المذهب الوضعي
المذهب الوضعي هذا المذهب قائم على أساس الحقائق الخارجية ينقسم إلى قسمين: إجتماعية وحقوقية، أماّ المذهب الوضعي الاجتماعي، فإنّ مبنى القواعد الحقوقية في الإرادة العامّة والحوادث الاجتماعية، وطبقاً لهذه النظرية فإنّ الملاك الحقوقيّ لا ينشأ من إرادة الفرد ولا من الدولة، بل إنّ اعتبار كلّ قاعدة حقوقية يرتبط بميزان احترامها في واقع الحياة الاجتماعية، وعلى هذا الأساس، فلو تمّ وضع قانون من قِبل الدولة ولكنّه أصبح مهجوراً في الواقع العمليّ ولم يكن له أيّ أثر في الحياة الاجتماعية، فإنّه لا ينبغي عدّه من جملة الحقوق، والعكس صحيح، فالقواعد والتقاليد الصادرة من العرف والتي يتمّ رعايتها والالتزام بها من قِبل أفراد المجتمع، تعدّ من جملة القواعد الحقوقية حتّى لو لم تتدخّل الدولة في وضعها، وأماّ المذهب الوضعيّ الحقوقيّ أو الحقوق الوضعية، ويسمّى هذا المذهب بالوضعية الحكومية أيضاً، وأهمّ قاسم مشترك بين هؤلاء الحقوقيين، أنّهم يعتقدون بأنّ الحقوق عبارة عن مجموعة من القواعد الصادرة من قِبل الدولة والتي تتكفّل بتنفيذها أيضاً، ويرى هؤلاء العلماء أنّ النظريات المذكورة في دائرة الحقوق إنّما تفيد المقنّن في تعيين القواعد التي تقوده في توضيح الرؤية، وإلّا فما هو مهمّ في نظر المقنّن والحقوقيّ هي قواعد الحقوق الوضعية، وهي التي تضعها الدولة وتثبت اعتبارها ومشروعيتها في هذا الوضع، فلا توجد قاعدة أخلاقية عليا تكون بمستوى أعلى من هذه الحقوق الوضعية. يعني أنّ القانون السيّء يكون ملزماً أيضاً بنفس المقدار الذي يكون فيه القانون الأكمل والأفضل، وفي نظر هذه المدرسة الحقوقية فإنّ القواعد الحقوقية المطلوبة والمثالية، سواء كانت ناشئة من طبيعة الأشياء أو من العادات والتقاليد الاجتماعية، لا تتمكّن بأيّة حالٍ من معارضة الحقوق الموضوعة، وبالطبع لابدّ من فهم العوامل المؤثّرة في وضع القانون والقوى التي تتدخّل في طبيعة الحركة التقنينية للدولة.
معرفة اجمالية عن المذاهب الوضعية
المذهب الوضعي الذي يقوم على أساس الحقائق الخارجية بدوره ينقسم الى قسمين: إجتماعية وحقوقية: واما لمذهب الوضعي الاجتماعي، فإنّ مبنى القواعد الحقوقية في الإرادة العامّة والحوادث الاجتماعية، وطبقاً لهذه النظرية فإنّ الملاك الحقوقيّ لا ينشأ من إرادة الفرد ولا من الدولة، بل إنّ اعتبار كلّ قاعدة حقوقية يرتبط بميزان احترامها في واقع الحياة الاجتماعية، كما ذهب أحد علماء الحقوق في تعريفه للحقوق: إنّ حقوق كلّ دولة تمثّل مجموعة القواعد الصادرة في زمان معيّن من قِبل المحاكم وسائر الأشخاص الذين يعملون في دائرة الحقوق، حتّى لو تصوّر الناس صحّتها أو خطأها، مفيدة أو مضرّة [١]. وعلى هذا الأساس، فلو تمّ وضع قانون من قِبل الدولة ولكنّه أصبح مهجوراً في الواقع العمليّ ولم يكن له أيّ أثر في الحياة الاجتماعية، فإنّه لا ينبغي عدّه من جملة الحقوق، والعكس صحيح، فالقواعد والتقاليد الصادرة من العرف والتي يتمّ رعايتها والالتزام بها من قِبل أفراد المجتمع، تعدّ من جملة القواعد الحقوقية حتّى لو لم تتدخّل الدولة في وضعها. وأما المذهب الوضعي فإنّ منشأ الحقوق في المذهب الوضعيّ للحقوق هو إرادة من يتمتّعون بالصلاحية في جهاز الحكومة، وينبغي البحث عن القوى والعوامل المؤثّرة في ارادة الدولة في عملية صياغة تلك القوانين والقواعد الحقوقية.
المذهب الوضعي الاجتماعي
هذا المذهب هو حصيلة جهود علماء الاجتماع الذين يرون أنّ المجتمع بمثابة كائن حيّ يفترق عن العناصر المكوّنة له، وأنّ الأصول والقواعد الحاكمة عليه مثل الأصول والقواعد الحاكمة على سائر الموجودات الحية.
