أحکام الشك

من ویکي‌وحدت

أحکام الشك: وهو التردّد في أمرين متقابلين لا ترجيح لوقوع أحدهما على الآخر في النفس، وأنّه مطلق الاحتمال الذي لم يرق لمستوى الظن المعتبر. والمقصود بالبحث هنا ذکر أقسامه و أحکامه المرتبطة بالفقه.

أحكام الشك

للشک أحکام نذکرها فيما يلي:

1 ـ حكم الحالة التي يكون فيها الشكّ بدويا أو مقرونا بالعلم الإجمالي

كلّ حالة يكون الشكّ فيها شكّا بدويا تجري عليها أصالة البرائة القائلة بعدم وجوب الاحتياط [١]؛ وذلك لأنّ الشارع المقدّس لا يهتمّ بالتكاليف المشكوكة إلى الدرجة التي تحتم الاحتياط على المكلّف.
والدليل على ذلك: نصوص كثيرة أشهرها النبوي القائل: «رفع عن اُمتي ما لا يعلمون»، بل استدلّ ببعض الآيات على ذلك كقوله تعالى: «وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً» [٢].
فإنّ الرسول يفهم كمثال على البيان و الدليل، فتدلّ الآية المباركة على أنّه لا عقاب بدون دليل. وأمّا إذا كان الشكّ مقرونا بالعلم الإجمالي الذي هو علم بأحد أمرين وشكّ في هذا وشكّ في ذاك، فلا يمكن شموله لأصالة البراءة؛ لأنّ شمولها لكلا الطرفين معا يؤدّي إلى براءة الذمّة مِن كليهما، كصلاة الظهر والجمعة، وهذا يتعارض مع حجّية القطع بوجوب أحد الأمرين؛ لأنّ حجّية القطع تفرض الاتيان بأحد الأمرين على أقلّ تقدير، فلو حكم الشارع بالبراءة في كلّ من الطرفين فهذا معناه الترخيص منه في مخالفة العلم، وهو مستحيل.
وشمول أصالة البرائة لأحد الطرفين المشكوكين ترجيح بلا مرجح، وهذا يعني أنّ كلّ طرف مشكوك من أطراف العلم الإجمالي يبقى مندرجا ضمن قاعدة الاحتياط. ومن هنا يعرف الفرق بين الشك البدوي والشكّ الناتج عن العلم الإجمالي، فالأوّل يدخل ضمن نطاق أصالة البراءة، والثاني يدخل في نطاق أصالة الاحتياط، فيجب الإتيان بكلا المشكوكين عقلاً [٣].

2 ـ حكم حالة الشكّ بين الجزئية والمانعية

إذا تردد أمر شيء بين كونه جزءاً من الواجب أو مانعا عنه فمرجع ذلك إلى العلم الإجمالي بوجوب زائد متعلّق إمّا بالتقيّد بوجود ذلك الشيء أو بالتقيّد بعدمه، وفي مثل ذلك يكون هذا العلم الإجمالي منجزا، وتتعارض أصالة البرائة عن الجزئية مع أصالة البراءة عن المانعية، فيجب على المكلّف الاحتياط بتكرار العمل مرة مع الاتيان بذلك الشيء ومرّة بدونه. هذا فيما إذا كان في الوقت متسع وإلاّ جازت المخالفة الاحتمالية بملاك الاضطرار، وذلك بالاقتصار على أحد الوجهين [٤].
ومثاله: ما لو علم المكلّف باعتبار السورة في الصلاة إلاّ أنّه شكّ في أنّ المعتبر هل هو وجود السورة في الصلاة أو أنّ المعتبر عدم السورة في الصلاة، فيكون وجودها مانعا عن صحّة الصلاة.
وقد يقال: إنّ هذا العلم الإجمالي المذكور غير منجز ولا يمنع عن جريان البراءة عن الجزئية، وكذلك جريان البراءة عن المانعية معا بناءً على بعض صيغ الركن الرابع لتنجيز العلم الإجمالي، وهي الصيغة القائلة: بأنّ تعارض الأصول في المقام لا يمكن أن يؤدّي إلى المخالفة القطعية العملية؛لأنّ المكلّف إمّا أن يأتي بذلك المشكوك أو يتركه، وعلى كلّ من التقديرين تكون المخالفة احتمالية.
نعم، قد تحصل المخالفة القطعية بترك الصلاة رأسا إلاّ أنّ هذا ممّا لا إذن فيه من قبل الأصلين؛ لأنّها مخالفة قطعية على كلّ حال، فما يثبت بالأصلين من الترخيصين لا يمكن أن يؤدّي إلى المخالفة القطعية العملية [٥].

