام ومشكلة إسرائيل (Islam and The Problem of Israel).
وقد أشاد المفكر عبد الوهاب المسيري بهذه الكتب في موسوعته (اليهود واليهودية والصهيونية)، معتبرًا إياها مساهمة تتجاوز الطرح السياسي إلى الفهم المعرفي لظواهر تتعلق باليهود.
وتدور بقية إنتاجه الفكري حول محور الحضارة الإسلامية، الذي جمعه في موسوعة ضخمة بعنوان «أطلس الحضارة الإسلامية»، والتي تُرجمت إلى العربية بعد وفاته. وقد أراد من خلال هذا الكتاب بيان جوهر الحضارة الإسلامية وأسسها وخصائصها وتميزها عن غيرها، مع التأكيد على مكانة التوحيد في تشكيل هذه الحضارة بجميع جوانبها، حتى المادية منها.
أما أهم كتبه على الإطلاق فهو الكتاب الصادر بالإنجليزية بعنوان: (Al Tawhid; Its Implications for Thought and Life)، أي: «التوحيد وآثاره في الفكر والحياة».
كما له مؤلفات تركز على أسلمة العلوم والمعرفة، مما يجعله من أوائل المنظرين في هذا المجال. وقد قام المعهد العالمي للفكر الإسلامي ودورية «المسلم المعاصر» بترجمة ونشر بعض هذه الأعمال.
وللفاروقي مجموعة مهمة من الأبحاث والدراسات بالإنجليزية، نُشرت بعد وفاته على يد عطاء الله صديقي تحت عنوان: (Islam and Other Faiths) أي: «الإسلام وسائر الأديان». كما تُرجمت بعض كتبه الأخرى إلى الإنجليزية على يد آخرين، مثل كتاب «حياة محمد» لمحمد حسين هيكل.
بارقةُ فكرِ المعرفةِ الإسلامية
حافظَ الدكتورُ الفاروقي، خلالَ إقامتِه في أمريكا، وعلى الرغمِ من جهودِه العلميةِ والأكاديميةِ الحثيثة، على ارتباطِه بقضايا العالمِ الإسلامي ولا سيَّما العلومُ الإسلامية، وأثبتَ أنَّ الابتعادَ عن الوطنِ لا يعني الانقطاعَ عنه أو اللامبالاةَ بشؤونِه والسعيَ من أجلِه. وعليه، أسَّسَ عامَ 1972م، بالاشتراكِ مع بعضِ أعضاءِ رابطةِ الطلابِ المسلمين، «جمعيَّةَ العلماءِ الاجتماعيينَ المسلمين»، وتولَّى رئاستَها منذُ تأسيسِها حتى عامِ 1978م. ومن خلالِ المناقشاتِ والحواراتِ العلميةِ التي دارت في إطارِ هذه الجمعيَّة، توصَّلَ إلى فكرَةِ «المعرفةِ الإسلامية». وقد أدَّت هذه الفكرةُ إلى تأسيسِ «المعهدِ العالميِّ للفكرِ الإسلامي» في الولاياتِ المتَّحدةِ عامَ 1981م.
نظريَّةُ المعرفةِ الإسلامية
تركتِ المحاولاتُ المتعثِّرةُ للإصلاحِ أثرًا عميقًا في الفاروقي وفي أمثالِه من العلماءِ المسلمين في الغرب، الذين تمكَّنوا بفضلِ إقامتِهم في الغربِ من الوقوفِ، من جهةٍ، على واقعِ التخلُّفِ في المجتمعِ الإسلامي، ومن جهةٍ أخرى، على مدى التناقضِ بينَ التصوُّراتِ الغربيةِ والإسلاميةِ للمعرفة. وحسبَ قولِهم، فإنَّ noneَ من المصلحينَ السابقينَ كان بإمكانِه تحمُّلُ هذا التناقض: «إنَّ جيلَنا هو الذي اكتشفَ هذا التناقضَ حينَ عاشَه. غيرَ أنَّ ما يُؤلمُ الروحَ هو انتهاكُ روحِ الرؤيةِ الإسلاميةِ في جامعاتِ العالمِ الإسلامي؛ ولهذا السببِ نُحذِّرُ العالمَ الإسلاميَ من هذه المصيبة، ونسعى ولأوَّلِ مرَّةٍ في التاريخِ إلى تطويرِ خطةٍ لمواجهةِ آثارِ هذا الفهمِ الخاطئ، وإعادةِ التعليمِ الإسلامي إلى منهجِه الصحيح».[٣]
تأسيسُ المعهدِ العالميِّ للفكرِ الإسلامي
أسَّسَ عامَ 1981م «المعهدَ العالميَّ للفكرِ الإسلامي» في واشنطن، وتولَّى رئاستَه منذُ تأسيسِه حتى وفاتِه عامَ 1986م. وقد حجَّجَ مؤسِّسو هذا المعهدِ بأنَّ الأزمةَ التي تعاني منها الأمَّةُ الإسلاميةُ هي أزمةٌ فكريَّةٌ في جوهرِها، وأنَّ الأزماتِ السياسيةَ والاقتصاديةَ والاجتماعيةَ ما هي إلَّا نتائجُ لها. وقد قدَّموا رؤيةً يمكنُ وصفُها بأنَّها فريدةٌ من نوعِها. فقد تبنَّى الفاروقي، بنظرتِه النقديَّةِ للمعرفةِ الغربية، ولأوَّلِ مرَّةٍ (على الأقلِّ في العالمِ العربي) الاستراتيجيةَ المعروفةَ بـ«المعرفةِ الإسلامية»، وبذلك تصادمتِ الرؤيةُ والهيكلُ والأساسُ بينَ النظرتين.
