حول الوحدة الإسلامية

إنّ محاور هذا البحث الرئيسية في موضوع الوحدة الإسلامية هي : تعريف الوحدة الإسلامية ـ أركان وأُسس وعناصر الوحدة ـ مقوّمات الوحدة ومقوّمات صيانتها ـ تحدّيات وموانع الوحدة ـ الحلول العلمية والسياسية لوحدة الأُمّة الإسلامية ـ مبرّرات أمل تحقّق الوحدة .

صورة تعبيرية

تعريف الوحدة

أمّا تعريفها : فقد عرّفها مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيّد علي الخامنئي بأنّها : مفهوم أساس في الإسلام ، ومبدأ يشكّل واحدة من القواعد التي تقوم عليها فلسفة الإسلام الاجتماعية ونظرته العامّة إلى الكون والحياة .

وعرّفها الشيخ محمّد علي التسخيري الأمين العامّ السابق للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية بأنّها : التعاون بين أتباع المذاهب الإسلامية على أساس المبادئ الإسلامية المشتركة الثابتة والأكيدة ، واتّخاذ موقف موحّد من أجل تحقيق الأهداف والمصالح العليا للأُمّة الإسلامية والموقف الموحّد تجاه أعدائها ، مع احترام التزامات كلّ مسلم تجاه مذهبه عقيدة وعملاً .

وعرّفها الأمين العامّ السابق للمجمع الشيخ محمّد واعظ زادة الخراساني بأنّها : وحدة كلمة الأُمّة تجاه قضاياها الأساسية وأهدافها المشتركة ، ووقوفها صفّاً واحداً أمام الاعداء ، وهي الغاية القصوى والغرض الأقصى .

وعرّفها الشيخ عبد الأمير قبلان نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان بأنّها : ما بدأت من الاعتراف بالآخر وجوداً وفكراً ، وما سعت لفعل تواصلي حواري ، ينمّي المشترك ، ويحدّد نقاط التغاير ، ويسعى نحو ترسيخ مستوى الفهم والاعتراف وفق أُصوله الموضوعية والعلمية ، وأهمّ وسائل المفهوم الحضاري للوحدة احترام التنوّع وقيم التسامح وحقوق الإنسان في المحيط الاجتماعي السائد .

وعرّفها الدكتور أحمد عمر هاشم عضو مجمع البحوث الإسلامية بمصر ورئيس جامعة الأزهر سابقاً بأنّها : اتّحاد الدول أو البلاد والأفراد في أُمور حياتهم ومعاشهم ومسيرتهم وغايتهم ، وبموجبها يصبح الجميع وحدة واحدة أو أُمّة واحدة .

وقريب من هذا التعريف تعريف الدكتور عبد العزيز الخيّاط وزير الأوقاف في المملكة الأردنية الهاشمية سابقاً .

وأخيراً عرّفها الشيخ تاج الدين الهلالي مفتي مسلمي أُستراليا سابقا بأنّها : تحقيق أمر الله تعالى بتوحيد الكلمة القائمة على كلمة التوحيد ، بأن يكون المسلمون جميعاً تحت راية خلافة أو حكومة ، تكون لهم قيادة إسلامية أو سيادة واحدة ، فلا تفصل بينهم حواجز ولا حدود مصطنعة.

هذا ، وللأُستاذ حيدر كامل حبّ الله اللبناني كلام لطيف في المقام أسماه بأزمة المفهوم ، ليس هنا محلّ ذكره .

كما أنّه توجد في بعض التعاريف السابقة بعض الإشكالات ، حيث إنّ بعضها يشير إلى أسباب المناداة بالوحدة الإسلامية والأهداف المرجوّة منها والوسائل المتاحة دونما أن يشير إلى تحديد مفهومها الاصطلاحي تحديداً دقيقاً ، وبقية الكلام في محلّه .

أركان وعناصر الوحدة

وأمّا الأركان والأُسس والعناصر التي تقوم عليها الوحدة الإسلامية : فمنها :

1 ـ التمسّك بالأُصول الإسلامية الثابتة ذات القواسم المشتركة .

2 ـ القبول بالمسؤولية المشتركة والعمل ، وهذه القبولية لها شرطان : تعرّف الإسلام ولو على نحو الإجمال ، والعلم بما يجري على المسلمين والساحة الإسلامية .

3 ـ وحدة العبودية والأُلوهية .

4 ـ وحدة الولاية ، يقول تعالى : ( إِنّما وَليِّكُم الله وَرَسُولِهِ وَالَّذينَ آمَنُوا الّذينَ يُقِيمونَ الصّلاةُ ويُؤتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ رَاكِعُون ) ( سورة المائدة : 55 ) ، فإنّ الولاء الحقّ لله وحده ولمن يأمر الله تعالى بولائه ، وهذا الولاء الثاني يأتي في امتداد الولاء الأوّل ، والولاء من مقولة التوحيد ، وتوحيد الولاء من مقوّمات وحدة الأُمّة .

5 ـ وحدة النسيج الاجتماعي للولاء ، فهذا الولاء يربط المؤمنين بعضهم ببعض في شبكة ولائية واحدة ، لا تنفصم ولا تتجزّأ ، وقد يصطلح عليه بالبعد الأُفقي للولاء ، وهو أيضاً من مقولة التوحيد ، قال تعالى : ( إنّ الّذينَ آمَنُوا وَهَاجَروا وَجَاهَدوا بِأَمْوالَهُم وَأَنْفُسِهِم فِي سَبِيلِ الله وَالَّذينَ آووا وَنَصَروا أُولئِكَ بَعْضَهُم أَوْلياء بَعض ) ( سورة الأنفال : 72 ) ، فالمؤمنون نسيج واحد على اختلاف لغاتهم وأوطانهم .

6 ـ وحدة الطاعة السياسية والإدارية لأولياء أُمور المسلمين بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) ، وهم أئمّة المسلمين ، ووحدة الطاعة تستبطن : وحدة القرار ، ووحدة النظام السياسي ، ووحدة الصفّ ، ووحدة الكلمة والموقف السياسي ، وهذه الوحدات من مقوّمات الوحدة الإسلامية .

7 ـ وحدة البراءة ، وهي الوجه الآخر لوحدة الولاء ، وهذه الوحدة واجبة ، كما يجدها مَن يطالع سورة « الكافرون » ، ويمكن تجسيد هذه الوحدة اليوم في توحيد موقف البراءة السياسي والاقتصادي والعسكري والإعلامي والثقافي ضدّ الكيانات الاستكبارية الظالمة التي تعلن العداء للإسلام والمسلمين .

8 ـ وحدة المسؤولية والرقابة الشاملة ، فبها تتجسّد وحدة الأُمّة في الاهتمام والتعاون والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

9 ـ وحدة الحصانة والحرمة ، فإنّ كلّ مسلم حرام على مسلم آخر ماله ودمه وعرضه ، فهذه الوحدة تحصّن المسلمين جميعاً بعضهم من بعض .

كما أنّ من الأركان والأُسس الكفيلة بتحقيق الوحدة والتي تبتني عليها أواصر الأُخوّة . وهي : العقيدة ، والعمل والاتّباع ، والقيادة ، والهدف المشترك ، والخصال الحميدة المشتركة ، والوحدة الثقافية .

وتفصيل العناصر كالتالي :

الأوّل : وحدة العقيدة.

لا بدّ للأُمّة الواحدة أن تكون لها أُصول اعتقادية واحدة ، وهذه الأُصول لدى الأُمّة الإسلامية بإجماع كلّ علماء المذاهب : التوحيد ، والنبوّة ، والمعاد . وإنكار واحد من هذه الأُصول أو عدم الإيمان به يخرج الفرد من دائرة الإسلام بإجماع العلماء وبنصّ القرآن والسنّة ، وإذا كانت ثمّة أُصول أُخرى فهي أُصول المذهب ، لا أُصول الدين ، كالإمامة لدى الشيعة والعدل لدى الشيعة والمعتزلة . والاعتقاد بهذه الأُصول الثلاثة كاف لإيجاد وحدة عقائدية بين أبناء الأُمّة الإسلامية .

وتوجد هنا ثلاث ملاحظات :

الملاحظة الأُولى : من المؤكّد أنّ المعرفة الإجمالية بأُصول الدين هذه والإيمان بها على حدّ المفهوم المشترك العامّ هو المقدار المطلوب ، وليست المفاهيم التفصيلية لهذه الأُصول . والعلماء قد تعمّقوا فيها وفرّعوها وأدخلوها في دراسات كلامية وفلسفية ، ولذلك حدثت مذاهب في الأُصول . لكن هذه التفاصيل المذهبية لا ارتباط لها في إيمان المسلم بأُصول دينه ، فهذه التفاصيل لا تتجاوز عادة جدران قاعات الدرس وبطون الكتب ، ولا تخرج عامّة الأُمّة المسلمة التي تنتمي اسمياً إلى هذا المذهب أو ذاك .

فعليه الملاك في دخول الفرد دائرة الإسلام وشرط تحقّق الوحدة الإسلامية الإيمان بهذه الأُصول على المستوى البسيط المفهوم لدى عامّة الناس ، لا بالفروع المعقّدة الكلامية والفلسفية التي نشأت في قرون متأخّرة بين الفلاسفة وعلماء الكلام . وبدون ذلك لا تتحقّق وحدة العقيدة ; لأنّ الجدل الكلامي خلال القرون المتوالية أدّى إلى مزيد من الاختلاف العلمي ، ولم يحقّق أيّ اتّفاق ، فالتفاصيل الكلامية ليست إذن ملاك اتّفاق المسلمين ، والاختلاف فيها لا يضرّ بوحدة العقيدة بين المسلمين .

الملاحظة الثانية : لا شكّ أنّ أيّ مذهب إسلامي ملتزم بالإيمان بهذه الأُصول ، وإنكار أيّ واحد منها يخرج المذهب من دائرة الإسلام ، ولا نعتقد أنّ بين المذاهب الإسلامية اليوم مذهباً ينكر صراحة أحد هذه الأُصول . نعم ، في بعض المذاهب النادرة غير المعروفة عقائد يلزمها إنكار واحد من هذه الأُصول ، لكنّ أتباع هذه المذاهب غير ملتزمين بهذه الملازمة ، ولا يعتقدون أنّ عقائد مذهبهم الخاصّة تستلزم إنكار أحد هذه الأُصول . فملاك الكفر والخروج من الإسلام هو الإنكار الصريح ، لا الإنكار بالملازمة ، والخلط بين العقيدة الصريحة والعقيدة الملازمة للعقيدة الصريحة من آفات المذاهب ومن عوامل تراشق التهم بينها .

الملاحظة الثالثة : المذاهب المستحدثة التي تنكر خاتمية محمّد (صلى الله عليه وآله) ، وتدّعي وحياً جديداً وكتاباً جديداً ـ وإن ادّعت الإيمان بالإسلام وبأنّها من الفرق الإسلامية ـ هي خارجة عن الإسلام قطعاً ; لأنّها لا تلتزم بنهج الإسلام ، بل لها نهج آخر ونبي آخر وكتاب آخر ، وكلّ ذلك يجعلها في جهة متعارضة مع الأُصول الإسلامية .

الثاني : وحدة العمل والاتّباع (وحدة الشريعة) .

يلزم اتّباع المنهج الإسلامي في الفروع بمقدار ما اتّفقت عليه جميع المذاهب الإسلامية وفرضه الكتاب وأوجبته السنّة بوضوح ودون أيّ إبهام .

