الرجعة
الرجعة هي من المباحث الاعتقادية المهمة عند الشيعة. تعني الرجعة العودة إلى الدنيا بعد الموت وقبل الآخرة. ستحدث الرجعة بعد فترة قصيرة من ظهور الإمام المهدي (عجل الله فرجه). وهذه العودة خاصة بالمؤمنين الخالصين والمشركين المحضين. وقد مر هذا المفهوم بمراحل متعددة وتقلبات كثيرة عبر التاريخ. ومن المؤسف أن هذا الاعتقاد لم يتعرض لنقد موضوعي وعادل من قبل المخالفين، بل كان دائماً موضع طعن واستهزاء وأحياناً إهانة وتجاوز.
الرجعة لغة واصطلاحاً
الرجعة مصدر ثلاثي مجرد من باب «رَجَعَ، يَرْجِعُ، رُجُوعاً». تطلق هذه الكلمة على العودة والرجوع. فالرجعة تعني العودة إلى المبدأ، والمبدأ يمكن أن يكون مكاناً أو حالة أو عملاً أو قولاً أو أي شيء بدأت منه الحركة. يقول الفيومي: «الرَّجْعَة بالفتح بمعنى الرّجوع»، والرجعة تعني مرة واحدة من الرجوع «والرَّجْعَة، المَرَّةُ الواحدة».
بمراجعة معظم كتب اللغة نجد أن المعاني المختلفة المذكورة للرجعة تشترك في معنى واحد وهو العودة إلى المكان الذي بدأت منه الحركة.[١] كما أن الترجمة الفارسية لهذه الكلمة هي «بازگشت» (باز= مرة أخرى + گشت= يعود).
وبجمع التعريفات الكثيرة للرجعة، يمكن القول إن الرجعة اصطلاحاً تعني: عودة جماعة من المؤمنين الخالصين والكافرين المحضين إلى الدنيا بعد موتهم وقبل يوم القيامة، وذلك في حكم الإمام المهدي (عجل الله فرجه). ومن الواضح أن الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) سيكونون من بين العائدين باعتبارهم أشرف المؤمنين الخالصين.[٢]
يقول العلامة محمد رضا المظفر، العالم الشيعي المعاصر، في هذا الصدد:
«عقيدة الشيعة في الرجعة، بناءً على اتباع أهل البيت (عليهم السلام)، هي: إن الله تعالى سيُحيي جماعة ممن ماتوا في سالف الأزمنة، وسيعيدهم إلى الدنيا بأجسادهم وهيئاتهم التي كانوا عليها. فيعز بعضهم ويذل آخرين، ويأخذ حقوق المؤمنين من الكافرين، وينتقص للمظلومين من الظالمين، وهذه الحادثة من الوقائع التي تقع بعد قيام المهدي من آل محمد. الذين يعودون إلى هذه الدنيا بعد موتهم إما أنهم يتمتعون بإيمان رفيع، أو أنهم أناس في الدرجة القصوى من الفساد، ثم يموتون مرة أخرى».[٣]
ماهية الرجعة
من مجموع الآيات والروايات وأقوال كبار العلماء الشيعة يمكن استنتاج أن الرجعة عالم له خصائص معينة، لا هو كعالم الدنيا ولا كعالم الآخرة، وهو أيضاً ليس عالم البرزخ.
يكتب العلامة الطباطبائي: «الرجعة من مراتب يوم القيامة، وإن كانت أدنى من القيامة في الكشف والظهور، والدليل على كونها أدنى من القيامة هو احتمال وجود الفساد والشر فيها (بشكل جزئي)، على عكس القيامة (حيث لا يوجد فيها أي فساد أو شر). ولهذا فإن يوم ظهور المهدي (عجل الله فرجه) أيضاً قد الحق أحياناً بالقيامة لظهور الحق وغلبته التامة، وإن كان يوم ظهوره أيضاً أدنى من يوم الرجعة».[٤]
مكانة الرجعة
على الرغم من أن البعض اعتبر هذا الاعتقاد من ضروريات المذهب الشيعي، وأخرجوا منكره من دائرة التشيع،[٥] إلا أن هناك أيضاً من لم يعتبره من ضروريات المذهب الشيعي،[٦] على الرغم من أن الروايات الكثيرة تؤكد الرأي الأول.
