عرش الله
عرش الله لفظ اختلف المفسرون والمحدثون والفلاسفة كثيرا في معنیه وما تكني عنه هذه الكلمة. فمرة يفسر العرش بـ"علم الله غير المحدود"، ومرة يطلق على "ملك الله وسلطانه"، ومرة على كل صفة من صفات الكمال والجلال له، لأن كل واحدة منها تعبر عن عظمة مقامه، كما أن عرش الملوك يكون علامة على عظمتهم. فالله عز وجل له عرش العلم، وعرش القدرة، وعرش الرحمانية، وعرش الرحيمية.
وحسب التفاسير الثلاثة المذكورة أعلاه، فإن مفهوم "العرش" يرجع إلى صفة من صفات الله، وليس إلى وجود خارجي.
وقد ايدت بعض الروايات الواردة عن أهل البيت (ع) هذا المعنى، كما في الرواية التي نقلها "حفص بن غياث" عن الإمام جعفر الصادق (ع) حيث سئل عن تفسير آية وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ (البقرة/255) فقال: "علمه". وفي رواية اخرى عنه فسر "العرش" بالعلم الذي اطلع عليه الانبياء، و "الكرسي" بالعلم الذي لم يطلع عليه احدا.
في حين أن بعض المفسرين الآخرين، وبالاستهداء بروايات اخرى، فسروا "العرش" و "الكرسي" بمخلوقين عظيمين من مخلوقات الله. فمنهم من قال: إن المراد بالعرش هو مجموع العالم الوجود.
وقيل: إن مجموع السماء والارض واقع داخل الكرسي، بل إن السماء والارض بالنسبة للكرسي كالحلقة في صحراء واسعة، والكرسي نفسه بالنسبة للعرش كالحلقة في صحراء واسعة ايضا.
وقد اطلق "العرش" احيانا على قلوب الانبياء والاوصياء والمؤمنين الكاملين، كما ورد في الحديث: "إن قلب المؤمن عرش الرحمن". وكذلك في الحديث القدسي: "لا تسعني سمائي ولا ارضي، ويسعني قلب عبدي المؤمن".[١]
العرش في اللغة
يطلق العرش في اللغة على الشيء ذي السقف. كما يأتي بمعنى "سرير الملك".[٢] [٣][٤] [٥] [٦]
العَرْش هو أحد المصطلحات القرآنية، وحسب معتقدات الإمامية فإنه يعني علم الله وتدبيره وسلطانه.
العرش في القرآن
استخدم مصطلح العرش في القرآن في معان مختلفة حسب السياق، إلا أنها تجتمع في نقطة واحدة هي أن "العرش كناية عن عظمة الله ومخلوقاته". ففي الآية الكريمة: **{الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ}** [طه: 5]، فإن "الاستواء" على العرش هو كناية عن سيطرة الله وحكمه وملكه وتدبيره لنظام الكون، كما أن "جلوس الملك على العرش" في الاستخدام العادي يستعمل كناية عن سيطرته على بلاده. وجدير بالذكر أن بعض المفردات لا تستطيع التعبير بدقة عن عظمة الله حتى عظمة مخلوقاته العظيمة، ولذلك يلجأ إلى الاستعارة والمجاز لرسم صورة تقريبية لتلك العظمة. ومن تلك اللفظات كلمة "عرش" التي تعني في اللغة "السقف" أو "سرير الملك ذا القوائم العالية" (في مقابل "كرسي" الذي يعني السرير ذا القوائم القصيرة)، ثم استعيرت هذه الكلمة لتسمية سرير قدرة الله وسلطانه فسمي "عرش الرب".
عرش الله
العرش من منظور الروايات
ذكر العرش في الروايات بتعابير مختلفة، منها: أن العرش محمول على اكتاف الملائكة المقربين، وأن صور جميع المخلوقات مرسومة عليه.[٧] وقد ورد في روايات اخرى أن جملة **«لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي أمير المؤمنين»** مكتوبة على العرش.[٨] كما قال رسول الله (ص) في حديث: "لما نظرت إلى العرش في معراجي، رأيت جميع الاوصياء (او المعصومين) عن يمين العرش".[٩] وفي بعض الروايات أن العرش هو علم الله غير المحدود.[١٠] وفي روايات اخرى أن العرش عظيم الجدة، وأن جميع المخلوقات بالنسبة له كالحلقة في صحراء واسعة.[١١]
آراء مختلفة حول العرش
العرش مجهول المعنى
يعتقد بعض مذاهب اهل السنة مثل الاشاعرة و اهل الحديث أنه يجب الايمان بمفاهيم مثل العرش والكرسي دون التفكر في كيفيتها.[١٢] فالله مستو على العرش، ولكن معنى ذلك مجهول لنا.[١٣] وقد نقل عن مالك بن انس قوله: "الاستواء معروف (اي مذكور في النصوص)، والكيف مجهول، والايمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".[١٤]
العرش مادي ومكاني
