انتقل إلى المحتوى

غزوة تبوك

من ویکي‌وحدت

غزوة تبوك، هي إحدى الغزوات التي قادها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بنفسه ضد جيوش الروم. كان تحرك جيش الإسلام بقيادة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) إلى منطقة تبوك بهدف منع هجوم الروم، وانتهت دون قتال. فقد بلغ النبي (صلى الله عليه وآله) أن الروم يعتزمون تجهيز جيش لمهاجمة حدود شبه الجزيرة العربية والشمال الإسلامي، وتوسيع نفوذهم وتثبيته في تلك المنطقة. فلما سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) هذا الخبر، عزم على الخروج بنفسه بجيش كبير لمحاربتهم، ليُخرج من رؤوسهم فكرة الاعتداء على الدولة الإسلامية. وخلافاً للغزوات السابقة التي كان لا يعلن فيها عن الوجهة، أعلن في هذه الغزوة عزمه على التوجه إلى تبوك لمحاربة الروم، وألزم الأغنياء من المسلمين بالمساهمة بقدر استطاعتهم لتجهيز الجيش وتأمين المؤن. وقد ذكر المؤرخون أن جماعة كبيرة مثل عثمان بن عفان، وطلحة، والعباس بن عبد المطلب، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف قدموا مساعدات مالية كبيرة لتجهيز الجيش، كما دفع بعض المنافقين مبالغ للرياء والسمعة.

مشقة الرحلة

تبعد تبوك عن المدينة نحو مائة فرسخ، وكانت من أبعد الرحلات الحربية التي خاضها النبي (صلى الله عليه وآله) والمسلمون. وكان العدو هو جيش الروم، الذي تفوق على المسلمين عدداً وعدة. ولهذا السبب أيضاً أعلن النبي (صلى الله عليه وآله) الوجهة ليستعد المسلمون ويتهيأوا بشكل أفضل، ويحملوا معهم المؤن واللوازم الكافية.

وقد صادف ذلك الوقت أواخر الصيف، وفصل الحر الشديد في الحجاز، ووقت جني ثمار النخيل في المدينة، وكانت السنة استثنائية من حيث الجفاف وقلة المياه. وكانت الرحلة حقاً شاقة وصعبة على المسلمين. وكان تجميع جيش قادر على مواجهة جيش الروم المجهز والكبير أمراً بالغ الصعوبة، لكن عزم النبي الأكرم وإيمانه الراسخ بالعون الإلهي ومواصلة هدفه النهائي حلّ كل هذه المشاكل. وفي اليوم الذي غادر فيه جيش الإسلام المدينة، كان معه ثلاثون ألف مقاتل، عشرة آلاف فارس وعشرون ألف راجل.

استعان رسول الله (صلى الله عليه وآله) بتجهيز هذا الجيش الكبير، الذي لم يكن له نظير في الإسلام حتى ذلك الحين، بجميع القبائل المجاورة، بل وكتب رسالة إلى مكة، وكلف عتاب بن أسيد، واليه على مكة، بتحريك القبائل المجاورة للخروج، وجعل لكل قبيلة راية مستقلة وأميراً منفصلاً، ووفّر النفقات الهائلة من الزكاة وتبرعات الأغنياء.

التخريب والتثبيط

لا يخفى أنه في مثل هذه الظروف، يوجد دائماً أشخاص سلبيون ومعارضون، وبسبب تعلقهم الشديد بالدنيا، وضعف إيمانهم، وخلوهم من روح التضحية، يختلقون الأعذار للتهرب من الواجب الديني، بل ويحددون الواجبات للآخرين، ويمارسون التخريب والمعارضة، ويعرقلون تقدم الأعمال قدر استطاعتهم، خاصة أنهم يكنون في قلوبهم النفاق والعداوة والبغضاء للهدف والمبدأ.

وكانت بيئة المدينة، منذ اليوم الأول لدخول النبي (صلى الله عليه وآله) إليها، ملوثة بمثل هؤلاء المنافقين، الذين لم يتوانوا في مختلف الفرص عن التخريب وتشويش الرأي العام ضد قائد الإسلام العظيم وأهدافه السامية. فلما علموا بالأمر، شرعوا، وفقاً لطبيعتهم الفاسدة النجسة، في حملاتهم الدعائية المسمومة، ومحاولة منع الناس من المشاركة في هذا الجهاد المقدس بكل وسيلة، وتجاوزوا ذلك إلى العمل الجماعي السري ضد النبي (صلى الله عليه وآله) ومنع تجنيد الجيش.

ومن هؤلاء، شخص يدعى جد بن قيس، فلما عرض عليه النبي (صلى الله عليه وآله) المشاركة في حرب الروم، قال له ساخراً ومتعللاً: «إني مولع بالنساء، وأخشى إذا رأيت نساء الروم الجميلات ألا أملك نفسي وأفتن!» وكان هذا العذر بذيئاً ومخجلاً لدرجة أن الله تعالى حكى قوله في آية من القرآن وتولى الرد عليه: «وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلَا تَفْتِنِّي ۚ أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ»[١].

