انسداد باب الاجتهاد

من ویکي‌وحدت

انسداد باب الاجتهاد: انسداد باب الاجتهاد اصطلاحٌ يعبّر عن فكر راج في عهد من الزمان، ويعبّر كذلك عن تاريخ مرَّ به الاجتهاد في الاسلام. إنّه فكر باعتباره يمثّل رأياً حمله عدد من الفقهاء ودرج في قرون مديدة من الزمان، وهو في نفس الوقت يعبّر عن تاريخ ودور من الأدوار التي مرّ بها الاجتهاد و الفقه الاسلامي وخضع فيها إلى ظروف اجتماعية وسياسية إلى جانب التطورات العلمية.

تعريف الانسداد

عرَّفه السيد الحكيم بقوله: أرادوا به حظر الاجتهاد بعد أن تمَّ غلق أبوابه ـ على يد بعض السلطات على جميع المكلفين ـ وحصر الرجوع إلى خصوص المذاهب الأربعة[١].
لكن من خلال التعاريف الدارجة للاجتهاد يمكن القول بأنّ سدَّ بابه يعني ترك السعي وبذل الجهد الذي يبذل غالباً في مجال الاجتهاد، والاقتصار على جهود المتقدمين من الفقهاء وبخاصة أئمة المذاهب الأربعة.
والدارج استخدام صيغة انفعال (انسداد) رغم أنّ البعض استعمل صيغة فَعَلَ (سدّ)[٢].
هذا مع أنّ المراد من الاجتهاد هنا هو الاجتهاد المطلق لا جميع أنواعه، من قبيل الاجتهاد في المذهب، فإنّه لم ينقطع أبداً ؛ باعتباره ليس اجتهادا تاما، ويستبطن تقليدا واضحا.

تطور انسداد باب الاجتهاد

تشاطر الفريقين في الركود الفقهي

تشاطر الشيعة والسنة ظاهرة الركود الفقهي أو الاجتهادي، وقد نال اجتهاد كلٍّ من الفريقين شيئاً من الجمود مع فرق بينهما في عدّة موارد:
الأول: أنَّ ما واجهه الفقه الشيعي عبارة عن الركود، ومن غير الدقيق القول بأنّه إنسداد، بينما الذي واجهه الفقه السني عبارة عن الإنسداد ذاته. ولم يصرّح أيٌّ من المؤرخين وفقهاء الشيعة ممّن عاشوا برهات الركود بالإنسداد كموقف فقهي.
الثاني: لم يذهب أحد من فقهاء الشيعة بنحو رسمي إلى هذه الفكرة. وما نسب إلى الأخبارية من قولهم بالانسداد ليس صحيحاً، وفي الحقيقة هم يختلفون مع باقي الشيعة في مصادر الاجتهاد، حيث حصروها بالكتاب والسنة، لا في أصل الاجتهاد[٣].
هذا مع أنّا شهدنا القول بانسداد باب الاجتهاد بنحو رسمي، أفصح عنه بعض فقهاء أهل السنّة. وبعبارة اخرى: إنّ الركود الفقهي الذي حصل لدى الشيعة عفوي غير منظَّر له، ولا ينطوي على رأي فقهي خاص، عكس ما عليه أهل السنّة.
الثالث: أنّ أسباب الركود لدى الشيعة تختلف عنها لدى أهل السنّة. فإنّ جلَّ أسباب الانسداد لدى أهل السنّة سياسيّة، بينما أسباب الركود لدى الشيعة كانت اموراً من قبيل النظرة الرفيعة والعالية تجاه الشيخ الطوسي، وعدم تجرؤ من لحقه من تلامذته وتلامذة تلامذته على مخالفة ما انتهى إليه اجتهاده.

