الفرق بين المراجعتين لصفحة: «عثمان بن عفان»
Wikivahdat (نقاش | مساهمات) ط استبدال النص - '=المصادر=↵{{الهوامش}}' ب'== الهوامش == {{الهوامش}}' |
لا ملخص تعديل |
||
| سطر ١: | سطر ١: | ||
{{صندوق معلومات شخص | |||
| العنوان = عثمان | |||
| الصورة = | |||
| الإسم = عثمان | |||
| الإسم الکامل = عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية | |||
| سائر الأسماء = أبو عمرو، أبو عبد الله | |||
| سنة الولادة = | |||
| تأريخ الولادة = السنة السادسة بعد واقعة [[عام الفيل]] | |||
| مكان الولادة = [[مكة]] | |||
| سنة الوفاة = 35 هـ | |||
| تأريخ الوفاة = | |||
| مكان الوفاة = [[المدينة المنورة]] | |||
| الأساتذة = | |||
| التلامذة = | |||
| الدين = الإسلام | |||
| المذهب = | |||
| الآثار = | |||
| النشاطات = | |||
| الموقع = | |||
}} | |||
'''عثمان بن عفان''' هو ثالث [[خليفة]] من [[الخلفاء الراشدون]] عند أهل السنة، ومن أصحاب [[محمد بن عبد الله (خاتم الأنبياء)|النبي محمد (صلى الله عليه وآله)]]. وصل عثمان إلى الخلافة بناءً على الشورى التي حددها عمر بن الخطاب قبل وفاته لاختيار الخليفة، وحكم من سنة 23 هـ حتى مقتله في سنة 35 هـ. | |||
قضى عثمان آخر 49 يوماً من حياته محاصراً من قبل معارضيه ومحتجّي عليه، مما أدى في النهاية إلى قتله. كما قام عثمان بجمع نسخة رسمية من [[القرآن]] وتدوينها. بعد مقتل عثمان، ازدادت الخلافات بين جماعات المسلمين والأراضي الإسلامية المتحدة (مثل [[الشام]]، [[العراق]]، [[الحجاز]]، و[[مصر]])، وأدت هذه النزاعات السياسية والدينية إلى صراعات عُرفت بالفتنة الأولى والثانية. | |||
= | == تعريف بعثمان == | ||
عثمان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، وجدة أمه هي بيضاء بنت [[عبد المطلب|عبد المطلب]] بن هاشم بن عبد مناف، وكُنيتها أم حكيم<ref>طبقات ابن سعد/ترجمة، ج3 ص </ref>. | |||
= | كانت كنية عثمان في [[الجاهلية]] أبا عمرو، فلما ظهر الإسلام رُزق من رقية بنت [[محمد بن عبد الله (خاتم الأنبياء)|رسول الله (صلى الله عليه وآله)]] بابن سُمي عبد الله، فاتخذ كنية أبي عبد الله<ref>طبقات ابن سعد/ترجمة، ج3 ص </ref>. واختلف في تاريخ ميلاد عثمان؛ فقيل إنه ولد في السنة السابعة<ref>ابن عبد البر، الاستيعاب، 3، 1037</ref>، أو السادسة من [[عام الفيل]]. | ||
وقيل إن عثمان أسلم في [[مكة]] بدعوة من أبي بكر<ref>الذهبي، أسد الغابة، 3، 481</ref>. غير أن بعض المصادر ترى أن إسلامه جاء عقب إسلام [[طلحة]] و[[الزبير]]<ref>طبقات ابن سعد/ترجمة، ج3 ص 46</ref>. | |||
== إسلام عثمان == | |||
أسلم عثمان في [[مكة]] بدعوة من [[أبي بكر بن أبي قحافة|أبي بكر]]<ref>الذهبي، أسد الغابة، 3، 481</ref>. ولا يُعرف على وجه الدقة السنة exactة لإسلامه؛ غير أنه قيل إنه آمن في بدايات دعوة النبي (صلى الله عليه وآله) في دار الأرقم بن أبي الأرقم<ref>ابن الجوزي، المنتظم، 4، 335</ref>. | |||
وعثمان من أوائل من هاجر من مكة إلى [[الحبشة]]<ref>ابن عبد البر، الاستيعاب، 3، 1038</ref>. ورغم وجوده في [[المدينة المنورة]] وقت [[غزوة بدر]]، فإنه لم يشارك في القتال. وقد ذكر المؤرخون أن سبب عدم مشاركته كان مرض زوجته رقية بنت [[محمد بن عبد الله (خاتم الأنبياء)|النبي محمد (صلى الله عليه وآله)]]، وأن النبي نفسه أمره بالبقاء في المدينة، وتوفيت رقية في نهاية تلك الغزوة<ref>الواقدي، المغازي، 1، 101؛ ابن عبد البر، الاستيعاب، 3، 1038؛ الذهبي، أسد الغابة، 3، 482</ref>. | |||
== عثمان قبل الخلافة == | |||
=== في عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) === | |||
كان من بين [[المهاجرون]] الذين هاجروا إلى [[الحبشة]] برفقة زوجته<ref>طبقات ابن سعد/ترجمة، ج3 ص46</ref>. وعند الهجرة إلى المدينة، نزل في دار أوس بن ثابت (أخو حسان بن ثابت) في حي بني النجار. | |||
وقد كُتب أنه لم يحضر [[غزوة بدر]] بسبب مرض زوجته<ref>الواقدي، المغازي، 1، 101</ref>. غير أن النبي (صلّى الله عليه وآله) خصّ عثمان بسهمه من غنائم بدر<ref>طبقات ابن سعد/ترجمة، ج3 ص46</ref>. وقد شارك مع المسلمين في [[غزوة أحد]]، لكنه كان من بين المسلمين الذين فروا أثناء المعركة وبعد اشتداد الوطأة. وقد ذكر بعض المؤرخين أنه ظلّ فارّاً لمدة ثلاثة أيام<ref>المغازي، ج1، ص237، ترجمة إرشاد، ص73 (الطبري، 310هـ)، ج4، ص145، الناشر: دار الفكر/تاريخ الطبري، ج2، ص69، الناشر: دار الكتب العلمية/أسد الغابة في معرفة الصحابة، ج4، ص63، تحقيق عادل أحمد الرفاعي، الناشر: دار إحياء التراث العربي/السيرة النبوية، ج3، ص55؛/المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية، ج17، ص347، تحقيق: د. سعد بن ناصر بن عبدالعزيز الشثري، الناشر: دار العاصمة/دار الغيث/الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ج3، ص1074، تحقيق علي محمد البجاوي، الناشر: دار الجيل/الوافي بالوفيات، ج20، ص61، تحقيق: أحمد الأرنؤوط وتركي مصطفى، الناشر: دار إحياء التراث/البداية والنهاية، ج4، ص28-29، الناشر: مكتبة المعارف)</ref>. | |||
كما أرسل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عثمان سفيرًا إلى قريش خلال [[صلح الحديبية]] ليبلغهم بأن المسلمين لم يأتوا للقتال، بل جاءوا لتعظيم بيت الله، وبعد ذبح الإبل سيغادرون المدينة. | |||
التقى عثمان بقريش في منطقة "بُلح"، وبلّغهم رسالة رسول الله (صلّى الله عليه وآله). فردّت قريش قائلة: ارجع من حيث أتيت وقل لمحمد (صلّى الله عليه وآله): إنهم لن يسمحوا له بدخول [[مكة]]. | |||
في تلك اللحظة، آواه أبان بن سعيد بن العاص، أحد أشراف مكة، ولحمايته ركب خلفه على فرسه وأدخله مكة. تحدث عثمان مع كل واحد من أشراف مكة على حدة، لكن مسعاه لم يُجدِ نفعًا. وقيل إن عثمان مكث في مكة ثلاثة أيام لدعوة قريش إلى قبول الصلح. وقد أدى غيابه لمدة ثلاثة أيام إلى قلق المسلمين وعقد بيعة الرضوان.<ref>تاريخ الطبري، ج3، ص429، شرح نهج البلاغة، ج1، صص163-165، نثر الدر، ج2، صص15، 23، الكامل في التاريخ، ج2، ص425، حياة الصحابة، ج2، ص26، طبقات الكبرى، ج3، ص200</ref> | |||
=== عثمان في عهد أبي بكر وعمر === | |||
