مدرسة فيضية
مدرسة الفَيضِيَّة، هي إحدى المدارس المشهورة للحوزة العلمية في مدينة قم، وتقع بجوار حرم السيدة المعصومة (سلام الله عليها). قبل توسع حوزة قم العلمية، وفي الفترة من عقد 1320 إلى 1360 هـ.ش (1940-1980 م)، كانت هذه المدرسة مركز تجمع طلاب وأساتذة حوزة قم. سكن العديد من العلماء والمجتهدين في هذه المدرسة، وتعلموا أو درسوا فيها. تعرضت هذه المدرسة لهجوم من قبل رجال الأمن التابعين للنظام الملكي البهلوي. كانت الخطبة الشهيرة لآية الله الخميني في 13 خرداد سنة 1342 هـ.ش (3 يونيو 1963 م)، والتي أدت إلى انتفاضة 15 خرداد، في هذه المدرسة. بعد انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية، كانت بعض لقاءاته وخطبه تُقام أيضاً في صحن هذه المدرسة.
تقع مدرسة الفيضية شمال الصحن العتيق لعتبة السيدة المعصومة (سلام الله عليها)، وتُنسب، وفقاً للنقش الموجود على مدخل إيوانها الجنوبي، إلى الشاه طهماسب الصفوي. بُنيت صروحها الحالية في عامي 1213 و1214 هـ.ق (1798-1799 م)، على يد فتح علي شاه. في عقد 1370 هـ.ش (1990 م)، تم بناء طابق سفلي في وسط هذه المدرسة، وأعيد بناء مكتبتها وتوسيعها بالكامل. تعتبر هذه المدرسة، بسبب جوارها المسجد الأعظم ومدرسة دار الشفاء، إلى حد ما، المركز الرئيسي لحوزة قم العلمية، وتُقام فيها بعض أهم دروس الحوزة وكذلك التجمعات الحوزوية.
سبب تسمية مدرسة الفيضية بقم
قيل إن سبب تسمية هذه المدرسة بـ"الفيضية" يعود إلى أن الفيض الكاشاني، أحد كبار علماء العصر الصفوي، وصهر ملاصدرا الشيرازي[١]، درس في هذه المدرسة لفترة، وكانت هذه المدرسة مكان تدريسه أو إقامته الدائمة أثناء وجوده في مدينة قم. ولهذا السبب، اشتهرت هذه المدرسة بين الناس باسم مدرسة الفيضية.
ويرى البعض أيضاً أن هذا الاسم أصبح شائعاً منذ عهد إعادة بناء المدرسة في العصر القاجاري، وباقتراح من علماء تلك الفترة. وهذا الاحتمال يتعزز بكون أسرة الفيض قد تولت الزعامة الشرعية لمدينة قم خلال العصر القاجاري[٢].
الخلفية التاريخية
تعد مدرسة الفيضية ومدرسة دار الشفاء من المدارس العلمية المهمة في مدينة قم، التي تأسست في العصر الصفوي. بالطبع، تأسست مدرسة الفيضية قبل مدرسة دار الشفاء، وقد حظيت بميزة خاصة بسبب مجاورتها لحرم السيدة المعصومة (سلام الله عليها).
كما يظهر من النقش الموجود على مدخل الإيوان الجنوبي للمدرسة الذي يفتح على الصحن، فإن هذه المدرسة هي من منشآت الشاه طهماسب الأول. جاء في هذا النقش:
«قد اتفق بناء هذه العمارة الشريفة والعتبة السنية والسدة العالية الفاطمية في زمان دولة سلطان أعاظم السلاطين برهان أكارم خلف الخواقين خليفة الأنبياء والمرسلين والأئمة الطاهرين المعصومين شيد مباني الشريعة المصطفوية مؤسس أساس الملة المرتضوية رافع لواء العدل والإحسان أبو المظفر شاه طهماسب بهادر خان... بسعاية وتعاون أكابر السادات والنقباء الأشراف الأمير شرف الدين إسحاق تاج الشرف الموسوي في سنة «934»[٣].