أدوار الركود الفقهي لدى الشيعة

توزّعت أزمان الركود الفقهي لدى الشيعة على دورتين، ولكلِّ دورة تاريخ ودواع مختلفة. أوّل دورة من الركود دخلها الفقه الشيعي كانت بعد وفاة الشيخ الطوسي عام 460 من الهجرة واستمرّت حتى ابن ادريس الحلي (م598 هـ).
وقد ظهرت بعد وفاة الشيخ الطوسي مجموعة من الفقهاء يعرفون بالمقلّدة أو المقلدين، تمسّكت بتراث الشيخ الطوسي، واعتبرته النموذج الأمثل لها، وما تجرّأت على مخالفة آراء هذا الشيخ، حتّى دوّن ابن ادريس الحلي كتابه (السرائر) ونظر إلى مناهج الشيخ الطوسي نظرة نقدية، واستطاع أن يخرج الفقه الشيعي من الجمود على الشيخ الطوسي[٤].
ثاني دورة بدأت حيث بدأت الحركة الأخبارية الحديثة بزعامة الشيخ الأمين الأسترآبادي تسيطر في القرن الحادي عشر على الحوزة العلمية الشيعية.
استمرّت هذه الدورة أكثر من قرن، وانتهت بحركة أصولية نشطة بدأها الوحيد البهبهاني في أواخر القرن الثاني عشر. وقد حدّدها البعض بما بين 1030 و 1185 من الهجرة[٥].
وكان سبب الجمود الذي حكم هذه البرهة هو اعتقاد الأخباريين بانحصار نطاق الاجتهاد بالكتاب والسنة، وعدم تجاوزهما إلى مثل العقل[٦].
يذكر محمد أبو زهرة أنّ انفتاح باب الاجتهاد المطلق لدى الشيعة مبني على ادراج أقوال الأئمة الاثني عشر من أهل البيت ضمن السنة ـ كما يراه الشيعة ـ أمّا بناءً على عدم ادراجه ضمن السنة[٧] ـ كما هو رأي أهل السنّة، حيث يعدّون أئمة أهل البيت بمثابة باقي الفقهاء ـ فإنّ اجتهادهم لا يعدو كونه تخريجاً[٨].

الانسداد لدى أهل السنّة

تارة ينظر إلى الإنسداد من زاوية تاريخية فيسعى في تحديد بدايته العملية، وتارة اخرى ينظر إليه من حيث التنظير وما يستبطن من نظريات وأدلة.
قد يختلف المؤرخون ومن كتب في هذا المجال في التاريخ الدقيق لبداية الإنسداد لدى أهل السنّة عملياً وتنظيراً. وقد أشار ابن قيّم إلى هذا الاختلاف وأشار إلى وجود أقوال كثيرة لكنّه لم يحدّدها[٩].
يرى البعض حصول إجماع على عدم وجود الاجتهاد المطلق بعد الأئمة الأربعة[١٠].
وقد ورد في المسوَّدة: «وذكر بعض الأصوليين من أصحابنا أنّه لم يوجد بعد عصر الشافعي مجتهد مستقل»[١١].
وقد يكون القول الأخير وما قبله النافي لوجود مجتهد بعد عصر الشافعي يحكي رؤى البعض في نفي الاجتهاد آنذاك ولم يُقصد به حكاية تاريخ ذلك العهد.
ومن حيث سيطرة فكرة الانسداد عملياً، فإنّ الرأي الدارج لدى من كتب في هذا الموضوع كون القرن الرابع (أوائله أو أواسطه) هو بداية الانسداد[١٢]. واشتدَّ الالتزام بهذه الفكرة تدريجياً، بحيث ما كان في القرن الخامس والسادس مجتهد يحمل فكرة الاجتهاد المطلق، بل كانوا غالباً يسعون للاجتهاد في إطار مذاهبهم، كلٌّ حسب مذهبه. وبلغ هذا التوجُّه في القرن السابع إلى مستوى أنّه ما كان هناك فقيه غير ذوي الفتوى والترجيحات (أصحاب الترجيح) فكانت فكرة الانسداد سائدة عند البعض آنذاك[١٣].
