نظرية الكسب
نظرية الكسب هي نظرية كلامية مشهورة تخص المدرستين الكلاميتين الأشاعرة والماتريدية. تفسر هذه النظرية أفعال الإنسان في مواجهة الجبر والاختيار.
التاريخ
كان لنظرية الكسب تاريخ قبل أن ترتبط باسمي الأشاعرة والماتريدية. ففي الواقع، يعود تاريخ وجود هذه النظرية إلى ما قبل تأسيس المدرستين الأشاعرة والماتريدية، لكن الكسب تطور وانتشر كنظرية مطروحة في زمن أبي الحسن الأشعري. توضيح أكثر: يؤكد الباحثون المعاصرون في علم الكلام، مثل مونتغمري وات وولفسون، على أن أبا الحسن الأشعري ومعاصره الماتريدي لم يكونا واضعي مصطلح "الكسب". يذكر وات ضرار بن عمرو (ت 190 هـ) وسلفه أبا الهذيل، ويشير ولفسن إلى الشحام وأبي عبد الله الحسين بن محمد النجار (ت 220 هـ) أيضاً[١]. ومع ذلك، استخدم بعض المتكلمين، ومنهم أبو الحسن الأشعري، هذه الكلمة في بيان رأيه. جعل الأشعري الكسب محور نظريته في الجبر والاختيار ووصف الفعل الإرادي للإنسان، من خلال تقديم تفسير خاص للكسب. على الرغم من أن متكلمين آخرين قد تحدثوا في هذا الباب قبله، إلا أن كلمة الكسب ارتبطت باسمه بعد ذلك، لدرجة أنه عندما يُشار إلى الكسب أو نظرية الكسب، يتبادر إلى الذهن اسم الأشعري[٢].
بالإضافة إلى ذلك، بالتزامن مع أبي الحسن الأشعري، اختار متكلم آخر في ما وراء النهر يدعى أبو منصور الماتريدي، وهو مؤسس المدرسة الماتريدية، نظرية الكسب في تفسير الجبر والاختيار، تماماً مثل أبي الحسن الأشعري.
الهدف من نظرية الكسب
كان مصممو نظرية الكسب، بتقديمهم هذه النظرية، يفكرون في تحقيق هدفين محوريين وتأمين موضوعين أساسيين. الهدف الأول هو الحفاظ على حدود التوحيد في الخالقية من الاختلاط بالشرك، بمعنى أن الوجود له خالق واحد فقط وهو الله. والهدف الثاني هو خلق مسؤولية للإنسان كفاعل مكتسب، والتي تكتسب معنى فيما يتعلق بأفعاله الاختيارية، بمعنى أنه على الرغم من أن للوجود خالقاً واحداً، إلا أن الإنسان كفاعل مكتسب سيكون مسؤولاً عما يكتسبه.
سبب تسمية نظرية الكسب
كلمة الكسب ومشتقاتها لها جذر قرآني. ولهذا السبب، استخدم المتكلمون الأشاعرة والماتريدية هذه الكلمة في تفسير الأفعال الاختيارية للإنسان وعلاقتها بالجبر والاختيار. على سبيل المثال، اعترف أبو حامد الغزالي بأن قصدي من الكسب هو اتباع التعاليم القرآنية، لأن القرآن أطلق الكسب على فعل البشر. كتب: «إن القادر الواسع القدرة هو قادر على الاختراع للقدرة والمقدور معاً، ولما كان اسم الخالق والمخترع مطلقاً على من أوجد الشيء بقدرته، وكانت القدرة والمقدور جميعاً بقدرة الله تعالى، سُمي خالقاً ومخترعاً. ولم يكن المقدور مخترعاً بقدرة العبد وإن كان معه، فلم يُسم خالقاً ولا مخترعاً، ووجب أن يُطلب لهذا النمط من النسبة اسم آخر مخالف، فطلب له اسم الكسب تيمناً بكتاب الله تعالى، فإنه وجد إطلاق ذلك على أعمال العباد في القرآن.»[٣]
خلاصة تفاسير نظرية الكسب من وجهة نظر المتكلمين الأشاعرة والماتريدية
قدم كل من المتكلمين الأشاعرة والماتريدية تعريفاً للكسب وفقاً لفهمهم الخاص، نشير إلى خلاصة كل من هذه التعريفات.
