الكشاف عن حقائق التنزيل (كتاب)
قالب:صندوق معلومات كتاب تفسير الكشاف هو العمل البارز لمحمود الزمخشري واسمه الكامل «الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل»، وهو من أعظم وأعلم وأدق وأعقد النصوص التفسيرية التي ظهرت على مر القرون حول تفسير القرآن الكريم، وربما يمكن اعتبار أهم ما يميزه هو تعدد جوانبه، حيث يهتم بالعقل والنقل، والكلام، واختلاف القراءات، والصرف، والنحو، والبلاغة، وغيرها. باختصار، يبرز الجانبان العقلاني الاعتزالي والبلاغي في هذا التفسير أكثر من غيره.
إن مكانة هذا التفسير الجليلة عظيمة لدرجة أنه على الرغم من أن أهل السنة الذين هم غالباً أشعريو المذهب رفضوا ونبذوا أفكاره الاعتزالية الصريحة، إلا أنه منذ تأليفه وحتى الآن، حظي بقبول عام واهتمام كبير سواء في الأوساط العلمية والتفسيرية عند أهل السنة أو في الأوساط الشيعية.
يُروى أن الطبرسي، عندما ألف «مجمع البيان» ثم رأى الكشاف، قام بتأليف تفسير «جوامع الجامع» بناءً عليه.
يصف جار الله الزمخشري كتابه الكشاف (أهم أعماله) بقوله، ويعتبره دواءً لداء الجهل، مما يدل على عمق تعلق الإيرانيين المسلمين بالقرآن الكريم:
إن التفاسير في الدنيا بلا عدد
وليس فيها لعمری مثل كشافي
إن كنت تبغي الهدى فالزم قراءته
فالجهل كداء والكشاف كالشافي
«إن التفاسير في الدنيا بلا عدد، ولا يوجد والله مثل كشافي. إذا كنت تريد الهدى فالزم قراءته، فالجهل داء والكشاف كالدواء»[١].
- المؤلف ==
أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري المعروف بجار الله هو أحد كبار علماء اللغة العربية وقواعدها والعلوم البلاغية، وأحد المفسرين من الطراز الأول للقرآن. ولد في رجب سنة 467 هـ في قرية «زمخشر» من نواحي خوارزم. ذهب إلى بخارا وبغداد طلباً للعلم. كانت رحلته إلى بغداد خلال رحلته إلى الحج.
في بغداد، التقى بأبي السعادات هبة الله بن الشجري (أحد أئمة اللغة والأدب، وصاحب الأمالي المشهورة، ونقيب الطالبيين في الكرخ)، ونال منه احتراماً كبيراً. ثم عندما وصل إلى مكة، قرر مجاورة بيت الله الحرام، وأقام في جوار البيت الحرام، ومن هنا جاء لقبه «جار الله» أي جاور البيت الحرام. خلال فترة مجاورته في مكة، حظي بدعم وتشجيع وربما صلات ومساعدات مالية من ابن وهاس (أحد الأمراء وفي نفس الوقت من علماء الحجاز).
كتب تفسير الكشاف خلال هذه الفترة من إقامته في مكة. وفقاً لقوله، يبدو أن هذا العمل كان مشروعاً مدته ثلاثون عاماً، لكن بعناية الله تم الانتهاء منه «في مدة تعادل خلافة أبي بكر» – أي سنتان وبضعة أشهر – في مدرسة العلامة التي كانت تقع مقابل الكعبة مباشرة.
أعماله كثيرة في الحديث، واللغة، والصرف، والنحو، منها: النموذج أو الأنموذج، والمفصل، وأطواق الذهب في المواعظ، والفائق في غريب الحديث، ونكت الإعراب في إعراب القرآن، وأساس البلاغة في اللغة، ومقدمة الأدب في اللغة، والمستقصى في الأمثال، وربيع الأبرار في الأخبار والنوادر والنكات الظريفة، وأهمها الكشاف في تفسير القرآن.
كان الزمخشري في الفقه تابعاً للمذهب الحنفي، وفي أصول العقائد والكلام، كما هو معروف، كان معتزلياً. توفي سنة 538 هـ في جرجانية. زار قبره هناك ابن بطوطة، الرحالة العربي الشهير الذي تُرجمت رحلته إلى الفارسية أيضاً[٢].
- دافع التأليف ==
قصة تأليف الكشاف كما رواها الذهبي عن الزمخشري مسموعة جداً. قال الزمخشري:
رأيت إخواني الدينيين من المذهب العدلي الذين لديهم علم العربية وأصول الدين، كلما راجعوا تفسير آية من القرآن وأذكر لهم بعض حقائق الآيات، يبدون إعجاباً واستحساناً كثيرين، ويتشوقون إلى تفسير يلبي مسائل القرآن وآثاره. حتى جاءوا وتجمعوا حولي وطلبوا مني أن أملي عليهم الكشاف.
رفضت ذلك، فلم يقبلوا وقالوا: سنذهب إلى كبار الدين والعلماء المعتزلة ونجعلهم وسطاء. ما كان يمنعني من قبول هذا الطلب، بالإضافة إلى أنني لم أمتلك القدرة والطاقة العلمية عليه، هو أن قبول هذا الطلب لم يكن واجباً علي؛ لأن التعمق فيه كالواجب العيني الذي لا يحظى بالاهتمام في هذا الزمان ولا يبحث عنه أحد، وهمة الناس من هذا العلم قليلة وقصيرة جداً، فما بالك بتفسير يؤسس على علم المعاني والبيان. ولهذا السبب، طرحت عليهم بعض الأسئلة والأجوبة حول أوائل السور وحقائق سورة البقرة.