آثار الاعتقاد بالرجعة
بالنسبة لدور الاعتقاد بالرجعة في حياة الشيعي، يمكن القول أنه كما أن انتظار الفرج عبادة عظيمة وله دور مهم وكبير في ديناميكية المجتمع وحركته، فإن الاعتقاد بالرجعة والعودة عند ظهور الإمام المهدي (عجل الله فرجه) يمكن أن يكون له دور كبير في النشاط الديني والأمل في حكومته العالمية.
ورد في الروايات أن فئة من العائدين هم الذين يتمتعون بإيمان خالص؛ لذلك فإن الشخص الحريص على لقاء ذلك الإمام الأخير وحجة الله، سيبذل قصارى جهده ليصل إلى درجات الإيمان العالية، ليكون من ضمن العائدين.
ومن هنا فإن أهمية الاعتقاد بالرجعة لا تقل عن الاعتقاد بالمهدوية وانتظار الفرج.
إثبات الرجعة
استعان كبار علماء الشيعة لإثبات هذا الاعتقاد بجميع الأدلة العقلية والنقلية، ونشير هنا إلى بعضها فقط:
1. العقل: العقل في إثبات الرجعة له نفس الدور الذي له في إثبات المعاد. لذلك يمكن القول: العودة إلى الدنيا لا مانع منها عقلاً، والعقل لا يرى أي تعارض فيها، لأن قدرة الله تعالى تتعلق بكل شيء ممكن، والعقل لا يرى امتناعاً في إحياء الموتى بعد موتهم.
2. القرآن: من وجهة نظر الشيعة، تناول القرآن مسألة الرجعة وأثبت حدوثها ووقوعها في الأمم السابقة وفي آخر الزمان، وذلك في آيات متعددة وبشكل مفصل.
أ) أدلة إثبات ووقوع الرجعة
كما أشرنا، هناك آيات كثيرة في القرآن أخبرت عن إحياء بعض الموتى في الدنيا، وهي محل اتفاق بين جميع المسلمين. نشير إلى ثلاثة أمثلة منها:
إحياء السبعين رجلاً من أصحاب موسى (عليه السلام):
يقول الله تعالى في جزء من قصة موسى (عليه السلام): «وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ. ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ».[٧]
لا شك في أن هذه الحادثة تضمنت موتاً ثم إحياءً.
إحياء قتيل بني إسرائيل:
روى الله تعالى قصة إحياء قتيل بني إسرائيل على النحو التالي:
«وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ. فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ».[٨]
ومن الصعب جداً تأويل هذا الظهور الواضح والصريح للموت والإحياء بطريقة أخرى.
إحياء آلاف الأشخاص:
على الرغم من أن إحياء ميت واحد أو جميع الموتى لا يختلف بالنسبة لله، إلا أن الأمر لم يقتصر على إحياء عدد محدود. فقد أخبر الله في آية عن إحياء آلاف الموتى حيث قال: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ».[٩]
يقول رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): «ما كان في الأمم السابقة، سيكون في أمتي».[١٠] من هذا القول استنتج أنه بما أن الرجعة كانت من أهم حوادث الأمم السابقة ولم تتحقق بعد، فسوف تحدث بالتأكيد في المستقبل.
ب) الآيات المؤولة بالرجعة في آخر الزمان
بالإضافة إلى الآيات السابقة، هناك آيات كثيرة في القرآن يراها الشيعة قابلة للتطبيق على الرجعة في آخر الزمان، ونشير هنا إلى مثال واحد فقط اختصاراً:
يقول الله في الآية 83 من سورة النمل: «وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ». يقول العلامة الطباطبائي عن هذه الآية:
«من ظاهر الآية يتبين أن الحشر فيها ليس هو الحشر في يوم القيامة، لأن الحشر في القيامة لا يختص بفوج واحد من كل أمة، بل تحشر جميع الأمم فيها، وحتى وفقاً للآية «وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً» لا يغادر أحد منهم. أما في هذه الآية فيقول: نحشر من كل أمة فوجاً...».