خلاصة تفاسير نظرية الكسب من وجهة نظر الأشاعرة
أبو الحسن الأشعري في تعريف الكسب يقول: حقيقة الكسب هي أن يصدر الفعل بقوة حادثة من المكتسب[٤]. مع توضيح أن الله تعالى مع خلق الفعل، يخلق في الإنسان قوة ليوجد بها ذلك الشيء. ومن ثم فإن الكسب هو نوع من ارتباط الفعل بالقوة الحادثة في الإنسان.
أبو بكر الباقلاني (328-403 هـ) في تعريف الكسب يوسع دائرة الاختيار للإنسان ويعتقد أن الله يخلق الفعل والإنسان يكتسب الفعل المخلوق. ينقل فخر الرازي عن الباقلاني أن قدرة العبد، على الرغم من أنها لا تؤثر في خلق الفعل وإيجاده، إلا أنها تؤثر في صفة من صفاته، فأصل الحركة يقع بقدرة الله، لكن العبد بإرادته واختياره يجعلها مطيعة أو عاصية[٥][٦]. بهذا التعريف، يفسر الشبهات المتعلقة ببعثة الأنبياء وتكاليف البشر وكذلك مسائل الوعد والوعيد. كما يعتبر هذا المتكلم الأشعري أن التصرف التابع للحس هو معيار الفرق بين الفعل الاختياري والاضطراري[٧]. من وجهة نظره، يسمى هذا التصرف كسباً.
أبو إسحاق الإسفراييني (337-418 هـ) يفسر نظرية الكسب مثل الباقلاني، مع توضيح أنه ينسب حقيقة الخلق إلى الخالق ويقول إن أصل الخلق يعود إلى الخالق ومشروط بقدرته، لأن الخالق هو الله فقط، ومصدر وحقيقة جميع الأفعال هي القدرة الإلهية. ينقل ابن قيم الجوزية، وهو من متكلمي أهل الحديث، عن أبي إسحاق الإسفراييني أن حقيقة الخلق من الخالق الذي يقع بقدرته، وانفراد الخلق به، وحقيقة الفعل تخلق بقدرة الخالق، وحقيقة الكسب من المكتسب وتخصه. فالقديم (الله) يخلق، ويشارك المحدث (العبد) في إيجاد الفعل، لكن الكسب وإطلاقه يخص المحدث (العبد)، لكن إطلاق لفظ الفعل (الفاعلية) جائز لله وللعبد معاً[٨].
عبد الملك الجويني (419-475 هـ) نظراً لإشكاليات تفاسير المتكلمين السابقين في كيفية تفسير الكسب، يعترف صراحة بأن تأثير قدرة الإنسان يكون في طول القدرة الإلهية. ينتقد الجويني تقرير الأشعري والباقلاني حول نظرية الكسب ويعتقد أن العقل لا يمكنه قبول أن الإنسان ليس له قدرة واستطاعة على الفعل، وأن الاستطاعة والقدرة التي لا تؤثر كعدمها. لذلك يجب القول إن للعبد استطاعة وقدرة حقيقية حتى نتمكن من إنشاء إسناد حقيقي بينه وبين أفعاله، مع الفارق أن مثل هذا الإسناد لا يمكن أن يكون مبرراً لخلق الفعل من قبل الفاعل البشري، ويحل محل الخالق، لأن الخلق يمكن تصوره عندما يوجد موجود لم يكن له وجود سابق، وبما أن الإنسان نفسه مخلوق، فلا يمكنه خلق موجود. فالإنسان كما يشعر بالقوة والاستقلال تجاه أفعاله، يشعر أيضاً بالتبعية. فالفعل الذي يستند وجوده إلى قوة وسبب، فإن ذلك السبب والقوة يستندان إلى سبب وقوة آخرين، وينتهي هذا الإسناد بشكل تتابع الفاعلين إلى مسبب الأسباب الذي ليس إلا خالق الأسباب والمسببات. وقد نقل أن الجويني أخذ هذا الرأي من حكماء الإلهيات[٩].