وكان هناك آخرون جعلوا حرّ الهواء عذراً للتخلف عن الغزوة، ويقولون للآخرين: لا تخرجوا في هذا الحر الشديد. فتوعدهم الله بنار جهنم، وقال في ردهم: «قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ، فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ»[٢].

ونزلت آيات كثيرة أخرى في ذم المتخلفين عن غزوة تبوك والمنافقين الذين كانوا يمنعون الآخرين من المشاركة، ووعدتهم بنار جهنم والعدل الإلهي[٣].

الشدة مع المنافقين

تطور الأمر من الاعتراضات الفردية والأعذار الشخصية إلى المؤامرات الجماعية والأنشطة الجماعية. فعلم النبي (صلى الله عليه وآله) أن المنافقين، إضافة إلى تخلفهم عن الحرب، كانوا يجتمعون في بيت أحد يهود المدينة، يدعى "سُوَيْلِم" في محلة "جاسوم"، لثني الناس عن المشاركة.

ولقمعهم وتأديب المتآمرين وعبرة الآخرين، كلف النبي (صلى الله عليه وآله) طلحة بن عبيد الله مع جماعة من المجاهدين بإحراق ذلك البيت وتخريبه. وكان المنافقون منهمكين في التخطيط ضد المسلمين ومنع القبائل والجنود من المشاركة في هذه الغزوة، فإذا بألسنة اللهب تتصاعد من جوانب البيت، فتدافعوا هاربين من بين النيران، واضطر أحدهم إلى القفز من السطح، فكسرت رجله عند سقوطه. وكانت هذه الحادثة عبرة لسائر المثبطين والمعارضين، وأوقفت حملاتهم الدعائية المسمومة، وعلموا أنهم قد يواجهون رد فعل شديداً من النبي (صلى الله عليه وآله).

البكاؤون

في مقابل هؤلاء، كان هناك أناس عشقوا التضحية في سبيل الدين، وتلهفوا للمشاركة في هذه الغزوة، لكن الفقر والعوز حال دون تمكنهم من توفير المؤن والمركوب، فجاؤوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله) يطلبون منه مركوباً يلحقون به إلى حرب الروم. ولما خاب أملهم، وسمعوا من النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: «لا أجد ما أحملكم عليه»، جرت دموعهم على وجوههم من شدة الحزن والأسى، وعُرفوا في التاريخ الإسلامي بـ"البكائين"، وسجل المؤرخون أسماءهم واحداً واحداً في كتبهم.

وقبل الله تعالى عذرهم عن عدم المشاركة، وأبلغ نبيه ذلك في الآية 92 من سورة التوبة، ليعفيهم من المشاركة.

المتخلفون عن الغزوة

من سنن الله في عباده المؤمنين، سنة الابتلاء والامتحان، حيث يختبرهم بين الحين والآخر بوسائل وأسباب متنوعة، تماشياً مع الحِكم والمصالح، ليميز المؤمنين الصادقين من المنافقين والمدعين، وقد ذكر الله هذه الحقيقة في آيات من القرآن الكريم.

وكانت غزوة تبوك واحدة من تلك المشاهد التي امتحن فيها أناس كثيرون. فمنهم من كان كالبكائين، يبكون كالغيوم من شدة الأسى لعدم تمكنهم من المشاركة، ومنهم من تعلق بحصاد التمر والحر الشديد ليتخلف عن هذا الفرض العظيم، ومنهم من أراد الجمع بين الأمرين، دون أن يكون في قلبه نفاق أو رياء، فحل بهم مصير صعب وشاق.

ومن الذين تخلفوا عن غزوة تبوك هؤلاء الأربعة: كعب بن مالك، ومرارة بن ربيع، وهلال بن أمية، وأبو خيثمة.

فأبو خيثمة، بعد أن مضى يومان على تحرك جيش الإسلام، وأصبحت المدينة خالية تماماً، دخل بستانه قرب الظهر، فوجد زوجتيه قد رشتا كل منهما ظل حصيرها الخاص، وأعدّتا طعاماً لذياً وماءً بارداً، وتزينت كل منهما لاستقباله. فلما رآهما، تذكر فجأة نبيه الكريم وقائد الإسلام، وهو يتقدم في تلك الصحاري الحجازية الحارقة لقمع أعداء الدين، ويتحمل كل تلك المشاق والمتاعب. فقال في نفسه: ليس من الإنصاف أن أترف مع زوجتي الجميلتين تحت الظل، بينما رسول الله يعاني من الشمس والرياح المحرقة وحر الصحراء القاتل!

فقرر الرحيل فوراً، وقال لزوجتيه: جهزا لي بعيري وزوداني بالطعام، فإني سأرحل الآن. لحق أبو خيثمة بالنبي (صلى الله عليه وآله) في تبوك، واعتذر عن تأخره، فقبله رسول الله، وبقي مع جيش الإسلام حتى عودته إلى المدينة.