عندما قررت العودة لزيارة البيت الحرام والاستفادة منه، تحركت نحو مكة. في كل مدينة كنت أمر بها، كنت أرى أناساً لا يعلمون معارف القرآن لأهلها، فكانوا يتحلقون حولي لإرواء ظمئهم من معارف القرآن، ويتعلمون بحرص، ويبتهجون باهتمامي وابتهاجي. إلى أن ألقيت عصا الترحال في مكة. هناك، سيد أبو الحسن بن حمزة بن دهاس (من بني حسن) أكرمني كثيراً وطلب مني أن أكتب هذا التفسير.
قلت له: أعفني، لأن عمري قد بلغ السبعين أو الثمانين، ولم أعد أملك القدرة على التحقيق والبحث، وعلي أن أتقاعد، لكن مع ذلك وفقني الله لإتمامه في مدة سنتين وأربعة أشهر (مدة خلافة أبي بكر)، بينما كنت أنتظر مثل هذه السنة منذ ثلاثين عاماً، وهذا من بركة بيت الله[٣].
- قيمة الكشاف ==
يقول الذهبي في «التفسير والمفسرون» [٤]: قيمة هذا التفسير، بغض النظر عن نزعته الاعتزالية، عظيمة لدرجة أن أحداً لم يؤلف مثله حتى الآن بسبب وجوه الإعجاز التي أظهرها في القرآن، وجمال نظمه وبلاغته التي أبداها. حتى الآن، لم يستطع أحد مثل الزمخشري أن يشرح لنا جمال القرآن وسحر بلاغته. لأنه كان ماهراً في العديد من العلوم، وخاصة كان بارعاً بشكل استثنائي في علم المفردات العربية. كان يعرف الشعر العربي جيداً، بالإضافة إلى أنه كان متميزاً في الإحاطة بالعلوم البلاغية، وعلم المعاني والبيان، والأدب العربي.
تجسدت هذه العبقرية العلمية والأدبية بشكل أفضل في تفسير الكشاف، لدرجة أنه منذ تأليفه وحتى الآن حظي باهتمام العلماء وأسر قلوب المفسرين. في الحقيقة، جمع الزمخشري في هذا التفسير جميع الأدوات والوسائل التي يحتاجها المفسر ووضعها بين أيدي الناس. تفسير الكشاف فريد في موضوعه، وهو في عيون العلماء والباحثين في التفسير كجبل راسخ يصعب تسلق قمته.
- خصائص التفسير ==
- تفوق الزمخشري على الجميع في كشف بلاغة القرآن وبيان وجوه الإعجاز فيه وتوضيح لطائف ودقائق معانيه، ولم يصل أحد بعده إلى منزلته.
- كل الذين عاتبوه بسبب اعتقاده الاعتزالي، أشادوا بمهارته في علم المفردات العربية والفصاحة والبلاغة، وقالوا إنه إمام في المفردات والبلاغة القرآنية.
- كل مفسر يذكر في تفسيره شيئاً مما يبرع فيه عادة، لكن تفسير الكشاف يتميز بخاصية كون مجموعة من الأشياء يكمل بعضها بعضاً.
- الكشاف يحتل مكانة خاصة في موضوعه، ويفوق التفاسير الأخرى، مما جعله من تراث علمي رفيع جداً في التفسير.
- تفسير الزمخشري هو مرآة تعكس الفكر الاعتزالي بوضوح، سواء لمحبي المذهب الاعتزالي أو لمنتقديه. أي إنه يعكس مذهب المعتزلة بشكل واضح وشفاف بحيث يكون لدى من يريد التحكيم بين النزاع القديم بين الأشاعرة والمعتزلة أدلة واضحة.
- تفسير الكشاف للزمخشري يحظى بمكانة ومنزلة تجعله أحد المراجع والمصادر المهمة للتفسير الكلاسيكي[٥].
- نظرة الشيعة إلى هذا التفسير ==
نظراً لأن الشيعة والمعتزلة متشابهون في أمهات المسائل (مثل حدوث القرآن أو خلقه، واختيار الإنسان، والعدل، والصفات الإلهية)، فإن ما يعتبره أهل السنة عيباً في تفسير الكشاف، ليس عيباً عند الشيعة، بل قد يكون ميزة له؛ لذا فإن الباحثين والعلماء الشيعة يقدرون تفسير الكشاف ويحترمونه أكثر من باحثي وعلماء أهل السنة بشكل طبيعي[٦].
- النشر ==
طبع الكشاف مرات عديدة وبأنواع مختلفة، مع شروح وحواش، وحتى مع ردود عليه. تمت أول طبعة له في مجلدين عام 1856 م في كلكتا. ثم طبع في بولاق بمصر عام 1291 هـ، وفي القاهرة أعوام 1307، 1308، 1318 هـ. يذكر بروكلمان أكثر من أحد عشر شرحاً وحاشية عليه، أفضلهم شرح مير سيد شريف الجرجاني الذي يُطبع مع بعض طبعاته، بما في ذلك طبعة القاهرة عامي 1308 و1318 هـ، وطبعة منشورات آفتاب في طهران.
في إيران في السنوات الأخيرة، بالإضافة إلى منشورات آفتاب التي نشرت واحدة من أفضل طبعات هذا التفسير، قام «نشر أدب الحوزة» أيضاً بإعادة طبع إحدى الطبعات الجيدة للكشاف مع عدة حواشٍ وتخريج أحاديثه، مستنداً إلى الطبعة المصرية بطريقة الأوفست[٧].