أبو حامد الغزالي (450-505 هـ) على الرغم من أنه يتفق مع أبي الحسن الأشعري والباقلاني في عمومية تفسير الكسب، إلا أنه يعلن براءته صراحة من الجبر والتفويض في العديد من استشهاداته وآرائه، ويختار الطريق الوسط بينهما، ويعتبره عقيدة جميع أهل السنة والجماعة. ولتجنب تهمة الجبر، يعترف بأن القول بأن الإنسان ليس له أي اختيار في فعل ما، هو خلاف الوجدان وفهم العقل[١٠]. ومع ذلك، يحاول هذا المتكلم الأشعري، مثل غيره من الأشاعرة، في تفسير نظرية الكسب، الدفاع عن التوحيد في الخالقية، وتفسير كيفية الإسناد الصحيح للأفعال إلى العباد أيضاً. في نظر الغزالي، الله منفرد في خلق العالم واختراعه، ويخلق القدرة والمقدور معاً، ولا يمكن لأحد غيره خلق شيء. لذلك، بطرح هذه النظرية، يسعى لتفسير صحيح لكيفية إسناد الأفعال إلى العباد، ويعتبرها إجابة مناسبة لتبرير الأفعال البشرية. في رأيه، نظرية الكسب تبرر في الواقع الأفعال الاختيارية للإنسان في مواجهة الجبر والتفويض. ولهذا السبب، في تفسير هذه النظرية، يضع في الاعتبار الوعي بمرافقة الفعل المكتسب، ويرى السبيل الوحيد للنجاة من تهمة الجبرية في هذا النوع من النظرة والتفسير. يتساءل الغزالي عن سبب اختيار اسم الكسب قائلاً: بما أنه لا يمكن القول إن الإنسان خالق، ولا يمكن القول إنه مجبور، فيجب اختيار اسم آخر لأفعاله لا يكون خالقاً ولا مخترعاً (ولا مجبوراً)، فباتباع كتاب الله وتمناً به، نختار اسم الكسب لأفعال العباد[١١].
فخر الدين الرازي (543-606 هـ) يعتقد أن الأفعال الاختيارية للبشر مشروطة بوجود القدرة والداعي، وعندما تتحقق هاتان الصفتان، يصبح العبد فاعلاً حقيقياً. يقول: ندرك بالضرورة أنه عندما يحصل للفاعل البشري داعٍ لفعل ما ولا يوجد مانع، فإن ذلك الفعل سيتحقق[١٢]. كما تناول هذا الموضوع في موضع آخر واعتبره مذهبه الخاص، وهو أن مجموع القدرة مع الداعي المحدد يؤدي إلى حصول الفعل[١٣]. يعبر هذا المتكلم الأشعري عن رأيه المختار في مباحث كيفية إنتاج أفعال العباد، التي يوجبها بعد حصول القدرة والداعي، قائلاً: على الرغم من أن خلق الفعل متجذر في القضاء والقدر الإلهي، إلا أن الإنسان بعد وجود القدرة والداعي يصبح فاعلاً حقيقياً لفعل نفسه. ومع ذلك، فإن خلق الأفعال بشكل عام يخضع للقضاء والقدر الإلهي[١٤].
سعد الدين التفتازاني (722-792 هـ) يقبل أيضاً، مثل غيره من المتكلمين الأشاعرة، المسار العام لهذا المذهب في الاعتقاد بتوحيد الأفعال والدفاع المتعصب عنه. يرى الله تعالى مصدراً لجميع الأفعال، ويقول إن الله خالق جميع أفعال عباده، سواء كان ذلك الفعل كفراً أم إيماناً، طاعة أم عصياناً[١٥]. وفي موضع آخر يقول: على الرغم من أن حقيقة الكسب غير معلومة عنده، إلا أنه وفقاً للبرهان، لا يوجد خالق إلا الله ولا مؤثر إلا القدرة القديمة، وما يصدر عن العبد هو حاصل قدرة حادثة تتعلق ببعض أفعال الإنسان، مثل الصعود إلى الأعلى الذي تلعب فيه قدرة الإنسان وإرادته دوراً، على عكس السقوط الذي يكون الإنسان فيه غير مختار. لذلك، الفعل الذي هو حاصل قدرة حادثة يسمى كسباً، وإن كانت حقيقته غير معلومة[١٦]. هذا المتكلم الأشعري لا يعتبر الإنسان مجبراً، ولأنه يريد الإجابة على مسألة الثواب والعقاب على الأعمال في الدار الآخرة، يدافع عن اختيار الإنسان ويقول إن المقدور هو شيء واحد ينشأ من القدرة القديمة والحادثة بوجهين خلقي وكسبي[١٧].