في عهد [[أبو بكر الصديق]]، كان عثمان من المقربين من الخليفة ويُعدّ كاتبه الخاص. وكان عثمان ملازمًا لأبي بكر طوال فترة مرضه، وكلّفه أبو بكر بكتابة عهد ولاية العهد لـ[[عمر بن الخطاب]]. ومع بدء كتابة العهد، دخل أبو بكر في غيبوبة، فأكمل عثمان كتابة العهد كما أُمر، وكتب اسم عمر فيه. وعندما استفاق أبو بكر، طلب منه قراءة ما كتبه، ففعل، فأقرّ أبو بكر كتابته<ref>تاريخ الطبري، ج3، ص429، شرح نهج البلاغة، ج1، صص163-165، نثر الدر، ج2، صص15، 23، الكامل في التاريخ، ج2، ص425، حياة الصحابة، ج2، ص26، طبقات الكبرى، ج3، ص200</ref>. | |||
وفي عهد عمر أيضًا، تمتّع عثمان بنفوذ كبير، وكان في تلك الفترة ممثلاً لبني أمية<ref>التاريخ السياسي للإسلام، تاريخ الخلفاء، رسول جعفريان، ص147</ref>. | |||
=== شورى الخلافة === | |||
في سنة 23 هـ (الموافق 644 م)، ضرب فيروز، غلام المغيرة بن شعبة الفارسي، عمر بن الخطاب. وعاش عمر بضعة أيام فقط بعد هذه الضربة، لكنه قبل وفاته شكّل مجلس شورى مؤلفًا من ستة أشخاص هم: [[علي بن أبي طالب|الإمام علي (عليه السلام)]]، و[[عثمان بن عفان]]، و[[الزبير بن العوام]]، و[[طلحة بن عبيد الله]]، و[[عبد الرحمن بن عوف]]، و[[سعد بن أبي وقاص]]، وأمرهم بأن يختاروا واحدًا منهم ليكون خليفة. وقد تنازل سعد منذ البداية عن رأيه لعبد الرحمن، كما اعتذر الزبير عن الترشيح للخلافة مؤيدًا عليًا (عليه السلام). وأعلن عبد الرحمن أنه لا يرغب في الخلافة. أما طلحة، ابن عم أبي بكر والمعارض لعلي (عليه السلام)، فقد انحاز إلى جانب عثمان. وبالتالي، لم يبقَ في السباق سوى علي (عليه السلام) وعثمان<ref>تاريخ الأمم والملوك، ج3، ص296؛ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج1، ص188</ref>، فأصبح رأي عبد الرحمن بن عوف حاسمًا. | |||
وبعد ثلاثة أيام من المشاورة مع الناس، وخاصة الأعيان والأمراء، طلب عبد الرحمن بن عوف أولاً من علي (عليه السلام) أن يلتزم بأن يعمل، إذا ما نال الخلافة، وفق كتاب الله، و[[سنة النبي|سيرة النبي (صلّى الله عليه وآله)]]، وسيرة أبي بكر وعمر. فردّ علي (عليه السلام) قائلاً: "أرجو أن أعمل ضمن حدود علمي وقدرتي واجتهادي وفق كتاب الله وسنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)". ثم عرض شرطه نفسه على عثمان، فقبله فورًا. وعليه، بايع عبد الرحمن بن عوف عثمان. | |||
== عثمان من الهجرة إلى المدينة حتى وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) == | |||
منذ الهجرة حتى وفاة النبي (صلى الله عليه وآله)، لم يكن لعثمان دور بارز بين المسلمين إلا في أحداث قليلة. وما نُقل عنه في تلك الفترة هو كما يلي: | |||
# لم يحضر عثمان غزوة بدر بإذن من النبي (صلى الله عليه وآله) بسبب المرض الشديد الذي أصاب زوجته رقية<ref>الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ج 3، ص 1038</ref>، وفي اليوم نفسه الذي وصلت فيه أخبار انتصار المسلمين إلى المدينة، توفيت رقية<ref>أسد الغابة في معرفة الصحابة، ج 3، ص 482</ref>. | |||
# في سفر المسلمين إلى مكة الذي أدى إلى صلح الحديبية، أرسل النبي الكريم الإسلام عثمان إلى داخل مكة للتفاوض على الصلح نظراً للعلاقة العاطفية التي كانت تربطه بقريش. وبعد فترة، وصلت أخبار تفيد بأن أهل مكة قد قتلوا عثمان. هذا الخبر جعل المسلمين يعتقدون أنه يجب عليهم الاستعداد للحرب؛ لذا تعاهدوا فيما بينهم في ما عُرف بـ[[بيعة الرضوان]]، ثم وصلت أخبار تفيد بأن خبر موته كان مجرد إشاعة. وطبيعي أن يكون لهذا السبب لم يحضر هو أيضاً بيعة الرضوان<ref>الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ج 3، ص 1038</ref>. | |||
# كانت [[غزوة تبوك]] من الغزوات التي تسببت في مشاق كثيرة للمسلمين؛ إذ إن المسافة الطويلة جداً مع شدة حرارة الجو لم تكن تتوافق مع إمكانيات المسلمين في ذلك الوقت؛ لذا كانت هناك حاجة ماسة إلى المساعدات، وقد ساهم عامة المسلمين في دعم جيش الإسلام حسب استطاعتهم. ونظراً لأن الوضع المالي لعثمان كان أفضل من غيره، فقد قدم مساعدة أكبر مقارنة بالآخرين<ref>الذهبي، محمد بن أحمد، تاريخ الإسلام، تحقيق: تدمري، عمر عبد السلام، ج 3، ص 470، بيروت، دار الكتاب العربي، الطبعة الثانية، 1409هـ</ref>. وفي بعض الروايات، ذُكرت أرقام مبالغ فيها بشأن مساعدات عثمان<ref>الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ج 3، ص 1040</ref>. | |||
== جمع القرآن في عهد عثمان == | |||
كان [[القرآن الكريم]] يُدوَّن كتابةً في عهد النبي (صلى الله عليه وآله)، كما كان العديد من المقربين منه يحفظون آياته. ومع ذلك، وفقاً لرأي بعض الباحثين في القرآن، فإن القرآن لم يُجمع في كتاب واحد حتى عهد أبي بكر لأسباب معينة. وقد أدت [[وقعة اليمامة]]، التي قُتل فيها عدد كبير من حفظة القرآن، إلى طرح موضوع جمع القرآن في كتاب واحد أمام المسلمين. واختار أبو بكر لهذا الغرض [[زيد بن ثابت]]. | |||
قام زيد بجمع جميع الكتابات القرآنية المتفرقة، وكان لا يقبل أي آية قرآنية إلا بعد توفر شاهدين على الأقل (أحدهما من الكتابة والآخر من الحفظ)، حتى لو كانت مؤيدة بعشرات الحفظة وعشرات النسخ. وظل القرآن الذي جمعه زيد ودوّنه مكوناً من صحف ولم يكن على شكل مصحف، وفي النهاية وُضع في صندوق وكُلف شخص بحفظه وحراسته. استغرق هذا الجمع 14 شهراً على الأكثر، وانتهى بوفاة أبي بكر سنة 13هـ. وطبقاً لوصية أبي بكر، سُلِّمت هذه النسخة إلى عمر. وبعد عمر، وطبقاً لوصيته، سُلِّمت إلى ابنته حفصة بنت عمر، زوجة النبي (صلى الله عليه وآله). | |||
في عهد خلافة عثمان، ومع الفتوحات الإسلامية ووصول القرآن إلى الأراضي المفتوحة حديثاً، نشأت اختلافات ومشكلات كثيرة في قراءة كلمات القرآن. فشكل عثمان لجنة مكونة من زيد بن ثابت و[[سعيد بن العاص]] وعبد الله بن الزبير و[[عبد الرحمن بن الحارث]]. وبدأت هذه اللجنة، بالتعاون مع 12 شخصاً من قريش والأنصار، وكان الإمام علي (عليه السلام) يشرف ويراقب أعمالهم بشكل ما، في نسخ النسخة النهائية. | |||
قاموا بجمع جميع الكتابات من عهد النبي (صلى الله عليه وآله). ثم استعاروا نسخة الكتابة التي أعدّها زيد في عهد أبي بكر، والتي كانت محفوظة عند حفصة. وقد اتُفق على أنه كلما اختلف ثلاثة من زملاء زيد معه في كتابة كلمة ما، تُكتب بلهجة قريش. وهكذا، تقدم العمل في التدوين النهائي اعتماداً على الصحف الباقية من عهد النبي (صلى الله عليه وآله)، والنسخ الخاصة مثل نسخة حفصة ونسخة زيد نفسها، وبالاعتماد على حفظ الحفظة وشهادة الشهود، وانتهى العمل بـ<sub>مصحف الإمام</sub>، أي المصحف النموذجي والرسمي والنهائي المعروف بـ«المصحف العثماني»، وذلك في فترة تتراوح بين أربع إلى خمس سنوات، من سنة 24هـ إلى قبل سنة 30هـ، ونُسخت منه 5 أو 6 نسخ طبق الأصل. | |||