3 ـ حكم تعارض الاستصحابين بين ما إذا كان الشكّ في أحدهما مسببا عن الشكّ في الآخر

إذا تعارض استصحابان وكان الشكّ في أحدهما مسببا عن الشكّ في الآخر، فاللازم [٦] تقديم الاستصحاب السببي على الاستصحاب المسببي، ومثاله: استصحاب طهارة الماء المغسول به ثوب نجس، فإنّ الشكّ في بقاء نجاسة الثوب وارتفاعها مسببة عن الشكّ في بقاء طهارة الماء وارتفاعها، فيستصحب طهارته ويحكم بارتفاع نجاسة الثوب [٧]؛ لوجوه:
منها: الإجماع على ذلك، فإنّه لا يحتمل الخلاف في تقديم الاستصحاب في الملزومات الشرعية كالطهارة مِن الحدث والخبث، وكرية الماء، وحياة المفقود، ونحو ذلك على استصحاب عدم لوازمها الشرعية [٨].
ومنها: الارتكاز العرفي وعمل العقلاء على التقديم؛ لأنّهم إذا علموا بطهارة ماء أو كريته ولو كان حكما ظاهريا، رتبوا عليه الحکم، برفعه للحدث والخبث، ولايلتفتون إلى ما يقابلها مِن استصحاب بقاء النجاسة [٩].
ومنها: إنّ قوله عليه‌السلام : «لاتنقض اليقين بالشكّ» باعتبار دلالته على جريان الاستصحاب في الشكّ السببي، مانع عن قابلية شموله لجريان الاستصحاب في المسببي، يعني أن نقض اليقين به يصير نقضا بالدليل لا بالشكّ، فلا يشمله النهي في «لا تنقض»، واللازم من شمول «لا تنقض» للشكّ المسببي نقض اليقين في مورد الشكّ السببي لا لدليل شرعي يدلّ على ارتفاع الحالة السابقة فيه.
فيلزم من إهمال الاستصحاب في الشكّ السببي طرح عموم «لا تنقض» مِن غير مخصص، وهو باطل. واللازم من إهماله في الشكّ المسببي عدم قابلية العموم لشمول المورد، وهو غير منكر [١٠].

4 ـ المرجع عند الشكّ في الحجّية

لا ينبغي الشكّ في أنّ الأصل عدم الحجّية عند الشكّ فيها؛ لأنّ الشكّ في الحجية مساوق للقطع بعدمها، لا بمعنى أنّ الشكّ في إنشاء الحجّية مساوق للقطع بعدم انشائها؛ إذْ الشيء لا يكون مساوقا لضدّه أو نقيضه، والشكّ في الوجود ضد للقطع بالعدم، فلا يجتمعان، بل بمعنى أنّ الشكّ في الحجّية ملازم للقطع بعدم الحجّية الفعلية، بمعنى عدم ترتّب آثار الحجّية؛ لأنّ الحجّة لها أثران:
الأوّل: صحّة الاستناد إليها في مقام العمل.
والثاني: صحّة إسناد مؤدّاها إلى الشارع.
وهذان الأثران لا يترتبان مع الشكّ في الحجية؛ لأنّ الاستناد إلى مشكوك الحجّية في مقام العمل وإسناد مؤدّاه إلى الشارع تشريع عملي وقولي دلّت على حرمته الأدلّة الأربعة.
وحينئذٍ، لابدّ من الرجوع إلى ما تقتضيه الأصول العملية المناسبة لمورد الشكّ إذا لم يكن هناك دليل اجتهادي أو إطلاق أو عموم [١١].

المصادر

  1. . اُنظر: مقالات الاُصول العراقي 2: 263، نهاية الأفكار 3: 255، دروس في علم الاُصول 1: 148.
  2. . الإسراء: 15.
  3. . دروس في علم الاُصول 1: 148، واُنظر: اُصول الفقه المظفر 3 ـ 4: 271 ، الرافد في علم الاُصول : 35، دروس في اُصول فقه الإمامية 1 : 263.
  4. . دروس في علم الاُصول 2: 443، واُنظر: مصباح الاُصول 2: 336.
  5. . بحوث في علم الاُصول 5: 364، واُنظر: فوائد الاُصول 4: 48.
  6. . فرائد الاُصول 3: 394، واُنظر: بحوث في علم الاُصول الهاشمي 6: 353 ـ 354.
  7. . وخالف في ذلك بعض، كالشيخ في المبسوط 1: 239، والمحقّق في المعتبر 2: 598.
  8. . فرائد الاُصول 3: 394.
  9. . اصطلاحات الاُصول المشكيني: 154.
  10. . فرائد الاُصول 3: 395.
  11. . اُنظر: في ذلك: مصباح الاُصول تقرير بحث الخوئي للبهسودي، 2: 113، فوائد الاُصول 3: 123، دروس في علم الاُصول 1: 206، 207.