ولا يوجد مذهب من المذاهب الإسلامية المعروفة ينكر الصلاة والصوم والزكاة والحجّ والجهاد . ونقل صاحب « دعائم الإسلام » بطرق مختلفة ما يقرّر أنّ هذه الأعمال من أُسس الإسلام . ولو أنكر فرد وجوب واحد من هذه الأعمال صراحة ( لا بالملازمة ) فإنّه يخرج من ربقة الإسلام . والحدّ اللازم لدخول الفرد في دائرة المسلمين ولتحقّق وحدة الأُمّة المسلمة هو الالتزام بالحدّ المتّفق عليه من هذه الفروع ، كأن يؤدّي الصلوات الخمس بعدد ركعاتها المنصوصة ، ويحجّ بأداء المتّفق عليه من المناسك ، أمّا شروط وآداب هذه الأعمال المختلفة عليها بين المذاهب فلا دخل لها في الحدّ اللازم المذكور ; لأنّها ناشئة من اختلاف اجتهاد المجتهدين ، والاختلاف فيها لا يضرّ بإسلام الفرد ولا بوحدة المسلمين .

الثالث : وحدة القيادة .

للقيادة في الإسلام مصداقان : أحدهما صامت وخالد ، والآخر حيّ ومتغيّر .

القيادة الصامتة هي بإجماع المسلمين كتاب الله وسنّة رسوله ، ولا يوجد بين المذاهب الإسلامية من ينكر قيادتهما ، وهما دعامتان هامّتان لوحدة المسلمين ، والقرآن يطلق على كتاب الله المنزّل اسم الإمام ، يقول : ( وَكُلَّ شَيْء أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَام مُبِين ) ( سورة يس : 12 ) ، و : ( وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً ) ( سورة الأحقاف : 12 ) ، والرسول (صلى الله عليه وآله)إمام الأئمّة ، إطاعته لا تنفكّ عن إطاعة الله سبحانه . وقيادة القرآن والسنّة بمعنى الهداية والإرشاد والتعليم والتربية .

ودين الفطرة إذ يؤكّد على ضرورة إجماع المسلمين على القرآن والسنّة يجيز الاختلاف فيهما في حدود خاصّة ، والاختلاف فيهما له مجالات :

الأوّل : اختلاف المجتهدين في مفهوم ومنطوق الكتاب والسنّة وفي حدود وشروط حجّيتهما ، وأمثال ذلك من البحوث المطروحة في المذاهب الكلامية والفقهية . وهذا الاختلاف لا يتعارض مع أصل اتّفاق المسلمين على حجّة الكتاب والسنّة .

الثاني : الاختلاف في الصدور ، ويرتبط بالسنّة فقط ; لأنّ صدور جميع الأحاديث المروية غير قطعي ، وربّ رواية صحّت في نظر عالم ولم تصحّ في رأي عالم آخر . ولا يصدق ذلك على الكتاب ; لتواتر جميع ألفاظه وآياته . نعم ، في القرآن اختلاف طفيف يرتبط بالناسخ والمنسوخ ودلالة الألفاظ ، ويشمل هذا الاختلاف السنّة أيضاً .

والاختلاف بين السنّة والشيعة في سنّة رسول الله إنّما هو اختلاف في المقدّمة الصغرى لا الكبرى على حدّ تعبير المنطقيّين ، فالفريقان متّفقان على حجيّة السنّة وأنّها واجبة الاتّباع كالقرآن ، والاختلاف في أنّ هذا القول من السنّة أم لا .

أمّا القيادة الحيّة المتحرّكة فتتمثّل أوّل ما تتمثّل في شخص القائد الأوّل رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فهو إضافة إلى إمامته الدينية قائد المجتمع الإسلامي وزعيمه السياسي ، وكلّ المسلمين يؤمنون بذلك ، وظهر الاختلاف بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، قال قوم من أهل السنّة : إنّ الإمامة بعد الرسول أمر سياسي لا ديني ، وقال أكثرهم : إنّها منصب ديني ، لكنّهم لم يجعلوها ضمن أُصول الإسلام . والشيعة على العكس من ذلك آمنوا أنّ القيادة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) يجب أن يتواصل فيها ما كان موجوداً في شخص القائد الأوّل من الجمع بين السمة الدينية والسياسية ، واعتبروا الإيمان بها أصلاً من أُصول المذهب ، فهي في رأيهم تتواصل عبر الأئمّة الاثني عشر ، ثمّ الفقهاء الذين تتوفّر فيهم شروط التقوى .

والقيادة في المفهوم الإسلامي تجمع بين السياسة والدين ، ومن أركان الدين ، ولها الدور الهامّ في استمرار الدعوة الإسلامية واستتباب حاكمية الدين وفي وحدة الأُمّة الإسلامية ، خاصّة لو عرفنا أنّ « الأُمّة » و« الإمامة » من جذر لغوي واحد .

الرابع : وحدة الهدف .

إنّ وحدة الهدف مثل وحدة العقيدة ووحدة العمل ووحدة القيادة تشكّل أصلاً إسلامياً هامّاً ، غير أنّها وردت في النصوص الإسلامية بلغة التوجيهات الأخلاقية ولغة الحثّ على اكتساب المكارم والفضائل ، لكنّها لغة فيها تأكيد على أهمّية الهدف وعلى عدم افتراق الهدف عن المسؤولية المشتركة ، يقول سبحانه : ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلْنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ ) ( سورة آل عمران : 110 ) ، فامتياز هذه الأُمّة وأهمّ خصائصها مسؤولية الدعوة والإيمان بالله ، ولأهمّية هذه المسؤولية قدّمها على الإيمان بالله سبحانه .

ويمكن تلخيص أهداف الإسلام والمسؤوليات المشتركة التي يحملها المسلمون لبلوغ هذه الأهداف فيما يلي :

1 ـ الفلاح والفوز في الدارين وكسب رضا الله سبحانه . وعبارة ( لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )تتكرّر في القرآن بعد كثير من الأوامر والتعاليم .

2 ـ استتباب حاكمية الدين في الأرض : ( وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ ) ( سورة البقرة : 193 ) ، ( لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ) ( سورة الفتح : 28 ) .

3 ـ استتباب حاكمية عباد الله الصالحين في الأرض : ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) ( سورة الأنبياء : 105 ) ، ( وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ) ( سورة القصص : 5 ) .

4 ـ السعي لإشاعة الخير والمعروف وإزالة المنكر والشرّ والفساد . وآيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تنحو هذا الاتّجاه .

5 ـ إنقاذ المستضعفين والمحرومين : ( وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ ) ( سورة النساء : 75 ) .

6 ـ فتح مغاليق أسرار الخلقة ; للتعمّق في فهم عظمة الخالق ، وهذا الهدف يذكره القرآن لدى حديثه عن عظمة الكون وعجائب الطبيعة .

7 ـ إزالة الفتنة من الأرض : ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ )( سورة البقرة : 193 ) .

8 ـ تنمية الإحساس بالمسؤولية المشتركة الإسلامية ، والاهتمام بأمر المسلمين ، والمواساة بينهم ، واتّحادهم مقابل الأعداء : « من أصبحّ ولم يهتمّ بأُمور المسلمين فليس بمسلم » ، « المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه » ، « . . . وهم يد واحدة على مَن سواهم » ، وأمثالها من الروايات المشهورة تخلق هذه المشاعر الإنسانية .

9 ـ إحلال روح الأُخوّة الإسلامية بين المسلمين ، حتّى أنّ الفرد المسلم يتمنّى لغيره ما يتمنّاه لنفسه ، وأنّ المؤمنين بمثابة نفس واحدة : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)( سورة الحجرات : 10 ) .

الخامس : الوحدة في الخصال ومكارم الأخلاق .

من الطبيعي أنّ المجموعة البشرية المشتركة في عقائدها وأعمالها وأهدافها وقيادتها تشترك أيضاً في الخصال والملكات النفسية . وكثير من النصوص تبيّن هذه الوحدة الأخلاقية والاشتراك الروحي بين المسلمين حين تتحدّث عن صفات المؤمنين مثل الصدق والأمانة والوفاء بالعهد وعفّة البطن والفرج وأمثالها . ولا يمكن أن نتوقّع بلوغ المسلمين جميعاً مستوى واحداً في هذه الخصال ، كما أنّهم لا يرتفعون إلى مستوى واحد من العقيدة ، ولكن يوجد طابع مشترك يسود كلّ المسلمين في هذا الإطار .

السادس : الوحدة الثقافية .

الاشتراك في العناصر السابقة المذكورة يستتبعه اشتراك في ثقافة توحّد بين أبناء العالم الإسلامي ، فلو نظرنا إلى البلدان الإسلامية لرأينا ـ وذلك رغم اختلاف تقاليدها ولغاتها وعاداتها ورغم الهجوم الثقافي على ربوعها ـ سيادة ثقافة مشتركة بين أبنائها . وهذه الثقافة المشتركة تشكّل أكبر رصيد للتفاهم والتلاحم والتعاضد والإحساس بالأُخوّة والانتماء الواحد . من هنا يسعى أعداء الأُمّة إلى إزالة هذا المشترك الهامّ بين المسلمين عن طريق المسخ والغزو . وفي الروايات الإسلامية حثّ على عدم تقليد الكفّار في الزيّ ومظاهر المعيشة : « من تشبّه بقوم فهو منهم » ; من أجل بقاء طابع الثقافة الإسلامية سائداً بين المسلمين .

مقومات الوحدة

أمّا مقوّمات الوحدة : فهي الركائز الأساسية والقواعد الراسخة والأُصول الثابتة التي ترتكز عليها الوحدة الإسلامية . ولهذه المقوّمات أبعاد مختلفة يمكن توضيحها فيما يلي :

أوّلاً : البعد الديني .

يمثّل البعد الديني أهمّ عناصر وحدة الأُمّة الإسلامية ، فالدين هو الركيزة الأساسية التي تبتني عليها بقية العناصر ، فوحدة الأُمّة الإسلامية تمثّل بناء متكاملاً له أساس ثابت راسخ الأركان يحمل البناء كلّه ، ألا وهو الدين ، أو هي كالشجرة لها جذور ضاربة في الأرض وبدونها لا يكون للشجرة كيان ولا حتّى وجود ، ومن هذه الجذور تمتدّ الساق والفروع والأغصان .

ويتمثّل البعد الديني في العقيدة الواحدة بإله واحد ونبي واحد وكتاب واحد وعبادة واحدة . فالجميع يتّجهون في صلاتهم في مواعيد محدّدة إلى الله نحو قبلة واحدة أينما كانوا في أيّ مكان من العالم ، ويجمع بينهم الصيام في شهر معيّن ، ويجمع الحجّ بينهم من كلّ الأجناس والأقطار طائفين حول كعبة واحدة في حرم الله الآمن تنجذب إليها أفئدتهم من كلّ فجّ عميق : ( لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّام مَعْلُومَات ) ( سورة الحجّ : 28 ) ، وهذا التجمّع الكبير في الحجّ يعدّ رمزاً حيّاً لوحدة الأُمّة الإسلامية كلّها ، فهؤلاء ممثّلوها من كلّ مكان يجمعهم هدف واحد ، ويربط بين قلوبهم رباط واحد ، يجعل منهم جميعاً أُخوة متحابين متآلفين بأمر الله .

ويعبّر القرآن الكريم عن هذا المعنى الإيماني بقوله تعالى : ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا ) ( سورة آل عمران : 103 ) ، وهذه الوحدة الروحية من شأنها أن تقضي على كلّ ما يعكّر صفو الأُمّة أو يعمل على تقطيع أوصالها ، فمادام الربّ واحداً والدين واحداً فلا مجال للتناقض في أُمور الدين .

والاعتصام بحبل الله ليس مجرّد شعار يرفعه المسلمون ، وإنّما له متطلّبات لا يتحقّق بدونها ، ولا يقع عند الله موقع القبول إلاّ إذا تحقّقت وقام المعتصمون بتبعاتها على الوجه الذي رسمه الله في كتابه طريقاً لكمال الإنسانية ورقيها ، فهو يقضي بتنحية الشهوات والأهواء التي تثيرها العصبيات القبلية والعرقية والمذهبية ، ويقضي بالنظر السريع في تنقية العقائد والعبادات وسائر التعاليم الإلهية ممّا يشوبها ويكدّر صفوها من صور الشرك والابتداع الذي هيّأ لخصوم الإسلام أن يقولوا بتعدّدية الإسلام ويزعموا أنّ الإسلام ليس ديناً واحداً وإنّما هو أديان متعدّدة تختلف باختلاف الأقاليم والمذاهب : ( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً )( سورة الكهف : 5 ) .