واستمرَّ انسداد باب الاجتهاد، بحيث نرى النووي (من أعلام القرن السابع) يقول: «ومن دهر طويل عدم المفتي المستقل، وصارت الفتوى إلى المنتسبين إلى أئمة المذاهب المتبوعة»[١٤].
ويقول: «وحكى بعض أصحاب الأصول منّا أنّه لم يوجد بعد عصر الشافعي مجتهد مستقل»[١٥].
وابن تيمية (من أعلام القرن الثامن) يقول: «القسم الثاني: المفتي الذي ليس بمستقل، ومنذ دهر طوى بساط المفتي المستقل والمجتهد المطلق، وأفضى أمر الفتوى إلى الفقهاء المنتسبين إلى أئمة المذاهب المتبوعة»[١٦]. ما يعني استمرار الانسداد إلى القرن الثامن كذلك.
ومنذ القرن السابع حتّى العاشر اقتصر الاجتهاد على الترجيح غالباً[١٧]. وبرزت أكثر ظاهرة التدوين على طريقة المتون، وتعني التأليف بعبارات مختزلة جدّاً، وتضمين العبارات المختصرة أكبر مقدار ممكن من المفاهيم. ما استدعت اللاحقين من العلماء لكتابة حواشي وتقريرات على المؤلّفات وفقاً لهذه الطريقة[١٨].
وبعد القرن العاشر يرى البعض أنّه لم يبق أثر للاجتهاد إلاّ الاسم، والعمل به يعدُّ ذنباً لا يغتفر، واقتصرت أعمال الفقهاء آنذاك على تدوين شروح وتعاليق على أعمال المتقدّمين، برغم بروز مَن يدّعي الاجتهاد، مثل: السيوطي، والشوكاني[١٩].
إنّ انغلاق باب الاجتهاد وانحصار المذاهب بالمذاهب الأربعة لا يعني عدم تبلور مجتهدين في الواقع بعد الأئمة الأربعة، بل ظهر بعدهم مجتهدون آخرون، مثل: أبي سليمان داود بن علي بن خلف الإصفهاني (201 ـ 270هـ) مؤسّس المذهب الظاهري.
وفي هذا المجال يقول محمد علي السايس: «لقد كان في علماء هذا الدور (يقصد من منتصف القرن الرابع حتّى منتصف القرن السابع) من لا يقلُّ عن الأئمة السابقين علماً بأصول التشريع وطرق الاستنباط، ولكن لم يكن لهم الجرأة الكافية للظهور بمظهر الاستقلال، ولم تكن لهم الحرية الواسعة التي تمتَّع بها الأسلاف فقيّدوا أنفسهم بأيديهم، ووضعوا عراقيل عاقتهم عن المضي في سبيل الاجتهاد، فهذا أبو محمد عبد الله بن يوسف الجويني شرع في وضع كتاب سماه (المحيط) عزم فيه على عدم التقيد بالمذاهب، والوقوف على موارد النصوص الشرعية لا يتعداها، وتجنّب جانب العصبية للمذاهب...»[٢٠].
كما أنَّ القرن الثالث كان بداية الاجتهاد الذي يعتمد العقل وكمدرسة بشكله الدارج حالياً لدى الشيعة[٢١]، ـ برغم أنّه بدأ بنحو محدود عهد الأئمة[٢٢] ـ
وفي هذا المجال برز ابن أبي عقيل الحذّاء المعروف بابن أبي عقيل العماني (يتردَّد تاريخ حياته بين القرن الثالث وأوائل الرابع) وكتب في الفقه (المتمسك بحبل آل الرسول)[٢٣] ثم تلاه في القرن الرابع أبو علي محمد بن أحمد بن الجنيد المعروف بالاسكافي (المتوفى 368هـ). واستمرّت مسيرة الاجتهاد لدى الشيعة دون تأثُّر بما راج لدى أهل السنّة من فكرة الإنسداد.