مؤسس االمذهب الوضعي الاجتماعي
وبالنسبة للمبتكر والمؤسّس لهذا النمط من علم الاجتماع الذي يقوم على أساس المذهب الوضعيّ الاجتماعيّ من هو؟ فهناك اختلاف في ذلك، فبعض المفكّرين يعتقد بأنّ مؤسّس علم الاجتماع العلمي هو الاشتراكي الفرنسي المعروف سان سيمون (1760- 1825) لأنّه أعلن بصراحة أنّ المجتمع البشريّ بمثابة كائن حيّ وله وجود وضعيّ. وذهب آخرون إلى أنّ عالم الحقوق الفرنسي (مونتسكيو) هو المؤسس لعلم الاجتماع الحديث، لأنّه تحرّك في جميع فصول كتابه «روح القوانين» على مستوى البحث في القوانين الحاكمة على المجتمعات البشرية. ولكن بعض علماء الحقوق المعاصرين يرون أنّ العالم والمؤرّخ التونسي ابن خلدون، الذي كان يعيش في القرن الرابع عشر الميلادي قد سبق سان سيمون ومونتسكيو في عملية تأسيس علم الاجتماع بعدّة قرون، وقد بحث ابن خلدون الظواهر الاجتماعية من خلال التحقيق الدقيق في حركة التاريخ والطبيعة الاجتماعية للإنسان، وملامح المجتمع البدويّ والمدنيّ ودور الدولة، والمعادلات الاقتصادية في عملية التفاعل الاجتماعي، كلّ ذلك على أساس المنهجية العقلية التجريبية [1].
لكن مع الأسف فإنّ كتابات ابن خلدون قد تراكم عليها غبار النسيان والإهمال لعدّة قرون، وعندما تمّ اكتشاف هذه الآراء لابن خلدون، كان علم الاجتماع قد خطا خطوات كبيرة، ودخلت مناهج أخرى في هذا النمط من الدراسات، فالمبنى العلميّ لعلم الاجتماع في العصر الحاضر يقوم على أساس آراء اجوست كونتواميل دوركايم، وهنا نستعرض جملة من هذه الآراء والمقولات:
اجوست كونت [2] (1757- 1798):.
يرى اجوست كونت وأتباعه أنّ الأخلاق والدين لا يؤثّران في إيجاد الحقوق، والمبنى الأصليّ في تشكيل القواعد الحقوقية هو الوجدان العام في واقع المجتمع البشريّ، وتقوم فلسفة اجوست كونت على أساس عنصر المشاهدة والتجربة واجتناب كلّ ما يدخل في المفاهيم المجرّدة الماورائية. والبشرية في نظر اجوست كونت قد مرّت في مسيرتها التاريخية بثلاث مراحل:
1. مرحلة الدين، حيث كان الإنسان القديم يتصوّر أنّ جميع القوى المؤثّرة في الطبيعة عبارة عن اللَّه المتجسّد في هذه الظواهر. وفي هذه المرحلة كانت
[1]. فلسفة الحقوق، ج 1، ص 242 (بالفارسيّة).
[2].2 .Auguste Conte .
الحكومات العسكرية هي المسيطرة على المجتمعات البشرية.
2. مرحلة الفلسفة الأولى أو ما وراء الطبيعة، حيث إنّ الإنسان كان في هذا العصر يتصوّر مجرّدات خيالية في ذهنه لغرض تبرير القوانين الطبيعية، وفي هذه المرحلة سادت حكومة علماء الحقوق والفلسفة على الناس.
3. المرحلة العلمية أوالوضعية، حيث تحرّك الإنسان في دراسة الأمور من موقع مشاهدة الحقائق الخارجية والابتعاد عن الأمور التجريدية والخيالية، وفي هذه المرحلة أدرك الإنسان هذه الحقيقة، وهي أنّ الطريق الوحيد للتوصّل إلى الحقائق العلمية هو الاعتماد على منهج الاستقراء وأدوات الحسّ.
وقد سار الإنسان في هذا العصر نحو بناء المجتمع الصناعيّ والحضاريّ في واقع حياته [1].
إنّ الوجدان العامّ الذي هو الأساس للقواعد الحقوقية في نظر اجوست كونت، عبارة عن أمر مستقلّ عن التصوّرات وأشكال التقييم الفردية، ولا ينبغي أن نتصوّر أنّه أمر وهميّ وخارج عن إطار الطبيعة، لأنّه يمكن التوصّل إلى المبادىء والأصول التي تعدّ روح وأساس الحقوق من خلال تحليل الظواهر الاجتماعية وتفسيرها، وهذه الأصول وبسبب شموليتها، لابدّ أن تكون ملزمة.
وفي نظر كونت فإنّ القواعد الناشئة من الوجدان العام تسمو على سائر القواعد الأخرى وتقع في مرتبة أعلى، ولهذا السبب فإنّ اجوست كونت كان مخالفاً للائحة حقوق الإنسان التي تقرّر أنّ الحقوق الفردية للأشخاص أعلى مرتبة من القوانين الاجتماعية، إلى حدٍّ أنّه كان يقول: إنّ مفردة «حقّ» تذكّرنا بالمرحلة الدينية وعصر ماوراء الطبيعة، ويجب أن تحذف هذه الكلمة من القاموس السياسي المعاصر. ففي المرحلة العلمية لابدّ من زوال مفهوم الحقّ، فكلّ شخص يعيش تكاليفاً معينة ومسؤولية في مقابل الآخرين، ولكن لا أحد يملك حقّاً معيّناً بمعناه الخاصّ ... وبعبارة أخرى، لا أحد يملك أيّ حقّ سوى حقّ امتثال التكليف [2].
وسيأتي الكلام في نقد نظريات كونت بعد بيان آراء دوركيم.
اميل دوركايم [3] (1858- 1917):.