ثانياً : البعد الإنساني .

ويتّضح البعد الإنساني لوحدة الأُمّة الإسلامية جلياً في القرآن الكريم والسنّة النبوية المطهّرة ، فالله سبحانه وتعالى يلفت نظرنا إلى وحدة الأصل الإنساني . فالناس جميعاً قد خلقهم الله من نفس واحدة : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِن نَفْس وَاحِدَة )( سورة النساء : 1 ) ، ورسول الله (صلى الله عليه وآله) يؤكّد هذا المعنى أيضاً في قوله : « يا أيّها الناس ، ألا إنّ ربّكم واحد وأباكم واحد ، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ، ولا لأعجمي على عربي ، ولا لأحمر على أسود ، ولا لأسود على أحمر ، إلاّ بالتقوى » .

والإسلام لا يفصل هذا البعد الإنساني عن البعد الديني المشار إليه كما كانت تفعل ـ ولاتزال ـ بعض الآيديولوجيات والفلسفات في القديم والحديث التي تصل بالإنسان إلى حدّ التأليه وتجعله صاحب السلطان الأوحد في هذا الكون !

ويبيّن لنا القرآن الكريم أنّ الإنسان الذي ينكر أصله أو يجحد خالقه هو إنسان يعمل ضدّ طبيعته وفطرته التي فطره الله عليها . فالله سبحانه قد أخذ عليه ميثاقاً لا يجوز له أن يتجاهله أو يغفل عنه ; لأنّه مركوز في أصل فطرته . وفي ذلك يقول القرآن الكريم : ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذَا غَافِلِينَ )( سورة الأعراف : 172 ) . ومن بين القلائل من فلاسفة الغرب الذين أكّدوا هذا المعنى كان الفيلسوف الفرنسي « ديكارت » الذي قال : « والحقّ أنّه لا ينبغي أن نعجب من أنّ الله حين خلقني غرس فيّ هذه الفكرة ـ أي : فكرة وجود الله ـ لكي تكون علامة للصانع مطبوعة على صنعته » .

وهذا الارتباط الوثيق بين كلّ من البعد الديني والبعد الإنساني في وحدة الأُمّة الإسلامية له دلالة هامّة ; إذ يعني أنّ هذه الأُمّة التي أراد الله لها أن تكون خير أُمّة أُخرجت للناس من شأنها أن تكون عنصر أمان واستقرار في هذا العالم ، فهي أُمّة ترتبط بخالقها بعلاقة العبودية له سبحانه ، وترتبط بغيرها من بني البشر بعلاقة الإنسانية التي لا تنسى عبوديتها لخالق الكون كلّه .

وهذه الصلة الوثيقة بالله إذا استقامت فإنّها كفيلة بتصحيح مسار الأُمّة الإسلامية في هذا الوجود ، وبذلك تتحقّق خيريتها ، إنّها أُمّة تسع الإنسان أينما كان وأنّى كان ، وتشمل برعايتها وأمنها كلّ من يعيش على أرضها .

ثالثاً : البعد الاجتماعي .

وإذا كانت الأُمّة الإسلامية ترتبط فيما بينها بروابط العقيدة والإنسانية فإنّ محصّلة هذين البعدين هي الأُخوّة التي هي أقوى من أُخوّة النسب . ومن هنا كان قول القرآن الكريم : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) ( سورة الحجرات : 10 ) . وعندما أراد النبي (صلى الله عليه وآله) أن يؤسّس قواعد المجتمع الإسلامي في المدينة بعد الهجرة آخى بين أصحابه من المهاجرين والأنصار ، فتآلفت قلوبهم بفضل الله ، وقد امتنّ الله على المؤمنين بهذا التآلف ، فقال : ( فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً ) ( سورة آل عمران : 103 ) . وهذه الأُخوّة لها حقّها ، فهي تتضمّن بعداً عاطفياً يتمثّل في المشاركة الوجدانية ، فكلّ فرد من أفراد الأُمّة الإسلامية يشعر بآلام وآمال أُمّته ; لأنّه جزء منها يحسّ بإحساسها ويسعد لسعادتها ويتألّم لألمها . ومن هنا كان قول النبي (صلى الله عليه وآله) : « مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى » .

ولكن مجرّد المشاركة الوجدانية ـ وذلك مع أهمّيتها ـ لا تكفي ، ولا بدّ أن يترجم هذا الشعور الداخلي إلى عمل فعّال يكون من شأنه النهوض بالأُمّة وبأفرادها . ومن هنا كان مبدأ التكافل في الإسلام بمثابة ترجمة عملية لذلك الشعور الباطني لدى المسلم . وقد جعل الإسلام هذا المبدأ عبادة مفروضة يتعبّد بها المسلم ويتقرّب بها إلى ربّه ، وهي فريضة الزكاة .

وقد آن الأوان ليخرج المسلمون من دائرة المشاركة الوجدانية السلبية إلى المشاركة الإيجابية المؤثّرة ، وذلك بوضع الخطط المفصّلة لإقامة بنيان التكافل بين أبناء الأُمّة الإسلامية . وقد آن الأوان للأُمم الإسلامية أن تنصهر في بوتقة الوحدة الحقيقية للأُمّة الإسلامية بتحقيق مبدأ التكافل والخروج من سجن الفرديات المنعزلة والقوميات المنفصلة إلى محيط الجماعة الكبرى التي أرادها الله أن تكون خير أُمّة أُخرجت للناس ، تأمر بالمعروف ، وتنهى عن المنكر ، وتؤمن بالله ، وتقيم التعاون فيما بينها على البرّ والتقوى ، لا على الإثم والعدوان.

رابعاً : البعد الجغرافي .

لقد جعل الله للأُمّة الإسلامية من وضعها الجغرافي الذي تتميّز به في هذا العالم وحدة طبيعية جامعة في رقعة مترامية الأطراف في كلّ من قارتي آسيا وأفريقيا ، فضلاً عن أنّها تمتدّ إلى بعض أجزاء من أوروبّا . ومن المعروف أنّ الإسلام قد انتشر في جنوب شرق آسيا وغرب أفريقيا بقوّته الذاتية دون أن يدخل إلى هذه البلاد جيش مسلم لفتحها .

ومن نعم الله على المسلمين أنّ هذه المناطق المترامية الأطراف الملتحمة الأجزاء ـ والتي تشكّل بلاد العالم الإسلامي ـ تشتمل على الكثير من المعادن والكنوز النفطية وغير النفطية التي لو أُحسن استغلالها لجعلت من العالم الإسلامي قوّة يحسب لها ألف حساب .

وفضلاً عن هذه الكنوز في باطن الأرض توجد هناك في العالم الإسلامي مناطق شاسعة يمكن استصلاحها بمجهودات قليلة وزراعتها بشتّى المحاصيل لتكون سلّة غذاء للعالم الإسلامي كلّه . وبذلك يتحقّق للمسلمين الاكتفاء الذاتي في غذائهم ، الأمر الذي يساعدهم على استقلاليتهم في إرادتهم وفي قراراتهم ، فمن المعروف أنّ من لا يملك غذاءه لا يملك قراره .

وهذه الوحدة الجغرافية من شأنها أن تمحو بين أقطار العالم الإسلامي تلك الحواجز الإقليمية المصطنعة في قضايا الاقتصاد والإنتاج .

خامساً : البعد الحضاري .

الإسلام ليس دين طقوس تعبّدية جامدة ، إنّه دين للحياة بكلّ أبعادها . والأُمّة الإسلامية أُمّة أراد الله لها أن تكون صاحبة رسالة دينية وحضارية في هذا العالم ، ومن هنا كان وصفها بأنّها خير أُمّة أُخرجت للناس .

وقد رسم القرآن الكريم للإنسان الإطار العامّ في كلّ أُموره الدينية والدنيوية ، واستخلف الله الإنسان في الأرض ، وكلّفه بعمارتها وصنع الحضارة فيها ، ووعد المؤمنين العاملين بالتمكين لهم في الأرض ، وكتب لهم العزّة والنصر . وتحقيق ذلك كلّه أمر منوط بالإنسان وبتأييد من الله تعالى .

وقد أدرك المسلمون الأوائل ذلك كلّه ، وعملوا على تحقيقه ، وقد تحقّق لهم بالفعل ما أرادوا وما أراده الله منهم . وبذلك أقاموا صرحاً شامخاً لحضارة عريقة كانت من أطول الحضارات عمراً في التاريخ . وقد اشترك علماء الأُمّة الإسلامية من كلّ جنس ولون في إقامة هذا الصرح الحضاري بدافع من الإسلام الذي رفع من شأن العلم والعلماء واعتبر مداد العلماء مساوياً لدماء الشهداء أو أفضل ، وجعل العلماء أخشى الناس لله تعالى .

وسارت جهود علماء المسلمين في مجالات العلوم الدينية والدنيوية جنباً إلى جنب في تكامل رائع ، فقد أدركوا أنّ الحضارة تعني تقدّماً مادّياً وروحياً وأخلاقياً ، وبذلك قدّموا للإنسانية خدمة كبرى في الوقت الذي كان فيه العالم غير الإسلامي لايزال يعيش في جهالة جهلاء . وترك لنا الأسلاف تراثاً ضخماً يعدّ أغنى تراث في العالم يعبّر عن وحدة جهود علماء الأُمّة الإسلامية بصورة رائعة ، ويشترك المسلمون اليوم في كلّ مكان في العالم الإسلامي في الاعتزاز بهذا التراث .

وقد آن الأوان للأُمّة الإسلامية أن تتوحّد جهودها مرّة أُخرى في سبيل النهوض بالأُمّة والارتقاء بها حضارياً بما يؤكّد شخصيتها المتميّزة ويحافظ على ذاتيتها مسترشدة في ذلك بتعاليم الإسلام الشاملة وبالجوانب الإيجابية المشرقة في تراثنا .

فلا يليق بالأُمّة الإسلامية أن تظلّ في عالمنا المعاصر قابعة في مقاعد المتفرّجين الذين لا يشاركون في صنع الحضارة ، ويكتفون بدور المستهلك لما تنتجه الحضارة التي يصنعها غيرنا ، في الوقت الذي لا تعرف البشرية فيه ديناً آخر غير الإسلام يشتمل على كلّ المقوّمات والأُسس التي تحقّق للبشرية أفضل المستويات الحضارية مادّياً وروحياً وأخلاقياً .

والرسالة الدينية الحضارية المنوطة بالأُمّة الإسلامية لا يمكن تأديتها والقيام بحقّها إلاّ إذا توحّدت جهود الأُمّة دينياً وفكرياً وحضارياً . وواجبها يفرض عليها في هذا الصدد أن تقدّم للعالم هذه الرسالة الدينية الحضارية في صورة أُنموذج متحقّق في عالم الواقع ، فليس بالأقوال تؤدّى الرسالات الكبرى ، ولكن بترجمة الأقوال إلى برامج عمل . ومن هنا جاء اللوم والمقت في القرآن الكريم للمؤمنين الذين يقولون ما لا يفعلون : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ )( سورة الصفّ : 2 ـ3 ) .

سادساً : البعد المصيري .

وإذا كانت الأُمّة الإسلامية ترتبط فيما بينها برباط ديني واحد وتجمعها وحدة جغرافية طبيعية ولها رسالة نورانية حضارية في هذا الوجود ; فإنّ ذلك يعني أنّ لها غايات واحدة وأهدافاً مشتركة ، ويعني في النهاية أنّ لها مصيراً واحداً .