قدم المؤمنون بمادية العرش تحليلات مختلفة. فمثلا، يعتقد **الظاهريون** و **الحشوية** أن عرش الله مكان واسع يجلس عليه الله ويتولى تدبير الكون.[١٥] وقد قال بعضهم: "إن العرش قد امتد من جميع جوانبه الاربعة بقدر اربعة اصابع، وأن تحت الله صوتا كصوت الرحل الحديدي يسمع".[١٦] ويعتقد بعض اهل التجسيم أن العرش والكرسي جسمان كونيان واسعان وعظيمان.[١٧] بينما ذهب قلة إلى أن العرش والكرسي هما كوكبا "زحل" و "المشتري".[١٨] وقال آخرون: "إن الله يجلس على العرش يوم القيامة وتحمله الملائكة، حتى يراه جميع الخلق".[١٩] كما اعتبر بعض فلاسفة المسلمين العرش هو "فلك الافلاك" (اي الفلك التاسع في النظام الفلسفي).[٢٠]
العرش من منظور المذاهب والعلماء المسلمين
للعرش معنى مجازي
من وجهة نظر المعتزلة وبعض مفسري الامامية، لا يوجد شيء اسمه العرش في الخارج، بل هو كناية عن امور اخرى.[٢١] ولكن الآراء اختلفت في ما يكني عنه العرش. فثمة من يعتقد أن العرش هو الكون بأكمله، وأن استواء الله عليه كناية عن تدبيره لجميع الامور.[٢٢] بينما يقول آخرون: إن الكرسي كناية عن العالم المادي (الدنيا)، والعرش كناية عن العالم ما فوق المادة (الاخرة او العوالم العليا).[٢٣] وقد فسر **الشيخ الصدوق** العرش بعلم الله غير المحدود.[٢٤] بينما يراه آخرون كناية عن سلطان الله وحكمه وملكه.[٢٥] أما **العلامة الطباطبائي** فيعتقد أن العرش مرحلة متطورة من عوالم الوجود، وأنه مركز قيادة العالم ومكان صدور الاوامر الالهية، وأن استواء الله عليه كناية عن تدبير الكون وعلمه بجميع الامور.[٢٦]
العرش في الاديان الاخرى
ذكر العرش في الاديان الاخرى واستخدم في معان مشابهة احيانا. فمرة يعني "السماء"، وقد ورد: "لا تحلفوا بالسماء لأنها عرش الله".[٢٧] ومرة اخرى يعني سريرا له عجلات يجلس عليه الله.[٢٨] في حين أن العرش وعجلاته من نار ملتهبة.[٢٩] وقد ورد في سفر الملوك من التوراة ذكر ملائكة جالسة عن يمين وشمال العرش (السرير) الالهي.[٣٠] علاقة على ذلك، فإن الملائكة "السرافين" يسبحون حول عرش الرب.[٣١]
الهوامش
- ↑ ر. ك. مكارم الشيرازي، ناصر، تفسير نمونه، ج 20، ص 35.
- ↑ مفردات الراغب، ص329.
- ↑ دهخدا، علي أكبر، لغتنامه دهخدا، 1377 هـ.ش، ج10، مادة «عرش».
- ↑ مصطفوي، حسن، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، بنگاه ترجمه ونشر كتاب، 1360 هـ.ش، ج8، ص84.
- ↑ ابن منظور، لسان العرب، ج6، ص313.
- ↑ العين، ج1، ص249.
- ↑ الطباطبائي، السيد محمد حسين، تفسير الميزان، 1417 هـ.ق، ج8، ص170.
- ↑ المجلسي، بحار الأنوار، 1403 هـ.ق، ج 27، ص1.
- ↑ المجلسي، بحار الأنوار، 1403 هـ.ق، ج36، ص217.
- ↑ بيات مختاري، «عرش خدا و تفاوت آن با كرسى»، ص58.
- ↑ رستمي و آل بويه، سيري در أسرار فرشتگان، 1393 هـ.ش، ص198.
- ↑ بيات مختاري، «عرش خدا و تفاوت آن با كرسى»، ص53.
- ↑ دانشنامه قرآني، ج 49، مدخل "عرش"، ص1446.
- ↑ احمدي، «إنديشه كلامي سنائي درباره عرش»، ص7.
- ↑ دانشنامه قرآني، ج49، مدخل "عرش"، ص1446.
- ↑ موسوي مبلغ، «ظاهر نگری در آيات صفات»، ص8.
- ↑ بيات مختاري، «عرش خدا و تفاوت آن با كرسى»، ص71.
- ↑ بيات مختاري، «عرش خدا و تفاوت آن با كرسى»، ص70.
- ↑ مختاري، «عرش الهي، واگرايي و همگرايي آن با كرسى»، ص51.
- ↑ بي نام، «تفسير قرآن مجيد، سورة رعد الآية 2»، ص8.
- ↑ بي نام، «آيات عرش و كرسى» في فرهنگ نامه علوم قرآن، ص91.
- ↑ بي نام، «تفسير قرآن مجيد، سورة رعد، الآية 2»، ص10.
- ↑ مكارم الشيرازي ناصر، تفسير نمونه، 1369 هـ.ش، ج 20، ص38.
- ↑ الشيخ الصدوق، معاني الأخبار، ترجمة محمدي شاهرودي، 1377 هـ.ش، ص67.
- ↑ معرفت، التمهيد في علوم القرآن، 1416 هـ.ق، ج3، ص125.
- ↑ الطباطبائي، الميزان، 1417 هـ.ق، ج17، ص298.
- ↑ الكتاب المقدس، انجيل متى، الاصحاح 5، الآية 35.
- ↑ الكتاب المقدس، سفر حزقيال، الاصحاح 1، الآية 26.
- ↑ الكتاب المقدس، سفر دانيال، الاصحاح 7، الآية 9.
- ↑ الكتاب المقدس، سفر الملوك الاول، الاصحاح 22، الآية 19.
- ↑ الكتاب المقدس، سفر اشعياء، الاصحاح 6، الآية 3.