وقد انطلق أميل دوركايم وأتباعه، بالاقتباس من اجوست كونت على مستوى الاستفادة من عنصر التجربة والاستقراء والمشاهد، وجعلها أساساً لأبحاثهم العلمية. ففي نظر دوركايم لابدّ من إحراز ظروف العلاقات الاجتماعية والعوامل المؤثّرة في الحوادث التاريخية، و القواعد الحاكمة على المسيرة التاريخية للمجتمعات من خلال الاستفادة من مشاهدة الوقائع والحوادث، بالاستعانة بالإحصاءات وعمليات التنقيب الاركولوجي للتاريخ.
وعلى أساس هذه النظرية، فلو تمّ منع السرقة وعمليات النهب والسلب، فذلك بسبب أنّ هذه الجرائم تتقاطع مع ظروف الحياة الاجتماعية ومظاهر التمدّن و التحضّر في واقع المجتمع، ولذلك فإنّ الخطوة الأولى هي تحرّك المجتمع على مستوى إنزال العقوبة
[1]. انظر: فلسفة الحقوق، ج 1، ص 244 و 245 وكليّات الحقوق، ص 80 و 81 (بالفارسيّة).
[2]. كليّات الحقوق، ص 81 (بالفارسيّة).
[3].3 .Emile Durkheim .
باللصوص وقطّاع الطرق، وبعد ذلك ومن خلال التجارب، توصّل المجتمع إلى لزوم إيجاد ضمانات للملكية والتصرّف المالي بواسطة القواعد الحقوقية، في حين أنّ أتباع نظرية الحقوق الطبيعية أو الفطرية يرون أنّ القتل والسرقة عبارة عن تعدٍّ وتجاوز على الحقوق الأساسية للفرد، ولهذا السبب فقد منعت القواعد الحقوقية من هذا السلوك السلبيّ.
وعلى هذا الأساس فإنّ الحقوق تعدّ أدوات ووسائل يستخدمها المجتمع في عملية ضبط النظم والتصدّي للفوضى وأشكال الهرج والمرج المانعة من بقائه وحركته في خطّ التقدّم والتحضّر. إنّ قواعد الحقوق لا شأن لها سوى بيان العلاقات الأساسية في المجتمع، وتمثّل مرآة لأقوى حالات الشعور الجمعيّ [1].
ويعتقد دوركايم بوجود تشابه بين احترام الشخص للعلاقات الاجتماعية، وبين الاحترام والطاعة لدى المتديّنين في مقابل اللَّه تعالى. ويقول: إنّ الباعث لحركة المتديّن في خطّ الطاعة والتعبّد للَّهتعالى هو أنّه الخالق له والمدبّر لأموره، إذن فبهذا السبب نفسه يجب على الشخص غير المتديّن أن يحترم الحياة الاجتماعية ويعمل على الإخلاص لها وحبّها [2].
وممّا تقدّم من رؤية أتباع المذهب الوضعيّ الإجتماعيّ في تحليلهم لمقولة الحقوق، يمكن الخروج بنتيجة أنّ هذا المذهب يرى أنّ الأساس والمبنى الأصليّ للحقوق يقوم على الوجدان العام، وأنّ مبنى القواعد الحقوقية يقوم على أساس حاجة المجتمع لحكومة تلك القواعد على العلاقات الاجتماعية. وعلى هذا الأساس، فلا يوجد فرق أساسيّ بين القانون والعرف والذوق القضائيّ، بل إنّ جميع هذه المنابع للحقوق تعتبر مظاهر خارجية للوجدان العام، وامتيازها عن بعضها يكمن في نمط بيان الصياغة الخارجية لهذه القواعد والمسائل الفنّية المتعلّقة بها، فوظيفة المقنّن هي أن يتحرّك على مستوى التحقيق الدقيق في الإرادة العامّة للمجتمع واستلهام القواعد الحقوقية التي يفرضها الوجدان العام، والعمل على تدوينها والإعلان عنها.
وطبقاً لهذه الرؤية فإنّ اعتبار الأصول الكلّية للحقوق لا يعتمد على قدرة واعتبار المقنّن، بل يعتمد على الوجدان العام [3].
نقد ومناقشة:
1. إنّ أهمّ النقود والإشكالات الواردة على هذا المذهب الوضعيّ الاجتماعيّ، هو إنكاره لتأثير الأخلاق والدّين في إيجاد الحقوق، لأنّ أتباع هذه المدرسة يتصوّرون أن المبنى الأصلي للقواعد الحقوقية هو الوجدان العام، في حين أنّ تشكيل الوجدان العام يخضع لمؤثّرات وعوامل مختلفة، ومن أهمّها الأخلاق والدين. والشاهد الحيّ على هذا المعنى، تطابق الكثير من أشكال الحكم للوجدان العام في المجتمعات الدينية على تعاليم الدين السائد في أجواء هذه المجتمعات، من قبيل قبح الربا وكراهية الاختلاط بين الجنسين في هذه المجتمعات.
2. إنّ الهدف من القواعد الحقوقية طبقاً لهذا المذهب يتلخّص في تثبيت وتكريس الوضع الموجود وتبيين وتدوين الوجدان العام، في حين أنّ أحد أهداف
[1]. كليّات الحقوق، ص 83 (بالفارسيّة).
[2]. فلسفه حقوق، ج 1، ص 254 (بالفارسيّة).
[3]. انظر: كليّات الحقوق، ص 85 (بالفارسيّة).