ومن أجل حماية هذا المصير الواحد وصوناً للمبادئ السامية والمثل العليا التي تقوم بها ومن أجلها الأُمّة الإسلامية فلا بدّ من إعداد القوّة اللازمة لدرء الأخطار التي تحيط بها ، سواء كانت هذه الأخطار قائمة بالفعل أو محتملة الوقوع ، أي : سواء كانت منظورة أم غير منظورة ، فالقوّة في كلا الحالين ضرورية . وفي هذا الصدد يقول القرآن الكريم : ( وَأَعِدُّوا لَهُم مَا استَطَعْتُم مِن قُوَّة وَمِن رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ ) ( سورة الأنفال : 60 ) .

والهدف الذي من أجله يدعو القرآن الكريم إلى هذا الاستعداد الحربي بكلّ ما أُوتينا من قوّة لا يرمي إلى التخريب والتدمير أو الاستعباد والاستعمار أو سلب الآخرين أموالهم وأوطانهم وأمنهم ، وإنّما يرمي إلى دفع شرّ الأعداء وردعهم وتخليص المستضعفين من أيدي الظالمين المعتدين ، وإفساح الطريق أمام دعوة الخير الذي يريده الله لعباده . وقيام هذه القوّة يعدّ من أقوى وسائل السلم الذي أمر الله به ، فهي قوّة تحمي السلم والأمان والاستقرار .

ومثل هذه القوّة لا تتأتّى إلاّ بوحدة الأُمّة الإسلامية ، فهذه الوحدة هي السدّ المنيع والحصن الحصين في وجه كلّ الأطماع التي تستهدف إضعاف الأُمّة الإسلامية وإثارة الفتن والخصومات بين أبنائها .

وعلى الأُمّة الإسلامية صاحبة المصير المشترك أن تعيد النظر في قائمة الأولويات للقضايا والهموم التي تحيط بها في عالمنا المعاصر ، فتشغل نفسها لا بالقضايا الهامشية ، بل بالقضايا المصيرية ، وعلى رأسها قضية التخلّف التي تمثّل الهمّ الأكبر للأُمّة الإسلامية اليوم . والتخلّف المعني هنا تخلّف متعدّد الجوانب يشمل المجالات الروحية والمادّية والأخلاقية والعلمية والحضارية بصفة عامّة ، وتلك قضية مصيرية لا يجوز التهاون فيها أو التفريط في معالجتها بما تستحقّه من اهتمام وعناية .

هذا ، ويمكن تقرير مقومّات الوحدة الإسلامية بهذه الصورة أيضاً :

1 ـ وجود الأرض .

فالأرض مستقرّ الإسلام ، وهي الدار التي يأوي إليها المؤمنون ، وعليها تقوم دولة الإسلام ، ومنها تنطلق دعوته : ( وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوْا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ )( سورة الحشر : 9) .

ولا بدّ أن تكون هذه الأرض خاضعة لحكم الإسلام وسيطرة أهله ; مصداقاً لقوله عزّ وجلّ : (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُـمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً )( سورة النور : 55 ) ، ويقول النبي (صلى الله عليه وآله) : « بشّر هذه الأُمّة بالسناء والرفعة بالدين والتمكين في الأرض ، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب » .

وأن تكون آمنة منيعة محمية الحدود والثغور ، كما أمر بذلك ربّ العباد ، فقال : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا )( سورة آل عمران : 200 ) ، ويقول النبي (صلى الله عليه وآله) : « رباط يوم خير من صيام شهر أو قيامه » . إنّ الأرض الموصوفة بهذه الصفات هي درع الإيمان ، وبيضة الإسلام ، ومهجر المستضعفين من المؤمنين ، وملجأ الخائفين ، ومأوى الفارّين بدينهم من الفتن .

2 ـ تقرير الأُخوّة بين أفراد الأُمّة الإسلامية .

فقد جعل الإسلام الأُخوّة آصرة تربط بين المسلمين ، ونسباً يدخل فيه كلّ مسلم ، ورابطة متينة تجمع بين صغيرهم وكبيرهم وقويهم وضعيفهم ومحسنهم ومسيئهم .

والأُخوّة في الإسلام ليست كلمة مرسلة لا مدلول لها أو شعاراً أجوف لا معنى من ورائه ، بل هي حقيقة راسخة في الحياة الإسلامية وخليقة قائمة بين المسلمين ، لها آثارها في واقعهم ولها مظاهرها في سلوكهم ومختلف أحوالهم ; لأنّها لازمة للإيمان ومنبثقة عنه ، ومن ثمّ فهي تابعة له في الوجود والعدم وفي الظهور والخفاء .

وقد جعل الإسلام آثار الأُخوّة الإسلامية أُموراً ثلاثة :

أوّلها : وجوب الحبّ المتبادل بين المسلمين ، كما يقرّره قول الله عزّ وجلّ : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدّاً ) ( سورة مريم : 96 ). ويقول النبي (صلى الله عليه وآله) : « والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنّة حتّى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتّى تحابّوا . أو لا أدلّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم ؟ افشوا السلام بينكم » . ولكي ينتشر الحبّ بين أفراد الأُمّة الإسلامية ويتداولونه بينهم أمر النبي (صلى الله عليه وآله)كلّ مسلم ، فقال : « إذا أحبّ الرجل أخاه ، فليخبره أنّه يحبّه » .

ثانيها : وضع نظام الحقوق بين أبناء الإسلام ، فقد شرّع الإسلام نظام الحقوق بين المسلمين وجعل العمل به أمراً لازماً للأُخوّة في الدين ، وجعله مظهراً لقوّة اليقين وصدق الإيمان ، وهي حقوق شملت كلّ جوانب الحياة وأحوال المسلمين كافّة ، ما ظهر منها وما بطن ، وما خفي منها وما انتشر .

ثالثها : وضع نظام التكافل والتآزر بين الأُخوة في الله ، وهو من لوازم الأُخوّة وشعبها ، كما يفيده قول النبي (صلى الله عليه وآله) : « المؤمن أخو المؤمن ، يكفّ عنه ضيعته ، ويحوطه من ورائه » . والتكافل في نظام الإسلام يجب أن يقوم بين المسلمين في مختلف صور المعاش وشتّى مرافق الحياة ، ومن ثمّ كان التكافل في الإسلام شاملاً لكلّ مظاهر الحياة وأنواع السلوك .

3 ـ تشريع القيادة الواحدة للأُمّة المسلمة .

بمعنى جعلها كتلة واحدة غير قابلة للتقطيع أو التشرذم ، والتأكيد على السمع والطاعة لولاة الأمر ما أطاعوا الله وأقاموا شريعته .

وحفاظاً على وحدة الأُمّة من التصدّع والشقاق وحماية لجماعتها من شرّ الفتنة والزلازل ، جعل الإسلام العلاقة بين الراعي والرعية مبنية على المودّة والرحمة والرعاية الصالحة والاحترام المتبادل بين الطرفين .

4ـ اعتصام أهل الإسلام بالكتاب والسنّة .

بمعنى اجتماعهم عليهما واتّفاقهم على العمل بهما مصداقاً لقول الله عزّ وجلّ : ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا ) ( سورة آل عمران : 103 ) ، وقوله سبحانه : ( وَأَنَّ هذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ )( سورة الأنعام : 153 ) .

والاستمساك بالكتاب والسنّة والتزام أحكامها سلوكاً وخلقاً وعقيدة ممّا يستلزمه الإيمان الصادق واليقين الراسخ ، وممّا يجمع المؤمنين على مرجع واحد ، يرجعون إلى توجيهه في أُمور دينهم ودنياهم ، ويحكّمونه فيما شجر بينهم ، فلا يجدون في صدورهم حرجاً من قضائه ، ويسلّمون لحكمه تسليماً تامّاً ; لكونهم يعلمون أنّه القول الفصل والمرجع الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وبذلك تتألّف قلوبهم على الحقّ ويجتمعون على اتّباع سبيله .

5 ـ تشريع القبلة الواحدة .

أي : تشريع القبلة الواحدة للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ; إذ يجب على كلّ مسلم حيثما كان من الأرض أن يستقبل المسجد الحرام ، كما أمره بذلك ربّ العباد ، فقال : ( فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ )( سورة البقرة : 144 ) .

إنّ شعور المسلم بكونه يستقبل القبلة التي يستقبلها إخوته المؤمنون في مشارق الأرض ومغاربها يجعله ينجذب تلقائياً إلى أهل ملّته ، ويعدّ نفسه فرداً من أفراد الأُمّة الإسلامية وعضواً من أعضاء جسدها ، وإن كان لا يعرف منها أحداً ولا يعرفه منهم أحد على سبيل المثال .

6 ـ تقرير المساواة بين أفراد الأُمّة .

وذلك باعتبارهم جميعاً بمنزلة واحدة من الحقّ والعدل والاحترام ، فلا يعلو بعضهم على بعض بمال أو جاه أو منصب أو نسب ، ولا يفخر أحد منهم على أحد بقبيلة أو شعب أو عشيرة ، فاختلاف الناس في أوطانهم وأعمالهم ومناصبهم لا يعدّ في الإسلام مدعاة للتفاخر والتفاضل والتعالي ، ولا يعتبر معياراً صادقاً للتمييز بين الناس وتقديم بعضهم على بعض ، كما بيّن ذلك سبحانه وتعالى بقوله : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَر وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ )( سورة الحجرات : 13 ) .

7 ـ الإحساس بالمسؤولية المشتركة والمتبادلة ، والاتّصاف بالسماحة الإسلامية .

مقومات صيانة الوحدة

أمّا مقوّمات صيانة الوحدة : فهي القواعد والأُسس والركائز الأساسية المقرّرة لصيانة وحماية الوحدة الإسلامية من التصدّع والانهيار . ومن تلك القواعد :

1 ـ وجوب قيام مهمّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع الإسلامي ، والحكمة من قيام هذه المهمّة إرصاد المنكر وأهله في المجتمع ; لردعهم والأخذ على أيديهم حتّى لا تشيع الفاحشة في المجتمع ويتّسع الخرق على الراقع ، وحينئذ ينقسم المجتمع إلى فريقين : فريق يميل إلى الخير ويستقيم عليه ، وفريق زائغ عن الحقّ يقترف المنكرات وينشرها بين الناس ، وتلك بوادر الفرقة وبذور الشقاق والتمزّق ، ومن أجل ذلك قال عزّ وجلّ : ( وَلِتَكُن مِنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِمَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ) ( سورة آل عمران : 104 ـ 105 ) ، فقد جمع سبحانه بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبين النهي عن التمزّق والاختلاف ، وذلك لأنّ الاختلاف والتفرّق نتيجة حتمية لتعطيل مهمّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

2 ـ الأمر بالتحاكم إلى الكتاب والسنّة عند التنازع والاختلاف ، وردّ الأمر إلى الله ورسوله وأُولي الأمر عند تعدّد الآراء حوله وتعذّر الاتّفاق فيه على كلمة سواء ، يقول عزّ وجلّ : ( فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) ( سورة النساء : 59 ) ، ويقول سبحانه : (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْء فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) ( سورة الشورى : 10 ) . ذلك أنّ التنازع والاختلاف إنّما هو نتيجة لتعدّد الآراء وتباين الاتّجاهات ، وفي هذه الحال لا يتمّ التغلّب على مثل هذا الخلاف والسيطرة عليه إلاّ بردّه إلى مرجع يتّفق المختلفون على وجاهته والإذعان لحكمه . ومن ثمّ كان الأمر بردّ التنازع إلى الله ورسوله هو التوجيه الرشيد والنصح السديد الذي يفصل النزاع قبل تفاقمه ويفضّ الخلاف قبل انتشاره واتّساع رقعته .

ولا يتحقّق الردّ إلى الكتاب والسنّة ولا يكون مفعوله نافذاً في حلّ النزاع إلاّ بالقبول المذعن لما صدر عنهما من حكم والرضا به والتسليم بكونه قولاً فصلاً وحكماً عادلاً ، مصداقاً لقوله سبحانه : ( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيَما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) ( سورة النساء : 65 ) ، (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلاَ مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً)( سورة الأحزاب : 36 ) .