مير سيد شريف الجرجاني (740-816 هـ) بصفته المتحدث باسم الأشاعرة، ينسب أفعال الوجود بما فيها أفعال الإنسان بلا واسطة إلى الله، ويعتقد أن الإنسان ليس له أي قدرة أو اختيار في إيجاد الفعل. يقول: نحن (الأشاعرة) نعتقد أن جميع الممكنات التي لا تعد ولا تحصى، تستند بلا واسطة إلى الله[١٨]. وفي عبارة أخرى يوضح أن جميع الأشاعرة يعتقدون أنه لا يُعرف فاعل غير الله، وعلى هذا الأساس، لا توجد أي وساطة علية ومعلولية بين الأفعال الصادرة والله تعالى[١٩]. يفسر مير سيد شريف الكسب بمعناه العرفي وهو جلب المنفعة ودفع الضر، ليشمل فقط أفعال البشر لا أفعال الله[٢٠].
ملا علي القوشجي (782-853 ش) يعطي للإنسان في أفعاله الاختيارية نصيباً ضئيلاً يسمى الكسب دون قوة مؤثرة. يقول: المراد من الكسب هو المقارنة مع قدرة الشخص وإرادته دون أن يكون لتلك القدرة والإرادة تأثير أو مدخل في وجود الفعل، إلا أن يكون الفعل محلاً للكسب. وبهذا الحساب، يصدر الفعل فقط من طرف الله، ويصبح الإنسان محل قبول فعل الله[٢١]. بالطبع، يجب أن نعلم أنه من وجهة نظر القوشجي، ما يسبب المسؤولية للإنسان هو العمل الذي له صفة تخلق مع الإرادة والفعل الاختياري التابع لها[٢٢].
عبد الوهاب الشعراني (898-973 هـ) يتميز تفسيره الحدسي والعرفاني للكسب عن غيره من الأشاعرة. يقول إن الكسب من المسائل الأصولية الدقيقة والمعقدة التي لا يمكن حلها إلا بالشهود العرفاني والمنهج الصوفي[٢٣]. مضمون ادعائه هو أنه في تفسير خلق أفعال العباد، على الرغم من أننا نتبع التفسير الأشعري من الناحية العقلية والمنطقية، إلا أننا في مقام الشهود لا نستطيع إنكار تأثير فاعلية الإنسان الاختيارية، لذا لا نتوافق مع الأشعري في هذا الاتجاه. يلتزم الشعراني في إثبات ادعائه بقاعدة الكشف ويعتقد أن فاعلية الإنسان الاختيارية تثبت عندنا بدليل كشفي، لكنها غير قابلة للبيان بعبارة واضحة...[٢٤].
محمد عبده (1266-1323 هـ) في تفسير الكسب يقول إن العقل السليم مع الحواس يشهد أن الإنسان يدرك وجوده وأفعاله، وهذا الفهم والانتباه لا يحتاج إلى أي دليل أو إرشاد، لأن فهم هذا الموضوع متجذر في فطرة الإنسان، بالإضافة إلى أنه يقيس أفعاله بعقله ويقدرها بإرادته، ويحققها بالقوة الموجودة في وجوده. يضيف عبده: بالطبع، من ينكر هذه الحقيقة والبداهة الفطرية والعقلية، فقد أنكر وجوده هو نفسه[٢٥]. في نظرية عبده حول تفسير الجبر والاختيار، هناك نقاط جديرة بالملاحظة: 1. يوضح أن للعبد قدرة وإرادة، وهما لم تخلقا عبثاً. 2. وجود هاتين الصفتين هو لأن مدار التكليف والثواب والعقاب، لأنه بدون القدرة والإرادة، يكون وجود التكاليف عبثاً ويؤدي إلى الجبر. 3. يعتبر عبده إسناد الأفعال إلى العباد حقيقياً ويعتقد أن العباد بقدرتهم وإرادتهم سيكونون الفاعل الحقيقي لأفعالهم. (وبالطبع يجب أن تكون القدرة والإرادة في وجود الإنسان حقيقية، وإلا مع افتراض القدرة والإرادة الافتراضية لن يصدر أي فعل).