حُفظت نسختان في مكة والمدينة، وأُرسِلت 3 أو 4 نسخ أخرى مع حافظ للقرآن كان يقوم بدور المعلم والمرشد للقراءة الصحيحة، إلى المراكز المهمة في العالم الإسلامي، وهي: البصرة، والكوفة، والشام، والبحرين. ثم أمر عثمان بإتلاف جميع الكتابات والنسخ السابقة حتى تزول جذور النزاع والخلاف تماماً<ref>تاريخ القرآن، راميار، ص 407-431؛ خرمشاهي، موسوعة القرآن ودراسات القرآن، ج 2، ص 1635</ref>. | |||
== بعضُ إجراءاتِ عثمانَ الشّخصيّةِ == | |||
أتمّ عثمانُ الصّلاةَ في [[مِنًى]] على خلافِ سنّةِ رسولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله)، فلمّا واجَهَهُ اعتراضُ الصّحابةِ ومنهم [[عبد الرّحمن بن عوف]] ولم يتمكّنْ من إجابَتِهِم، قال: <sub>هذا رَأىٌ رَأَیْتُه</sub>، أي: هذا رأيٌ ارتأيْتُهُ بنفسي<ref>الكاملُ لابنِ الأثير، التّرجمة، ج9، ص167 و168؛ تاريخُ الإسلام، ج4، ص268</ref>. وحسبَ ما ذكرَهُ المتّقي الهنديّ (مؤلّفُ كتابِ كنزِ العُمّال) فإنّ التّغييرَ في الوضوءِ والاختلافَ بينَ وضوءِ الشّيعةِ وأهلِ السّنّةِ قد بدأَ منذُ عهدِ خلافَتِهِ<ref>كنزُ العُمّال، ج9، ص443، ح26890</ref>. ورغمَ أنّهُ قالَ في موضعٍ إنّ النّبيّ (صلّى الله عليه وآله) مسحَ قدمَيْهِ بعدَ غسلِ وجهِهِ ويديْهِ ومسحِ رأسِهِ<ref>المصنّفُ في الأحاديثِ والآثار، ج1، ص16</ref>، فإنّهُ عدَّ في موضعٍ آخرَ وضوءَ النّبيّ (صلّى الله عليه وآله) بغسلِ القدمين<ref>مسندُ الدّارميّ، ج1، ص544</ref>. | |||
'''وقالَ الإمامُ عليّ (عليه السّلام) في هذا الشّأنِ''': | |||
لو كانَ الدّينُ تابعًا لآراءِ النّاسِ لكانَ باطنُ القدمينِ أولى بالمسحِ من ظاهرِهِما، غيرَ أنّي رأيتُ رسولَ اللهِ (صلّى الله عليه وآله) يمسحُ ظاهرَ القدمينِ<ref>ابنُ أبي شيبة، المصنّفُ في الأحاديثِ والآثار، ج1، ص25؛ كنزُ العُمّالِ في سننِ الأقوالِ والأفعال، ج9، ص606</ref>. | |||
ووفقًا لرواياتٍ عن أهلِ السّنّةِ فإنّ جبرائيلَ (عليه السّلام) علَّمَ النّبيّ (صلّى الله عليه وآله) مسحَ القدمينِ<ref>الصّنعانيّ، المصنّف، ج1، ص19؛ ابنُ أبي شيبة، المصنّفُ في الأحاديثِ والآثار، ج1، ص26</ref>. | |||
== الفتوحاتُ في عهدِ عثمان == | |||
في عهدِ عثمانَ اتّسعتِ الرّقعةُ الجغرافيّةُ للأراضي الّتي فتحَها المسلمونَ. فعلى سبيل المثالِ، سقطَتْ بعضُ مدنِ منطقةِ فارسَ بيدِ العربِ، وكانَ قائدُ هذه الحملةِ هو عثمانُ بنُ أبي العاصِ. كما تمّ في سنةِ 29 هـ (الموافقةِ لعامِ 649 م) فتحُ مناطقَ من شمالِ أفريقيا بقيادةِ عبدِ اللهِ بنِ أبي سرحٍ، وجزيرةِ قبرصَ بقيادةِ معاويةَ بنِ أبي سفيانَ. | |||
وقد ثارت بعضُ المناطقِ، مثلُ مدنِ منطقةِ فارسَ في [[إيران]]، خلالَ هذه الفترةِ وحاولتِ استعادةَ استقلالِها، غيرَ أنّها قُمِعَتْ. وقد وقعَ مقتلُ يزدجردَ الثّالثِ، آخرِ [[ملوكِ السّاسانيّين]]، في عهدِ عثمانَ. ووفقًا للمصادرِ، فإنّ يزدجردَ واجَهَ الجيشَ العربيّ آخرَ مرّةٍ في «إصطخر»، حيثُ تصدّى لهُ القائدانِ العربيّانِ عثمانُ بنُ أبي العاصِ وعبدُ اللهِ بنُ عاصٍ. فهزمَ يزدجردُ وفرَّ إلى مرو، وهناك، وفقًا لما نقلتْهُ المصادرُ، قُتِلَ في حادثةٍ غامضةٍ على يدِ طحّانٍ في منامِهِ<ref>الدّينوريّ، الأخبارُ الطّوال، ص139 و140</ref>. | |||
== أهميّةُ واقعةِ مقتلِ عثمانَ في تاريخِ الإسلام == | |||
تُعدّ الأحداثُ الّتي أدّتْ إلى مقتلِ عثمانَ بنِ عفّانَ، الخليفةِ الثّالثِ للمسلمينَ، من أهمّ وقائعِ العصرِ ما بعدَ النّبيّ (صلّى الله عليه وآله). وقد استمرّتْ خلافتُهُ نحوَ اثنتيْ عشرةَ سنةً<ref>الشّيخُ المفيدُ، الاختصاص، 1413 هـ، ص130</ref>. ويرى بعضُ المؤرّخينَ أنّ عثمانَ تصرّفَ بهدوءٍ في السّنواتِ السّتّ الأولى من خلافتِهِ ساعيًا إلى ترسيخِ موقعِهِ، أمّا في السّنواتِ السّتّ الثّانيةِ فقد مكّنَ بني أميّةَ من السّلطةِ، وولّاهم المناصبَ الحكوميّةَ الهامّةَ، فانتقلَتْ عمليًّا جميعُ مقاليدِ الأمرِ إلى أيديهم<ref>جعفريان، تاريخُ الخلفاءِ، 1380 هـ ش (الموافقُ لعامِ 2001 م)، ص144</ref>. | |||
وقد أثارتْ أساليبُ حكمِهِ احتجاجاتٍ أدّتْ في النّهايةِ إلى حصارِ دارِهِ ثمّ مقتلِهِ. ويعتقدُ ابنُ حجرٍ العسقلانيّ، المؤرّخُ السّنّيّ، أنّ مقتلَ عثمانَ كانَ بدايةَ الفتنِ في العالمِ الإسلاميّ<ref>ابنُ حجرٍ، الإصابةُ، 1415 هـ، ج4، ص379</ref>. كما أعادَ إشعالَ الخلافِ بينَ بني أميّةَ وبني هاشمٍ وأنصارِهِم؛ إذ ادّعى بنو أميّةَ أنّهم طالبونَ بدمِ عثمانَ، واتّهموا عليًّا (عليه السّلام)، الخليفةَ التّالي، بالمسؤوليّةِ عن مقتلِهِ. واستغلّ بنو أميّةَ مقتلَ عثمانَ وسيلةً لاستعادةِ تفوّقِهِم وسُلطتِهِم بينَ العربِ<ref>غريب، خلافةُ عثمانَ بنِ عفّانَ، القاهرةُ، ص165</ref>. | |||
وبعدَ مقتلِ عثمانَ دخلَ التّاريخُ الإسلاميّ مرحلةً جديدةً<ref>الغُبّان، فتنةُ مقتلِ عثمانَ بنِ عفّانَ، 1419 هـ، ج1، ص238</ref>. فقد مهّدَ مقتلُهُ الأرضيّةَ للحروبِ الأهليّةِ في عهدِ الإمامِ عليّ (عليه السّلام). ففي إحدى هذه الحروبِ وقفَ شخصيّاتٌ بارزةٌ مثلُ طلحةَ والزّبيرِ وعائشةَ في وجهِهِ، وفي حربٍ أخرى وقفَتْ جماعةٌ تُعرَفُ بـ[[الخوارج]] ضدّ الإمامِ عليّ (عليه السّلام)<ref>غريب، خلافةُ عثمانَ بنِ عفّانَ، القاهرةُ، ص159</ref>. | |||
== بعض تفاصيل مقتل عثمان == | |||
توصّل المعارضون للنظام الحاكم لعثمان تدريجيًّا إلى قناعة مفادها أن عثمان لا ينوي التنحّي ولا الاستجابة لمطالبهم، لذا عزموا على قتله؛ غير أن بعض الموانع، مثل حراسة [[حسن بن علي (مجتبی)|الحسن بن علي (عليه السلام)]]، وعدم رغبة الثوار في الدخول في صراع معه ومع بني هاشم، كانت تحول دون هجومهم على دار عثمان. وفي النهاية، أخذ الثوار يرمون دار عثمان بالسهام من بعيد، وأُصيب في أثناء ذلك الإمام الحسن (عليه السلام) بجرح، كما أصاب سهم مروان، ولُطّخ محمد بن طلحة بالدماء، وكُسِر رأس وجه قنبر غلام علي (عليه السلام). وقد فزع [[محمد بن أبي بكر|محمد بن أبي بكر]] من إصابة [[حسن بن علي (مجتبی)|الإمام الحسن (عليه السلام)]]، خشية أن يتدخل [[بنو هاشم|بنو هاشم]] بسبب ذلك فتستعر الفتنة. | |||