المقنّنين هو العمل على هداية المجتمع من خلال وضع القوانين المناسبة في خطّ التكامل والتقدّم والفضيلة.
وبالطبع فهناك اختلاف في آراء العقلاء على مستوى معرفة مصداق الكمال والتقدّم، إلّاأنّه لا يوجد اختلاف بينهم في أصل ضرورة تحقيق التكامل والتقدّم في أجواء المجتمع. وأساساً فإنّ الإنسان يتحرّك دائماً، لا في وضع القوانين فحسب، بل في جميع أعماله وسلوكيّاته، في سبيل تحقيق السعادة و الكمال الأخلاقيّ والمعنويّ وإلّا فإنّ حياته ستكون فارغة وعديمة المعنى. إنّ صياغة الوجدان العام لابدّ أن تقوم على هذا الأساس أيضاً، ومن هنا نرى أنّ جميع المقنّنين، حتّى أتباع هذه المدرسة، يتحرّكون في وعيهم وسلوكيّاتهم على أساس هذا الفهم الفطريّ وبدون الالتفات إلى عدم مطابقته للأصول المقرّرة في مذهبهم ويصرّحون بأنّه «إذا تقرّر منع السرقة والعدوان على الآخرين فهو من أجل أنّ هذه الجرائم تتقاطع مع ظروف الحياة الاجتماعية وحركتها في طريق الكمال والرقيّ والفضيلة» [1].
وبديهيّ أنّ الحركة في خطّ التقدّم والكمال لا معنى لها بدون لحاظ الغاية العليا للكمال البشريّ. ومن هنا نشاهد أنّ المفكّرين في المجتمع البشريّ يعيشون دائماً هذا الهاجس، وينطلقون في عملية صياغة الوجدان العام من خلال رفع المستوى الثقافي لأفراد المجتمع والقيام بإصلاحات أساسية للأخطاء وأشكال الخلل المحتملة في عملية التقنين للوصول إلى وضع قوانين أكمل وأفضل.
ويقول أحد علماء الحقوق الفرنسيين، ويدعى روبيه، بالنسبة لوجود أهداف عليا لكلّ مجتمع بشريّ والتحرّك للوصول إلى هذه الأهداف والغايات:
«لا ينبغي الغفلة عن هذه الحقيقة، وهي أنّ الغاية العليا للمجتمع تتمحور حول الإنسان نفسه، أي أنّ هدف المجتمع توفير السعادة للإنسان، لا أنّ الإنسان يجب عليه توفير السعادة للمجتمع، ولا ينبغي الغفلة عن أنّ الفلاسفة من أتباع سقراط كانوا يتصوّرون أنّ الأصل هو المجتمع، ولذلك كانوا يرون مشروعية الرقّ خلافاً للغايات العليا التي كانوا يعتقدون بها [2].
3. الإشكال الآخر على المذهب الوضعيّ الإجتماعيّ هو عدم اهتمامه بدور الدولة في توفير ضمانات إجرائية للقوانين والقواعد الحقوقية، ومن الواضح أنّ الدولة ومن خلال أدوات السلطة التي تملكها، تعمل على جعل القواعد الحقوقية ملزمة للأفراد، فإذا تصوّرنا أنّ القواعد الأخلاقية ناشئة في عملية الإلزام من الوجدان العام كما يقول أتباع المذهب الوضعيّ الاجتماعيّ، فإنّ القواعد المذكورة وبسبب عدم وجود ضمانات إجرائية مادّية لها، لا تكون ملزمة في كثير من الموارد، في حين أنّ الدولة من خلال استخدام قدرتها والاستفادة من إمكاناتها المادّية كقوّات الشرطة والمراجع القضائية، بإمكانها العمل على تحقيق هذه القواعد على أرض الواقع الاجتماعي [3].
والجدير بالذكر أنّه مضافاً إلى هذه الإشكالات والنقود، فهناك إشكالات أُخرى على آراء أتباع هذا المذهب، ومنها ما ورد من تقسيم مراحل الحياة البشرية على طول الحركة التاريخية إلى ثلاث مراحل، كما
[1]. انظر الصفحة السابقة من هذه المقولة نفسها.
[2]. النظريّة العامة للحقوق، تأليف روبيه، ص 160 نقلًا عن كليّات الحقوق، ص 88 و 89 (بالفارسيّة).
[3]. انظر: مقدّمة علم الحقوق، ص 15، الطبعة التاسعة، 1367 ه. ش.
يتصوّر آجوست كونت: مرحلة الدين والفلسفة والعلم، فمضافاً إلى أنّ هذه النظرية تعدّ ادّعاءً محضاً لا يقوم على أساس الدليل والشواهد العلمية، بل إنّ الشواهد التاريخية غير قابلة للإنكار تقرّر خلاف هذه الرؤية، ومن هنا نلاحظ في العصر الحاضر الذي يدّعي كونتأنّه عصر العلم، شيوع واتّساع مساحة العقائد الدينية وتنوّعها. والإحصاءات التي تنشر في البلدان الصناعية والكبيرة في الغرب، تشير إلى الإزدياد الدائم في دائرة هذه العقائد في أجواء المجتمعات الغربية.
وتشكّل العقائد الدينية قسماً عظيماً من ثقافة المجتمعات البشرية على امتداد التاريخ.
2. المذهب الوضعيّ الحقوقيّ أو الحقوق الوضعية
ويسمّى هذا المذهب بالوضعية الحكومية أيضاً [1].