3 ـ الأمر بالإصلاح بين المتخاصمين والتوفيق بين المتشاجرين حتّى لا تطول بينهم العداوة والشحناء ، ولا ينقلب ما بينهم من الودّ والاُخوّة إلى غلّ وبغضاء ، وذلك قول الله تعالى : ( فَاتَّقُوا اللّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ) ( سورة الأنفال : 1 ) ، وقوله سبحانه : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ) ( سورة الحجرات : 10 ) .

هذه هي القواعد التي وضعها الإسلام لحماية وحدة الأُمّة وصيانتها من التصدّع والتشقّق ، وهي خليقة بتحقيق هذه الحماية لو طبّقت تطبيقاً سليماً ، وأُخذت بجدّ وإخلاص .

موانع الوحدة

أمّا تحدّيات وموانع الوحدة : فهي المشاكل التي تواجه الأُمّة الإسلامية في مسيرتها الوحدوية .

والتي منها :

أوّلاً : النعرة الطائفية .

ينبغي أن يُميّز بين الانتماء المذهبي والنعرة الطائفية ، فالانتماء المذهبي تعبير مشروع عن ارتباط المسلم بمذهب فقهي معيّن يعتقد هو ببراءة ذمّته حين يعمل بموجبه ، فيما تكون النعرة الطائفية حالة من العصبية تنطلق من تعصّب مقيت يولّد كراهية لأبناء الطوائف الأُخرى ، وفي الوقت الذدي يعزّز الانتماء المذهبي روح الأُخوّة الإسلامية بين كافّة أبناء المذاهب الإسلامية تكون النعرة الطائفية على عكس ذلك ; إذ تطرح نمطية الاحتراب وثقافة التشاتم بين أبناء الأُمّة الإسلامية ، حتّى أنّها قد تصل ـ أي : النعرة الطائفية ـ إلى أسوأ مدياتها في استباحة دماء المسلمين من أبناء الطوائف الأُخرى ! وقد تفرز هذه رموزاً طائفية وخطاباً طائفياً وفقهاً طائفياً يعطي للنعرة الطائفية مبرّراً شرعياً ويعبّئ أبناء الطائفة بالاتّجاه المضاد .

ثانياً : التسييس الطائفي .

المقصود به النظرة إلى الأفكار والمفاهيم إلى كلّ مذهب من المذاهب من منظور سياسي وليس من منظور معرفي محدّد . وتسييس الحالة الطائفية يحول دون التعرّف الإيجابي بين أبناء المذاهب ، وهو ما لا ينسجم مع المفاهيم القرآنية التي أرادت لكلّ المختلفين من أبناء الشعوب والقبائل التعارف فيما بينهم ، ومن موقع التعارف يجري بينهم الحوار والتعامل .

ثالثاً : العقدة الماضوية .

إنّ قراءة التاريخ قراءة متأنّية تعبر بجيلنا الحاضر إلى الأجيال الماضية لاستلهام التجارب والاستفادة من العبر أمر مطلوب إلى حدّ كبير ، غير أنّ تحويل التاريخ إلى عقدة ماضوية تؤثّر على الحاضر تأثيراً سليباً يجعله حاجزاً يحول دون التعامل بين أبناء الأُمّة الإسلامية فهو أمر مختلف . من هنا كان علينا أن نقرأ التاريخ قراءة مستقبلية ، بمعنى : أنّنا نستفيد من نجاحاتنا في التاريخ ونجاحات الآخرين ; لدفع عجلة التعاون في مجال الوحدة نحو الأمام ، كما أنّنا نستفيد من أخطائنا التاريخية ، لتلافي تكرارها وعدم تحوّلها إلى عقبات في الطريق.

رابعاً : الانكفاء الذاتي .

ما تتميّز به بعض الفرق الإسلامية في التاريخ من انكفاء ذاتي أضفى عليها نمطية باطنية في الأداء ، وجعلها تعيش حصاراً داخلياً ربّما يولّد في لا شعورها وشعورها كراهية عارمة تجاه الآخرين . كما أنّها أصبحت ـ والحالة هذه ـ تعاني من عقدة الاضطهاد بسبب عزلتها عنهم . والانكفاء الذاتي هذا تتسبّب فيه عدّة عوامل ، منها ما ينطلق من الظرف الاجتماعي الضاغط على مجموعة ما أو طائفة معيّنة ، ومنها ما ينطلق من ذات المجموعة أو أبناء الطائفة ، ومن أجل التخلّص من هذه الظاهرة السلبية لا بدّ أن تتوفّر أجواء الصحّة الاجتماعية الكافية التي تحترم كلّ معتقدات ومتبنّيات أبناء الطوائف الأُخرى ، كما لا بدّ لذات الطائفة أن تتمتّع بالثقة الكافية والتخلّص من الشعور بعقدة الاضطهاد وتطوير خطابها للتعامل مع الوسط الاجتماعي الذي تتحرّك فيه .

خامساً : عقدة الإقصاء والتسيّد الطائفي .

حاول بعض السلاطين أن يقصي أبناء المذاهب الأُخرى ممّن لا ينتمون إلى مذهبه ، وقد أدّت هذه النعرة إلى وقوع ضحايا كثيرة ، وألحقت الظلم بأبناء المذاهب الأُخرى . إنّ مثل هذه السياسات والممارسات وإن حقّقت نتائج شخصية لواضيعها ، ولكنّها لا شكّ مضرّة في مصلحة الأُمّة ، وإنّها لا محالة زائلة في حسابات الأُمّة وعلى مدى عمرها الذي يتجاوز عمر واضعيها .

سادساً : وجود المذاهب الكلامية والفقهية .

إنّ المسلمين ينقسمون في المذاهب الكلامية إلى طوائف ، كالأشاعرة والمعتزلة والماتريدية والشيعة . والشيعة تنقسم بدورها إلى زيدية وإسماعيلية واثني عشرية ، فكيف يمكن توحيد الكلمة مع سيادة هذه المناهج الكلامية عليهم ؟ !

والحقّ أنّ هذه المذاهب تتراءى في بادئ النظر سدّاً منيعاً بوجه الوحدة ، ولكن بالنظر إلى أواصر الوحدة تبدو وكأنّها موانع ضعيفة لا تصدّ المسلمين عن التمسّك بأهداب الوحدة على كافّة الأصعدة .

أمّا المناهج الكلامية فجوهر الاختلاف فيها يرجع إلى مسائل كلامية لا عقائدية ، مثلاً : أنّ الأشاعرة والمعتزلة يختلفون في المسائل التالية : هل صفاته تعالى عين ذاته أو زائدة عليها؟ هل القرآن الكريم قديم أو حادث؟ هل أفعال العباد مخلوقة لله أو للعباد؟ هل يمكن رؤية الله في الآخرة أو هي ممتنعة ؟ إلى غير ذلك من أمثال هذه المسائل ، ومع تثمين جهود الطائفتين فالاختلاف فيها اختلاف في مسائل عقلية لا يناط بها الإسلام ولا الكفر ، فالمطلوب من المسلم اعتقاده بكونه سبحانه عالماً وقادراً ، وأمّا كيفية العلم والقدرة بالزيادة أو العينية فليس من صميم الإسلام ، فلكلّ مجتهد دليله ومذهبه ، كذلك القرآن هو معجزة النبي (صلى الله عليه وآله) وكتابه سبحانه ، فليس الحدوث والقدم من صميم العقيدة ، وقس على ذلك ما تلوناه عليك من المسائل .

وأمّا المناهج الفقهية فالمشهور هي المذاهب الأربعة مضافاً إلى الزيدية والجعفرية ، فهذه المذاهب الستّة مذاهب فقهية ، والاختلاف يرجع إلى الاختلاف في فهم الآية والرواية ، فلو اختلفوا فإنّما يختلفون في فهم الكتاب والسنّة ، وهذا إنّ دلّ على شيء فإنّما يدلّ على اهتمامهم بهما وإمعانهم في فهمهما ، والاختلاف أمر طبيعي ، خصوصاً بعد مضي أربعة عشر قرناً من عصر الإسلام .

ولكن اختلافهم في المناهج الفقهية لا يمسّ بصميم الفقه الإسلامي ، فهل هناك مَن يرى صلاة الفجر ثلاث ركعات أو يرى صلاة الظهر والعصر غير أربع ركعات ؟ ! وليس الاختلاف وليد اليوم ، بل بدأ الاختلاف بعد رحيل رسول الله (صلى الله عليه وآله)في أبسط المسائل الفقهية ، كعدد التكبيرات على الميّت ، إلى أعمقها ، فالاختلاف الموروث إنّما هو اختلاف في فهم النصوص لا في رفض النصوص وردّها .

ولا شكّ أنّ الشيعة ترى جواز الجمع بين الصلاتين مع القول بأنّ التفريق هو الأفضل ، والسنّة تخصّ جواز الجمع بالسفر ومواقف خاصّة ، ولكلّ دليله ، وقس على ذلك سائر الاختلافات الفقهية ، حتّى الاختلاف في متعة النكاح ، فذهب جمهور السنّة إلى النسخ والشيعة إلى بقاء الجواز ، فالاختلاف فيها كالاختلاف في سائر المسائل الناشئة من الاختلاف في النسخ وعدمه.

سابعاً : وجود الاختلافات القومية .

يتشكّل المسلمون من قوميات متعدّدة من عرب وعجم وترك وبربر إلى غير ذلك من الشعوب والقبائل ، ولكن هذا الاختلاف اختلاف تكويني لا يصلح لأن يكون مانعاً عن وحدة الكلمة ، وقد عالج سبحانه هذا النوع من الاخلاف قائلاً : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَر وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ )( سورة الحجرات : 13 ) .

فالاختلاف في اللون واللسان والدم والوطن وإن كانت عوامل توحّد طائفة كبيرة ، لكنّها عوامل عرضية لا تمتّ إلى جوهر الإنسان بصلة ، وأمّا الإيمان بالأُصول الثلاثة فهو عامل باطني ذاتي أقوى من جميع العناصر المتقدّمة .

فالمسلم الشرقي إذا تعارف مع المسلم الغربي مع ما بينهما من الهوّة السحيقة يتآخيان ; لما بينهما من وحدة المبدأ والمعاد والقيادة والهدف ; وأمّا الأُخوان من أُمّ وأب واحد إذا كان أحدهما إلهياً والآخر مادّياً فإنّهما يتناكران .

ثامناً : الجهل بمعتقدات الطوائف .

الحقيقة أنّ جهل كلّ طائفة بمعتقدات الطائفة الأُخرى يعدّ من أهمّ الموانع التي تشكّل حاجزاً منيعاً عن الوحدة ، وهذا ليس بالأمر المستسهل ، وإليك هذا المثال : إنّ الشيعة اقتداءً بالنبي وأئمّة أهل البيت لا يسجدون في الصلاة إلاّ على الأرض أو ما ينبت منها ، بشرط أن لا يكون مأكولاً ولا ملبوساً ، فبما أنّ السجود على الأرض في المنازل وحتّى المساجد المفروشة غير ميسّرة ، لذا يتّخذون أقراصاً من التربة يسجدون عليها ، فعند ذلك نرى أنّ بعض إخواننا من السنّة يرمون الشيعة بالسجود للحجر والتراب كسجود عبّاد الوثن له ! مع أنّهم لا يفرّقون بين المسجود عليه والمسجود له ، فالتراب هو المسجود عليه ، وأمّا السجود له فهو الله سبحانه .

وعلى ذلك فلو وقف فقهاء المذاهب على ما لدى الطوائف الأُخرى من الفقه والأُصول والاستدلال والاجتهاد لما عاب أحدهم الآخر ، وإنّما الخلاف في كيفية الاستدلال وحقيقة البرهان لا في الأخذ بالبرهان .

تاسعاً : الجهل بمصطلحات الطرف الآخر .