أسباب الانسداد

ذكرت عدّة أسباب لانسداد باب الاجتهاد:

الأول: السخط العام تجاه الاجتهاد

وفي هذا المجال يقول السيوطي: «إنّ الناس قد غلب عليهم الجهل وأعماهم حبّ العناد وأصمّهم، فاستعظموا دعوى الاجتهاد»[٢٤]. ما يعني وجود استعظام وسخط عام تجاه الاجتهاد من قبل عموم الناس، والذي يرجعه السيوطي إلى الجهل والعناد.

الثاني: النظرة القدسية أو المتعالية

فلا شكَّ أنَّ النظرة القدسية للمجتهدين على الاطلاق، مثل الأئمة الأربعة، هي التي دفعت من لحقهم من الأتباع لأن يتبنّوا فكرة انسداد باب الاجتهاد عملياً.
وهذا العامل النفسي من العوامل المشتركة بين الشيعة والسنة لقضية الإنسداد أو الركود، فإنّ علوّ منزلة الشيخ الطوسي علميا هي التي سبّبت دورة الجمود وعدم الاجتهاد في القرن الخامس وما بعده لدى الشيعة[٢٥].

الثالث: الدعم السياسي لبعض المذاهب من جانب والضغط على مذاهب اخرى من جانب آخر

يذكر أنّ في القرن الرابع وما بعده بنيت مدارس واغدقت الأموال عليها لأن تدرس المذاهب الأربعة فحسب[٢٦].
أرجع الشيخ محمد أبو زهرة انسداد باب الاجتهاد إلى العوامل التالية:
الأول: التعصُّب المذهبي.
الثاني: ولاية القضاء، فقد كان كلّ خليفة يسعى لتقيُّد القاضي بمذهب يرتضيه الخليفة.
الثالث: تدوين المذاهب، فإنّ عملية تدوين المذاهب يسهّل على الناس تناولها، وهو ما يسعى إليه أكثر الناس[٢٧]. وحدّد محمّد مصطفى شلبي الأسباب بالاُمور الثلاثة التالية:
الأوّل: تدوين المذاهب وميل الناس إلى الراحة.
الثاني: ضعف الدولة العباسية وانقسامها إلى دويلات.
الثالث: أنّ الولاة والقضاة كانوا يُختارون من المقلّدين لمذهب معين لإلزامهم به، بعد ما كانوا يُختارون من المجتهدين.
الرابع: ظهور مجموعة من مدّعي الاجتهاد الذين يفتون الناس بآرائهم، فسدّ الطريق أمامهم[٢٨].
وأرجع عبد الوهاب خلاّف انسداد باب الاجتهاد إلى أربعة عوامل:
الأوّل: انقسام الدولة الإسلامية وتناحر الملوك وانشغالهم عن تشجيع حركة الاجتهاد، وانشغال العلماء بشؤون السياسة تبعاً لذلك.
الثاني: انقسام المجتهدين إلى أحزاب وتعصُّب كلٍّ إلى حزبه ومدرسته.
الثالث: انتشار المتطفّلين على الفتوى وعدم وجود ضوابط للمفتين ممّا أدّى إلى تقبُّل الانسداد وطرح الجمود كحلٍّ لمعالجة الفوضى.
الرابع: شيوع الأمراض الخلقية من قبيل التحاسد بين العلماء، بحيث إذا طرق أحدهم باب الاجتهاد فتح على نفسه باب التشهير وحطّ أقرانه من قدره[٢٩].
ولا يبعد أنّ تأليف مثل السيوطي والشوكاني لكتاب (الردّ على من أخلد في الأرض) و (القول المفيد) ناشئ عن عملية تشهير وتسقيط واجهتهما في ذلك العهد، ما دعتهما إلى تدوين هذين الكتابين للدفاع عن نفسيهما.
ويذكر محمّد علي السايس الاُمور التالية كأسباب للتقليد، والانسداد في النتيجة:
الأوّل: الدعاية القوية للمذاهب الأربعة، والتي قام بها أتباعها.
الثاني: ضعف ثقة الناس بالقضاة، بسبب تدنّي مستواهم العلمي.
الثالث: تدوين المذاهب، الأمر الذي أغنى الناس عن تكلُّف البحث والتنقيب عن الجديد.
الرابع: تحاسد العلماء.
الخامس: تزاحم الفقهاء وتجادلهم نقض كلٍّ منهم فتوى الآخر.
السادس: الإفراط في اختصار التدوين أضاع جلّ وقت المتعلّم وأعاق تكوين فقيه.
السابع: فساد نُظُم التعليم.
الثامن: كثرة المؤلّفات، فإنّها عائقة عن التحصيل.
التاسع : فقدان الثقة بالنفس وفتور الهمم وانحلال العزائم.
العاشر: شغف الناس بالمادّة وتسلُّطها عليهم، وانصراف الرغبات إلى جمع المال[٣٠]. وهناك آراء أخرى قريبة لما مضى تناولت أسباب الانسداد[٣١].