ولابدّ من الالتفات إلى أنّ هذا العنوان ونظائره غير ناظر إلى مذهب واحد بالخصوص، بل يشير إلى مذاهب متعدّدة أفرزتها عقول جماعة كبيرة من علماء الحقوق من خلال اطروحاتهم وقرائحهم المتنوّعة.
وأهمّ قاسم مشترك بين هؤلاء الحقوقيين، أنّهم يعتقدون بأنّ الحقوق عبارة عن مجموعة من القواعد الصادرة من قِبل الدولة والتي تتكفّل بتنفيذها أيضاً.
ويرى هؤلاء العلماء أنّ النظريات المذكورة في دائرة الحقوق إنّما تفيد المقنّن في تعيين القواعد التي تقوده في توضيح الرؤية، وإلّا فما هو مهمّ في نظر المقنّن والحقوقيّ هي قواعد الحقوق الوضعية، وهي التي تضعها الدولة وتثبت اعتبارها ومشروعيتها في هذا الوضع، فلا توجد قاعدة أخلاقية عليا تكون بمستوى أعلى من هذه الحقوق الوضعية. يعني أنّ القانون السيّء يكون ملزماً أيضاً بنفس المقدار الذي يكون فيه القانون الأكمل والأفضل [2].
وفي نظر هذه المدرسة الحقوقية فإنّ القواعد الحقوقية المطلوبة والمثالية، سواء كانت ناشئة من طبيعة الأشياء أو من العادات والتقاليد الاجتماعية، لا تتمكّن بأيّة حالٍ من معارضة الحقوق الموضوعة، وبالطبع لابدّ من فهم العوامل المؤثّرة في وضع القانون والقوى التي تتدخّل في طبيعة الحركة التقنينية للدولة.
وبعبارة أخرى أنّ أتباع المذهب الوضعيّ الحقوقيّ يقبلون بتأثير أمور مختلفة في إرادة الحكومة بالنسبة لوضع القانون من قبيل القواعد المطلوبة والمثالية الناشئة من طبيعة الأشياء أو من الوجدان العام والعادات والتقاليد الاجتماعية، ولكنّ هذه الأمور بحدّ ذاتها تدخل ضمن القواعد الأخلاقية غير الملزمة، وما يبعث على ظهور القواعد الأخلاقية وإيجاد حالة الإلزام لها ليس سوى إرادة الدولة. ويرى عالم الحقوق الفرنسي ريبر وهو من أنصار المدرسة الوضعية، أنّ الحقوق الموضوعة ناشئة من قدرة الدولة، ولكنّ المقنّن ليس حرّاً ومختاراً في وضع هذه القواعد، لأنّه يخضع بدوره للضرورات الاجتماعية والأخلاقية والدينية والحضارية التي يعيشها الناس. ففي الحكومات الليبرالية يكون وضع القانون بعهدة الوكلاء المنتخبين من قِبل الشعب، فالشعب مؤثّر بشكل غير مباشر في إيجاد هذه الحقوق.
ويقول ريبر، إنّ حقوق كلّ قوم مرآة تنعكس فيها
[1]. انظر: فلسفة الحقوق، ج 1، ص 380 (بالفارسيّة).
[2]. القوى البناءة للحقوق، العدد 26، تأليف ريبر، نقلًا عن كليّات الحقوق، ص 108 (بالفارسيّة).
ثقافة ومدنية وأخلاق الناس وأفراد المجتمع، ولا يتمكّن المقنّن من وضع قانون بدون الالتفات إلى هذه العناصر والعوامل. فالقواعد الأخلاقية في نظره تحيط بالحقوق من جميع الأطراف [1].
لكن لابدّ من الالتفات إلى أنّ أتباع المذهب الوضعيّ الحقوقيّ لا يتّفقون مع ريبر في عقيدته هذه، و لا يفكّرون مثل تفكيره بالنسبة إلى تأثير العوامل الاجتماعية والأخلاقية في الحقوق، وهذا ما يوضّح ضرورة تقسيم أتباع هذا المذهب إلى مجاميع متعدّدة كما ستأتي الإشارة إليه.
أتباع المذهب الوضعي في الحقوق:
يمكن تقسيم أتباع هذا المذهب إلى ثلاثة فئات أو مذاهب فرعية:
1. مذهب الحقوق الدستورية أو التحليلية: ففي نظر أتباع هذا المذهب، أنّ العنصر الأصليّ للحقوق هو اعتمادها على القوّة السياسية للدولة، وهذه الخصوصية هي التي تميّز هذه القواعد عن سائر القواعد الاجتماعية. وطبقاً لهذه النظرية يجب أن تتميّز الحقوق عن القواعد الدستورية التي ليست ذات بعد سياسي كالأخلاق والعادات والتقاليد الاجتماعية. فلو كانت القاعدة فاقدة للضمانة التنفيذيّة من قِبل الحكومة والنظام السياسي، فلا تكون جزءً من الحقوق، لذلك فإنّ هذا المذهب لا يعتبر الحقوق العالمية العامّة فرعاً حقوقياً كاملًا وشاملًا. وعلى هذا الأساس فإنّ كلّ قاعدة حقوقية تمتاز بثلاث خصال تميّزها عن غيرها من القواعد الأخرى:
أ) كيفية الأمر أو الدستور.
ب) إنّ هذا الأمر صادر من قِبل القدرة السياسية العليا.