أما الثلاثة الآخرون، كعب بن مالك ومرارة وهلال، فلم يكن في قلوبهم نفاق، ولم يتخلفوا عن الجيش عن عداوة للإسلام، بل بسبب الكسل والتسويف، كل يوم يقولون: سنرحل غداً، حتى فوجئوا ذات يوم بجيش الإسلام قد عاد من تبوك وأصبح قريباً من المدينة.

ولتقبل توبتهم، حل بهم مصير قاسٍ ومؤلم، وبعد أن عانوا الكثير من الحرمان، قُبلت توبتهم وعادوا إلى حياتهم الطبيعية.

وبطبيعة الحال، كان هناك آخرون كثيرون لم يشاركوا في غزوة تبوك، لكنهم كانوا من المنافقين ضعاف الإيمان. فلما عاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة، جاؤوا إليه واختلقوا الأعذار وحلفوا الأيمان لتبرير تخلفهم. فأمر النبي (صلى الله عليه وآله) بقبول أعذارهم ظاهراً، وتركهم على حالهم من النفاق والكفر، وإن لم تُقبل أعذارهم عند الله، ولم تُتب توبتهم.

تخلف علي (عليه السلام) عن غزوة تبوك

لأول مرة، أمر النبي (صلى الله عليه وآله) علي بن أبي طالب (عليه السلام) بالبقاء في المدينة، وتولي رعاية أسرته وأقاربه، مع أنه كان في جميع الغزوات والرحلات السابقة ملازماً لركابه وحامل لواء الحرب. وكان هذا الأمر جديداً، فانتهز المنافقون الفرصة، وأخذوا يثرثرون، كل يفسر الأمر على هواه، ويوجه اتهامات للنبي أو لعلي بن أبي طالب (عليه السلام).

فقال بعض المتخلفين الذين تعللوا بحرّ الهواء وجني التمور وبقوا في المدينة: إن علياً (عليه السلام) تعلل أيضاً بالحر وبعد الطريق ومشاقها، فلم يخرج مع النبي (صلى الله عليه وآله). وقال آخرون: إن وجود علي في هذه الرحلة كان ثقيلاً على النبي (صلى الله عليه وآله)، فاحتال النبي (صلى الله عليه وآله) لتركه، وولاه رعاية أسرته وأقاربه.

لكن الجواب الذي أعطاه النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) لاحقاً، وبيّن فيه سبب هذا الأمر، كشف، برمز وإشارة، عن أغراضهم الخبيثة ونياتهم الفاسدة، ورفع في كلماته منزلة علي (عليه السلام) إلى مرتبة الخليفة المباشر والوصي الحقيقي بعد نفسه، وهذا البيان الذي ذكره جميع مؤرخي أهل السنة والمحدثين منهم، وضع حداً لكل تلك الثرثرات.

فقد روى هؤلاء المؤرخون، كابن هشام، والطبري، وابن الأثير، وغيرهم، وكذلك أهل الحديث كالبخاري، والترمذي، والنسائي، وآخرون[٤]، باختلاف يسير وإجمال وتفصيل عن رواة مختلفين: أنه لما بلغت هذه الأقوال مسامع علي بن أبي طالب (عليه السلام)، حمل سلاحه ولحق بالنبي (صلى الله عليه وآله)، وأدركه في «ثنية الوداع» أو «جرف»، وعرض عليه أقوال المنافقين.

وفي بعض الروايات، أن علياً (عليه السلام) قال مستفسراً: «أتخلّفني مع الخوالف؟» [أتُخلّفني مع المتخلفين؟].

فكان جواب النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): «إن المدينة لا تصلح إلا بي أو بك». [إن المدينة لا تصلح إلا بوجودي أو وجودك].

والجملة التي نقلها الجميع هي: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي؟». [ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي].

وبهذا أثبت سنداً قطعياً لا شك فيه لخلافة علي (عليه السلام) المباشرة ووصايته من بعده، وأثبت له جميع المنازل التي كان لها هارون بعد موسى (عليه السلام)، وهي الخلافة والوصاية والوزارة والأخوة، وأفهم أيضاً، بالجملة السابقة «إن المدينة لا تصلح إلا بي أو بك»، أن المنافقين وأعداء الإسلام يتربصون الفرصة، وفي هذا الظرف الحساس، بعد فتح مكة وقمع جميع الأعداء واستسلام القبائل الأخرى، لضرب المدينة في غيابه. وأن الوحيد القادر على تعويض غيابه في المدينة ومنع هذه المؤامرة، بل إن وجوده في المدينة يمنع تنفيذها، هو أنت. والمدينة في هذا الظرف لا تصلح إلا بوجودي أو وجودك، ولا مصلحة في خروجي أنا وأنت معاً من المدينة!

فلما سمع علي (عليه السلام) هذا الكلام، وفهم هدف النبي (صلى الله عليه وآله) من هذا الأمر، عاد إلى المدينة وانصرف لشؤونه.

الهوامش

  1. سورة التوبة، آية 49.
  2. سورة التوبة، الآيات 81-82.
  3. بحار الأنوار، ج21، ص185 وما بعدها.
  4. إحقاق الحق، ج5، ص234/132.