ثم يؤكد أن المقصود من الآية هو حشر غير حشر يوم القيامة، ويكتب: «ومما يؤكد قولنا أن المقصود ليس هو الحشر في القيامة، أن هذه الآية والآيتين التاليتين لها، وردت بعد قصة خروج الدابة من الأرض، وهي إحدى علامات ما قبل قيام الساعة؛ القيامة التي يقول عنها بعد عدة آيات: «وَنُفِخَ فِي الصُّورِ»، ثم يصف وقائع ذلك اليوم. ولا معنى لأن يذكر أحد وقائع يوم القيامة قبل البدء في ذكر أصل القيامة ووقائعها، لأن الترتيب الزمني يقتضي أنه إذا كان حشر فوج من كل أمة جزءاً من وقائع القيامة، لذكره بعد مسألة النفخ في الصور. لكنه لم يذكره كذلك، بل ذكر مسألة حشر فوج من كل أمة قبل النفخ في الصور، فتبين أن هذا الحشر ليس من وقائع القيامة».[١١]
وردت في تفسير هذه الآية روايات كثيرة عن أهل البيت (عليهم السلام) اعتبروها دليلاً قوياً على وقوع الرجعة في عهد حكم المهدي (عجل الله فرجه).[١٢]
الرجعة في الروايات
يمكن تقسيم روايات الرجعة مثل الآيات إلى قسمين رئيسيين: القسم الأول هو الروايات التي تشير إلى حدوث الرجعة في الأمم السابقة، والتي وردت بشكل أساسي في ذيل الآيات المتعلقة بالرجعة. والقسم الثاني هو الروايات التي تشير إلى حدوث الرجعة في آخر الزمان وعند قيام الساعة. في هذا القسم، بالإضافة إلى الروايات الواردة في ذيل الآيات، هناك أيضاً روايات مستقلة، نشير إلى واحدة منها.
روى الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال: «إن لله عز وجل ثلاثة أيام: يوم يقوم القائم، ويوم الكرة، ويوم القيامة».[١٣]
بالإضافة إلى هذه الروايات، هناك العديد من الأدعية والزيارات التي تشير إلى مسألة الرجعة.
إجماع علماء الشيعة
بالإضافة إلى الأدلة النقلية (الآيات والروايات) وحكم العقل، استدل علماء الشيعة أيضاً بالإجماع والاتفاق بين العلماء والكبار. وقد قيل في العديد من المواضع أن علماء الشيعة متفقون على هذه المسألة. بل اعتبر البعض الدليل الرئيسي على الرجعة هو إجماع علماء الشيعة.
كتب أمين الإسلام الطبرسي في كتابه القيم مجمع البيان، في ذيل الآية 83 من سورة النمل:
«... وذلك لأن إثبات الرجعة لم يقتصر على ظواهر الأخبار المنقولة التي تحتمل التأويل، بل الاستناد في إثبات الرجعة هو على إجماع الشيعة الإمامية، على الرغم من أن أخبار هذا الباب تؤيد وتسانده أيضاً...».[١٤]
العائدون في الرجعة
يستنتج من مجموع الروايات أن المؤمنين الخالصين والكافرين المحضين هم من يعودون في الرجعة. وبالطبع، هناك روايات كثيرة تذكر بشكل خاص عودة أفراد معينين، نذكر بعضها بإيجاز:
- ذكر الإمام الحسين (عليه السلام) كأول من يعود.[١٥] - ورد ذكر عودات متعددة لعلي (عليه السلام).[١٦] - بشر الأئمة المعصومون (عليهم السلام) بعض أصحابهم خصوصاً بالرجعة.[١٧] - بعض الروايات تقول أن الأنبياء السابقين سيعودون.[١٨] - سيعود النبي الأكرم (صلى الله عليه و آله و سلم) مع الأئمة المعصومين (عليهم السلام).[١٩] - في بعض الروايات ذكر رجعة بعض المنافقين والكفار أيضاً.[٢٠]
مدة الرجعة
من خلال استقراء الروايات التي تشير بشكل متفرق إلى زمن الرجعة، يمكن استنتاج أن الرجعة تبدأ منذ ظهور الإمام المهدي (عجل الله فرجه) وتستمر حتى ما قبل قيام الساعة والبعث الأكبر.
