الإسناد والسند

من ویکي‌وحدت

الإسناد: اصطلاح في علم الدراية والرجال يراد به رفع الحديث إلی قائله. أو اتصال نَقَلة الحديث إلی ناقله الأصلي.

تعريف الإسناد

قال الحافظ بدرالدين بن جماعة(م733ق):
«السند هو الإخبار عن طريق المتن وهو مأخوذ إما من السند وهو ما ارتفع وعلا من سفح الجبل، لأن المِسند – بکسر النون – يرفعه إلی قائله. أو من قولهم: فلان سند أي نعتمد، فسمّي الإخبار عن طريق المتن سنداً لإعتماد الحفاظ في صحة الحديث و ضعفه عليه. وأما الإسناد فهو رفع الحديث إلی قائله، والمحدثون يستعملون السند و الإسناد لشئ واحد».[١]
والإسناد: «رفع الحديث إلی قائله فعلی هذا، السند و الإسناد يتقاربان في معنی الإعتماد».
فتحصّل أن السند له إرتباط وثيق بالمتن وأما متن الحديث فاختلف في معناه أ هو قول الصحابي عن رسول الله(ص) کذا و کذا، أو هو قول الرسول(ص) فحسب، والاول أظهر لما تقرّر من أن السنة إما قول أو فعل أو تقرير.[٢]

أهمية الإسناد

للإسناد مکانته و أهميته في الإسلام، إذ الأصل في ذلک تلقي الأمة لهذا الدين عن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، و هم تلقّوه عن رسول رب العالمين محمد(ص)، و هو تلقّی عن رب العزة والجلال بواسطة أو بغير واسطة کما هو معلوم من أقسام الوحي.
وللدلالة علی أهمية و مکانة الإسناد من الإسلام، أذکر فيما يلي طائفة من أقوال السلف رحمهم الله:
1. روی الإمام مسلم بسنده عن محمد بن سيرين قال: «الإسناد من الدين و لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء».[٣]
2. و بإسناده إلی محمدبن سيرين أيضاً قال: «إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينکم».[٤] وذلک لأن الإسناد وسيلة لتمييز الأحاديث الصحيحة من الضعيفةمما يترتب عليه معرفة أحکام أو تعاليم الدين.
3. أخرج الخطيب بسنده إلی أبي بکر محمد بن أحمد(م331ق) قال: «بلغني أن الله خصّ هذه الأمة بثلاثة أشياء لم يعطها مَن قبلَها من الأمم: الإسناد، والأنساب والإعراب».[٥]
4. وقال شيخ الإسلام أبوالعباس ابن تيمية(م728ق): «وعلم الإسناد والرواية مما خص الله به أمة محمد(ص)، و جعله سُلّماً إلی الدراية، فأهل الکتاب لا إسناد لهم يأثرون به المنقولات، وهکذا المبتدعون من هذه الأمة أهل الضلالات، وإنما الإسناد لمن أعظم الله عليه المنة أهل الإسلام و السنة، يفرقون به بين الصحيح والسقيم والمعوج والقويم».[٦]