ولما جُرح الإمام الحسن (عليه السلام)، أخرجه رجلان من دار عثمان. فقال المحاصرون: إن رأى بنو هاشم الدم على وجه الحسن وفرّقوا الناس من حول عثمان؛ لذا قرروا قتل عثمان قبل ذلك دون أن ينتبه أحد. فمرّ نفر من دار أحد الأنصار ودخلوا دار عثمان بحيث لم ينتبه أحد من مقربي عثمان لدخولهم. | |||
وفي تلك اللحظة لم يكن عند عثمان سوى زوجته. فقتله الثوار، وبدأت زوجته بالعويل. ولما دخل الإمام الحسن (عليه السلام) والإمام الحسين (عليه السلام) دار الإمارة، وجدا عثمان مقتولًا ومُثّل بجثته. فلما علم علي (عليه السلام)، وطلحة، والزبير، وسعد بالأمر، شرعوا بتلاوة قوله تعالى: ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾<ref>جزء من الآية 156 من سورة البقرة في القرآن الكريم</ref>. وقد نقل الدينوري أن جماعة منهم علي (عليه السلام) بكوا على قتيل عثمان حتى غشي على علي (عليه السلام)<ref>الدينوري، الإمامة والسياسة، الترجمة، ص67-70</ref>. | |||
وقد وقع مقتل عثمان سنة 35هـ<ref>ابن عبد البر، الاستيعاب</ref>. وقد اُختلف في سنّه حينئذٍ. فقد نُقل عن الواقدي (المتوفى: 207 أو 209هـ) أن عثمان كان ابن اثنتين وثمانين سنة<ref>ابن عبد البر، الاستيعاب، 3، 1048</ref>. وذكرت بعض المصادر اسم قاتل عثمان بسودان بن حمران<ref>ابن عبد البر، الاستيعاب، 3، 1045</ref>. | |||
وقد منع أهل المدينة من دفن عثمان في [[مقبرة البقيع]]، لذا دُفن في بستان معروف بـ<sub>حَشِّ كوكب</sub>، الواقع خارج البقيع أو بمعنى آخر خلف البقيع. وبعد تولّي معاوية السلطة وسيطرة مروان بن الحكم على المدينة، اشترى مروان ما حول قبر عثمان، وأمر بأن يدفن المسلمون موتاهم في البقيع من الجهة التي دُفن فيها عثمان ليتصل مدفنه بالبقيع<ref>ترجمة مروج الذهب للمسعودي؛ ج1 ص703/ ترجمة الطبقات الكبرى؛ الغدير، ج18، ص37 و40؛ أخبار مدينة الرسول، ص156 نقلاً عن الآثار الإسلامية بمكة والمدينة، ص350-351، رسول جعفريان</ref>. | |||
=== موقف الإمام علي من مقتل عثمان === | |||
وفقًا لمصادر التاريخ الإسلامي، كان الإمام علي (عليه السلام) معارضًا لقتل عثمان، ولمنع قتله وكلّ ابنيْه الحسن والحسين (عليهما السلام) وعدة أشخاص آخرين بحراسة داره<ref>ابن عبد البر، الاستيعاب، ج3، ص:1046</ref>. ونُقل عن بعض المصادر أنه لما بلغه مقتل عثمان بكى وقال: لا مسوغ لقتل عثمان<ref>الدينوري، الإمامة والسياسة (الترجمة الفارسية)، ص69</ref>. | |||
وفي رواية أخرى عن الإمام علي (عليه السلام) نُقل أنه قال: إن عثمان هو الذي منع الحسن والحسين (عليهما السلام) اللذين كانا يحرسانه من قتال مهاجمي داره<ref>الدينوري، الإمامة والسياسة (الترجمة الفارسية)، ص76</ref>. وقبل مقتل عثمان أيضًا توسط الإمام علي (عليه السلام) مرارًا وقدّم له مساعدات؛ فعلى سبيل المثال، لما حاصره المحتجون وقطعوا عنه الماء، كان علي (عليه السلام) يوصل إليه الماء والطعام<ref>الدينوري، الإمامة والسياسة (الترجمة الفارسية)، ص61</ref>. | |||
ونُقل عن مصادر أهل السنة عن الإمام علي (عليه السلام) أنه قال: لو طلب منّي عثمان العون للدفاع عن نفسه لما بخستُ نفسي، ولرضيتُ بموت الحسن والحسين، وقد حذّرتُ الناس من قتل عثمان<ref>الدينوري، الإمامة والسياسة (الترجمة الفارسية)، ص76</ref>. وقيل: لما عزم محتجو مصر على محاصرة عثمان وقتله، أتوا عليًا (عليه السلام) وقالوا: قم معنا لنذهب إليه، فقد أحلّ الله دمه. فقال علي (عليه السلام): والله لا أفعل ذلك ولن أذهب معكم. فقال أهل [[مصر]]: فلماذا كتبتَ لنا كتابًا؟ فقال علي: والله ما كتبتُ لكم كتابًا قط. فنظر بعضهم إلى بعض<ref>الدينوري، الإمامة والسياسة (الترجمة الفارسية)، ص61</ref>. | |||
=== تبعات مقتل عثمان === | |||
بعد مقتل عثمان بن عفان على يد الثوار، بايع المسلمون علي بن أبي طالب (عليه السلام) خليفةً. أما معاوية الذي كان واليًا على الشام، فقد ادّعى الخلافة، غير أنه لما لم تكن لديه القدرة الكافية لطرح هذا الادعاء في مواجهة مكانة علي بن أبي طالب (عليه السلام) في المجتمع بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، اتخذ من مقتل عثمان ذريعةً، وزعم أن عليًا (عليه السلام) كان له دور في قتله، وسمّى نفسه وليّ دم عثمان، وحشّد أهل الشام للقتال ضده. | |||
وكان معاوية ردًّا على من طلبوا منه اتباع خلافة علي بن أبي طالب الشرعية يقول: إن عليًا ليس بريئًا من دم عثمان، وإن لم يكن مذنبًا فليسلّم إلينا قتَلته، ثم ننظر بعد ذلك في الأمر التالي وهو خلافة المسلمين ونتدبّر شأنها<ref>ابن مزاحم، وقعة صفين/الترجمة، ص:271</ref>. ومن جهة أخرى، أرسلت زوجة عثمان قميصه الملوّث بالدم وجزءًا من لحيته المنتوفة مع كتاب إلى معاوية تطلب فيه الثأر. | |||
واستغل معاوية هذا الكتاب و<sub>قميص عثمان</sub> لأخذ البيعة من الناس لنفسه، ووصم الإمام علي (عليه السلام) بالمسؤولية عن مقتل عثمان. وعلاوة على ذلك، حثّ أهل الشام باستخدام قميص عثمان على الحرب ضد الإمام علي (عليه السلام). وهكذا تحوّل القميص الملوّث بالدم والمطالبة بالثأر لعثمان إلى ذريعة لإظهار خلافة علي (عليه السلام) بأنها باطلة، وخلافة معاوية بأنها حق. فوافق الشاميون على ذلك وقالوا لمعاوية: عثمان ابن عمك وأنت وليّ دمه، ونحن معك<ref>الدينوري، الإمامة والسياسة/الترجمة، ص:110</ref>. | |||
أدى مقتل عثمان وما تلاه من ادعاء معاوية للخلافة إلى فرض حروب كبرى على المسلمين مثل معركة صفين، فقد فيها آلاف الأشخاص حياتهم، ومنهم بعض صحابة النبي (صلى الله عليه وآله) مثل [[عمار بن ياسر]]. وتعدّ شهادة الإمام علي (عليه السلام)، ووصول معاوية إلى الحكم، وتحوّل مسار الخلافة الإسلامية إلى حكم وراثي، من أهم تبعات مقتل عثمان بن عفان. | |||
== الهوامش == | == الهوامش == | ||
{{الهوامش}} | {{الهوامش}} | ||
[[تصنيف: | |||
[[تصنيف: | [[تصنيف:الخلفاء]] | ||
[[تصنيف:الشخصيات]] | |||
مراجعة ١١:٠٢، ١١ مايو ٢٠٢٦
| عثمان | |
|---|---|
| الإسم | عثمان |
| الإسم الکامل | عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية |
| سائر الأسماء | أبو عمرو، أبو عبد الله |
| التفاصيل الذاتية | |
| یوم الولادة | السنة السادسة بعد واقعة عام الفيل |
| مكان الولادة | مكة |
| مكان الوفاة | المدينة المنورة |
| الدين | الإسلام |
عثمان بن عفان هو ثالث خليفة من الخلفاء الراشدون عند أهل السنة، ومن أصحاب النبي محمد (صلى الله عليه وآله). وصل عثمان إلى الخلافة بناءً على الشورى التي حددها عمر بن الخطاب قبل وفاته لاختيار الخليفة، وحكم من سنة 23 هـ حتى مقتله في سنة 35 هـ.