إنّ لكلّ طائفة مصطلحات خاصّة في العقيدة والشريعة ، يجب أن تؤخذ مفاهيمها من كتب تلك الطائفة ، وليس من الصحيح تفسيره اعتباطاً . ومثال ذلك اصطلاح التقية ، فالتقية من المفاهيم الإسلامية ، وهي سلاح الضعيف أمام القوي ، فإذا خاف المسلم على ماله وعرضه ودمه من أيّ إنسان سواء أكان كافراً أو مسلماً وأراد شخص قوي سلب حرّياته ، فلا محيص له إلاّ كتمان عقيدته ، وقد أمر به سبحانه وقال : ( إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ )( سورة النحل : 106 ) ، وقد نزلت في حقّ عمّار بن ياسر ، حيث أظهر الكفر وأخفى الإيمان ، وجاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله)باكياً ، فقال (صلى الله عليه وآله) : « لا شيء عليك » ، فنزلت الآية ، ولكن اصطلاح التقية يفسّر عند بعض المخالفين بالنفاق ، مع أنّ بين التقية والنفاق بوناً شاسعاً ، فالتقية إظهار الكفر وإبطان الإيمان ، والنفاق على العكس ، وهو إظهار الإسلام وإبطان الكفر .

الحلول العلمية للوحدة

أمّا الحلول العلمية لوحدة الأُمّة الإسلامية : فمنها :

1 ـ الأخذ بالقواسم المشتركة بين المذاهب الإسلامية فقط ، والإعراض بالكامل عن القضايا الخلافية .

2 ـ اتّباع المنهج السلفي « الأصيل » للعودة إلى ما كان عليه الصحابة والتابعون ، والإعراض عن المذاهب المستحدثة بعدهم .

3ـ ترجيح أحد المذاهب الموجودة واختياره ، والإعراض عن المذاهب الباقية .

4 ـ دمج المذاهب وإقرار المصالحة فيما بينها .

5 ـ القبول بالمذاهب جميعاً وتخيير المسلمين في الأخذ بأيّ منها .

6 ـ نظرية ابن أبي الحديد المعتزلي الداعية إلى الالتفاف حول الإمام علي (عليه السلام)والاقتداء بمواقفه في إقرار خلافة من تقدّمه .

7 ـ نظرية السيّد أمير علي الهندي القائل بأنّ واقعة غدير خمّ تعني ترشيح الإمام علي (عليه السلام) للخلافة ، وليس تنصيبه خليفة .

8 ـ نظرية الصوفية القائلة بحصر الولاية المعنوية ـ وليس الخلافة السياسية أو المرجعية العملية ـ في علي وأولاده (عليهم السلام) .

9 ـ نظرية الشيخ محمّد صالح المازندراني القائلة بالتفريق بين الإمامة والخلافة ، والقبول بالمرجعية العلمية للإمام علي (عليه السلام) وخلافة الخلفاء .

10 ـ نظرية السيّد حسين البروجردي القائلة بالتأكيد على المرجعية العلمية لأهل البيت (عليهم السلام) ، والسكوت عن قضية حقّ علي وأولاده (عليهم السلام) بالخلافة باعتبارها قضية تأريخية ترتبط بالماضي ، ولا ضرورة لها الآن ، وقد استند في ذلك إلى مقتضيات المصلحة العامّة ورعاية الأهمّ فالأهمّ والأخذ بنظر الاعتبار الأولويات الراهنة والاحتياجات الضرورية للمسلمين في العصر الحاضر .

11 ـ القيام ببعض المشاريع التي من شأنها التقريب بين المذاهب الإسلامية ، كتجربة دار التقريب في القاهرة سابقاً ، وتجربة المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية حالياً .

هذا ، ولا يخفى أنّ بعض المشاريع فيها محلّ للتأمّل بلا شكّ .

الحلول السياسية للوحدة

وأمّا الحلول السياسية لوحدة الأُمّة الإسلامية فـ :

( منها ): مشروع إقامة معاهدات واتّفاقات التعاون ، وهو حلّ سياسي لغرض تحقيق الوحدة الإسلامية . لكن إذا كان المقصود من هذا المشروع إقامة حكم فدرالي واحد مثل اتّحاد الجمهوريات السوفيتية السابق أو الولايات المتّحدة الأمريكية ، فهو يكون شبيهاً للغاية بمشروع الحكومة الإسلامية الموحّدة ; لأنّه يستلزم إقامة حكومة مركزية موحّدة تخضع لها جمهوريات حكم ذاتي محلّية ، ويبدو أنّه لا يختلف في هذه الحالة عن مشروع الحكومة الإسلامية الموحّدة سوى بالاسم وبعض الصلاحيات المحلّية .

أمّا إذا كان المقصود أن يقيم كلّ بلد إسلامي جمهورية مستقلّة مع حفظ خصوصيته القومية ولُغته وعَلَمه الوطني وعملته النقدية الوطنية ، ولكن تكون بين هذه الجمهوريات الإسلامية المستقلّة علاقات تضامن وتعاون فيما بينها في مجال السياسة الخارجية والاقتصادية والصناعية والعسكرية ، فهو في هذه الحالة مشروع آخر تنبغي دراسته وتدوين ضوابط هذا التعاون ، وهو مشروع عملي يمكن تحقيقه بلا شكّ ، فهو ليس خيالياً وأُمنية محضة مثلما هو حال المشروع سالف الذكر .

ولكن ينبغي وضع خطط عملية لتنظيم التعاون المطلوب في مجالات السياسة الخارجية والاقتصادية والحفاظ على الثقافة المشتركة والحضارة الإسلامية والقوميات واللغات والمذاهب الإسلامية .

ويبدو أنّ هذا هو الهدف الأساس لمؤسّسي منظّمة المؤتمر الإسلامي ، ولكنّه لم يتحقّق عملياً سوى في حالات خاصّة ونادرة .

وعلى أيّ حال فهذا المشروع جدير بالدراسة ، ومن اللازم تشكيل لجان من مندوبي البلدان الإسلامية يتمتّعون بخبرات جيدّة في الشؤون السياسية والاقتصادية والدينية ; لكي تتولّى مهمّة وضع البيان التأسيسي الكامل والنهائي .

وبالطبع فإنّ جوهر هذا المشروع يعارض هوية العديد من الحكومات التي تدّعي الإسلام وتعهّداتها للمنظّمات الدولية والدول الكبرى ، وهذا بالتحديد هو سرّ الإخفاق لمنظّمة المؤتمر الإسلامي .

إنّ الكثير من حكّام هذه البلدان وقسماً من شعوبها يعارضون لدوافع مختلفة قومية ومذهبية هذا المشروع ، ويقولون : إنّ آباءنا سعوا لتأسيس دولة مستقلّة لنا ذات نظام خاصّ ومذهب معيّن وقومية خاصّة ، وعلينا أن نقتفي آثارهم ونتّبع طريقهم .

إذا أرادت حركات الصحوة الإسلامية في البلدان الإسلامية الحصول على ثمار مفيدة للإسلام والمسلمين ، فعليها أن تقيم فيما بينها حالةً من التعاون والتنسيق والالتفاف حول الأُصول المشتركة التي تتّفق عليها جميعاً ، وفي غير هذه الحالة ستقع في تناحر داخلي فيما بينها ، حتّى إذا انتصرت ; وذلك بسبب التناقضات الموجودة داخلها ، هذا فيما لو غضضنا النظر عن مؤامرات الاستكبار والصهاينة الذين يسعون لاستغلال هذه الاختلافات المذهبية والاجتهادية بأشبع صورة ممكنة .

و( منها ) : مشروع إقامة معاهدات واتّفاقات التعاون الإسلامي ، وهو حلّ سياسي آخر لتحقيق الوحدة الإسلامية ، ومعلوم أنّ هذا المشروع يجري تنفيذه عملياً بين بعض البلدان الإسلامية مثل : إيران وتركيا والباكستان وبلدان أُخرى انضمّت إليها فيما بعد ضمن إطار منظّمة « أُكو » .

ومن سبل تطبيقه المعاهدات المختلفة في المجالات الدفاعية والاقتصادية والثقافية المشتركة بين مجموعة من البلدان ، وهذه سنّة معروفة منذ أقدم العصور .

وحقيقة الأمر هي أنّ معاهدة التعاون بين المسلمين في مختلف الأبعاد الثقافية والدفاعية والاقتصادية هي من صلب الإسلام ، فالآية الكريمة : ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ) (سورة المائدة : 2 ) ، والحديث الشريف : « من أصبح لا يهتمّ بأُمور السملمين فليس بمسلم » ، وأمثالهما ، توجب على المسلمين التعاون والتنسيق في جميع القضايا الإسلامية العامّة والاهتمام بأُمور المسلمين ، وهذا واجب إسلامي عامّ وحتمي على كلّ مسلم حتّى لو لم يكن ثمّة معاهدة أو اتّفاقية مدوّنة بشأنه .

وهنا ينبغي الالتفات إلى عدّة أُمور :

أوّلاً : مثل هذه المعاهدات يمكن أن تكون شاملة لجميع المجالات الدفاعية والاقتصادية والثقافية والسياسية ، كما يمكن أن تنحصر في بعض هذه المجالات .

ثانياً : يمكن عقد هذه المعاهدات الشاملة أو المحدودة بين جميع البلدان الإسلامية أو بين عدد منها ، وتوجد مشاكل وعقبات تختصّ بكلّ نوع ، أهمّها مشكلة تبعية الكثير من هذه البلدان للدول الكبرى كأمريكا وإنجلترا ! وهذه التبعية تمنع عقد مثل هذه المعاهدات بين المسلمين ، حتّى إذا دخلت هذه البلدان التابعة في مثل هذه المعاهدات فإنّ تحرّكها يتوجّه إلى التشكيك العملي في أصل جدوى تلك المعاهدات أو الكشف عن أسرار البلدان الإسلامية واطّلاع القوى الكبرى عليها ، الأمر الذي يجعل هذه القوى تمسك بخيوط توجيه العمل بهذه المعاهدات ، فيكون ضررها على المسلمين أكثر من نفعها ، وبالتالي تحوّلها إلى صورة لا محتوى لها أو تدمّرها بالكامل .

ثالثاً : يجب ـ وكما هو واضح ـ أن يبادر المسلمون بأنفسهم بعيداً عن تدخّل الدول غير الإسلامية إلى عقد معاهدات فيما بينهم ; ليتخلّصوا من شرورهم . ولكن وجود أصابع الاستكبار في البلدان الإسلامية يسبّب الآثار السيّئة المشار إليها سابقاً ، فيكفي دخول حكومة واحدة أو أكثر من الحكومات العميلة في هذه المعاهدات لتحويلها إلى وسيلة لخدمة المصالح الاستكبارية . فأيّ سبيل نسلكه وأيّ حلّ نفكّر فيه لتحقيق الوحدة السياسية بين المسلمين ينبغي أن يكون شرطه الأوّل عدم التبعية للقوى الكبرى ، وهذا الشرط مفقود ، كما هو مشهود لمن يلاحظ أوضاع حكومات البلدان الإسلامية .

رابعاً : أنّ ما يُقال من أنّ على المسلمين أن يعقدوا بصورة مستقلّة المعاهدات المطلوبة بعيداً عن تدخّل الأجانب ، لا يمنع البلدان الإسلامية من الدخول في المعاهدات الدولية مثل منظّمة الأُمم المتّحدة ومجلس الأمن والمعاهدات الثقافية والصحّية وأمثالها ، ولكن شريطة أن لا تصدّها هذه المعاهدات عن التعاون فيما بينها في سبيل تحقيق المصالح الإسلامية العامّة .

و( منها ) : مشروع الحكومة الإسلامية الموحّدة ، وهو حلّ سياسي آخر لتحقيق الوحدة الإسلامية بين أبناء الأُمّة ، غير أنّ محلّه عالم الخيال ! ويمكن ذكره كأُمنية لا يمكن تجسيدها في الواقع العملي أبداً ، بل يكفي مجرّد عرضه على الأُمّة الإسلامية كمشروع مقترح ، وهو يدعو جميع الشعوب والبلدان الإسلامية إلى الاندماج في دولة إسلامية كبرى يجب أن تقيم مؤسّسات واسعة موحّدة ، وتدمج جميع الأجهزة السياسية والقضائية والمالية والعسكرية للبلدان الإسلامية ، وتوحيد اللغة الرسمية في لغة واحدة أو اثنتين ، وتشكيل علم واحد وعملة مشتركة.