عبد العظيم الزرقاني (1367-1948 م) في تفسير الكسب يسعى للوصول إلى وجه جامع بين الجبر والاختيار. يدرس كلتا المجموعتين من آيات القرآن التي من جهة تدافع عن الفاعلية المطلقة لله أي التوحيد في الخالقية، ومن جهة أخرى تعتبر الإنسان الفاعل الحقيقي لأفعاله، ويصل في النهاية إلى نتيجة أنه إذا مالنا إلى أي من هاتين المجموعتين من الآيات، فلن نحصل على تفسير كامل، بل سنفقد الحقيقة أيضاً، لذا فمن الجدير أن نأخذ الطريق الوسط بين هاتين الآيتين. في تفسير خلق أفعال العباد، يشير الزرقاني أولاً إلى الآيات التي تنسب الخلق إلى الله فقط ويكتب: في القرآن والروايات نصوص كثيرة تفيد بأن الله خالق كل شيء، وإليه مرجع كل شيء، والهدى والضلال بيده، والله خالق كل شيء، وهل من خالق غير الله! الله خلقكم وما تعملون!... وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قدر الله، وما شاء فعل[٢٦]. في هذا المطلب، عبر عن رأي الأشاعرة، وبالطبع كل من ينظر إلى هذه النصوص يعترف بأن جميع الأمور تعود إلى الله وأنه لا شريك له في حاكميته. ينتقل الزرقاني إلى الجانب الآخر من الموضوع (عقيدة المعتزلة) المتعلق بالإسناد الصحيح لفاعلية الإنسان في أفعاله الاختيارية ويكتب: جاء في النصوص أن من عمل صالحاً فلنفسه، ومن أساء فعليها. إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم، وإن أسأتم فلها. لذلك، إذا نظر كل شخص إلى هذه النصوص، سيدرك أن أفعال العباد منسوبة إليهم أنفسهم. ولهذا السبب، إذا قام الأشخاص بأعمال حسنة، يستحقون الثواب، وإذا قاموا بأعمال سيئة، يستحقون العقاب[٢٧]. بعد الإشارة إلى آراء الأشاعرة والمعتزلة، يذكر الزرقاني رأيه الذي يشبه رأي الإمامية، ويقول: لكل من الطائفتين المتقابلتين أدلة قوية ومقنعة. فكيف يسمح إنسان منصف لنفسه باتهام أحد الطرفين بأشنع تهم الكفر والشرك والهوى، في حين أن أسلافنا الصالحين كانوا يجمعون بين هاتين المجموعتين من الآيات والروايات، أي بالإضافة إلى إيمانهم بوحدانية الله وعدله، كانوا يخضعون لقدر الله ويعتبرون أنفسهم مأمورين بأمر الله، فآمنوا بكلا المجموعتين من النصوص، واعتقدوا أن العباد لهم دور باختيارهم في إيجاد الفعل، وفي نفس الوقت اعتبروا الله خالق كل شيء[٢٨]. من تفسير الزرقاني يتبين أنه يسير في المسار الذي سلكته الإمامية، لأن الإمامية أيضاً جمعت بين المجموعتين من الآيات التي تتناول التوحيد في الخالقية واختيار العبد، واعتبرت كلاً من قدرة الله والعبد مؤثراً في الإيجاد والتكوين.