آثار الانسداد

إنّ الجمود وعدم تطوُّر الفقه وبقاءه يتراوح في مكانه ومعالجة الاُمور المستحدثة بمعالجات قديمة مضى عليها قرون هي أهمّ أثر سلبي لانسداد باب الاجتهاد. لكن برغم الآثار السلبية غير القليلة التي ترتّبت على انسداد باب الاجتهاد أنّ البعض ذكر آثاراً أخرى بعضها إيجابية ويعتدُّ بها.
آثار منتصف القرن الرابع حتّى منتصف القرن السابع عبارة عن:
1 ـ النتاج الفقهي الكبير الخارج عن التحديد والتصوير.
2 ـ بذل جهود كبيرة في سبيل جمع شتات المذاهب وتنظيمها وتعليل مسائلها وتخريج الحوادث الجديدة على أصولها، والترجيح بين الأقوال والآراء المختلفة ضمن مذهب واحد.
3 ـ التوسُّع في علم أصول الفقه؛ باعتباره نتيجة لازمة للتوسُّع في المذاهب وتطبيقاتها وتخريجات مسائلها.
4 ـ تشعُّب الآراء الفقهية في المذهب الواحد بسبب اتّساع دائرته، واختلاف آراء المخرجين فيه لأحكام الحوادث[٣٢].
كما يُذكر شأنان آخران تقارن حصولهما مع حصول الانسداد، وهما:
1 ـ تعليل الأحكام، واستنباط العلل ممّا نقل عن الأئمة المجتهدين؛ باعتبارهم تركوا الأحكام دون تعليل، وذلك لغرض قياس غيرها عليها أو تعميمها أو إجراء الاستحسان في مثيلاتها.
2 ـ كثرة المناظرات والجدل بين الفقهاء في المسائل الفقهية[٣٣].
ويذكر أبو القاسم كرجي الاُمور التالية كآثار لهذه المرحلة خاصّة بعلم أصول الفقه:
1 ـ اتّجاه علم الأصول نحو التجرُّد واتّخاذه طابعاً نظرياً بعد ما كان آلة عملية لاستنباط الأحكام الشرعية.
2 ـ اقتران علم الأصول بالاستدلالات المنطقية، وعدم الاقتصار على ظواهر الكتاب والسنّة و الإجماع وما شابهها، وفي هذه المرحلة اُضيفت المسائل المنطقية إلى علم الأصول.
3 ـ دخول بعض المسائل العقلية والكلامية إلى علم‏الأصول، من قبيل التحسين والتقبيح العقليين، والملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع، ووجوب شكر المنعم، والتكليف بالمحال وبالمعدوم، وصفة العلم الناتج عن التواتر و عصمة الأنبياء وما شابهها من مسائل[٣٤].
وآثار الانسداد في القرن السابع فما بعده:
1 ـ نشاط حركة تدوين التطبيقات الفقهية، والتي لا يزال يعتبر بعضها من أهمّ المراجع الفقهية، كالفتاوى التتارخانية، والخانية، والبزازية، والحامدية، والهندية.
2 ـ صدور الإرادات السلطانية في العهد العثماني، فإنّ في ذلك العهد منح السلطان العثماني الصلاحية للحدّ من شمول الأحكام الشرعية أو تطبيقها أو العمل بالقول الفقهي الضعيف، وما شابه ذلك، طبقاً لما اُقرّ لولي الأمر أو الخليفة من صلاحية في هذا المجال.
3 ـ بدء حركة التقنين، أي صياغة الأحكام والفتاوى بنحو قوانين حكومية[٣٥].
هذا في ما يخصُّ مذاهب أهل السنّة، أمّا في ما يخصُّ الشيعة، فإنَّ لعهد الجمود الفقهي وسيطرة الأخبارية على الحوزة آثاراً ايجابية غير قليلة، أهمّها الاهتمام بالتراث الحديثي وتدوين الجوامع الحديثية الكبرى، كبحار الأنوار ووسائل الشيعة[٣٦].
ومن أهمّ الآثار المترتّبة على الإنسداد في القرن الثالث عشر فما بعد تمثَّل في اُمور:
منها: التقنين الحديث وفقاً للشريعة الإسلامية وإصدار (مجلة الأحكام العدلية) كقانون مدني عام، مطابق للفقه الحنفي[٣٧].
ومنها: الاتجاه العصري في الاستفادة من مختلف المذاهب الاسلامية دون التقيُّد بمذهب خاص[٣٨].

القائلون بالانسداد من أهل السنّة

ورد عن ابن قيّم الجوزية: «فقالت طائفة: ليس لأحد أن يختار بعد أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر بن الهذيل ومحمد بن الحسن والحسن بن زياد اللؤلؤي. وهذا قول كثير من الحنفية. وقال بكر بن العلاء القشيري المالكي: ليس لأحد أن يختار بعد المائتين من الهجرة. وقال آخرون: ليس لأحد أن يختار بعد الأوزاعي وسفيان الثوري ووكيع بن الجراح وعبد الله بن المبارك. وقالت طائفة: ليس لأحد أن يختار بعد الشافعي»[٣٩].
ويرى البعض أنَّ الاجماع منعقد على عدم وجود هذا النوع بعد الأئمة الأربعة[٤٠].
ابن الصلاح (من أعلام القرن السادس) من القائلين بالانسداد، حيث يقول: «الخامس: ممّا لا ينفذ القضاء به ما إذا قضى بشيء مخالف للاجماع وهو ظاهر، وما خالف الائمة الأربعة مخالف للاجماع، وإن كان منه خلاف لغيره فقد صرّح في التحرير أنّ الاجماع انعقد على عدم العمل بمذهب مخالف للأربعة؛ لانضباط مذاهبهم وكثرة أتباعهم»[٤١].
المولوي شاه ولي الله أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي (1110 ـ 1176هـ) من المتأخرين الذين شيّدوا لانسداد باب الاجتهاد. وذلك من خلال كتابه: (الإنصاف في بيان سبب الاختلاف في الأحكام الفقهيّة). وفي هذا الكتاب بعد ما يقسم المجتهد إلى مطلق منتسب لأحد المذاهب، ومجتهد في المذهب، يذكر الصنف الثالث، وهو المجتهد المطلق ويراه غير متيسّر حصوله حالياً [٤٢].
وينسب هذا القول إلى الشيخ محمد عبد الفتاح العناني، وهو من المتأخرين أيضاً [٤٣].