قضى عثمان آخر 49 يوماً من حياته محاصراً من قبل معارضيه ومحتجّي عليه، مما أدى في النهاية إلى قتله. كما قام عثمان بجمع نسخة رسمية من القرآن وتدوينها. بعد مقتل عثمان، ازدادت الخلافات بين جماعات المسلمين والأراضي الإسلامية المتحدة (مثل الشام، العراق، الحجاز، ومصر)، وأدت هذه النزاعات السياسية والدينية إلى صراعات عُرفت بالفتنة الأولى والثانية.
تعريف بعثمان
عثمان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، وجدة أمه هي بيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وكُنيتها أم حكيم[١].
كانت كنية عثمان في الجاهلية أبا عمرو، فلما ظهر الإسلام رُزق من رقية بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) بابن سُمي عبد الله، فاتخذ كنية أبي عبد الله[٢]. واختلف في تاريخ ميلاد عثمان؛ فقيل إنه ولد في السنة السابعة[٣]، أو السادسة من عام الفيل.
وقيل إن عثمان أسلم في مكة بدعوة من أبي بكر[٤]. غير أن بعض المصادر ترى أن إسلامه جاء عقب إسلام طلحة والزبير[٥].
إسلام عثمان
أسلم عثمان في مكة بدعوة من أبي بكر[٦]. ولا يُعرف على وجه الدقة السنة exactة لإسلامه؛ غير أنه قيل إنه آمن في بدايات دعوة النبي (صلى الله عليه وآله) في دار الأرقم بن أبي الأرقم[٧].
وعثمان من أوائل من هاجر من مكة إلى الحبشة[٨]. ورغم وجوده في المدينة المنورة وقت غزوة بدر، فإنه لم يشارك في القتال. وقد ذكر المؤرخون أن سبب عدم مشاركته كان مرض زوجته رقية بنت النبي محمد (صلى الله عليه وآله)، وأن النبي نفسه أمره بالبقاء في المدينة، وتوفيت رقية في نهاية تلك الغزوة[٩].
عثمان قبل الخلافة
في عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)
كان من بين المهاجرون الذين هاجروا إلى الحبشة برفقة زوجته[١٠]. وعند الهجرة إلى المدينة، نزل في دار أوس بن ثابت (أخو حسان بن ثابت) في حي بني النجار.
وقد كُتب أنه لم يحضر غزوة بدر بسبب مرض زوجته[١١]. غير أن النبي (صلّى الله عليه وآله) خصّ عثمان بسهمه من غنائم بدر[١٢]. وقد شارك مع المسلمين في غزوة أحد، لكنه كان من بين المسلمين الذين فروا أثناء المعركة وبعد اشتداد الوطأة. وقد ذكر بعض المؤرخين أنه ظلّ فارّاً لمدة ثلاثة أيام[١٣].
كما أرسل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عثمان سفيرًا إلى قريش خلال صلح الحديبية ليبلغهم بأن المسلمين لم يأتوا للقتال، بل جاءوا لتعظيم بيت الله، وبعد ذبح الإبل سيغادرون المدينة.
التقى عثمان بقريش في منطقة "بُلح"، وبلّغهم رسالة رسول الله (صلّى الله عليه وآله). فردّت قريش قائلة: ارجع من حيث أتيت وقل لمحمد (صلّى الله عليه وآله): إنهم لن يسمحوا له بدخول مكة.
في تلك اللحظة، آواه أبان بن سعيد بن العاص، أحد أشراف مكة، ولحمايته ركب خلفه على فرسه وأدخله مكة. تحدث عثمان مع كل واحد من أشراف مكة على حدة، لكن مسعاه لم يُجدِ نفعًا. وقيل إن عثمان مكث في مكة ثلاثة أيام لدعوة قريش إلى قبول الصلح. وقد أدى غيابه لمدة ثلاثة أيام إلى قلق المسلمين وعقد بيعة الرضوان.[١٤]
عثمان في عهد أبي بكر وعمر
في عهد أبو بكر الصديق، كان عثمان من المقربين من الخليفة ويُعدّ كاتبه الخاص. وكان عثمان ملازمًا لأبي بكر طوال فترة مرضه، وكلّفه أبو بكر بكتابة عهد ولاية العهد لـعمر بن الخطاب. ومع بدء كتابة العهد، دخل أبو بكر في غيبوبة، فأكمل عثمان كتابة العهد كما أُمر، وكتب اسم عمر فيه. وعندما استفاق أبو بكر، طلب منه قراءة ما كتبه، ففعل، فأقرّ أبو بكر كتابته[١٥].
وفي عهد عمر أيضًا، تمتّع عثمان بنفوذ كبير، وكان في تلك الفترة ممثلاً لبني أمية[١٦].
شورى الخلافة
في سنة 23 هـ (الموافق 644 م)، ضرب فيروز، غلام المغيرة بن شعبة الفارسي، عمر بن الخطاب. وعاش عمر بضعة أيام فقط بعد هذه الضربة، لكنه قبل وفاته شكّل مجلس شورى مؤلفًا من ستة أشخاص هم: الإمام علي (عليه السلام)، وعثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأمرهم بأن يختاروا واحدًا منهم ليكون خليفة. وقد تنازل سعد منذ البداية عن رأيه لعبد الرحمن، كما اعتذر الزبير عن الترشيح للخلافة مؤيدًا عليًا (عليه السلام). وأعلن عبد الرحمن أنه لا يرغب في الخلافة. أما طلحة، ابن عم أبي بكر والمعارض لعلي (عليه السلام)، فقد انحاز إلى جانب عثمان. وبالتالي، لم يبقَ في السباق سوى علي (عليه السلام) وعثمان[١٧]، فأصبح رأي عبد الرحمن بن عوف حاسمًا.
وبعد ثلاثة أيام من المشاورة مع الناس، وخاصة الأعيان والأمراء، طلب عبد الرحمن بن عوف أولاً من علي (عليه السلام) أن يلتزم بأن يعمل، إذا ما نال الخلافة، وفق كتاب الله، وسيرة النبي (صلّى الله عليه وآله)، وسيرة أبي بكر وعمر. فردّ علي (عليه السلام) قائلاً: "أرجو أن أعمل ضمن حدود علمي وقدرتي واجتهادي وفق كتاب الله وسنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)". ثم عرض شرطه نفسه على عثمان، فقبله فورًا. وعليه، بايع عبد الرحمن بن عوف عثمان.