ويدعو لهذا المشروع عادة الذين ينظرون إلى ملحمة انتصار الإسلام في أيّامه الأُولى ، ويؤكّدون أنّها لا تختصّ بزمن خاصّ ، بل تمثّل قدوة دينية مقدّسة ومثالاً للحكومة الإسلامية ، دون أن ينتبهوا إلى المشاكل العملية التي تواجهها هذه الدعوة على الصعيد العملي .

صحيح أنّ العالم الإسلامي حظي بحكومة موحّدة ومركزية قويّة في عهد الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وما بعده ، وأنّ حركات الخروج عليه لم تنجح في إقامة حكومات انفصالية ، وأنّ الحال استمرّ على هذا المنوال في بدايات العصر العبّاسي رغم وقوع العديد من ثورات العلويّين والخوارج وحركات التمرّد المحلّية ، ولكن هذا الوضع تغيّر بعد ذلك ، ففي النصف الثاني من القرن الهجري الثاني أُقيمت حكومتان مستقلّتان في المغرب الإسلامي من قبل فريقين متخاصمين : الأُولى أسّسها في مراكش العلويّون الأدارسة على يد إدريس بن عبدالله ابن الحسن المثنّى بن الحسن ابن علي المتوفّى سنة 177 هـ ، والثانية في ليبيا وتونس ، وقد أسّسها عبدالرحمان بن رستم المتوفّى سنة 171 هـ ، وهو على مذهب الخوارج ، وقد استمرّ الحكم بيد آله مدّة طويلة في مقابل حكومة الأدارسة العلوية .

كما أُقيمت حكومات انفصالية في شرق العالم الإسلامي تحدّثت عنها كتب التاريخ ، مثل دولة الصفّاريّين وغيرها .

وقبل ذلك أسّس عبدالرحمان الداخل المتوفّى سنة 172 هـ الدولة الأُموية في الأندلس في عهد الخليفة العبّاسي المنصور الدوانيقي ، وأخرج الأندلس من سلطة العبّاسيّين إلى الأبد.

وفي أواسط العصر العبّاسي وأواخره أُقيمت عدّة حكومات مستقلّة في الشرق الإسلامي نفسه ، وإن كانت في الظاهر تقرّ بالولاء للخليفة العبّاسي ، وتعاقبت على حكم بلدانه ، حتّى جاء المغول الذين أسقطوا الخلافة العبّاسية ، وتقاسمت العالم الإسلامي حكومات مستقلّة أقامها العديد من الأُسر المختلفة ، واستمرّ الوضع على هذا المنوال إلى اليوم رغم أنّ القرن الهجري العاشر شهد وجود ثلاث دول قويّة حكمت البلدان الإسلامية المهمّة ، وهذه الدول هي :

1 ـ الخلافة العثمانية التي سيطرت على مناطق كثيرة من العالم الإسلامي من سنة 1516 م حتّى عام 1924 م ، شملت أواسط أفريقية من الغرب إلى العراق من الشرق إضافة إلى جميع البلدان العربية ، وكانت تتبنّى المذهب الحنفي من بين المذاهب السنّية .

2 ـ الدولة الصفوية التي حكمت إيران ومناطق تمتدّ من حدود الدولة العثمانية إلى قسم مهمّ من البلدان الواقعة شمال إيران وشرقها ، وكانت تتبنّى المذهب الشيعي الاثني عشري ، واستمرّ عهدها من سنة 1602 م إلى سنة 1736 م .

3 ـ الأُمبراطورية التيمورية العظيمة في شبه القارّة الهندية .

وقد شهدت كلّ من هذه الدول الثلاث تغييرات عديدة ، وتقاسمت الأراضي التي كانت تحكمها حكومات محلّية صغيرة ، ثمّ خضعت للاستعباد الشرقي أو الغربي ، كما هو مذكور في كتب التاريخ.

والعديد من المسلمين ـ وخاصّة من أهل السنّة ـ أخذوا يفكّرون بضرورة عودة الدولة الإسلامية القويّة والموحّدة ، وقد ظهر هذا التيّار في أواخر العهد العثماني وقبيل الحرب العالمية الأُولى داعياً إلى تجديد حياة الخلافة الإسلامية الموحّدة ، وأُسّست نهضة الخلافة في شبه القارّة الهندية ومصر كما هو معروف ، ومازال بعض المسلمين الثوريّين في مصر وغيرها يحلمون بتحقيق هذه الأُمنية .

ويذكر هنا أنّ السيّد جمال الدين الأسد آبادي الشهير بالأفغاني كان يحمل هذه الفكرة أيضاً ، وإن كان من غير المعروف على نحو الدقّة الهدف الحقيقي للسيّد من دعوته الوحدوية لزعماء البلدان الإسلامية ، وخاصّة الخليفة العثماني السلطان عبدالحميد والملك القاجاري الإيراني ناصر الدين شاه . والمقدار الثابت أنّ السيّد اهتمّ بدعوة المسلمين إلى اليقظة والوحدة السياسية طوال عمره ، وخاصّة في أواخر حياته عندما كان يدعو إلى الاتّحاد الإسلامي وهو يعيش في إسطنبول ، لكنّه لم يحقّق هدفه رغم كلّ المساعي التي بذلها ، ومن المهمّ هنا معرفة ما إذا كان قد أعدّ لتحقيق هذا الهدف أم لا .

ولكن هذا المشروع مثالي محض ، وليس عملياً ; لأسباب عديدة ، أهمّها :

أوّلاً : أنّ أيّاً من حكومات التجزئة الحاكمة في البلدان الإسلامية حالياً وذات الاتّجاهات المتباينة غير مستعدّة للتخلّي عن سلطتها ، وهذا واقع معروف لا يحتاج إلى توضيح .

ثانياً : حتّى لو قبلت الحكومات بذلك ، فإنّ بعث المشاعر القومية خلال القرن الأخير بين الشعوب الإسلامية تقليداً للغرب ونتيجة للجهود الاستكبارية المكثّفة والمستمرّة إلى اليوم ، أوجد حالة مضادّة لهذا المشروع ، ونحن نعلم بأنّ الاستكبار الغربي نجد في إثارة المشاعر القومية بين الشعوب الإسلامية ذات الانتماءات القومية المتعدّدة أفضل وسيلة لتمزيقها واستغلالها لتحقيق مطامعه والسيطرة عليها ، وهو أمر لا يمكنه تحقيقه إذا اتّحدت هذه الشعوب على أساس الإيمان بالإسلام والمشتركات الدينية .

ثالثاً : حتّى لو نسّقت الشعوب الإسلامية تحرّكها واستعدّت لإقامة دولة إسلامية موحّدة وخضعت حكوماتها غير الإسلامية لمطاليبها ـ وهذه أُمنية فرضية بعيدة الحصول ـ فهل يمكن تصوّر أنّ الاستكبار الغربي سيسمح بذلك ، وهو الذي فرض سلطته سنين طويلة بل قروناً متمادية على العديد من بقاع العالم الإسلامي مستغلاًّ تفرّقها ؟ !

و( منها ) : مشروع المجلس القيادي الموحّد ، وهو حلّ سياسي آخر لتحقيق الوحدة الإسلامية ، وقد ورد الحديث به أوّل مرّة في دستور الجمهورية الإسلامية في إيران ، وتناول مصداقين له:

الأوّل : هو الذي ينتخبه مجلس خبراء القيادة الإسلامية عندما لا يبرز أحد الفقهاء بخصوصية قيادية مميّزة ، فينتخب الخبراء عدداً من الذين يتحلّون بشروط القيادة ; لكي يتولّوا قيادة الأُمّة بصورة جماعية وعلى أساس مبدأ الشورى ، ولكن الدستور لم يحدّد ضوابط طريقة عمل هذا المجلس ، وقد تمّ حذفه عند إعادة النظر في الدستور وإجراء الإصلاحات الدستورية ، وذلك في ضوء التجارب غير الناجحة لعمل المجالس المماثلة مثل المجلس القضائي وغيره ، ولعلّ الحذف جاء لأسباب أُخرى ، ولكن عنوان مجلس القيادة بقي في الفصل الثامن من الدستور ، والمقصود منه هو النوع الثاني .

والثاني : هو الذي يتمّ تشكيله عند وفاة القائد أو استقالته أو عزله ; لكي يتولّى القيام بمهمّات القائد إلى حين انتخاب خبراء مجلس القيادة لقائد آخر ، ويتشكّل هذا المجلس من رئيس الجمهورية ورئيس القوّة القضائية وأحد فقهاء مجلس صيانة الدستور الذي ينتخبه مجمع تشخيص مصلحة النظام . وهذا المجلس هو في الحقيقة خليفة مؤقّت للقائد ، ولا يختلف عنه بشيء يستدعي المزيد من البحث .

أمّا إذا كان المجلس القيادي دائماً ويرتبط بجميع البلدان الإسلامية ، فإنّ ذلك سيفتح الطريق لها جميعاً للمشاركة في انتخاب الأعضاء ، فينتخب كلّ منها عضواً قيادياً من بين علمائه ومذهبه ، أي : أنّ تشكّل مجلساً قيادياً من القادة المنتخبين من قبل الشعوب أو الحكومات في البلدان الإسلامية ; لكي يتولّى القيام بمهمّات القيادة .

ولكن هل هذا المشروع عملي ؟ ثمّ ألا يؤدّي إلى الاصطدام بمسؤوليات القائد الحازم والشجاع للجمهورية الإسلامية ؟

إنّ دائرة عمل هذا المجلس القيادي تشمل المصالح المرتبطة بعموم العالم الإسلامي ، وليس الشؤون الداخلية لبلد معيّن ، وعليه فإنّ حكم قائد الثورة الإسلامية الإيرانية ـ وطبقاً لمسؤولياته وصلاحياته ـ نافذٌ في الشؤون الداخلية للبلد . أمّا فيما يرتبط بالقضايا المرتبطة بالعالم الإسلامي كافّة فإنّ رأيه سيكون مدعوماً برأي القادة الآخرين ، وحكم المجلس القيادي هو النافذ بشأن هذه القضايا .

وهذا المشروع ربّما كان أكثر المشاريع الأُخرى نجاحاً في الجانب العملي لتحقيق الوحدة السياسية للعالم الإسلامي . وبالطبع ينبغي هنا أن تكون طريقة انتخاب القادة وأعضاء هذا المجلس والشروط التي ينبغي توفّرها فيهم منسجمةً مع الشروط الواردة في دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية .

وثمّة صورة أُخرى يمكن فرضها كمصداق للمجلس القيادي ، وهي : أن تنتخب البلدان الإسلامية أعضاء مجلس قيادي استشاري يستعين قائد الثورة الإسلامية الإيرانية بآراء أعضائه فيما يرتبط بالقضايا الإسلامية العامّة ، أي : أنّ دور المجلس هو استشاري ، أمّا حقّ اتّخاذ القرار فهو بيد قائد الثورة .

و( منها ): مشروع وحدة القائد ، وهو حلّ سياسي آخر لتحقيق الوحدة الإسلامية . ولهذا المشروع أنصار أقوياء في الجمهورية الإسلامية ، ويُستفاد من طيّات كلام الإمام الخميني والإمام الخامنئي وعدد من قادة الثورة تأكيدهم على هذا النمط من الوحدة الإسلامية .

الداعون لوحدة القيادة ـ وذلك من بين دعاة الوحدة الإسلامية الذين لديهم اتّصالات بطريقة أو بأُخرى بالمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية ـ ليسوا قلّة ، وبعضهم من أعضاء المجلس الأعلى للمجمع ، ويؤكّد العديد من المفكّرين الإسلاميّين ـ وذلك من أمثال الدكتور كليم صدّيقي (رحمه الله)رئيس مؤسّسة البحوث الإسلامية في لندن والأُستاذ إبراهيم زكزاكي زعيم حزب الوحدة الإسلامية في نيجيريا والأُستاذ محمّد هادي آونك الزعيم الثوري الماليزي وغيرهم ـ وحدة القيادة الإسلامية ، ويصرّون عليها في مقالاتهم أو الكلمات التي يلقونها في مؤتمرات الوحدة الإسلامية التي يقيمها المجمع العالمي للتقريب كلّ عام في أُسبوع الوحدة .