خلاصة تفاسير نظرية الكسب من وجهة نظر الماتريدية
أبو منصور الماتريدي (ت 333 هـ) كمؤسس المدرسة الماتريدية، يعتقد أن هناك فرقاً بين خلق الفعل وكسبه، فالخلق لله والكسب للإنسان[٢٩]. يرى هذا الادعاء متوافقاً مع الأدلة العقلية والسمعية التي تشير إلى وجود الوعد والوعيد[٣٠]. على عكس أبي الحسن الأشعري، يؤمن الماتريدي بالاستطاعة قبل الفعل[٣١]. بالإضافة إلى ذلك، يقول إن الأمر والنهي على التكاليف والأفعال، وكذلك وجود الوعد والوعيد، يدل على واقعية هذا الإسناد[٣٢]. يستشهد أبو منصور ببعض الآيات القرآنية التي بالإضافة إلى الأمر والنهي للإنسان، تعتبره مسؤولاً عن عمله[٣٣]. من وجهة نظر الماتريدي، الكسب الواعي هو كسب مقترن بالعلم والاختيار والمسؤولية، وكما أنه لا يستطيع خلق الفعل، فلا يعني ذلك أنه لا يستطيع كسبه ويكون مجبراً تجاهه[٣٤]، لأن الجهة الخلقية للفعل والجهة الكسبية له هما مقولتان منفصلتان.
أبو اليسر البزدوي (421-494 هـ) في بحث أفعال العباد، يتبع أهل السنة والجماعة، ويعتبر الخلق لله والكسب للإنسان، ويعتقد أن العبد هو الفاعل الحقيقي للفعل، وهو مرتبط بقدرة واختيار كلاهما حادثان[٣٥].
أبو معين النسفي (418 أو 438-508 هـ) حول أفعال العباد والكسب، مثل أبي منصور الماتريدي والبزدوي، يعتبر قدرة الإنسان واختياره مؤثراً في إيجاد الفعل (بمعنى الكسب). يقول: الرأي الحق هو أن للعباد أفعالاً يصبحون بها عاصين أو مطيعين، لكن تلك الأفعال في الأصل مخلوقة لله، على الرغم من أن الثواب والعقاب ليس تابعاً لخلق الأفعال، بل هو تابع لأفعال الإنسان، بمعنى أن الإنسان يكتسب الفعل المخلوق مطيعاً أو عاصياً، وكل فطرة تفرق بين الفعل الاختياري والاضطراري[٣٦].
أبو الثناء اللامشي الحنفي (ت 539 هـ) في تفسير الكسب، بعد الإشارة إلى أن المتكلمين اختلفوا في باب أفعال العباد الاختيارية، يشير إلى اعتقاد أهل السنة والجماعة الذين يعتبرون أفعال العباد مخلوقة لله ومكتسبة للعباد. من وجهة نظرهم، الله خالق وموجد ومبدع، والعبد بسبب مباشرته للفعل يكون مكتسباً. في هذه الحالة، يكتسب العبد الفعل المخلوق مطيعاً أو عاصياً[٣٧].
كمال بن همام (حوالي 790-861 هـ) يعتبر أفعال العباد تابعة للمشيئة الإلهية ويعتقد أن فعل العبد، على الرغم من كونه مكتسباً للعبد، إلا أنه يقع بإرادة ومشيئة الله. فهو يريد فعلاً يعتبر من وجهة نظرنا شراً وكفراً... كما يريد الخير، وفي الواقع إذا لم يرد الله الكفر أو الإيمان والخير، فلن يتحقق فعل[٣٨]. يبدو أن في تعريف ابن همام للكسب، يكون جانب الجبر بارزاً والاختيار باهتاً، لأنه في هذا التعريف، يتحدث عن الإرادة القاهرة الإلهية التي تجعل الكفر والإيمان مخلوقين لله، لكنهما مكتسبان من قبل الإنسان. وبهذا الحساب، لا يعطي ابن همام ظاهراً أي إرادة ومشيئة للإنسان.