فلسفةُ المعرفةِ الغربية
يُعدُّ الفاروقي من أوائلِ من بحثوا في الأسسِ الفلسفيةِ للمعرفةِ الغربية وقارنوها بالأسسِ الإسلامية، وتوصَّلَ من خلالِ هذه المقارنةِ إلى وجودِ فروقاتٍ لا يمكنُ إنكارُها، وأنه مع وجودِ هذا الاختلافِ لا يمكنُ اعتبارُ المعرفةِ الغربيةِ إسلاميةً بشكلٍ مطلق. ففي النظرةِ الغربيةِ يسودُ الاعتقادُ بأنَّ ما لا يُرى لا يمكنُ أن يكونَ مصدرًا للمعرفة، وأنَّ العلمَ لا يصدقُ إلَّا على الحقائقِ الموضوعيةِ القابلةِ للإدراكِ الحسِّي، الخاليةِ من أيِّ توجُّهٍ أخلاقيٍّ أو قيمي، وأنَّ هدفَها النهائيَّ هو إشباعُ الحاجاتِ الماديةِ للإنسان.
فلسفةُ المعرفةِ الإسلامية
على العكسِ من ذلك، فإنَّ المعرفةَ الإسلامية، التي يرى الفاروقي أنَّها تقومُ على مبدأِ «وحدةِ الحقيقة»، تعني أنَّ اللهَ تعالى هو مصدرُ المعرفة، وأنَّ وحيَه الإلهيَّ، مقترنًا بصفاتِه، يتضمَّنُ بعضَ الآياتِ الكونيةِ (الحقائقَ الموضوعية)، وأنَّه لا تعارضَ بينَ الوحي من جهةٍ والعقلِ والعلمِ من جهةٍ أخرى؛ بل إنَّ العقلَ هبةٌ من الله للإنسان، وهو مُكلَّفٌ بمواءمةِ أوامرِ الوحي معَ القوانينِ الحاكمةِ للطبيعة. ويحاججُ بأنَّ هناك حاجزًا يمنعُ المعرفةَ الإسلاميةَ من الانزلاقِ إلى إنكارِ وجودِ الله، أو نهبِ الطبيعة، أو الادِّعاءِ بالسيطرةِ عليها. كما أنَّ إطارَ القيمِ والأخلاقِ الناتجَ عن الوحي يُعدُّ مصدرًا للعلمِ والمعرفة، وأنَّ الأخلاقَ تتعلَّقُ بالمجتمعِ والأمَّة؛ لأنَّها مجموعةٌ من الضوابطِ الحاكمةِ لعلاقةِ الفردِ بالجماعة، ولا يمكنُ أن ينحصرَ نطاقُ تطبيقِها في الدائرةِ الفرديةِ فحسب.
الإسلام والأديان الأخرى
تميز الفاروقي بتخصصه في فلسفة الأديان، وقد أسهم إسهامًا بارزًا في توضيح نظرة الإسلام إلى الأديان الأخرى. فبحسب الفهم الإسلامي، تُعدّ ظاهرة النبوة ظاهرة شاملة ومتكررة، وقعت حسب الزمان والمكان، وإن الله تعالى لا يُحاسب البشر إلا بعد أن يبعث إليهم رسولًا.