التكليف الشرعي للعائدين
هل العائدون في الرجعة مكلفون بالواجبات الشرعية؟
في هذا الموضوع، تنقسم الروايات إلى قسمين: يقول البعض إن الهدف الوحيد من الرجعة هو مشاهدة دولة المهدي (عجل الله فرجه) والتمتع برؤية الحكم العالمي العادل. لكن في روايات كثيرة، قيل أيضاً إنهم يعودون لنصرة الإمام المهدي (عجل الله فرجه) وحكمه من بعده، ومن البديهي أنه في هذه الحالة سيكون عليهم تكليف، وسيحصلون على أجر مقابل أداء تلك التكاليف.
الحكمة من الرجعة
ورد في الروايات العديد من الحكم للرجعة، منها:
1. تمتع المنتظرين الصادقين لدولة الحق برؤية قيام الحكم العالمي. 2. معاناة وعذاب الكفار والمنافقين من رؤية تلك الدولة.[٢١]
الهوامش
- ↑ انظر: ابن فارس، معجم مقاييس اللغة؛ الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن؛ ابن منظور، لسان العرب؛ الفيومي، المصباح المنير؛ الجزائري، فروغ اللغات ...
- ↑ انظر: الشيخ المفيد، أوائل المقالات في المذاهب والمختارات، ج 4، ص 77؛ السيد المرتضى، جوابات المسائل التبانية، ج 1، ص 125؛ الحر العاملي، الإيقاظ من الرجعة، ص 29.
- ↑ محمد رضا المظفر، عقائد الإمامية، ترجمة علي رضا مسجد جامعي، منظمة الطباعة والنشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، ص 294.
- ↑ تفسير الميزان، ج 2، ص 109.
- ↑ الشيخ الطوسي، رسالة العقائد الجعفرية، ص 250؛ الحر العاملي، الإيقاظ، ص 67؛ فخر الدين الطريحي الأسدي، مجمع البحرين.
- ↑ جعفر السبحاني، الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل، ج 4، ص 289.
- ↑ سورة البقرة (2): الآيتان 55 و56.
- ↑ سورة البقرة (2): الآيتان 72 و73.
- ↑ سورة البقرة (2): الآية 243.
- ↑ القاضي نور الله الشوشتري، الصوارم المهرقة، منشورات مطبعة النهضة، 1367 هـ ش، ص 67.
- ↑ تفسير الميزان، ج 15، ص 570.
- ↑ انظر: علي بن إبراهيم القمي، تفسير القمي، ج 2، ص 36.
- ↑ الشيخ الصدوق، الخصائص، مكتبة الصدوق، ص 108.
- ↑ مجمع البيان، ج 7-8، ص 367.
- ↑ انظر: محمد بن مسعود العياشي، تفسير العياشي، مطبعة علمية، ج 2، ص 282؛ محمد بن يعقوب الكليني، الكافي، ج 8، ص 206.
- ↑ العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 53، ص 46-47؛ الكافي، ج 1، ص 197.
- ↑ انظر: محمد بن جرير الطبرسي، دلائل الإمامة، ص 284؛ محمد بن الحسن بن علي الطوسي، اختيار معرفة الرجال، ص 217؛ مصباح الشريعة، ص 63.
- ↑ تفسير القمي، ج 1، ص 106؛ تفسير العياشي، ج 1، ص 181.
- ↑ بحار الأنوار، ج 53، ص 15.
- ↑ بحار الأنوار، ج 53، ص 39.
- ↑ ما هي الرجعة؟، موقع الحوزة.