ملا علي القاري (ت 1014 هـ) مثل غيره من كبار الماتريدية، متأثراً بأبي حنيفة، يقدم في أفعال العباد تفسيراً مشابهاً تقريباً لزملائه، ويخص الخلق بالله وينسب الكسب بشكل حقيقي للإنسان، ويعتقد أن جميع أفعال العباد سواء كانت ذات حركة أو سكون أو على أي أساس ووجه مثل الكفر والإيمان والطاعة والعصيان، فإن كسبها حقيقي وليس مجازياً. لتأكيد ادعائه بأن الإنسان ليس مجبراً ولا مخيراً، بل هو مكتسب حقيقي لفعل نفسه، ينقل جملة عن الإمام المعصوم (عليه السلام) استشهد بها لفهم الأمر بين الأمرين من الآية الكريمة: «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ». أي أنا أعبدك وأستعين بك. العبادة هي فعلي أو كسبي، لكن العون من الله تعالى هو فعله[٣٩].
أحمد بن حسن البياضي (1098 م) عن الأفعال الاختيارية للإنسان، صرح بكلام صريح، ووفقاً لمنهج جمهور الماتريدية وكذلك الأشاعرة، يعتبر الخلق والكسب معاً مؤثرين في إيجاد الفعل[٤٠]. من وجهة نظره، كل ما يصدر عن العبد بما في ذلك الإيمان، هو مخلوق من العدم خلقه الله. فالله خالق الفعل والإنسان كاسب الفعل، والكسب هو نتيجة ما يتم بإرادة واختيار. يعتبر البياضي ادعاءه متفقاً مع إجماع السلف من الصحابة والتابعين[٤١]. من وجهة نظر هذا المتكلم، الإنسان ليس خالقاً، لكنه قادر على كسب الفعل المخلوق بقدرة حادثة، وإضافة إلى ذلك، تسميته بعنوان.
محمد زاهد الكوثري (1296-1371 هـ) يعتقد أنه وفقاً لعقيدة أهل السنة والجماعة، الله هو الخالق الوحيد، وجميع الموجودات من أشخاص العباد وأفعالهم مهما كانت صفاتها، يخلقها الله، وإذا عُرف أحدنا كفاعل، فالمعنى هو مكتسب وليس فاعلاً بمعنى الخالق. للتحقق من صحة استدلاله، يتمسك بالقرآن الذي يقول: «وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ» (سورة الصافات 37/96). أي أن الله خلقكم وخلق ما تعملون. الآية تخاطبنا بأن الله خالق أعمالنا، كما هو خالق صورنا وذواتنا. هذا الموضوع من أوضح أدلة القرآن. لذلك، فإن أفعالنا مخلوقة وفقاً لمضمون الإجماع[٤٢].
الشيخ شلتوت (1310-1383 هـ) يعتبر مباحث أفعال العباد من المسائل المثيرة للجدل والتحدي التي تسببت في مناقشات جدية بين متكلمي المسلمين من مختلف المذاهب. يشير شلتوت في البداية إلى تفسير أفعال العباد من وجهة نظر المدافعين عن الجبر الذين يعتقدون أن العبد ليس له أي اختيار في فعله، وهو مجبور ظاهراً وباطناً، وهدايته وضلاله من الله، ويرد بنفسه أن مثل هذا الاعتقاد هو نقض صريح للآيات التي تعتبر الإنسان مسؤولاً عن أفعاله. في رده على المدرسة الأشعرية التي تعتقد أن الله تعالى هو خالق الضلال في البداية والاستمرار، وأن العباد ليس لهم قدرة على التأثير في إيجاد (أو تغيير) الفعل، يقول إن هذه المدرسة، للهروب من تهمة الجبرية التي لحقت بالمجموعة السابقة أي الجبريين، آمنت بالكسب، وبه صححت وبررت قواعد التكليف والعدالة وكذلك نسبة الأفعال. يشير إلى المجموعة الثالثة، أي المفوضة، الذين يعتقدون أن الله فوض قدرته للعبد ليقوم العبد بالفعل بإرادته وقدرته. يعبر شلتوت عن رأيه قائلاً: ما نعتقد به وقد ذكرناه سابقاً هو أن للعباد قدرة وإرادة، ويجب أن نعلم أن الله لم يخلقهما عبثاً، بل خلقهما ليكونا مداراً للتكليف ومداراً للجزاء وأساساً حقيقياً لإسناد الأفعال إلى العبد. وبهذا الحساب، يتبين أن العباد ليسوا مجبرين لا ظاهراً ولا باطناً، ولا يمكنهم أن ينسبوا ضلالهم إلى المقدرات الإلهية، لأن ذلك لا يتوافق مع الحكمة والعدالة، بل تصور ذلك ممنوع[٤٣].
