الجن

الجن هو كائن يكثر الاختلاف بشأنه بين علماء المسلمين. فمن هذه الآراء: أنه جسم ناري وهوائي يتمتع بالعقل والفهم، وأنه من جنس الروح والملائكة ومجرد عن العناصر، وأنه جسم لطيف ذو حياة عرضية. ومن المسائل الخلافية الأخرى حول الجن إمكانية رؤيته. فبعض يرى استحالة ذلك ويبطل دعوى الرؤية. ويعتقد بعض أن غذاء هذا الكائن هو الهواء الممتزج برائحة الطعام. كما ورد في بعض النصوص أن رائحة العظام وروث الحيوانات تعتبر غذاءً لهذا الكائن.
في المقابل، يعتقد فريق آخر أن الجن روحاني ولا يتغذى غذاءً مادياً. ومن جهة أخرى، تشير بعض آيات سورة الجن إلى وجود الذكر والأنثى بين الجن، وإلى شرعية الزواج فيما بينهم. كما أن الحياة الاجتماعية للجن، وتشكلهم بأشكال الحيوانات والإنسان، هي من التصورات الأخرى حول هذا الكائن. ومما يذكر أيضاً أن الجن مثل الإنسان يتمتعون بالإرادة والتكليف، وفيهم الصالح وغير الصالح، وسيرون نتيجة أعمالهم في الآخرة. يعتقد البعض أنه نظراً لأن طاقة الكمال والكرامة لدى الجن لا ترقى إلى مستوى الإنسان، فلم يُبعث منهم نبي قط، وهم يتبعون أنبياء البشر. وقد ورد في الآيات والروايات حالات لحضور الجن وارتباطهم بالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) والأئمة الأطهار (عليهم السلام).
مفهوم الجن
كلمة «الجن» في الأصل تعني الشيء المستتر عن الحس البشري. فنقول مثلاً «جَنَّهُ الليلُ» أو «فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ» أي عندما ستره سواد الليل. وبهذا المعنى سمي فاقد العقل «مجنوناً» لأن عقله مستتر، والطفل في بطن أمه «جنيناً» لاستتاره، والحديقة «جَنَّة» لأن أشجارها تستر أرضها، والقلب «جَناناً» لاستتاره في الصدر، والتُرس «جُنَّة» لأنه يستر الإنسان من ضربات العدو[١]. يُستفاد من آيات القرآن أن «الجن» نوع من الكائنات العاقلة المستترة عن حس الإنسان، وأن أصل خلقهم من النار أو من لهب نقي صاف، وأن إبليس هو أيضاً من هذه الفئة.
صفات الجن من وجهة نظر القرآن
- الجن مخلوق من لهب النار، خلافاً للإنسان المخلوق من التراب[٢].
- يتمتع بعقل وعلم وإدراك، ويميز الحق من الباطل، ويملك القدرة على المنطق والاستدلال[٣].
- هم مكلفون ومسؤولون[٤].
- للجن ذكور وإناث[٥].
- منهم المؤمن الصالح ومنهم الكافر[٦].
- لهم حشر ونشر ومعاد[٧].
- كانوا يصعدون إلى السماء ويسترقون السمع، ثم مُنعوا من ذلك[٨].
- توجد بينهم أفراد يتمتعون بقدرة كبيرة، كما هو الحال بين البشر؛ فعلى سبيل المثال، قال أحدهم لسليمان: «أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ» أي أنا أحضر لك عرش ملكة سبأ من أرضها إلى هنا قبل أن تقوم من مقامك[٩].
- لديهم القدرة على أداء بعض الأعمال التي يحتاجها الإنسان: «يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ» أي يعمل فريق من الجن بين يدي سليمان بإذن ربه ما يشاء من محاريب وتماثيل وصحاف ضخمة كالحياض[١٠].
- خلقهم على الأرض سبق خلق البشر[١١].
من ناحية، أخبر القرآن، وهو الكلام الناطق الصادق، بوجود الجن وبالصفات المذكورة أعلاه، ومن ناحية أخرى، لا يوجد دليل عقلي على نفي وجودهم. لذلك يجب قبول وجودهم. وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن كلمة «الجن» تطلق أحياناً على مفهوم أوسع يشمل أنواع الكائنات غير المرئية، سواء منها ما يتمتع بعقل وإدراك وما لا عقل له ولا إدراك، بل وتشمل أيضاً مجموعة من الحيوانات المرئية التي تختبئ عادةً في جحورها. وشاهد هذا الكلام رواية عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: «إن الله خلق الجن خمسة أصناف: صنف كالريح في الهواء، وصنف حيات، وصنف عقارب، وصنف حشرات الأرض، وصنف منهم كبني آدم، عليهم الحساب والعقاب»[١٢]. إذن الجن مثل الإنسان هو كائن مادي، وله روح كالإنسان[١٣]. فهو بشكل عام يتمتع بحياة هادفة وذات معنى، وله خصائص تستلزم له الحشر والنشر (المعاد)[١٤].