عثمان من الهجرة إلى المدينة حتى وفاة النبي (صلى الله عليه وآله)
منذ الهجرة حتى وفاة النبي (صلى الله عليه وآله)، لم يكن لعثمان دور بارز بين المسلمين إلا في أحداث قليلة. وما نُقل عنه في تلك الفترة هو كما يلي:
- لم يحضر عثمان غزوة بدر بإذن من النبي (صلى الله عليه وآله) بسبب المرض الشديد الذي أصاب زوجته رقية[١٨]، وفي اليوم نفسه الذي وصلت فيه أخبار انتصار المسلمين إلى المدينة، توفيت رقية[١٩].
- في سفر المسلمين إلى مكة الذي أدى إلى صلح الحديبية، أرسل النبي الكريم الإسلام عثمان إلى داخل مكة للتفاوض على الصلح نظراً للعلاقة العاطفية التي كانت تربطه بقريش. وبعد فترة، وصلت أخبار تفيد بأن أهل مكة قد قتلوا عثمان. هذا الخبر جعل المسلمين يعتقدون أنه يجب عليهم الاستعداد للحرب؛ لذا تعاهدوا فيما بينهم في ما عُرف بـبيعة الرضوان، ثم وصلت أخبار تفيد بأن خبر موته كان مجرد إشاعة. وطبيعي أن يكون لهذا السبب لم يحضر هو أيضاً بيعة الرضوان[٢٠].
- كانت غزوة تبوك من الغزوات التي تسببت في مشاق كثيرة للمسلمين؛ إذ إن المسافة الطويلة جداً مع شدة حرارة الجو لم تكن تتوافق مع إمكانيات المسلمين في ذلك الوقت؛ لذا كانت هناك حاجة ماسة إلى المساعدات، وقد ساهم عامة المسلمين في دعم جيش الإسلام حسب استطاعتهم. ونظراً لأن الوضع المالي لعثمان كان أفضل من غيره، فقد قدم مساعدة أكبر مقارنة بالآخرين[٢١]. وفي بعض الروايات، ذُكرت أرقام مبالغ فيها بشأن مساعدات عثمان[٢٢].
جمع القرآن في عهد عثمان
كان القرآن الكريم يُدوَّن كتابةً في عهد النبي (صلى الله عليه وآله)، كما كان العديد من المقربين منه يحفظون آياته. ومع ذلك، وفقاً لرأي بعض الباحثين في القرآن، فإن القرآن لم يُجمع في كتاب واحد حتى عهد أبي بكر لأسباب معينة. وقد أدت وقعة اليمامة، التي قُتل فيها عدد كبير من حفظة القرآن، إلى طرح موضوع جمع القرآن في كتاب واحد أمام المسلمين. واختار أبو بكر لهذا الغرض زيد بن ثابت.
قام زيد بجمع جميع الكتابات القرآنية المتفرقة، وكان لا يقبل أي آية قرآنية إلا بعد توفر شاهدين على الأقل (أحدهما من الكتابة والآخر من الحفظ)، حتى لو كانت مؤيدة بعشرات الحفظة وعشرات النسخ. وظل القرآن الذي جمعه زيد ودوّنه مكوناً من صحف ولم يكن على شكل مصحف، وفي النهاية وُضع في صندوق وكُلف شخص بحفظه وحراسته. استغرق هذا الجمع 14 شهراً على الأكثر، وانتهى بوفاة أبي بكر سنة 13هـ. وطبقاً لوصية أبي بكر، سُلِّمت هذه النسخة إلى عمر. وبعد عمر، وطبقاً لوصيته، سُلِّمت إلى ابنته حفصة بنت عمر، زوجة النبي (صلى الله عليه وآله).
في عهد خلافة عثمان، ومع الفتوحات الإسلامية ووصول القرآن إلى الأراضي المفتوحة حديثاً، نشأت اختلافات ومشكلات كثيرة في قراءة كلمات القرآن. فشكل عثمان لجنة مكونة من زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن الحارث. وبدأت هذه اللجنة، بالتعاون مع 12 شخصاً من قريش والأنصار، وكان الإمام علي (عليه السلام) يشرف ويراقب أعمالهم بشكل ما، في نسخ النسخة النهائية.
قاموا بجمع جميع الكتابات من عهد النبي (صلى الله عليه وآله). ثم استعاروا نسخة الكتابة التي أعدّها زيد في عهد أبي بكر، والتي كانت محفوظة عند حفصة. وقد اتُفق على أنه كلما اختلف ثلاثة من زملاء زيد معه في كتابة كلمة ما، تُكتب بلهجة قريش. وهكذا، تقدم العمل في التدوين النهائي اعتماداً على الصحف الباقية من عهد النبي (صلى الله عليه وآله)، والنسخ الخاصة مثل نسخة حفصة ونسخة زيد نفسها، وبالاعتماد على حفظ الحفظة وشهادة الشهود، وانتهى العمل بـمصحف الإمام، أي المصحف النموذجي والرسمي والنهائي المعروف بـ«المصحف العثماني»، وذلك في فترة تتراوح بين أربع إلى خمس سنوات، من سنة 24هـ إلى قبل سنة 30هـ، ونُسخت منه 5 أو 6 نسخ طبق الأصل.
حُفظت نسختان في مكة والمدينة، وأُرسِلت 3 أو 4 نسخ أخرى مع حافظ للقرآن كان يقوم بدور المعلم والمرشد للقراءة الصحيحة، إلى المراكز المهمة في العالم الإسلامي، وهي: البصرة، والكوفة، والشام، والبحرين. ثم أمر عثمان بإتلاف جميع الكتابات والنسخ السابقة حتى تزول جذور النزاع والخلاف تماماً[٢٣].
بعضُ إجراءاتِ عثمانَ الشّخصيّةِ
أتمّ عثمانُ الصّلاةَ في مِنًى على خلافِ سنّةِ رسولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله)، فلمّا واجَهَهُ اعتراضُ الصّحابةِ ومنهم عبد الرّحمن بن عوف ولم يتمكّنْ من إجابَتِهِم، قال: هذا رَأىٌ رَأَیْتُه، أي: هذا رأيٌ ارتأيْتُهُ بنفسي[٢٤]. وحسبَ ما ذكرَهُ المتّقي الهنديّ (مؤلّفُ كتابِ كنزِ العُمّال) فإنّ التّغييرَ في الوضوءِ والاختلافَ بينَ وضوءِ الشّيعةِ وأهلِ السّنّةِ قد بدأَ منذُ عهدِ خلافَتِهِ[٢٥]. ورغمَ أنّهُ قالَ في موضعٍ إنّ النّبيّ (صلّى الله عليه وآله) مسحَ قدمَيْهِ بعدَ غسلِ وجهِهِ ويديْهِ ومسحِ رأسِهِ[٢٦]، فإنّهُ عدَّ في موضعٍ آخرَ وضوءَ النّبيّ (صلّى الله عليه وآله) بغسلِ القدمين[٢٧].
وقالَ الإمامُ عليّ (عليه السّلام) في هذا الشّأنِ:
لو كانَ الدّينُ تابعًا لآراءِ النّاسِ لكانَ باطنُ القدمينِ أولى بالمسحِ من ظاهرِهِما، غيرَ أنّي رأيتُ رسولَ اللهِ (صلّى الله عليه وآله) يمسحُ ظاهرَ القدمينِ[٢٨].
ووفقًا لرواياتٍ عن أهلِ السّنّةِ فإنّ جبرائيلَ (عليه السّلام) علَّمَ النّبيّ (صلّى الله عليه وآله) مسحَ القدمينِ[٢٩].
الفتوحاتُ في عهدِ عثمان
في عهدِ عثمانَ اتّسعتِ الرّقعةُ الجغرافيّةُ للأراضي الّتي فتحَها المسلمونَ. فعلى سبيل المثالِ، سقطَتْ بعضُ مدنِ منطقةِ فارسَ بيدِ العربِ، وكانَ قائدُ هذه الحملةِ هو عثمانُ بنُ أبي العاصِ. كما تمّ في سنةِ 29 هـ (الموافقةِ لعامِ 649 م) فتحُ مناطقَ من شمالِ أفريقيا بقيادةِ عبدِ اللهِ بنِ أبي سرحٍ، وجزيرةِ قبرصَ بقيادةِ معاويةَ بنِ أبي سفيانَ.