موجبات فکرة الانسداد عند أهل السنّة

باعتبار أنّ الانسداد ممّا لم يفرد له بحث خاصّ في الكتب الأصولية من أهل السنّة القائلين بهذه الفكرة، والقائلون به لم يكتبوا في الموضوع بنحو منهجي نجد أنَّ من الصعب تدوين موجبات هذه الفكرة بالنحو الدقيق الذي ألفناه عن علماء الأصول، كما أنّ المتقدّمين القائلين بالانفتاح لم يتعرّضوا للموضوع بنحو مفصّل، باستثناء القلائل مثل السيوطي. ولا يبعد وجود هواجس آنذاك منعتهم عن التعرّض له بالردّ أو الإثبات.
والأمران الآتيان ممّا يمكن اعتبارهما من الأدلّة على الانسداد عند القائلين به:
الأوّل: كون الاجتهاد المطلق غير متيسّر حالياً لأحد من العلماء بعد الأئمة الأربعة المعروفين، لتفرّع العلوم وكثرتها والحاجة إلى معرفة علوم كثيرة ذات صلة مثل الدراية والرجال وغيرها، وهو أمر غير متيسِّر للإنسان حالياً؛ باعتبار تشعُّب العلوم[٤٤].
الثاني: القائلون بوجوب التقليد، قالوا: بأنَّ أساليب الاستنباط قد استوعبها الأئمة الأربعة ولم يبق اُسلوب وآلية لم تستوعب، ولذلك عندما أحدث الظاهرية أساليب جديدة تخالف أساليب المتقدّمين ذهب الآخرون إلى أنّها بُدع[٤٥].
كما ورد عن الشهرستاني قوله: «وبالجملة نعلم قطعاً ويقيناً أنّ الحوادث والوقائع في العبادات والتصرّفات ممّا لا يقبل الحصر والعدّ، ونعلم قطعاً أيضاً أنّه لم يرد في كلّ حادثة نصّ ولا يتصوّر ذلك أيضاً والنصوص إذا كانت متناهية والوقائع غير متناهية، وما لا يتناهى لا يضبطه ما يتناهى علم قطعاً أنّ الاجتهاد والقياس واجب الاعتبار حتّى يكون بصدد كلّ حادثة اجتهاد»[٤٦].
وقد أصَّل محمّد أبو زهرة قضية فتح باب الاجتهاد، وأرجعها إلى المذاهب الدارجة، ونقد القول بالانسداد[٤٧].
وممّا يمكن أن يردَّ به القول بالانسداد هو مجموعة النصوص والأقوال الواردة في ذمِّ التقليد، فإنّها صالحة لئن تكون رادعاً عن فكرة الانسداد.