وفقاً لمصادر تاريخية معتبرة، كان البناء الأصلي للمدرسة، باسم "مدرسة الآستانة"، يعود إلى القرن السادس الهجري، وكان معروفاً بهذا الاسم حتى أواخر القرن الحادي عشر الهجري، وقد ورد ذكره في وثائق باقية من ذلك القرن. ثم أعيد بناؤها في العصر الصفوي، وفي هذه الفترة عُرفت باسم الفيضية[٤]. وفي النصف الأول من القرن الثالث عشر الهجري، حل بناء مدرسة الفيضية محل مدرسة الآستانة[٥].
يعود البناء الحالي للمدرسة إلى فترة فتح علي شاه، التي تأسست في عامي 1213 و1214 هـ.ق (1798-1799 م)، حيث هُدم البناء السابق وتم توسيع المدرسة.
كان طول هذا البناء 75 ذراعاً[٦] وعرضه 50 ذراعاً، ويضم أربعين غرفة في الطابق السفلي، وأربعة إيوانات عالية، و12 غرفة علوية، وحوضاً مربعاً بقياس اثني عشر ذراعاً في اثني عشر ذراعاً[٧].
تطور البناء الجديد
يعود البناء الأصلي للمدرسة إلى العصر الصفوي. في ذلك الوقت، كانت المدرسة منفصلة عن الصحن العتيق لعتبة السيدة المعصومة (سلام الله عليها)، وكان هناك ممر بينهما، كما يظهر في خرائط الرحالة في ذلك العصر، مثل شاردن وأولياروس. في عهد فتح علي شاه، تم ترميم وتوسيع أجزاء مختلفة من المدرسة. في ذلك الوقت، تم أولاً بناء سد على النهر المجاور للمدرسة، وخصص جزء من الأراضي المستصلحة بهذه الطريقة للمدرسة، والباقي لثلاثة مبانٍ ملكية. في هذا التوسع، امتد الصحن حتى مدخل الصحن العتيق لعتبة السيدة المعصومة (سلام الله عليها)، وأصبح مدخلها على شكل الإيوان الجنوبي للمدرسة. وقد بني هذا المدخل من قبل السيد تاج الدين الشرف الموسوي عام 939 هـ.ق.
تم ترميم المدرسة مرة أخرى عام 1255 هـ.ق من قبل الحاج علي محمد، عم الميرزا علي أكبر الفيض، مؤلف تاريخ قم. ووفقاً لنقل هذا المؤلف، في وقت هذا الترميم، كانت الغرف والصحن في المدرسة من طابق واحد حتى عام 1341 هـ.ق، ولم يكن هناك سوى أربع غرف في الطابق الثاني على جانبي كل من الإيوانات الثلاثة الشرقية والغربية والشمالية.
بعد ذلك، قام آية الله الميرزا محمد الفيض ببناء غرف في الطابق الثاني في الأجزاء الشمالية والشرقية من المدرسة، وفي عام 1301 هـ.ش (1922 م)، أكمل آية الله الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري غرف الأجزاء الأخرى. كان يوجد خلف الإيوان الغربي، رواق مزخرف كان مكان جلوس ملوك القاجار.
في عام 1351 هـ.ق (1932 م)، تم إنشاء أول مكتبة عامة في المدينة من قبل آية الله الحائري في هذا الرواق.
في عام 1370 هـ.ق (1950 م)، أضاف آية الله البروجردي طابقاً ثانياً في الجزء الخلفي من الإيوان الغربي، خُصص كخزانة للمكتبة، واستُحدثت قاعتان كبيرتان للقراءة بدلاً من المطبخ الملكي[٨].
التسجيل في الآثار الوطنية
تم تسجيل هذا الأثر في تاريخ 9 بهمن 1386 هـ.ش (28 يناير 2008 م) برقم 20715 كأحد الآثار الوطنية لإيران[٩].
مكتبة مدرسة الفيضية
كانت لهذه المدرسة مكتبة مهمة نسبياً. في هذه المكتبة، بالإضافة إلى الكتب التي أوقفها الشاه عباس، أوقف الشيخ البهائي كتباً أيضاً، وجعل توليتها لابن أخيه، حسين بن عبد الصمد[١٠].