الهوامش
- ↑ ر.ك، فلسفة وكلام إسلامي - ويليام مونتغمري وات - ترجمة أبو الفضل عزتي - ص 99 وفلسفة علم الكلام – هاري أوسترين ولفسن - ترجمة أحمد آرام – ص 716
- ↑ آشنایی با علوم اسلامی - رضا برنجکار - ص 36.
- ↑ الغزالي أبو حامد، الاقتصاد في الاعتقاد، ص 60
- ↑ الأشعري أبو الحسن، اللمع، ص 76
- ↑ فخر الرازي، القضاء والقدر، ص 32
- ↑ فخر الرازي تلخيص المحصل، ص 325
- ↑ أبو بكر الباقلاني، تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل، ص 347
- ↑ ابن قيم الجوزية، شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، ص 324
- ↑ الشهرستاني عبد الكريم، الملل والنحل، ص 111 و 112
- ↑ أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، ص 249
- ↑ أبو حامد الغزالي، الاقتصاد في الاعتقاد، ص 60
- ↑ فخر الدين الرازي، القضاء والقدر، ص 31
- ↑ فخر الدين الرازي، المطالب العالية من العلم الإلهي، ج3، ص 73
- ↑ فخر الدين الرازي، معالم أصول الدين، ص 85 و 86
- ↑ سعد الدين التفتازاني، شرح العقائد النسفية، ص 54
- ↑ سعد الدين التفتازاني، شرح المقاصد، ج 4، ص 225
- ↑ سعد الدين التفتازاني، شرح العقائد النسفية، ص 58
- ↑ مير سيد شريف الجرجاني، شرح المواقف، ج 4، ص 123
- ↑ مير سيد شريف الجرجاني، شرح المواقف، ج 4، ص 180
- ↑ مير سيد شريف الجرجاني، التعريفات، ص 79
- ↑ السبحاني جعفر، بحوث في الملل والنحل، جلد 9، ص 50
- ↑ ر.ك، نفس المرجع
- ↑ عبد الوهاب الشعراني، اليواقيت والجواهر، ج 1، ص 251
- ↑ عبد الوهاب الشعراني، اليواقيت والجواهر، ج 1، ص 252
- ↑ . محمد عبده، رسالة التوحيد، جلد الأول، ص 31
- ↑ عبد العظيم الزرقاني، مناهل العرفان، ج 1 ص 506
- ↑ عبد العظيم الزرقاني، مناهل العرفان، ج 1 ص 506
- ↑ ر.ك، نفسه، ص 510
- ↑ أبو منصور الماتريدي، التوحيد، ص 225
- ↑ أبو منصور الماتريدي، التوحيد، ص 168
- ↑ أبو منصور الماتريدي، التوحيد، ص 188
- ↑ أبو منصور الماتريدي، التوحيد، ص 167
- ↑ ر.ك، نفسه
- ↑ أبو منصور الماتريدي، التوحيد، ص 175
- ↑ البزدوي أبو اليسر، (محمد بن محمد)، أصول الدين، ص 104
- ↑ النسفي أبو معين، التمهيد في أصول الدين
- ↑ اللامشي أبو الثناء، التمهيد لقواعد التوحيد، ص 97
- ↑ كمال ابن همام، المسايرة في علم الكلام، ص 61
- ↑ ملا علي القاري، شرح كتاب الفقه الأكبر، ص 89
- ↑ البياضي أحمد بن حسن، إشارات المرام من عبارات الإمام، ص 256
- ↑ البياضي أحمد بن حسن، إشارات المرام من عبارات الإمام، ص 252
- ↑ الكوثري محمد زاهد، العقيدة وعلم الكلام، ص 190
- ↑ السبحاني، جعفر، بحوث في الملل والنحل، ج 2، ص 153