دعوات لفتح باب الاجتهاد

انطلقت دعوات غير قليلة وعلى مرِّ قرون من سيادة انسداد باب الاجتهاد[٤٨].
صدرت هكذا دعوى من ابن تيمية[٤٩]، وتلميذه ابن قيم الجوزية (من أعلام القرن الثامن) حيث خاطب القائلين بالانسداد قائلاً: «... وكيف حرّمتم على الرجل أن يختار ما يؤدّيه إليه اجتهاده من القول الموافق لكتاب اللّه‏ وسنة رسوله، وأبحتم لأنفسكم اختيار قول من قلدتموه، وأوجبتم على الاُمة تقليده، وحرمتم تقليد من سواه ورجحتموه على تقليد من سواه؟ فما الذي سوّغ لكم هذا الاختيار الذي لا دليل عليه من كتاب ولا سنّة ولا إجماع ولا قياس ولا قول صاحب، وحرم اختيار ما دلَّ عليه الدليل من الكتاب والسنّة وأقوال الصحابة؟»[٥٠] وأطلق السيوطي (من أعلام القرن العاشر) هكذا دعوى من خلال كتابه (الرد على من أخلد إلى الأرض).
وفي ذات الكتاب سرد العلماء الذين قالوا بالاجتهاد واعتبروه فرضاً كفائياً[٥١].
والشوكاني (من أعلام القرن الثالث عشر) أطلق هذه الدعوى من خلال كتابه (القول المفيد)، والذي قال في أحد مقاطعه: «ومعنى هذا الانسداد المفترى والكذب البحت أنّه لم يبقَ في أهل هذه الملة الإسلامية من يفهم الكتاب والسنّة وإذا لم يبق من هو كذلك لم يبق سبيل إليهما، وإذا انقطع السبيل إليهما فكم حكم فيهما لا عمل عليه ولا التفات إليه سواء وافق المذهب أو خالفه؛ لأنّه لم يبق من يفهمه ويعرف معناه إلى آخر الدهر، فكذبوا على الله وادّعوا عليه سبحانه أنّه لا يتمكّن من أن يخلق خلقاً يفهمون ما شرعه لهم وتعبّدهم به حتّى كأنّ ما شرعه لهم من كتابه وعلى لسان رسوله(ص) ليس بشرع مطلق، بل شرع مقيّد مؤقت إلى غاية هي قيام هذه المذاهب. ويعدُّ ظهورها لا كتاب ولا سنّة بل قد حدث من يشرّع لهذه الأمة شريعة جديدة ويحدث لها ديناً آخر وينسخ بما رآه من الرأي...»[٥٢]. وممّن أطلق هكذا دعوى من المتأخّرين هو السيّد جمال الدين و محمّد عبده ومحمّد رشيد رضا[٥٣].
والمراغي من المتأخّرين، حيث ألّف الأخير كتاب (الاجتهاد في الإسلام)، نقد فيه حالة انسداد الاجتهاد.
ومنهم: محمّد أبو زهرة، حيث نقد التقليد وانسداد باب الاجتهاد ونقل بعض أقوال الأئمة الأربعة في ذمّ التقليد بعبارات مختلفة[٥٤]. ومنهم: محمّد موسى توانا حيث دعا إلى الاجتهاد المطلق باعتبار تجدد الحوادث التي تستدعي إلى اجتهاد مطلق، إمّا لعدم وجود حلول في ما ورد عن المذاهب الدارجة أو لعدم ارتضاء ما يوجد لديهم[٥٥].

بوادر انفتاح باب الاجتهاد

برغم ما ذكر من شخصيات وأفكار حملها بعض القدماء والمتقدّمين عن الانسداد، إلاّ أنّها أفكار لم يكتب لها البقاء، وحالياً لا نرى من يدعو لانسداد باب الاجتهاد نظرياً، وقد تكون هناك هواجس تمنع من الخروج عن المذاهب الدارجة عملياً برغم الاعتقاد بانفتاح باب الاجتهاد، فإنَّ جلّ العلماء حالياً إذا لم نقل كلّهم يقولون بانفتاح باب الاجتهاد، وهناك بوادر لهذا الفكر:
منها: إطلاق دعوى عدم وجود مانع من بلوغ الاجتهاد المطلق من قبل الكثير، كالسيوطي من المتقدّمين، مضافاً إلى أنَّ هناك الكثير ممّن ادّعوا الاجتهاد المطلق أو وصفوا بهذه الملكة[٥٦].
ومنها: تلاشي الحدود المرسومة بين المذاهب، وعدم الالتزام العملي بمذهب خاصّ، والتوسُّع في الإفادة من مختلف المذاهب دون حصرها بمذهب أو مذاهب خاصّة، وهو اتّجاه عصري[٥٧]. وبلغ ذلك بالبعض إلى مستوى اعتبار آراء المذاهب المختلفة بمثابة أقوال لمذهب واحد[٥٨].
ومنها: انشغال المراكز العلمية والبحثية في كثير من الدول الاسلامية في العقود الأخيرة بدرج مناهج أكثر المذاهب في نشاطاتهم العلمية وعدم الاقتصار على مذهب واحد، والاستفادة منها في التقنين للدول الإسلامية[٥٩].

