بعل
بَعْل هو لفظ سامي يعني «صاحب» أو «مالك». كان لدى شعوب بلاد الشام والكنعانيين، قبل أن يكون تمثالاً، دوراً كونياً؛ قوة تجلب المطر، وتُخصب الأرض، وتُحرك دورة الحياة. ولهذا، يجب فهم بعل في سياق الجغرافيا والاقتصاد، وليس فقط في إطار اللاهوت. عاد اسم بعل إلى الواجهة بعد نشر وثائق من قضية جيفري إبستاين من قبل وزارة العدل الأمريكية في ۳۰ يناير ۲۰۲۶. ومن أبرز وأروع مظاهر مسيرة يوم الله ۱۲ بهمن ۱۳۵۷ هذا العام (۱۴۰۴ هـ.ش)، كان إحراق تمثال بعل في طهران. هذا العمل الرمزي للمسيرين الإيرانيين، الذي يرمز إلى محاربة الوثنية، لاقى صدى واسعاً على مستوى العالم وبين مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي، حيث أثنى كثير من الناس والنخب في العالم على الإيرانيين بسبب إحراقهم تمثال بعل، واعتبروه عملاً مناهضاً لإبليس وللصهيونية.
المنشأ
يجب البحث عن المنشأ الرئيسي لعبادة بعل في أراضي بلاد الشام، وخاصة في الثقافة الكنعانية؛ حيث كانت الزراعة تعتمد على الأمطار الموسمية، وكان تأخر أو انقطاع المطر يعني المجاعة والموت الجماعي. في مثل هذا العالم، لم يكن بعل إله الأخلاق أو القانون؛ بل كان إله البقاء. كان بمثابة الاستجابة الدينية لأتباعه لعدم استقرار الطبيعة. إن معرفة بعل بدقة، أكثر من أي شيء آخر، تدين للنصوص الأسطورية المكتشفة في مدينة «أوغاريت». في هذه النصوص، بعل ليس إلهاً مطلقاً، بل هو أحد الفاعلين في نظام كوني متعدد الطبقات. يحارب مع «يم» (إله البحر والفوضى)، ويتصارع مع «موت» (الموت والجفاف)، وكان انتصاره أو هزيمته يُترجمان مباشرة إلى هطول الأمطار أو الجفاف في العالم البشري. الأسطورة، هنا، ليست خرافة، بل هي خريطة تفسيرية للطبيعة. في هذه الروايات، يحتل موت بعل وعودته أهمية مركزية. يموت بعل، فتجف الأرض؛ يعود بعل، فيهطل المطر. هذه الدورة هي انعكاس مباشر للتجربة المعيشية للمزارعين في بلاد الشام. عبادة بعل، في الأصل، هي عبادة دورة الفصول؛ طقوس لضمان استمرارية الحياة، وليست طاعة أخلاقية.
رموز بعل
يمكن تقسيم رموز بعل إلى ثلاث فئات عامة: الرموز الطبيعية، والرموز الطقسية، والرموز التصويرية أو التماثيلية. يساعد هذا التصنيف في فهم كيف كانت عبادة بعل مفاهيمية وتجريبية واجتماعية في آن واحد، وليست مجرد اعتقاد جامد.
- الرموز الطبيعية: ارتبطت هذه الرموز مباشرة بوظيفة بعل في العالم الطبيعي:
- الرعد والبرق: يرمزان إلى قوته في السيطرة على القوى السماوية؛ كان الرعد صوت بعل، والبرق علامة غضبه أو عنايته.
- السحاب والمطر: بعل كإله للمطر، كان المطر تجسيداً لإرادته.
- الجبال العالية: كانت الجبال أحياناً رمزاً لمسكن الآلهة، وفي أساطير أوغاريت، كان بعل يلتقي بالآلهة الأخرى على الجبال. كانت هذه الرموز تترجم تجربة المزارعين المرتبطة بالطبيعة إلى لغة دينية، وتجعل حضور بعل ملموساً في مسار الحياة اليومية.
- الرموز الطقسية: في الطقوس المرتبطة ببعل، تحولت بعض العناصر المتكررة والمنظمة إلى رموز:
- القرابين والهدايا: حيوانات أليفة، أو محاصيل، أو هدايا رمزية لجذب انتباه بعل وطلب المطر أو الخصوبة.