يرى الإسلام أن الأديان التوحيدية، كاليهودية والمسيحية، تشترك معه في جوهر التوحيد: «لا يرى الإسلام في اليهودية والمسيحية آراءً متناقضة مع نفسه يجب تحملها، بل هما دينان أنزلهما الله ووحيه إلى البشر، ومكانتهما ليست سياسية أو ثقافية أو حضارية، بل دينية. والإسلام دين فريد في هذا المجال، إذ لا يوجد دين في العالم يجعل الإيمان بحقيقة الأديان الأخرى شرطًا مسبقًا لإيمانه وشهادته أمام الناس.»[٤]
وقد أحرم الإسلام أتباع الأديان التوحيدية وغير التوحيدية، ومنح في الدولة الإسلامية جميع الحقوق لمتبعي هذه الأديان على حد سواء. فلكل فرد الحق في البقاء على معتقده، أو مناقشته مع الآخرين، كما له الحق في رفض الدعوة إلى الإسلام والبقاء على دينه. ويمكنهم ممارسة شعائرهم الدينية وتقاليدهم ومعتقداتهم ما داموا يلتزمون بها ضمن نطاقهم الخاص دون تعميمها على المجتمع العام.
نظرته التنويرية ومنهجه المنفتح
تميز الدكتور الفاروقي بنظرة منفتحة وشاملة للإسلام، تعكس وعيه العميق بمتطلبات العصر. سعى إلى إقامة علاقة جديدة بين العالم الإسلامي وغيره، متجنبًا التعصب وأسباب النفور. وقد ترك أفكاره أثرًا واضحًا على عدد من الباحثين الشباب من الجيل الثاني في الدراسات الإسلامية، منهم إبراهيم زين ولوي صافي. تميزت أفكاره بالانفتاح، خاصة تجاه الآخر، إذ كان ينظر إلى الناس بوصفهم بشرًا يتمتعون بكامل حقوق الإنسان، بغض النظر عن دينهم أو جنسهم.[٥]
الوفاة
في 27 مايو 1986م الموافق رمضان 1406هـ، قُتل الفاروقي وزوجته لويس في منزلهما ببنسلفانيا. فقد اقتحم رجل أمريكي من أصل أفريقي شقتهما وطعنهما حتى الموت. وقد اعترف جوزيف لويس يونغ بارتكاب الجريمة، وحُكم عليه بالإعدام، ثم توفي في السجن لأسباب طبيعية عام 1996م.[٦] وكان القاتل يصرخ أثناء ارتكاب الجريمة قائلًا: «إن وحيًا نزل عليّ بأن أقتل الفاروقي». وتشير الأدلة إلى ارتباط الموساد بهذه الجريمة؛ إذ إن شخصًا يهوديًا ادعى اهتمامه بالدراسات الإسلامية قد زار القاتل قبل يوم من وقوع الجريمة وأقام معه اتصالًا.
وقال هشام الطالب من معهد الفكر الإسلامي: «حاولتُ على مدى سنوات التواصل مع القاتل أثناء وجوده في السجن، لكنهم منعوني من مقابلته، حتى توفي الرجل بسبب المرض، فأُغلق الملف تمامًا».
وضع المعهد
بعد أحداث 11 سبتمبر، تعرض المعهد لهجوم من قبل أجهزة الأمن الأمريكية، حيث صودرت جميع الوثائق وأجهزة الكمبيوتر وعدة أطنان من الأوراق، كما تعرض العاملون فيه لمضايقات شديدة. ورغم إنفاق مبالغ طائلة على محامين لتبرئة أنفسهم من التهم الموجهة إليهم، إلا أنهم لم يتمكنوا من تحقيق تبرئة كاملة.[٧]
انظر أيضًا
روابط خارجية
إسماعيل راجي الفاروقي في موقع المكتبة المفتوحة
الهوامش
- ↑ Ismail Raji Al Faruqi, Islam and The Problem of Israel, Kuala Lumpur, The Other Press, 2003, pp 112-114
- ↑ من مقدمة هشام الطالب للطبعة المعربة من كتاب أطلس الحضارة الإسلامية: إسماعيل راجي الفاروقي، أطلس الحضارة الإسلامية، الرياض، مكتبة العبيكان، 1998، ص 16
- ↑ إسماعيلُ راجي الفاروقي، إسلاميَّةُ المعرفة: المبادئُ العامَّة، خطَّةُ العمل، الإنجازات، ص 52
- ↑ إسماعيل راجي الفاروقي، أطلس الحضارة الإسلامية، الرياض، مكتبة العبيكان، 1998م، ص 279.
- ↑ فاطمة حافظ، إسماعيل راجي الفاروقي: قراءة في الرؤية الإصلاحية والمشروع المعرفي، المسلم المعاصر، العدد 131، يونيو 2009م
- ↑ "Black Muslim Charged in Slaying of Islamic Scholar and His Wife"، نيويورك تايمز، 18 يناير 1987م، مؤرشف من الأصل في 2 يوليو 2018م.
- ↑ Markon, Jerry, "Muslim Anger Burns Over Lingering Probe of Charities", واشنطن بوست، 11 أكتوبر 2006م، تاريخ الاطلاع: 27 يناير 2010م، نسخة محفوظة 24 مارس 2018 على موقع واي باك مشين.
