تقديم الأمارات علی الأصول العملية

من ویکي‌وحدت

تقديم الأمارات على الأصول العملية: هناک بحث في علم أصول الفقه يبتني علی کيفية تقدم الأمارات علی الأصول، فتقدّم الأمارات علی الأصول لا بحثَ ولا إشکالَ فيها وإنما البحث في وجه هذا التقديم هل أنه علی نحو الحکومة أو الورود؟ وأما تعريف الحکومة والورود فسيتضح في خلال هذا البحث.

تقديم الأمارات على الأصول العملية

لا إشكال في تقديم الأمارات المعتبرة على الأصول العملية، إنّما وقع البحث بين الأصوليين في وجه هذا التقديم وتخريجه الفني على ضوء الكبريات المنقحة في بحث التعارض من نظريات الورود والحكومة والتخصيص.
فعليه إن كان دليل الأمارة رافعا لموضوع دليل الأصول ـ وهو الشكّ ـ حقيقة ووجدانا بعناية التعبّد بالأمارة يعبّر عن هذا التقديم بالورود.
وإن كان دليل الأمارة على نحو يكون ناظرا إلى دليل الأصول في مقام تفسيره ويكون قرينة شخصية على بيان المراد منه من قبل الشارع، وكون الدليل متعرّضا لحيثية من حيثيات دليل المحكوم ممّا لايتكفّله دليل المحكوم توسعة أو ضيقا، يعبّر عنه بالحكومة.
وإن كان دليل الأمارة مفسّرا لدليل الأصول لا بقرينة شخصية والنظارة من قبل المتكلّم نفسه المكنون في لسان الأدلّة، بل على أساس جعل واُسلوب عرفي عام، كتخصيص العام بالخاصّ بلا عناية من قبل المتكلّم ـ أي الشارع ـ يعبّر عنه بالتخصيص والجمع العرفي وقد ألحقه بعض الأصوليين بالحكومة مناطا[١] .
ثُمّ إنّ الخلاف في تقديم الأمارات على الأصول الشرعية يبتنى على ما تقدّم من حقيقة الأمارات وما هو المجعول في بابها، وفيه وجوه وأقوال:

القول الأوّل: حكومة الأمارات علی الأصول العملية

المشهور بينهم أنّ الأمارات حاكمة على الأصول العملية، وفي الحقيقة الحكومة إنّما تكون بين أدلّة الأمارات وأدلّة الأصول[٢]، كما صرح بذلك المحقّق النائيني[٣] وغيره[٤]؛ حيث إن كان مفاد أدلة حجية الأمارات هو تتميم الكشف وإثبات الإحراز التعبدي، فلا إشكال في حكومة أدلة الأمارات على الأصول، حيث إنّه بمقتضى تتميم الكشف وإلغاء احتمال الخلاف يثبت العلم التعبدي بالواقع ويرتفع الشكّ المأخوذ في الأصول ولو تعبدا وتنزيلاً، فلا مجال لجريان الأصول في قبال الأمارة كي يقع بينهما تنافي[٥].
وأما على القول بكون مفاد الأمارات هو تنزيل المؤدى منزلة الواقع محضا بلا نظر إلى حيثية تتميم الكشف وإثبات الإحراز ـ كما ذكر الشيخ الأنصاري بأنّه يحكم عليه بخروج مورده عن مجرى الأصل ـ فالأمارة وإن لم ترفع موضوع الأصل أعني الشكّ، إلاّ أنّها ترفع حكم الشكّ، فدليل الأمارة يكون متعرضا لدليل الأصل ورافعا للحكم الثابت ومبيّنا لمقدار مدلوله، وهذه هي الحكومة[٦].
ولكن قد يشكل على تقديمها حينئذ بمناط الحكومة، نظرا إلى بقاء الشك المأخوذ في موضوع الأصل على حاله، وعدم ارتفاعه بقيام الأمارة لا وجدانا ولا تعبدا وتنزيلاً، فيلزمه وقوع التنافي بينهما، أنّ كلاً منهما يثبت حكما ظاهريا على خلاف الاخر، وحينئذ فلا محيص من كون تقديمها على الأصول بمناط التخصيص لا الحكومة[٧].
نعم، بناء على أنّه يكفي في الحكومة أن يكون أحد الدليلين ناظرا إلى الدليل الآخر بوجه ما ـ ولو إلى حكمه ـ ولايلزم كونه ناظرا إلى موضوعه بتوسعة أو تضييق، فإنّه يكفي في حكومتها مجرّد تكفّل دليل اعتبارها لتنزيل المؤدّى، إذ بإثبات كون المؤدّى هو الواقع تعبّدا وتنزيلاً يوجب تضييق دائرة الحكم الذي يتكفّله الأصل تخصيصه بغير مورد ثبوت الواقع ولو تنزيلاً، وهذا ما يعبّر عنه أيضا بالحكومة[٨].