- المهرجانات ورقصات استجداء المطر: مراسم تشبه الاحتفال بميلاد أو عودة بعل بعد موته، تعيد تمثيل ارتباط الإنسان بدورة الطبيعة.
- النار والمعابد الرمزية: كانت النار رمزاً لحضور بعل، وأحياناً وسيلة لتركيز المجتمع في الطقوس.
- الرموز التصويرية أو التماثيلية: على الرغم من أن بعل كان قوة طبيعية وظاهرة كونية أكثر منه إلهاً مادياً، إلا أنه كان يُصوَّر أحياناً برموز تصويرية أو تماثيلية:
- تمثال أو صورة إنسانية لبعل: غالباً بأدوات تظهر قوته، كعصا أو سيف. لم يكن هذا التصوير هدفاً للعبادة، بل قناة للتركيز الطقسي.
- الرموز الحيوانية: النسر، الثور أو حيوانات أخرى مرتبطة بالقوة والخصوبة، تعرض الصفات الكونية لبعل.
- الرموز المعدنية أو الحجرية: ألواح أو تماثيل صغيرة كانت تُحفظ في المعابد كمركز لحضور بعل.
يمكن القول: كان بعل إلهاً رمزياً متعدد الطبقات؛ في السماء والسحاب، في الأرض والمطر، وفي المعبد والتمثال. الفرق بينه وبين آلهة التوحيد السامية يكمن في أن حضوره لم يكن في كتاب، بل في التجربة الملموسة للطبيعة والطقوس الاجتماعية، ولذلك فإن فهمه يتطلب نظرة متزامنة إلى الأسطورة والطقوس والبيئة التي عاش فيها الإنسان.
الرموز الأمريكية وبعل
يمكن القول إنه لم يُستخدم أي رمز لبعل بشكل مباشر في العمارة الأمريكية، ولكن إذا نظرنا بدقة، يمكن ملاحظة بعض علامات القوة والتركيز الاجتماعي التي تظهر في أساطير بعل، بشكل استعاري، في عمارة مراكز القوة الحديثة. في الأساطير الكنعانية، كان بعل رمزاً للقوة الشاملة، والخصوبة، والسيطرة على الطبيعة، والتحكم في عناصر الحياة الأساسية. عندما تدخل هذه الصفات بشكل استعاري إلى العالم الحديث، يمكن أن تتجسد في تصميم المباني والمساحات الحضرية:
الأعمدة والتماثيل والمباني الحكومية الكبيرة، كما هو الحال في واشنطن أو غيرها من مراكز القوة، تُظهر تركيز القوة والصلابة والحضور الرمزي للنظام الاجتماعي. تماماً مثل تماثيل ورموز بعل في المعابد الكنعانية التي أظهرت القوة الإلهية وتركيزها.
العناصر الطبيعية أو الحيوانية المستخدمة في التصميم الحضري والنصب التذكارية -كاستخدام الجبل أو البحر أو النسر الرمزي- يمكن أن تذكرنا استعارياً برموز بعل الحيوانية والطبيعية، دون أن يكون لها معنى ديني أو طقسي مباشر. حتى النمط الحضري لواشنطن العاصمة مع تركيزه على الساحات والأعمدة والمباني المحورية، يخلق نوعاً من التركيز الرمزي للقوة المادية والاجتماعية، يمكن مقارنته بنفس منطق تركيز القوة في معابد أو ممرات الأصنام الطقسية.
وبالتالي، فإن أي صلة بين العمارة الحديثة ورموز بعل هي أكثر من قبيل الاستعارة والمفهوم، وليست مباشرة أو واعية. تساعدنا هذه المقارنة على فهم كيف استخدم البشر في ثقافات مختلفة الفضاء والبنية لعرض القوة والتركيز الاجتماعي، دون أن ينقلوا بالضرورة رمزاً دينياً معيناً.