بدء إستعمال الإسناد والسؤال عنه

تقدم في الفقرة السابقة عند الکلام عن أهمية الإسناد أن الأصل في ذلک تلقي الأمة الدين کله عن الصحابة وهم تلقوه عن رسول الله(ص) و هو تلقاه عن رب العزة والجلال.
وقال الحافظ أبوعبدالله الذهبي(م748ق) في ترجمة أبي بکر الصديق(رض): وکان أوّلَ من احتاط في قبول الأخبار، فروی ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب: «أن الجدة جاءت إلی أبي بکر تلتمس أن تورث، فقال: ما أجد في کتاب الله شيئاً و ما علمت أن رسول الله(ص) ذکر لک شيئاً، ثم سأل الناس، فقام المغيرة فقال: حضرتُ رسولَ الله(ص) يعطيها السدس، فقال له: هل معک أحد؟ فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلک، فأنفذه لها أبوبکر».[٧]
وقال في ترجمة عمر(رض): «وهو الذي سنّ للمحدثين التثبّت في النقل، وربما کان يتوقف في خبر الواحد إذا ارتاب».[٨]
وقال الحافظ أبوحاتم بن حبان(م354ق): «وتبع عمر علی ذلک التثبّت علي بن أبي طالب(رض) باستحلاف من يُحدّثه عن رسول الله(ص)، وإن کانوا ثقات مأمونين ليعلمهم توقي الکذب علی رسول الله(ص)».
ثم قال: و هذان أول من فتش عن الرجال في الرواية وبحثا عن النقل في الأخبار ثم تبعهما الناس علی ذلک».[٩]
هذه النصوص تدل دلالة واضحة علی أن التحري والتوقي في رواية الحديث والسؤال عن الإسناد قد بدأ في فترة مبکرة، لکن کثرة السؤال عن الإسناد والتفتيش عنه إزدادت بعد وقوع فتنة عبدالله بن سبأ اليهودي و أتباعه في آخر خلافة عثمان بن عفان(رض)، و لم يزل استعمال الإسناد ينتشر و يزداد السؤال عنه مع انتشار أصحاب الأهواء بين المسلمين و کثرة الفتن التي قد تحمل علی الکذب حتی أصبح الناس لايقبلون حديثاً بدون إسناد حتی يعرف رواته ويعرف حالهم.
وفيما يلي من النصوص دلالة واضحة علی ذلک:
1. روی الإمام مسلم بإسناده إلی مجاهد قال: «جاء بشير بن کعب العدوي إلی ابـن عبـاس فجعل يحـدث ويقول: قال رسـول الله قـال رسـول الله،
فجعل لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه فقال: يا ابن عباس ما لي لا أراک تسمع لحديثي؟ أحدثک عن رسول الله(ص) و لا تسمع، فقال: إنا کنا مرة إذا سمعنا رجلاً يقول: قال رسول الله، ابتدرته أبصارنا و أصغينا إليه بآذاننا، فلما رکب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف».[١٠]
2. وروی بسنده أيضاً إلی محمد بن سيرين قال: «لم يکونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة فالوا: سمعوا لنا رجالکم، فينظر إلی أهل السنة فيؤخذ حديثهم، و ينظر إلی أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم».[١١]
3. وعن يعقوب بن شيبة قال: «سمعت علي بن المديني يقول: کان محمد بن سيرين ممن ينظر في الحديث ويفتش عن الإسناد، لا نعلم أحداً أول منه ...». [١٢]
4. روی الإمام أحمد عن جابر بن نوح قال: «أخبرنا الأعمش عن إبراهيم النخعي قال: إنما سُئل عن الإسناد أيام المختار».[١٣]
5. وروی الحافظ أبومحمد بن خلاد الرامهرمزي(م360ق) بسنده إلی الإمام الشعبي عن الربيع بن خيثم قال: من قال لا إله إلا الله وحده لا شريک له، له الملک و له الحمد ... فله کذا و کذا، قال الشعبي: فقلت: من حدّثک؟ قال: عمرو بن ميمون، فلقيت عمرو ميمون وقلت: من حدّثک؟ فقال: أبو أيوب صاحب رسول الله(ص). قال يحيی بن سعيد الفطان: و هذا أول ما فتش عن الإسناد.[١٤]

المصادر

  1. ) ابن جماعة، المنهل الروي، صص 29 و30.
  2. ) الخلاصة في اصول الحديث، ص30؛ و انظر: تدريب الراوي، ج1صص41 و 42؛ و فتح المغيث للسخاوي، ج1ص14.
  3. ) مقدمة صحيح الإمام مسلم، ج1ص15؛ وروی هذا القول مسلم أيضاً عن أبن المبارک؛ وانظر: المحدث الفاصل، ص209.
  4. ) مقدمة صحيح الإمام مسلم، ج1ص14؛ وانظر: المحدث الفاصل، ص414.
  5. ) الخطيب البغدادي، شرف أصحاب الحديث، ص40.
  6. ) ؟؟؟
  7. ) ذهبي، تذکرة الحفاظ، ج1ص2؛ و قد وردت هذه القصة من أکثر من عشرين طريقاً کلها تنتهي إلی قبيصة، و هو لم يدرک أبابکر فتکون القصة مرسلة لکنها مشهورة معروفة عند العلماء والله تعالی أعلم.
  8. ) ذهبي، تذکرة الحفاظ، ج1ص6؛ والحديث بهذا اللفظ رواه البخاري في کتاب الإستئذان، باب التسليم و الإستئذان ثلاثاً.
  9. ) ابن حبان، مقدمة المجروحين، ج1ص38..
  10. ) مقدمة صحيح الإمام مسلم، ج1ص13.
  11. ) مقدمة صحيح الإمام مسلم، ج1ص15.
  12. ) ابن رجب، شرح علل الترمذي، ج1ص52.
  13. ) العلل للإمام أحمد برواية ابنه عبدالله، ج3ص380 فقرة 5673. والمختار هو ابن أبي عبيد الثقفي لأبيه صحبة، ولد سنة الهجرة و ليس له صحبة، خرج علی أولاد علي بن أبي طالب و نظر إلی عبدالله بن الزبير في أول أمره ثم تظاهر بعد ذلک بالمطالبة بدم الحسين بن علي (رضي الله عنهما) ثم ادعی في آخر أيامه أن الوحي ينزل عليه، و إليه تنسب الفرقة المختارية المتفرعة من الکيسانية التي تقول بأن الإمام بعد علي(رض) ابنه محمد بن الحنفية، و أنه حيّ و سيظهر في آخر الزمان، و يغلو بعضهم فيزعم ألوهيته، و قد قتل المختار علی يد مصعب بن الزبير سنة 67هـ . انظر: إعتقادات فرق المسلمين و المشترکين للرازي، ص94؛ لسان الميزان، ج6صص6 و7.
  14. ) المحدث الفاصل، ص208؛ التمهيد لابن عبدالبر، ج1ص55.