ج) إنّ أمر القدرة السياسية أو الدولة يتزامن مع وجود إجراءات على مستوى التطبيق.
ومن هنا فإنّ أتباع هذا المذهب يريدون حصر علم الحقوق بما هو موجود فعلًا، وتطهيره من الملاحظات الاجتماعية والمثل الفلسفية، وبالتالي تفسير جوهر الحقوق بدون اللوازم الخارجية [2].
نقد ومناقشة:
هناك إشكالات متعدّدة واردة على هذا المذهب ومن أهمّها عدم اهتمامه بأمر العدالة، بل وتبرير مظاهر الظلم والاستبداد. لأنّ هذا المذهب الحقوقيّ يرى أنّ القاعدة الحقوقية إنّما تكون ملزمة إذا كانت مقترنة بضمانة اجتماعية من قِبل القدرة السياسية العليا، فحينئذٍ تكون قاعدة حقوقية يلزم اتّباعها والعمل بها حتّى لو كانت تمثّل الظلم المحض. وعليه فإنّ هذا المذهب يخالف على مستوى النظر حكم العقل والعقلاء في قبولهم للعدالة وضرورة التوصّل إليها وتحقيقها في أجواء المجتمع، ومن جهة عملية أيضاً فإنّه يفتح الطريق لظهور حكومات استبدادية ودكتاتورية، والنتيجة أنّ هذه الرؤية ليست مقبولة لا من الناحية النظرية ولا العملية، ولذلك لا نحتاج هنا لطرح إشكالات أخرى واردة على هذا المذهب.
2. مذهب علم النفس الحقوقي: وهذا المذهب في حين أنّه يرى أنّ الحقوق ناشئة من قدرة الحكومة والدولة، فإنّه يرى اعتبار وتأثير الضرورات الاجتماعية والأخلاقية على مستوى كونها مرتكزات واقعية للقواعد الحقوقية. ويعتقد أصحاب هذا المذهب أنّ الأخلاق حاكمة على الحقوق، وتعدّ معياراً لتقييمها، فالأخلاق تجري في تفاصيل القضايا الحقوقية كجريان الدم في البدن، والحقوق تمثّل الرواسب التاريخية للأخلاق الاجتماعية [1].
إنّ مهارة الحكّام تتجلّى في عملية استفادتهم من العناصر الأخلاقية لصالحهم، لأنّ القانون الذي يتوافق وينسجم مع طبيعة القيم الأخلاقية السائدة بين الناس يسهل أمر تطبيقه، والأخلاق مضافاً إلى تدخّلها في وضع القاعدة الحقوقية، فإنّها تؤثّر أيضاً في كيفية تفسيرها وتطبيقها على واقع الحياة، بل إنّها تتمتّع بالصلاحية لإلغاء تأثير القاعدة الحقوقية، وعلى هذا الأساس فإنّ الأخلاق هي العامل الأساس لإيجاد الحقوق، ولا ينبغي أن نتصوّر أنّها أحد المباني التي يقرّر الحقوقيون معالم الحقوق على أساسها في عملية التقنين وفي المباني الحقوقية [2].
والنقطة الملفتة للنظر هنا أنّ أحد كبار أتباع المذهب النفسيّ في الحقوق، أي الحقوقيّ الفرنسيّ المعروف ريبر لا يرى أنّ المثل الأخلاقية تتمحور حول المفهوم الكلّي للعدل، لأنّ هذا المفهوم مادام باقياً في دائرة كلّيته وإبهامه، ويحتمل تفاسير متعدّدة، فإنّه لا يتمكّن من وضع أحكام صارمة وقوية لإدارة أمور الحياة الاجتماعية.
وكذلك يرى ريبر أنّ العدالة إذا أُخذت منفصلة عن الدِّين فإنّها ستكون ناقصة ويحيط بها الإبهام والغموض، ويصرّح بأن: «لا ينبغي للحقوقيين الفرنسيين الغفلة عن أنّ الحقوق يجب إجراؤها في أجواء المجتمع البشري الذي يقوم على أساس الأخلاق المسيحية» [3].
نقد ومناقشة:
إنّ اهتمام مذهب علم النفس الحقوقي بالأخلاق وتأثيرها الكبير في صياغة وتفسير وإجراء القواعد الحقوقية، يعتبر عملًا محموداً وقيّماً، ولكن ينبغي الالتفات إلى أنّ الأخلاق في المجتمعات غير الدينية ليست أمراً ثابتاً، بل واقعة تحت تأثير عوامل أخرى كالعامل الاقتصادي والقوى السياسية، بحيث لا يمكن اعتبار الأخلاق عاملًا أصلياً في إيجاد الحقوق. وعليه فإنّ ما يؤثّر تأثيراً كبيراً في ظهور الحقوق في الواقع الاجتماعي ليست الأخلاق الفردية، بل الأخلاق الإجتماعية التي بدورها متأثّرة بمجموعة عوامل من قبيل العامل الاقتصادي والسياسي والثقافي والإجتماعي.
والنتيجة أنّ هذا المذهب قد بالغ إلى حدّ ما في مقولة تأثير الأخلاق في الحقوق، ومن جهة أخرى أغفل تأثير أمور أخرى، كالعوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية أو لم يهتمّ بدراستها بدقّة.