وهذا المشروع أكثر واقعية بملاحظة خصوصيات الأوضاع الحالية للعالم الإسلامي ، كما أنّه أقرب إلى طبيعة السنن التي كانت تحكم العلاقات بين السنّة والشيعة في العصر الإسلامي الأوّل ، أي : سنّة الإمامة وسنّة الخلافة . يضاف إلى ذلك أنّ التجربة الناجحة للجمهورية الإسلامية الإيرانية بيّنت بوضوح ملموس الآثار المباركة لوحدة القيادة في حلّ المشاكل الداخلية للدولة الإسلامية وسائر المجتمعات الإسلامية قدر الإمكان ، حتّى أصبح نظام وحدة القيادة الثورية في إيران منار أمل للكثير من التيّارات والحركات الإسلامية ، وأصبحت الجمهورية الإسلامية الإيرانية « أُم القرى » بالنسبة للعالم الإسلامي . يضاف لذلك أنّ عناصر هذا المشروع متوفّرة في الواقع خلافاً للمشاريع الأُخرى ، وغاية الأمر أنّ تنفيذه يحتاج إلى تحديد الخطط العملية لتوحيد القيادة الإسلامية للعالم الإسلامي وجميع الشعوب الإسلامية ، وهو يشتمل على بعدين عامٍّ وتفصيلي ، أو تحديد القضية الكبرى والصغرى ، أي : أنّنا نقول تارةً : إنّ توحيد القيادة الإسلامية هو طريق الوحدة الإسلامية ، وتارةً أُخرى نقول إضافة إلى هذا الحكم الكلّي العامّ : إنّ اتّباع قيادة إيران الإسلامية أفضل طريق للوحدة الإسلامية .

ويمكن تأييد القول الأوّل بدليلين ، هما :

1 ـ إنّ هذا المشروع ينسجم مع أُصول كلا الفريقين ; إذ تؤكّد كتبهما الكلامية وحدة الإمام والخليفة في كلّ عصر ، فالشيعة الإمامية يؤمنون بأنّ الإمام معصوم ومنصوب من قبل الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله) ويعتبرون أنّ من ضروريات المذهب وجود إمام في كلّ عصر . أمّا الشيعة الزيدية فلا يؤمنون بوجوب العصمة فيه والنصّ عليه ، ويشترطون فيه الشجاعة والعلم والعدالة والانتماء النسبي للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)والقيام بالسيف ، وثمّة خلاف بينهم في جواز تعدّد الأئمّة في عصر واحد إذا توفّرت فيهم هذه الشروط ، وكان للزيدية في بعض العصور أكثر من إمام واحد في الوقت نفسه . أمّا في مذهب الخوارج وخاصّة « الإباضية » فإنّ وحدة الإمام والقيادة عندهم أصل ثابت ، وهم يؤمنون بنوعين من الأئمّة : الأوّل : إمام الدعوة، ويمكن أن يكون أكثر من واحد في العصر الواحد . أمّا الثاني فهو : إمام القيام ، وهذا يجب أن يكون واحداً لا أكثر في كلّ عصر .

فوحدة القيادة أمر ثابت لدى أغلب الفرق الإسلامية ، وخاصّة في عهود الإسلام الأُولى ، وهذه العقيدة مازالت راسخة في أذهان معظم الإسلاميّين الثوريّين .

2 ـ إنّ شرط نجاح كلّ نهضة سياسية هو وجود القيادة الموحّدة صاحبة الكلمة الفصل ، وهذا هو سرّ انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية في حين أنّ تعدّد القيادات هو السبب الرئيسي لإخفاق الحركات الإسلامية في بلدان المسلمين الأُخرى .

أمّا القول الثاني فيمكن ترجيحه على النحو التالي : بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الخميني حدّدت في دستور الجمهورية الإسلامية شروط وضوابط خاصّة بانتخاب القائد ، تنسجم تقريباً مع الشروط والضوابط التي تعتقد أغلب الفرق الإسلامية بلزوم توفّرها في الإمام أو الخليفة أو ولي الأمر ، كما توخّيت الدقّة الكاملة في تحديد ضوابط طريقة انتخابه ومسؤولياته وصلاحياته . وممّا لا شكّ فيه أنّه لا يوجد في العالم الإسلامي لا في الماضي ولا في العصر الحاضر مثل هذه الأُصول القانونية المدوّنة بشأن ولي أمر المسلمين ، خاصّة بعد إعادة النظر فيها وإصلاحها استناداً إلى معطيات تجربتها في الواقع العملي .

وبعبارة أُخرى : فإنّ نظام القيادة الإسلامية تمّ تطبيقه في إيران عمليّاً ، ولا نظير له في البدان الأُخرى ، كما أنّ من المستبعد إيجاد مثل هذا النظام خاصّة مع ملاحظة الأوضاع السائدة فيها .

يضاف إلى ذلك أنّ الجميع شاهدوا خلال الأعوام الأخيرة أنّ إيران الإسلامية كانت من بين الدول القليلة التي التزمت الموقف الرسالي الإسلامي من قضايا العالم الإسلامي ، وعرِّضت بسبب ذلك لمختلف الأخطار والهجمات المعادية ، وهذه الظاهرة هي ثمرة لاستقلالها السياسي والثقافي وعدم ارتباطها بالقوى الدولية السلطوية ، في حين أنّ معظم حكومات البلدان الإسلامية ترتبط بصورة أو بأُخرى بهذه القوى ، ولا تستطيع الوقوف بصلابة وصراحة بوجه أعداء الإسلام .

فمادام الآخرون لا يحظون بمثل هذه القيادة السياسية الدينية القوية والمخلصة والصريحة فإنّ عليهم كحدّ أدنى أن يقتدوا بقائد الثورة الإيرانية بشأن مواقفه من القضايا المهمّة التي ترتبط بالمسلمين كافّة ويدعموا مواقفه لكي يعلن بصراحة المواقف التي لا يستطيعون هم التصريح بها ، فيتحدّث ويتحرّك عنهم جميعاً . وهذا يخفّف مسؤوليتهم وواجبهم ، ويزيد من خطورة مسؤولية وواجبات قائد الثورة الإسلامية الإيرانية الذي ينهض بهذه المسؤولية الجسيمة شريطة أن تقف إلى جانبه حكومات البلدان الإسلامية الأُخرى وتدعم مواقفه .

وواضح أنّ هذا الأمر لا يمسّ استقلال أيٍّ منها ، فهي تحتفظ بحرّيتها واستقلالها في جميع شؤونها السياسية والاقتصادية والدينية والوطنية ، دون أن يتدخّل أحد فيها ، ولكن بحكم انتمائها الإسلامي عليها أن تقف في صفّ واحد : ( صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ )( سورة الصفّ : 4 ) ، في ظلّ القيادة الإسلامية ، وتدعمها عند اللزوم دفاعاً عن الإسلام والمسلمين .

مبررات أمل تحقق الوحدة

أمّا مبرّرات أمل تحقّق الوحدة : فهي الأسباب والحقائق الداعية إلى وجود الأمل بتحقّق وحدة الأُمّة . . وأهمّ ما يبرّر هذا الأمل ما يلي :

أوّلاً : وجود المتابعة والمواصلة من قبيل الشخصيات التي حملت مشعل الوحدة وعدم الانسحاب من الميدان رغم الجراحات التي تعرّض لها هؤلاء ويتعرّض لها عادة كلّ من يتصدّى لهذا الأمر المهمّ، من الجهات الصديقة ومن الجهات المضادّة والمعادية للإسلام .

ثانياً : وجود مراكز مؤسّسات متمخّضة لخدمة الأهداف الوحدوية بين أبناء الأُمّة الإسلامية ، ممّا يجعل قضايا الوحدة أكثر جدّية وذات أبعاد فعلية ومستقبلية ، ويدفع بعجلة الوحدة إلى أمام، ويخرجها من دائرة الحلم إلى ميدان الواقع .

ثالثاً : الظروف السياسية المحلّية والإقليمية والدولية التي تزداد جراحة يوماً بعد آخر ، والتي عجّلت في وعي الأُمّة وساهمت في تنضيج الذهنية الإسلامية وطموحات الرسالة ، وهذه الظروف وإن كانت في ظاهرها تشكّل عنصر ضغط لتذويب إرادة الأُمّة وتفتيت قدرتها ، إلاّ أنّ لكلّ فعل ردّ فعل يساويه في المقدار ويعاكسه في الاتّجاه ويقع وإيّاه على خطّ فعل واحد ، كما هو مقتضى القانون الثالث من قوانين « إسحاق نيوتن » . هذا على صعيد الموادّ الجامدة غير الواعية وغير العاقلة ، وأمّا على صعيد الأُمم والشعوب ـ وكما يستفاد ذلك من دراسة التاريخ بل والواقع المعاش ـ فإنّ ردّ الفعل قد يكون أضعافاً مضاعفة ، وقد يفوق حدّ التصوّر أحياناً وجود الطاقة الإيمانية التي لا يمكن أن تخضع للحسابات المختبرية الصامتة . وعلى أيّة حال فإنّ الأُمّة الإسلامية باتت اليوم أكثر من أيّ وقت مضى تحسّ بضرورة الوحدة ونبذ الخلافات جانباً، ولا بدّ من التصدّي لأعداء الأُمّة الذين يريدون ابتلاعها ومصادرة شخصيتها وإلغاء هويتها .

رابعاً : انفتاح نافذة الحوار الإيجابي الذي يحلّ كثيراً من الإشكاليات ويرفض العديد من حالات الغموض وسوء الظنّ .

خامساً : التنظير للمشروع الوحدوي في أبعاد مختلفة ، كالبعد التفسيري ، والبعد الفقهي ، والبعد الأُصولي ، والبعد العقائدي والكلامي ، والبعد التاريخي ، والبعد السياسي ، وتأسيس مناهج نظرية وعملية ، وتقعيد الفكر الوحدوي من خلال أُطروحات عميقة ودقيقة مبنية على أساس الواقع الموجود ، لا على أساس واقع متخيّل ومتصوّر ، وعلى أساس فهم الآخر ودرك محيطه .

وقد يعدّ هذا أهمّ ركيزة تحمل البشائر ، وتجعلنا نحسب للأهداف الوحدوية حساباً ، وتقلب تصوّراتنا إلى تصديقات .

المصدر

للاستزادة راجع كتابنا « المعجم الوسيط فيما يخص الوحدة والتقريب » ج1 : ص19 ، 63 ـ 64 ، 76 ـ 79 ، 83 ـ 84 ، 112 ـ 116 ، 154 ـ 155 ، 172 ـ 174 ، 279 ـ 281 ، 284 ـ 290 ، 304 ـ 307 ، 332 ـ 333 ، 405 ـ 410 ، 438 ـ 441 . وكذا ج2 : ص10 ـ 11 ، 36 ـ 37 ، 39 ، 177 ـ 178 ، 180 ـ 182 ، 191 ـ 194 ، 198 ـ 203 ، 229 ـ 240 ، 290 ـ 299 ، 396 ـ 398 ، 409 ـ 415 ، وغيرها من الصفحات .

وأيضاً كتابنا الآخر موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والإصلاح ج1 ،ص37-74 .

1.المعجم الوسيط فيما يخص الوحدة والتقريب.

تأليف : محمّد جاسم الساعدي\نشر : المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية-طهران\الطبعة الاولى-2010 م.

2.موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والإصلاح.

تأليف : محمّد جاسم الساعدي\نشر : المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية-طهران\الطبعة الأولى-2010 م.