المصادر

  1. . الأصول العامة للفقه المقارن: 579.
  2. . الابهاج في شرح المنهاج 2: 373، المعالم الجديدة للأصول: 88 ـ 89، الأصول العامة للفقه المقارن: 555 و579، مجموعة الرسائل الصافي الكلبايكاني 1: 191، 2: 355.
  3. . الحق المبين كاشف الغطاء: 3، الاجتهاد أُصوله وأحكامه (بحر العلوم): 182.
  4. . كتاب أدوار علم الفقه وأطواره: 229 ـ 230.
  5. . تاريخ الفقه الاسلامي وأدواره: 384 ـ 416.
  6. . الحق المبين كاشف الغطاء: 3، الاجتهاد أُصوله وأحكامه (بحر العلوم): 182.
  7. . أنظر: الأصول العامة للفقه المقارن: 141 ـ 184، 574، الرافد في علم الأصول: 79.
  8. . تاريخ المذاهب الاسلامية: 318 ـ 319.
  9. . أعلام الموقّعين 2: 275.
  10. . الاجتهاد في الشريعة الإسلامية الوافي المهدي: 454.
  11. . المسوّدة: 488.
  12. . تاريخ التشريع الإسلامي الخضري: 240 ـ 241، تاريخ الفقه الإسلامي (السايس): 128 ـ 129، المدخل الفقهي العام 1: 176، النظريات العامّة في الفقه الإسلامي وتاريخه: 353 ـ 354.
  13. . تاريخ الفقه الإسلامي السايس: 128 ـ 138.
  14. . المجموع شرح المهذب 1: 43.
  15. . المصدر السابق.
  16. . المسوّدة: 488.
  17. . الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه: 92.
  18. . المدخل الفقهي العام 1: 187، وأنظر: تاريخ الفقه الإسلامي السايس: 136.
  19. . تاريخ التشريع الإسلامي الخضري: 274 ـ 275، الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه: 92 ـ 93.
  20. . تاريخ الفقه الاسلامي السايس: 129 ـ 130.
  21. . انظر: مقدمة فوائد الأصول 1: 8.
  22. . الاجتهاد والتقليد الآصفي: 59 ـ 61.
  23. . أعيان الشيعة 5: 157 ـ 159.
  24. . الرد على من أخلد إلى الأرض: 2.
  25. . الأصول العامة للفقه المقارن: 580، 600.
  26. . الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه: 92.
  27. . الملكية ونظرية العقد: 42 ـ 43.
  28. . المدخل في التعريف بالفقه الإسلامي: 136 ـ 137.
  29. . خلاصة التشريع الإسلامي: 341، عن الأصول العامة للفقه المقارن: 579 ـ 580، 599.
  30. . تاريخ الفقه الإسلامي السايس: 138 ـ 140.
  31. . أنظر: تاريخ التشريع الإسلامي الخضري : 242 ـ 247، النظريات العامة في الفقه الإسلامي وتاريخه: 354 ـ 356.
  32. . المدخل الفقهي العام 1: 183 ـ 184، وأنظر: المدخل في التعريف بالفقه الإسلامي: 139 ـ 140.
  33. . النظريات العامة في الفقه الإسلامي وتاريخه: 356 ـ 357.
  34. . نظرة في تطوّر علم الأصول: 37 ـ 38.
  35. . المدخل الفقهي العام 1: 189 ـ 195، وأنظر: المدخل في التعريف بالفقه الاسلامي: 140 ـ 141.
  36. . أنظر: المعالم الجديده‏للأصول: 105 ـ 106.
  37. . المدخل الفقهي العام 1: 196.
  38. . المصدر السابق: 206، النظريات العامة في الفقه الاسلامي وتاريخه: 363 ـ 366.
  39. . أعلام الموّقعين 2: 275 ـ 276.
  40. . ايقاظ الوسنان في العمل بالحديث والقرآن، للامام محمد بن علي السنوسي: 79، عن الاجتهاد في الشريعة الاسلامية الوافي المهدي: 454.
  41. . الأصول العامة للفقه المقارن: 581.
  42. . الانصاف في بيان سبب الاختلاف: 42 ـ 44.
  43. . من أين نبدأ عبدالمتعالي الصعيدي: 114.
  44. . الإنصاف في بيان سبب الاختلاف: 42 ـ 44.
  45. . البحر المحيط 6: 291.
  46. . الملل والنحل 1: 180.
  47. . تاريخ المذاهب الإسلامية: 315 ـ 323.
  48. . فلسفة التشريع في الإسلام: 37.
  49. . المدخل في التعريف بالفقه الإسلامي: 141، النظريات العامّة في الفقه الإسلامي وتاريخه: 360.
  50. . أعلام الموقّعين 2: 276 ـ 277.
  51. . الرد على من أخلد إلى الأرض: 3 ـ 26.
  52. . القول المفيد: 51.
  53. . تاريخ حصر الاجتهاد: 28، المدخل في التعريف بالفقه الإسلامي: 141 ـ 142.
  54. . الملكية ونظرية العقد: 44، تاريخ المذاهب الإسلامية: 323.
  55. . الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه: 530 ـ 531.
  56. . الاجتهاد في الشريعة الإسلامية الوافي المهدي: 455.
  57. . المدخل الفقهي العام 1: 206.
  58. . المصدر السابق: 209 ـ 210.
  59. . المصدر نفسه: 206 ـ 207.