3. المذهب الواقعيّ للحقوق (رئاليسم) فيأمريكا: وطبقاً لرؤية هذا المذهب، فإنّ الحقوق تنشأ من آراء
[1]. الحقوق المدنية، تأليف ريبر وبولانجه، ج 1، العدد 53؛ القاعدة الأخلاقية في المواثيق المدنية، تأليف ريبر، العدد 14؛ القوى البناءة للحقوق، العدد 69 نقلًا عن فلسفة الحقوق، ج 1، ص 396 (بالفارسيّة).
[2]. انظر: فلسفة الحقوق، ج 1، ص 396 و 397 (بالفارسيّة).
[3]. القاعدة الاخلاقية في المواثيق المدنية، العدد 17، نقلًا عن فلسفة الحقوق، ج 1، ص 397- 401 (بالفارسيّة).
المحاكم، ومن هنا يعتمد هذا المذهب بشكل خاصّ على علم النفس القضائيّ والعوامل الأخرى التي تساهم في عملية التحقيق في القواعد الحقوقية. والقاضي في نظر أتباع هذا المذهب كالمقنّن، وأنّ الحقوق هي منهج بإمكانه تعيين حكم المحكمة في كلّ قضية في مرتبة سابقة.
ومن أجل أن تكون لنا رؤية أفضل لتفاصيل هذا المذهب، لابدّ من الالتفات إلى كيفية دخوله في نظام «كامن لو» الذي يعتبر أحد الأنظمة الحقوقية الثلاثة الكبيرة في العالم (أي النظام الحقوقي الإسلامي، نظام الحقوق المدوّنة [/ الرومية والألمانية] والنظام الحقوقي كامن لو). وعلى أساس النظام «كامن لو» السائد في بلدان كبريطانيا، وأمريكا، وكندا واستراليا، فإنّ الحقوق تظهر بالتدريج، ومن خلال تصميمات المحاكم في الدعاوى الخاصّة، وتدخّل مجالس التقنين في تدوين الحقوق، لها جهة استثنائية، وبعبارة أخرى، فإنّ المنبع الأصلي للحقوق هو الذوق أو المسلك القضائي الذي يتشكّل بواسطة آراء المحاكم، وأمّا القانون الصادر من مجالس التقنين والتشريع، فيعتبر مصدراً من الدرجة الثانية للحقوق، حيث يحدّ من دائرة «كامن لو» في بعض الموارد، وهذا في مضمونه الدقيق مخالف للنظام الحقوقي الإسلامي والحقوق المدوّنة (الرومية والألمانية).
وعلى أساس نظام (كامن لو)، فإنّ الحقوق لا تمثّل مجموعة من القواعد الكلّية التي تعرض على المحاكم لتنفيذها وتطبيقها، بل إنّ رأي المحكمة هو الذي يقنّن الحقوق [1].
وطبقاً لرؤية المذهب الواقعي للحقوق، فبما أنّ العامل الأصلي لصياغة الحقوق، آراء القضاة، والقضاة في إصدارهم للحكم فهم يقعون تحت تأثير العوامل النفسية والاجتماعية المختلفة، فإنّ الرؤية الواقعية توجب الاهتمام بدراسة هذه العوامل وعدم الاكتفاء بدراسة ظاهر عبارة القاضي أوالمقنّن. ويرى أصحاب هذا المذهب أنّ الحقوق لا تمثّل مجموعة من القواعد المدوّنة سابقاً والحاكمة على أجواء المجتمع، بل عبارة عن سلوك القضاة في مقام حلّ وفصل الدعاوى والمخاصمات. وبالطبع فإنّ بعض روّاد هذا المذهب لا يرون أنّ الحقوق ناشئة من تصميم المحكمة فقط، بل كذلك سلوك القضاة وأفراد الشرطة تمثّل أيضاً منابع للحقوق [2].
نقد ومناقشة:
1. إنّ مبالغة هذا المذهب بالنسبة لدور آراء القضاة في صياغة الحقوق، لا تخفى على أحد، وبالتالي فإنّ هذ الرأي يتنافى مع أصل تفكيك السلطات [3] وفصل السلطة المقنّنة عن السلطة القضائية، وهو من الأصول الأساسية المقبولة في واقع المجتمعات البشرية والحكومات المعاصرة، وبالتالي فإنّه يؤدّي إلى تفوّق وتعالي إرادة القضاة على إرادة نوّاب الشعب في مجالس التشريع والبرلمان.
2. إنّ قبول المسلك القضائي كمنبع أصلي للحقوق والذي يقوم أساساً على استنتاج القضاة السابقين ورؤيتهم الخاصّة لمقولة العدل والإنصاف، يؤدّي إلى أن
[1]. انظر: فلسفة الحقوق، ج 1، ص 405- 409 (بالفارسيّة).
[2]. انظر: المصدر السابق، ص 409- 413.
[3]. والجدير بالذكر أنّ رأي الإسلام يختلف عن رأي العالم الغربي ومنظمةحقوق الإنسان في تفكيك القوى، وقد ذكر هذا البحث في محلّه، في حين أنّ الإسلام لا يعتبر القضاة مقنّنين، ولا يعتبرهم منبعاً أصلياً للحقوق. يكون أصحاب الدعوى وطرفي الخصومة في كثير من الموارد جاهلين بالحكم الذي سيجري في شأنهم وقضيّتهم عند مراجعتهم للمحاكم، لأنّه لا يعلم ما هو مقتضى العدل والإنصاف الذي سيقرّره قاضي هذه القضية، وبديهيّ أنّ هذا الأمر لا ينسجم مع ضرورة اطّلاع الناس على القانون، و كذلك قاعدة قبح العقاب بلا بيان التي تعتبر قاعدة عقلية أو عقلائية.