وقد ثارت بعضُ المناطقِ، مثلُ مدنِ منطقةِ فارسَ في إيران، خلالَ هذه الفترةِ وحاولتِ استعادةَ استقلالِها، غيرَ أنّها قُمِعَتْ. وقد وقعَ مقتلُ يزدجردَ الثّالثِ، آخرِ ملوكِ السّاسانيّين، في عهدِ عثمانَ. ووفقًا للمصادرِ، فإنّ يزدجردَ واجَهَ الجيشَ العربيّ آخرَ مرّةٍ في «إصطخر»، حيثُ تصدّى لهُ القائدانِ العربيّانِ عثمانُ بنُ أبي العاصِ وعبدُ اللهِ بنُ عاصٍ. فهزمَ يزدجردُ وفرَّ إلى مرو، وهناك، وفقًا لما نقلتْهُ المصادرُ، قُتِلَ في حادثةٍ غامضةٍ على يدِ طحّانٍ في منامِهِ[٣٠].
أهميّةُ واقعةِ مقتلِ عثمانَ في تاريخِ الإسلام
تُعدّ الأحداثُ الّتي أدّتْ إلى مقتلِ عثمانَ بنِ عفّانَ، الخليفةِ الثّالثِ للمسلمينَ، من أهمّ وقائعِ العصرِ ما بعدَ النّبيّ (صلّى الله عليه وآله). وقد استمرّتْ خلافتُهُ نحوَ اثنتيْ عشرةَ سنةً[٣١]. ويرى بعضُ المؤرّخينَ أنّ عثمانَ تصرّفَ بهدوءٍ في السّنواتِ السّتّ الأولى من خلافتِهِ ساعيًا إلى ترسيخِ موقعِهِ، أمّا في السّنواتِ السّتّ الثّانيةِ فقد مكّنَ بني أميّةَ من السّلطةِ، وولّاهم المناصبَ الحكوميّةَ الهامّةَ، فانتقلَتْ عمليًّا جميعُ مقاليدِ الأمرِ إلى أيديهم[٣٢].
وقد أثارتْ أساليبُ حكمِهِ احتجاجاتٍ أدّتْ في النّهايةِ إلى حصارِ دارِهِ ثمّ مقتلِهِ. ويعتقدُ ابنُ حجرٍ العسقلانيّ، المؤرّخُ السّنّيّ، أنّ مقتلَ عثمانَ كانَ بدايةَ الفتنِ في العالمِ الإسلاميّ[٣٣]. كما أعادَ إشعالَ الخلافِ بينَ بني أميّةَ وبني هاشمٍ وأنصارِهِم؛ إذ ادّعى بنو أميّةَ أنّهم طالبونَ بدمِ عثمانَ، واتّهموا عليًّا (عليه السّلام)، الخليفةَ التّالي، بالمسؤوليّةِ عن مقتلِهِ. واستغلّ بنو أميّةَ مقتلَ عثمانَ وسيلةً لاستعادةِ تفوّقِهِم وسُلطتِهِم بينَ العربِ[٣٤].
وبعدَ مقتلِ عثمانَ دخلَ التّاريخُ الإسلاميّ مرحلةً جديدةً[٣٥]. فقد مهّدَ مقتلُهُ الأرضيّةَ للحروبِ الأهليّةِ في عهدِ الإمامِ عليّ (عليه السّلام). ففي إحدى هذه الحروبِ وقفَ شخصيّاتٌ بارزةٌ مثلُ طلحةَ والزّبيرِ وعائشةَ في وجهِهِ، وفي حربٍ أخرى وقفَتْ جماعةٌ تُعرَفُ بـالخوارج ضدّ الإمامِ عليّ (عليه السّلام)[٣٦].
بعض تفاصيل مقتل عثمان
توصّل المعارضون للنظام الحاكم لعثمان تدريجيًّا إلى قناعة مفادها أن عثمان لا ينوي التنحّي ولا الاستجابة لمطالبهم، لذا عزموا على قتله؛ غير أن بعض الموانع، مثل حراسة الحسن بن علي (عليه السلام)، وعدم رغبة الثوار في الدخول في صراع معه ومع بني هاشم، كانت تحول دون هجومهم على دار عثمان. وفي النهاية، أخذ الثوار يرمون دار عثمان بالسهام من بعيد، وأُصيب في أثناء ذلك الإمام الحسن (عليه السلام) بجرح، كما أصاب سهم مروان، ولُطّخ محمد بن طلحة بالدماء، وكُسِر رأس وجه قنبر غلام علي (عليه السلام). وقد فزع محمد بن أبي بكر من إصابة الإمام الحسن (عليه السلام)، خشية أن يتدخل بنو هاشم بسبب ذلك فتستعر الفتنة.
ولما جُرح الإمام الحسن (عليه السلام)، أخرجه رجلان من دار عثمان. فقال المحاصرون: إن رأى بنو هاشم الدم على وجه الحسن وفرّقوا الناس من حول عثمان؛ لذا قرروا قتل عثمان قبل ذلك دون أن ينتبه أحد. فمرّ نفر من دار أحد الأنصار ودخلوا دار عثمان بحيث لم ينتبه أحد من مقربي عثمان لدخولهم.
وفي تلك اللحظة لم يكن عند عثمان سوى زوجته. فقتله الثوار، وبدأت زوجته بالعويل. ولما دخل الإمام الحسن (عليه السلام) والإمام الحسين (عليه السلام) دار الإمارة، وجدا عثمان مقتولًا ومُثّل بجثته. فلما علم علي (عليه السلام)، وطلحة، والزبير، وسعد بالأمر، شرعوا بتلاوة قوله تعالى: ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾[٣٧]. وقد نقل الدينوري أن جماعة منهم علي (عليه السلام) بكوا على قتيل عثمان حتى غشي على علي (عليه السلام)[٣٨].
وقد وقع مقتل عثمان سنة 35هـ[٣٩]. وقد اُختلف في سنّه حينئذٍ. فقد نُقل عن الواقدي (المتوفى: 207 أو 209هـ) أن عثمان كان ابن اثنتين وثمانين سنة[٤٠]. وذكرت بعض المصادر اسم قاتل عثمان بسودان بن حمران[٤١].
وقد منع أهل المدينة من دفن عثمان في مقبرة البقيع، لذا دُفن في بستان معروف بـحَشِّ كوكب، الواقع خارج البقيع أو بمعنى آخر خلف البقيع. وبعد تولّي معاوية السلطة وسيطرة مروان بن الحكم على المدينة، اشترى مروان ما حول قبر عثمان، وأمر بأن يدفن المسلمون موتاهم في البقيع من الجهة التي دُفن فيها عثمان ليتصل مدفنه بالبقيع[٤٢].
موقف الإمام علي من مقتل عثمان
وفقًا لمصادر التاريخ الإسلامي، كان الإمام علي (عليه السلام) معارضًا لقتل عثمان، ولمنع قتله وكلّ ابنيْه الحسن والحسين (عليهما السلام) وعدة أشخاص آخرين بحراسة داره[٤٣]. ونُقل عن بعض المصادر أنه لما بلغه مقتل عثمان بكى وقال: لا مسوغ لقتل عثمان[٤٤].
وفي رواية أخرى عن الإمام علي (عليه السلام) نُقل أنه قال: إن عثمان هو الذي منع الحسن والحسين (عليهما السلام) اللذين كانا يحرسانه من قتال مهاجمي داره[٤٥]. وقبل مقتل عثمان أيضًا توسط الإمام علي (عليه السلام) مرارًا وقدّم له مساعدات؛ فعلى سبيل المثال، لما حاصره المحتجون وقطعوا عنه الماء، كان علي (عليه السلام) يوصل إليه الماء والطعام[٤٦].
ونُقل عن مصادر أهل السنة عن الإمام علي (عليه السلام) أنه قال: لو طلب منّي عثمان العون للدفاع عن نفسه لما بخستُ نفسي، ولرضيتُ بموت الحسن والحسين، وقد حذّرتُ الناس من قتل عثمان[٤٧]. وقيل: لما عزم محتجو مصر على محاصرة عثمان وقتله، أتوا عليًا (عليه السلام) وقالوا: قم معنا لنذهب إليه، فقد أحلّ الله دمه. فقال علي (عليه السلام): والله لا أفعل ذلك ولن أذهب معكم. فقال أهل مصر: فلماذا كتبتَ لنا كتابًا؟ فقال علي: والله ما كتبتُ لكم كتابًا قط. فنظر بعضهم إلى بعض[٤٨].