القول الثاني: الورود

ذهب جماعة من الأصوليين ـ كالمحقّق الخراساني[٩]، والمحقّق الحائري[١٠]، والروحاني[١١] ـ إلى تقديم الأمارات على الأصول بمناط الورود، نظرا إلى أنّ المراد من المعرفة واليقين في نحو دليل الحلّية والطهارة وكذا الاستصحاب هو ما يعمّ المعرفة بالحكم الواقعي الحقيقي أو التنزيلي الظاهري، وأنّ بقيام الأمارة على الحرمة أو النجاسة وإن لم يحصل اليقين الوجداني بالحكم الواقعي، إلاّ أنّه يحصل اليقين الوجداني بالحكم الواقعي التعبّدي، وبحصوله تتحقّق الغاية في دليلي الحلّية والطهارة وجدانا فيرتفع موضوع الحلّية والطهارة في قاعدتهما حقيقة، ويصير النقض في الاستصحاب من نقض اليقين باليقين لا بالشكّ[١٢].

القول الثالث: التخصيص والجمع العرفي

ذهب الشهيد محمّد باقر الصدر في وجه تقديم الأمارات إلى عدم تمامية الورود والحكومة، بل اختار أنّ تقديم الأمارة على الأصول بملاك القرينة العامة كالتخصيص والتقييد والأظهرية ونحوها، ثُمّ يبسط الكلام لبيان ذلك في لحاظ الأمارة مع دليل كلّ أصل، فيذهب إلى أنّ تقديم الأمارة على أصالة البراءة و الاستصحاب إنّما هو لأخصّية دليل حجّية الأمارة عليها، وأمّا تقديم الأمارة على أصالة الطهارة فهو بنكتة أخرى قد تلحقها بحكم الأخصّ[١٣].

القول الرابع: اختلاف وجه التقديم بحسب كلّ أمارة

ذهب السيّد الخميني إلى أنّ أدلّة الأمارات ليست على نسق واحد لكي يصير للترجيح على أدلّة الأصول وجه واحد، بل تختلف، وباختلافها يختلف وجه الترجيح، فقول الثقة إن كان مدركه آية النبأ أو بعض الأخبار فإنّ تقديمه بالحكومة، وإن كان مدركه بناء العقلاء الذي هو دليل لبّي، كان تقديمه على الأصول بنحو الورود أو غيره[١٤].
هذا كلّه في تقديم الأمارات على الأصول الشرعية، وأمّا تقديم الأمارات على الأصول العملية العقلية، فإنّه لايكون بالحكومة[١٥]، بل يقدّم بالورود[١٦] لإزالة موضوع الأصول بالأمارة؛ حيث إنّ موضوع الأدلّة العقلية عدم البيان، وموضوع الاحتياط العقلي احتمال العقاب، وموضوع التخيير العقلي عدم المرجح لأحد طرفي التخيير، وكلّ ذلك يرتفع بالدليل والأمارة[١٧].

المصادر

  1. بحوث في علم الأصول 6: 343، أنظر: فوائد الأصول 3: 327، تهذيب الأصول 2 : 138 ـ 139 ، الأصول العامة للفقه المقارن : 82 ـ 84.
  2. تهذيب الأصول 2: 138.
  3. فوائد الأصول 3: 326 ـ 327.
  4. الأصول العامة للفقه المقارن: 436.
  5. أنظر : نهاية الأفكار 3 : 195 ـ 196 ، تنقيح الأصول العراقي : 45 ـ 46.
  6. فرائد الأصول 4: 13 و2: 13.
  7. أنظر: كفاية الأصول: 429، نهاية الأفكار 3: 196 ـ 197.
  8. مقالات الأصول 2:19، نهاية الأفكار 3: 197.
  9. كفاية الأصول: 429، 438.
  10. درر الفوائد 1 ـ 2: 621.
  11. منتقى الأصول 6: 421 ـ 422، 439.
  12. أنظر: نهاية الأفكار 3: 197.
  13. بحوث في علم الأصول الهاشمي 6: 350 ـ 351.
  14. تهذيب الأصول 2: 138.
  15. فرائد الأصول 4: 12 ـ 13، تهذيب الأصول 2: 138.
  16. بحوث في علم الأصول الهاشمي 6: 350 ـ 351.
  17. الأصول العامة للفقه المقارن: 85.