علة خلق الجن
فلسفة وسبب خلق الجن، حسبما جاء في القرآن الكريم، هي نفسها ما ورد بشأن الإنسان، وهي عبادة الله سبحانه وتعالى، كما قال: قالب:متن قرآن "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون". الآية أعلاه تبين أن الهدف من خلق هذين النوعين (الإنس والجن) هو عبادة الله، فكل منهما مكلف تجاه الله. إذن للجن أيضاً حساب وكتاب خاص كالإنسان. يقول القرآن: "يا معشر الجن والإنس أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا..."[١٥] أي "يا معشر الجن والإنس، ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا؟ قالوا شهدنا على أنفسنا". يستفاد من هذه الآية أن:
- أولاً: عالم الجن هو عالم التكليف والمسؤولية والمحاسبة والخطاب واللوم، وأنهم قادرون على تلقي الرسالة والإنذار والتبشير.
- ثانياً: يتبين أن عالم الجن يسير مع مجموعة العالم نحو القيامة والبعث العام.
- ثالثاً: تدل على أن عالم القيامة وعالم الموت بالنسبة للجن هو بمثابة عالم الغيب والمستور، وأن أفراد الجن لا يملكون علماً وإحساساً ملموساً بالدار الآخرة.
- رابعاً: تشير إلى أن في نفس ووجود الجن قدرة على الوجدان والإحساس. وفي ذيل الآية قالب:متن قرآن "غرتهم الحياة الدنيا..." يتبين أن أفراد الجن يتمتعون بحياة مادية ظاهرية، وأنهم يملكون السلع والمتاع وغيرها.
دين ومذهب الجن
النقطة التي تستفاد من الآيات والروايات هي أن الجن كالإنس فيهم مسلم وفيهم كافر، وفيهم شيعي وغير شيعي. ورد في سورة الأحقاف بحث موجز حول إيمان جماعة من الجن بمحمد (صلى الله عليه وآله) وبقرآنه[١٦]. ومما تقدم لا مجال للشك في أن الجن كالإنس لهم معتقدات مختلفة، فمنهم الفاسق والفاجر والظالم والكافر، ومنهم الصالح والمؤمن والمسلم. كما توجد شواهد على تشيع بعض الجن تثبت صحة ذلك. فقد ورد في العديد من الروايات على لسان أهل البيت (عليهم السلام). من ذلك ما رواه أبو حمزة الثمالي عن شرفي وفود جماعة من الجن على الإمام الباقر (عليه السلام)[١٧].
وحدة نبي الجن والإنس
يُستفاد من الآيات 29 إلى 31 من سورة الأحقاف أن جماعة من الجن آمنوا بالنبي محمد. هذه الآية لا تفيد فقط أن رسول الإسلام الكريم محمداً (صلى الله عليه وآله) هو نبي الجن أيضاً، بل تدل على أن سائر الأنبياء المرسلين بعثوا إلى الجن والإنس أيضاً، كما آمن بعضهم بدين موسى (عليه السلام) قبل الإسلام.
انظر أيضًا
الهوامش
- ↑ ناصر مكارم شيرازي، تفسير نمونه (تهران، دارالكتب الاسلاميه، بيتا) ج 11، ص 79.
- ↑ سورة الرحمن، آية 15.
- ↑ آيات مختلفة من سورة الجن.
- ↑ آيات سورتي الجن والرحمن.
- ↑ سورة الجن، آية 6.
- ↑ سورة الجن، آية 11.
- ↑ سورة الجن، آية 15.
- ↑ سورة الجن، آية 9.
- ↑ سورة النمل، آية 39.
- ↑ سورة سبأ، الآيتان 12 ـ 13.
- ↑ سورة الحجر، آية 27.
- ↑ سفينة البحار، ج 1، ص 186، (مادة جن) ناصر مكارم شيرازي، تفسير نمونه (قم، دارالكتب الاسلاميه، چ 9، 1370) ج 25، ص 154 ـ 157.
- ↑ معارف قرآن، استاد مصباح یزدي، قم، دفتر انتشارات اسلامي جامعة مدرسين، ص 310، سال نشر 1367.
- ↑ تفسير الميزان، علامه طباطبايي، تهران، كانون انتشارات محمودي، ترجمة موسوي همداني، ج 12، ص 225، سال نشر 1356.
- ↑ سورة الأنعام، آية 130.
- ↑ سورة الأحقاف، آية 30.
- ↑ ميزان الحكمة، محمد، محمدي ري شهري، تهران، بنياد فرهنگ إيران، ج 2، ص 118، سال نشر 1346.