بعد تأسيس حوزة قم العلمية عام 1340 هـ.ق (1921 م) من قبل الشيخ عبد الكريم الحائري، تم إنشاء المكتبة العامة لهذه المدرسة أيضاً في 20 جمادى الثاني 1349 هـ.ق (نوفمبر 1930 م).
في عام 1374 هـ.ش (1995 م)، بأمر من قائد الثورة، آية الله الخامنئي، تم تخصيص مبنى جديد لهذه المكتبة في الجزء الشمالي الشرقي من مدرسة الفيضية، وافتتح في تيرماه 1381 هـ.ش (يوليو 2002 م). حالياً، تُعرف هذه المكتبة باسم مكتبة آية الله الحائري[١١].
الهجوم على مدرسة الفيضية
خطبة الإمام الخميني في مدرسة الفيضية، خرداد 1342 هـ.ش (يونيو 1963 م)
إثر احتجاج الإمام الخميني على المصادقة على مشروع قانون المجالس الإقليمية والمحلية، وكذلك المشاريع الستة والثورة البيضاء لمحمد رضا بهلوي، وإعلانه الحداد العام في عيد النوروز عام 1342 هـ.ش (مارس 1963 م)، وفي اليوم الثاني من فروردين من نفس العام، الموافق ليوم استشهاد الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، هاجم رجال الحكومة وبعض البلطجية هذه المدرسة، وبعد مقاومة طلاب الحوزة ورجال الدين، أطلقوا النار عليهم، مما أدى إلى استشهاد وجرح عدد منهم. في هذا الهجوم، ألقي عدد من الطلاب من على سطح المدرسة وقتلوا[١٢].
خطبة الإمام الخميني في خرداد 1342 هـ.ش (يونيو 1963 م)
في عصر عاشوراء عام 1383 هـ.ق، الموافق للثالث عشر من خرداد 1342 هـ.ش (3 يونيو 1963 م)، ألقى الإمام الخميني، في مدرسة الفيضية، خطبة مدوية انتقد فيها بشدة النظام البهلوي، وكذلك رجال أمريكا وإسرائيل الذين كان لهم نفوذ كبير على محمد رضا بهلوي[١٣]. كان حضور الناس في هذه الخطبة كبيراً لدرجة أن صحن الفيضية ودار الشفاء، وصحن حرم السيدة المعصومة، وميدان العتبة وما حولها، امتلأت بالجموع. إثر خطبة الإمام، وفي صباح 15 خرداد 1342 هـ.ش (5 يونيو 1963 م)، هاجم رجال البهلوي منزله، واعتقلوه ونقلوه إلى سجن في طهران. تلت هذه الحادثة، انتفاضة 15 خرداد لأهالي قم.
انظر أيضاً
الهوامش
- ↑ خوانساري، ص18.
- ↑ أحمد باقري، م ص22-13؛ محمد شريف رازي، ج1، ص39.
- ↑ محمد حسين ناصر الشريعة، ص155.
- ↑ المدرسي الطباطبائي، ص127.
- ↑ حسن زنده دل ومساعدوه، ص57.
- ↑ كل ذراع يعادل 104 سنتيمترات.
- ↑ نفس المرجع، ص156.
- ↑ گنجينۀ آثار قم، نقلاً از دانشنامه تاريخ معماري إيران شهر، مدخل مدرسة الفيضية.
- ↑ خوانساري، ص18.
- ↑ المدرسي الطباطبائي، ص129.
- ↑ أحمد باقري، م ص22-13؛ محمد شريف رازي، ج1، ص39.
- ↑ مركز اسناد الثورة الإسلامية.
- ↑ بوابة البحث والإعلام لمكتب تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (ره).
المصادر
- مدرسة الفيضية (قم) - الشيعة، تاريخ النشر: غير مذكور، تاريخ الاطلاع: 6 دی 1400 هـ.ش (27 ديسمبر 2021 م).