تبعات مقتل عثمان
بعد مقتل عثمان بن عفان على يد الثوار، بايع المسلمون علي بن أبي طالب (عليه السلام) خليفةً. أما معاوية الذي كان واليًا على الشام، فقد ادّعى الخلافة، غير أنه لما لم تكن لديه القدرة الكافية لطرح هذا الادعاء في مواجهة مكانة علي بن أبي طالب (عليه السلام) في المجتمع بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، اتخذ من مقتل عثمان ذريعةً، وزعم أن عليًا (عليه السلام) كان له دور في قتله، وسمّى نفسه وليّ دم عثمان، وحشّد أهل الشام للقتال ضده.
وكان معاوية ردًّا على من طلبوا منه اتباع خلافة علي بن أبي طالب الشرعية يقول: إن عليًا ليس بريئًا من دم عثمان، وإن لم يكن مذنبًا فليسلّم إلينا قتَلته، ثم ننظر بعد ذلك في الأمر التالي وهو خلافة المسلمين ونتدبّر شأنها[٤٩]. ومن جهة أخرى، أرسلت زوجة عثمان قميصه الملوّث بالدم وجزءًا من لحيته المنتوفة مع كتاب إلى معاوية تطلب فيه الثأر.
واستغل معاوية هذا الكتاب وقميص عثمان لأخذ البيعة من الناس لنفسه، ووصم الإمام علي (عليه السلام) بالمسؤولية عن مقتل عثمان. وعلاوة على ذلك، حثّ أهل الشام باستخدام قميص عثمان على الحرب ضد الإمام علي (عليه السلام). وهكذا تحوّل القميص الملوّث بالدم والمطالبة بالثأر لعثمان إلى ذريعة لإظهار خلافة علي (عليه السلام) بأنها باطلة، وخلافة معاوية بأنها حق. فوافق الشاميون على ذلك وقالوا لمعاوية: عثمان ابن عمك وأنت وليّ دمه، ونحن معك[٥٠].
أدى مقتل عثمان وما تلاه من ادعاء معاوية للخلافة إلى فرض حروب كبرى على المسلمين مثل معركة صفين، فقد فيها آلاف الأشخاص حياتهم، ومنهم بعض صحابة النبي (صلى الله عليه وآله) مثل عمار بن ياسر. وتعدّ شهادة الإمام علي (عليه السلام)، ووصول معاوية إلى الحكم، وتحوّل مسار الخلافة الإسلامية إلى حكم وراثي، من أهم تبعات مقتل عثمان بن عفان.
الهوامش
- ↑ طبقات ابن سعد/ترجمة، ج3 ص
- ↑ طبقات ابن سعد/ترجمة، ج3 ص
- ↑ ابن عبد البر، الاستيعاب، 3، 1037
- ↑ الذهبي، أسد الغابة، 3، 481
- ↑ طبقات ابن سعد/ترجمة، ج3 ص 46
- ↑ الذهبي، أسد الغابة، 3، 481
- ↑ ابن الجوزي، المنتظم، 4، 335
- ↑ ابن عبد البر، الاستيعاب، 3، 1038
- ↑ الواقدي، المغازي، 1، 101؛ ابن عبد البر، الاستيعاب، 3، 1038؛ الذهبي، أسد الغابة، 3، 482
- ↑ طبقات ابن سعد/ترجمة، ج3 ص46
- ↑ الواقدي، المغازي، 1، 101
- ↑ طبقات ابن سعد/ترجمة، ج3 ص46
- ↑ المغازي، ج1، ص237، ترجمة إرشاد، ص73 (الطبري، 310هـ)، ج4، ص145، الناشر: دار الفكر/تاريخ الطبري، ج2، ص69، الناشر: دار الكتب العلمية/أسد الغابة في معرفة الصحابة، ج4، ص63، تحقيق عادل أحمد الرفاعي، الناشر: دار إحياء التراث العربي/السيرة النبوية، ج3، ص55؛/المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية، ج17، ص347، تحقيق: د. سعد بن ناصر بن عبدالعزيز الشثري، الناشر: دار العاصمة/دار الغيث/الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ج3، ص1074، تحقيق علي محمد البجاوي، الناشر: دار الجيل/الوافي بالوفيات، ج20، ص61، تحقيق: أحمد الأرنؤوط وتركي مصطفى، الناشر: دار إحياء التراث/البداية والنهاية، ج4، ص28-29، الناشر: مكتبة المعارف)
- ↑ تاريخ الطبري، ج3، ص429، شرح نهج البلاغة، ج1، صص163-165، نثر الدر، ج2، صص15، 23، الكامل في التاريخ، ج2، ص425، حياة الصحابة، ج2، ص26، طبقات الكبرى، ج3، ص200
- ↑ تاريخ الطبري، ج3، ص429، شرح نهج البلاغة، ج1، صص163-165، نثر الدر، ج2، صص15، 23، الكامل في التاريخ، ج2، ص425، حياة الصحابة، ج2، ص26، طبقات الكبرى، ج3، ص200
- ↑ التاريخ السياسي للإسلام، تاريخ الخلفاء، رسول جعفريان، ص147
- ↑ تاريخ الأمم والملوك، ج3، ص296؛ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج1، ص188
- ↑ الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ج 3، ص 1038
- ↑ أسد الغابة في معرفة الصحابة، ج 3، ص 482
- ↑ الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ج 3، ص 1038
- ↑ الذهبي، محمد بن أحمد، تاريخ الإسلام، تحقيق: تدمري، عمر عبد السلام، ج 3، ص 470، بيروت، دار الكتاب العربي، الطبعة الثانية، 1409هـ
- ↑ الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ج 3، ص 1040
- ↑ تاريخ القرآن، راميار، ص 407-431؛ خرمشاهي، موسوعة القرآن ودراسات القرآن، ج 2، ص 1635
- ↑ الكاملُ لابنِ الأثير، التّرجمة، ج9، ص167 و168؛ تاريخُ الإسلام، ج4، ص268
- ↑ كنزُ العُمّال، ج9، ص443، ح26890
- ↑ المصنّفُ في الأحاديثِ والآثار، ج1، ص16
- ↑ مسندُ الدّارميّ، ج1، ص544
- ↑ ابنُ أبي شيبة، المصنّفُ في الأحاديثِ والآثار، ج1، ص25؛ كنزُ العُمّالِ في سننِ الأقوالِ والأفعال، ج9، ص606
- ↑ الصّنعانيّ، المصنّف، ج1، ص19؛ ابنُ أبي شيبة، المصنّفُ في الأحاديثِ والآثار، ج1، ص26
- ↑ الدّينوريّ، الأخبارُ الطّوال، ص139 و140
- ↑ الشّيخُ المفيدُ، الاختصاص، 1413 هـ، ص130
- ↑ جعفريان، تاريخُ الخلفاءِ، 1380 هـ ش (الموافقُ لعامِ 2001 م)، ص144
- ↑ ابنُ حجرٍ، الإصابةُ، 1415 هـ، ج4، ص379
- ↑ غريب، خلافةُ عثمانَ بنِ عفّانَ، القاهرةُ، ص165
- ↑ الغُبّان، فتنةُ مقتلِ عثمانَ بنِ عفّانَ، 1419 هـ، ج1، ص238
- ↑ غريب، خلافةُ عثمانَ بنِ عفّانَ، القاهرةُ، ص159
- ↑ جزء من الآية 156 من سورة البقرة في القرآن الكريم
- ↑ الدينوري، الإمامة والسياسة، الترجمة، ص67-70
- ↑ ابن عبد البر، الاستيعاب
- ↑ ابن عبد البر، الاستيعاب، 3، 1048
- ↑ ابن عبد البر، الاستيعاب، 3، 1045
- ↑ ترجمة مروج الذهب للمسعودي؛ ج1 ص703/ ترجمة الطبقات الكبرى؛ الغدير، ج18، ص37 و40؛ أخبار مدينة الرسول، ص156 نقلاً عن الآثار الإسلامية بمكة والمدينة، ص350-351، رسول جعفريان
- ↑ ابن عبد البر، الاستيعاب، ج3، ص:1046
- ↑ الدينوري، الإمامة والسياسة (الترجمة الفارسية)، ص69
- ↑ الدينوري، الإمامة والسياسة (الترجمة الفارسية)، ص76
- ↑ الدينوري، الإمامة والسياسة (الترجمة الفارسية)، ص61
- ↑ الدينوري، الإمامة والسياسة (الترجمة الفارسية)، ص76
- ↑ الدينوري، الإمامة والسياسة (الترجمة الفارسية)، ص61
- ↑ ابن مزاحم، وقعة صفين/الترجمة، ص:271
- ↑ الدينوري، الإمامة والسياسة/الترجمة، ص:110