ارتباط بعل بإبستاين
عاد اسم بعل إلى الواجهة بعد نشر وثائق من قضية جيفري إبستاين من قبل وزارة العدل الأمريكية في ۳۰ يناير ۲۰۲۶؛ عندما زعمت بعض المواقع أن إبستاين كان لديه حساب مصرفي باسم بعل. ادعى حساب على منصة إكس باسم «AdameMedia»، وهو مستخدم شائع بين اليمينيين المتطرفين، أن «جيفري إبستاين كان لديه حساب مصرفي باسم «بعل» وطلب من شخص في [بنك] جي.بي مورغان تحويل ۱۱ ألف دولار له». وجاء في هذه التغريدة أن «بعل وفقاً للكتاب المقدس هو شخصية شيطانية وعدو للمسيح»[١].
إحراق تمثال بعل

من أبرز وأروع مظاهر مسيرة يوم الله ۱۲ بهمن ۱۳۵۷ هذا العام (۱۴۰۴ هـ.ش)، كان إحراق تمثال بعل في طهران. هذا العمل الرمزي للمسيرين الإيرانيين، الذي يرمز إلى محاربة الوثنية، لاقى صدى واسعاً على مستوى العالم وبين مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي، حيث أثنى كثير من الناس والنخب في العالم على الإيرانيين بسبب إحراقهم تمثال بعل، واعتبروه عملاً مناهضاً لإبليس وللصهيونية.
تمت إعادة نشر صور ومقاطع فيديو إحراق صنم بعل بشكل واسع ومكثف على شبكات التواصل الاجتماعي للأجانب. اعتبر نشطاء شبكات التواصل الاجتماعي العالمية، من عامة الناس إلى النخب، بسبب إحراق بعل، أن الإيرانيين هم رواد ومتقدمو التوحيد ومحاربة الرموز الشركية والشيطانية في العالم. ووصف العديد من نشطاء الفضاء الإلكتروني، مرحبين بإحراق تمثال بعل في مسيرة ذكرى انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية، ذلك بأنه رسالة من الموحدين الإيرانيين إلى الصهاينة وداعميهم.
ردود الفعل
- كتب أحد المستخدمين الناطقين بالإنكليزية معرضاً صورة تمثال بعل: رسالة طهران واضحة وجلية؛ الحرب على عبادة الشيطان.
- كتب آخر: إحراق بعل يظهر أن الإيرانيين لن يقفوا أبداً إلى جانب الشيطان.
- كتب مستخدم آخر: على جميع البلدان أن تحذو حذو الإيرانيين في إحراق بعل تخليداً لذكرى الأطفال ضحايا إبستاين!
- كتب مستخدم خارجي آخر: في ذكرى الثورة الإسلامية، أحرق المتظاهرون في طهران تمثال بعل، محولين هذه اللحظة إلى رمز قوي للأيديولوجيا والتاريخ والمقاومة. كانت الرسالة بليغة ولا يمكن إنكارها.
- كتب أحد المستخدمين الناطقين بالإنكليزية: إحراق الإيرانيين لبعل هو عمل رمزي قوي. استخدام بعل، المرتبط تاريخياً بإسرائيل القديمة والمرتبط الآن في الروايات الحديثة بعبادة الشيطان أو الفساد، في ذكرى ثورية مناهضة للاستكبار، يرسل رسالة سياسية وثقافية واضحة جداً. هذا يظهر أن الاحتجاجات والمظاهرات العامة في إيران لا تتعلق فقط بالسياسة؛ بل تمتزج بالرموز الدينية والتاريخية لتعزيز الرسالة.
روابط خارجية
انظر أيضًا
الهوامش
المصادر
- الأخمينيون وصنم بعل، موقع منتدى دراسات اليهود، تاريخ النشر: بدون تاريخ، تاريخ المشاهدة: ۱۷ فبراير ۲۰۲۶ م.
- «بعل»؛ جدل الأسطورة السامية في إيران، موقع وكالة خبر أونلاين للأنباء، تاريخ النشر: ۱۴ فبراير ۲۰۲۶ م، تاريخ المشاهدة: ۱۷ فبراير ۲۰۲۶ م.
- ما القصة الحقيقية لصنم بعل؟ حقائق شيطانية ونظر القرآن عن صنم بعل، موقع نمناك، تاريخ النشر: ۱۴ فبراير ۲۰۲۶ م، تاريخ المشاهدة: ۱۷ فبراير ۲۰۲۶ م.