3. الإشكال المهمّ الآخر الوارد على المذهب الواقعي للحقوق، أنّه لا يأخذ بعين الاعتبار في جميع تحقيقاته، جميع المسائل الحقوقية المبحوثة في المحاكم كيما تكون آراء القضاة منبعاً أصلياً للحقوق، بل يتمّ الرجوع للدعاوى الخاصّة التي تقع بين الأفراد وتقدّم للمحكمة، في حين أنّ الكثير من المسائل الحقوقية تجري بين أفراد المجتمع في دائرة الأمور الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وأمثال ذلك بدون أن تقع خصومة أو دعوى في موردها، يقول الحقوقيّ الفرنسي (كاربونيه): «إنّ واقع الحقوق لا يتّسق دائماً مع المسلك القضائي، بل حتّى أنّه يتعرّض للتحريف من هذه الجهة، لأنّ المسلك القضائي عبارة عن ترافع، والترافع يختصّ ب (حقوق معرفة الخسائر) لا الحقوق العادية» [1].
4. ما أدخله بعض أتباع هذا المذهب- من أجل جبران النقص الموجود فيه، من إضافة أعمال المدّعي العام وأفراد الشرطة- إلى منابع الحقوق، فإنّه يثير عليهم إشكالًا أهمّ، لأنّه إذا كان هناك محلّ لصلاحية القضاة في أمر الحقوق، وقلنا أنّها من لوازم تفسير القانون بواسطتهم؛ فإنّه لا يمكن القول بذلك بالنسبة إلى رجال الشرطة الذين يتولّون مهمّة إجراء القانون فقط لاتفسيره. وإذا أمكن لوظيفة إجراء القانون أن تكون لها صلاحية التقنين، فهل يمكن القول أنّ هذا الكلام يشمل جميع أفراد المجتمع الذين يتولّون بشكلٍ أو بآخر إجراء القانون في واقع المجتمع؟ وهل يجب في هذه الصورة اعتبار سلوك جميع أفراد المجتمع كمنبع أصليّ للحقوق؟! [2]
النتيجة:
إنّ ما تقدّم بيانه عبارة عن موجز لسعي البشرية لتعيين المباني الواقعية للحقوق وتأسيس نظام اجتماعي يكون قادراً على توفير مصلحة الناس وسعادتهم دون الاعتماد على تعاليم الوحي والدّين ولمدّة قرون متمادية، ولازالت هذه المساعي مستمرّة من أجل تعيين مباني الحقوق الواقعية، وتأسيس نظام اجتماعيّ لتأمين المصلحة والسعادة في واقع الحياة.
إنّ التأمّل في هذه المذاهب المختلفة والمتباينة بالشكل المذكور آنفاً، يشير إلى أنّ هذا الطريق زاخر بالتجربة والخطأ، وكلّما تقدّم الزمان فإنّ التناقضات في هذه الدائرة تشتدّ وتتجلّى أكثر.
أنّ الطريق الوحيد الذي نعتقد بأنّه يوصلنا إلى العلم الصحيح والموثوق، هو ما يقودنا إلى خالق الإنسان والعالم، ومعرفة سعادة الإنسان وكيفية وصوله إلى هذه المرتبة لابدّ أن تؤخذ من تعاليم الوحي الذي نزل على النبيّ الخاتم صلى الله عليه و آله وتمّ تبيينها بواسطة خلفائه المعصومين عليهم السلام للناس وهذا هو العلم الصحيح الذي
[1]. الحقوق القابلة للانعطاف، تأليف كاربوينه، ص 18، نقلًا عن فلسفة الحقوق، ج 1، ص 416 (بالفارسيّة).
[2]. فلسفة الحقوق، ج 1، ص 417 (بالفارسيّة).
قدّمه أئمّة أهل البيت عليهم السلام عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله كما يقول الإمام الصادق عليه السلام:
«حَدِيثي حَدِيثُ أبي، وحَدِيثُ أبي حَدِيثُ جَدِّي وحَدِيثُ جَدِّي حَدِيثُ الحُسَيْنِ وحَدِيثُ الحُسَينِ حَدِيثُ الحَسَنِ وحَدِيثُ الحَسَنِ حَدِيثُ أميرِالمُؤمِنينَ عليه السلام وحَدِيثُ أمِيرِالمُؤمِنينَ حَدِيثُ رَسولِ اللَّه صلى الله عليه و آله وحَدِيثُ رَسولِ اللَّهِ قَولُ اللَّهِ عزَّ و جَلَّ» [1].
وكذلك عن الإمام نفسه عليه السلام أنّه قال:
«شَرِّقا وَغَرِّبا فَلا تَجِدانِ عِلْماً صَحِيحاً إلّاشَيْئاً خَرَجَ مِنْ عِنْدِنا أهْلِ البَيْتِ» [2]
وكذلك ما قاله في جواب السائل الذي تصوّر أنّ الإمام كغيره من المجتهدين، حيث يتمثّل كلامه في الاستنباط الظنّي، فقال::
«مَهْ، مَا أجَبْتُكَ فِيه مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيهِ و آلِهِ، لَسْنا مِنْ: أَرَأَيْتَ فِي شَيْءٍ» [3].
المصدر
- [ موسوعة الفقه الاسلامي المقارن، مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر، ج1، ص 46 الى ص628].